حدثنا قتيبة ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قالا: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن معاذة، عن عائشة قالت: "مُرْنَ أزواجكن أنَّ يستطيبوا بالماء، فإنِّي أستحييهم، فإن رسولَ الله - ﷺ - كان يفعله".
وفي الباب عن جرير، وأنس، وأبي هريرة.
قال: هذا حديث حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم، يختارون الاستنجاء بالماء، وإن كان الاستنجاء بالحجارة يجزئ عندهم فإنهم يستحبّون الاستنجاء بالماء ورأوه أفضل.
وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (١).
وأما حديث عائشة الذي ذكره وصححه فرجاله رجال الصحيح.
وقد أخرجه الإمام أحمد (٢)، والنسائي (٣)، وفي رواية أحمد: "يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول، فإنَّا نستحيي منهم".
وفي لفظ له: "وهو شفاء من الناسور" (٤).
_________________
(١) "الجامع" (١/ ٣٠ - ٣١/ ١٩) كتاب "الطهارة".
(٢) في "المسند" (٦/ ٩٦، ١١٤).
(٣) في "سننه" (١/ ٤٦ / برقم ٤٦ كتاب الطهارة) باب الاستنجاء بالماء.
(٤) في "مسنده" (٦/ ٩٣).
[ ١ / ٢٢٤ ]
قال ابن معين: قتادة لم يصح [سماعه] (١) عن معاذة (٢).
وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي زرعة: إنّ شعبة يرويه عن يزيد الرشك، عن معاذة، عن عائشة موقوف، وأسنده قتادة فأيهما أصح.
قال: حديث قتادة المرفوع أصح، وقتادة أحفظ ويزيد ليس به بأس (٣).
وأما حديت جرير فرواه النسائي (٤)، وابن ماجه (٥)، ولفظه: عن جرير بن عبد الله ﵁: "أنّ نبي الله - ﷺ - دخل الغيضة فقضى حاجته، فأتاه جرير بإداوة من ماء، فاستنجى بها ومسح يده بالتراب".
في إسناده أبان بن عبد الله وهو ضعيف، عن إبراهيم بن جرير البجلي، ولم يسمع منه، قاله أبو حاتم (٦)، وأبو داود.
وأمَّا حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾؛ قال: وكانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية، رواه أبو داود (٧)، وابن ماجه (٨)، والترمذي (٩)، وسيأتي في موضعه إن شاء الله.
_________________
(١) نقل ابن أبي حاتم هذا القول عن يحيى بن سعيد في "المراسيل" ص (١٤٢) وكذا العلائي في "جامع التحصيل" ص (٢٥٥)، وكذا ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٣/ ٤٣٠)، مما يدلُّ على خطأ ابن سيد الناس عندما عزاه ليحيى ابن معين.
(٢) "العلل" لابن أبي حاتم (١/ ٤٢ / برقم ٩١).
(٣) كذا في "المراسيل" لابن أبي حاتم. انظر ص (١٤٢).
(٤) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ٤٩ / ٥١، باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء).
(٥) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ١٢٩ / ٣٥٩، باب من دلك يده بالأرض بعد الاستنجاء).
(٦) كما في "المراسيل" لابنه ص (١٩ برقم / ٣).
(٧) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ٣٩ / ٤٤، باب في الاستنجاء باليمين).
(٨) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ١٢٨/ ٣٥٧، باب الاستنجاء بالماء).
(٩) في "الجامع" (كتاب التفسير ٥/ ٢٦٢ / ٣١٠٠، باب ومن سورة التوبة).
[ ١ / ٢٢٥ ]
وأما حديث أنس قال: "كان رسول الله - ﷺ - يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزةً، فيستنجي بالماء" (١).
مخرَّج في الصحيحين. انتهى ما أشار إليه.
وفي الباب غير ذلك عن عويم بن ساعدة ﵁: أنَّ النبيَّ - ﷺ - أتاهم في مسجد قباء فقال: "إنَّ الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجد قباء؛ فما هذا الطهور الذي تطَّهرون به؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا، إلا أنَّه كان لنا جيران من اليهود يغسلون أدبارهم فغسلنا كما غسلوا". رواه الإمام أحمد (٢)، وأبو بكر بن خزيمة في "صحيحه" (٣)، ذكره المقدسي "في أحكامه" (٤).
وروى الطبراني في "معجمه الكبير" (٥) من حديث الأعمش عن مجاهد، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، فبعث النبي - ﷺ - إلى عويم بن ساعدة فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟ قالوا: يا رسول الله! ما خرج منَّا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه، أو قال: مقعدته. فقال النبيُّ - ﷺ -: هو هذا".
رواه عن الحسن المعمري: ثنا محمد بن حميد الرازي: ثنا سلمة بن الفضل: ثنا محمد بن إسحاق: عن أبي أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب الوضوء ١/ ٦٨ / ١٤٩) باب الاستنجاء بالماء وذكره أيضًا برقم (١٥٠ و١٥١ و٢١٤ و٤٧٨) ومسلم في "صحيحه" (كتاب الطهارة ١/ ٢٢٧ / ٦٩ - ٧٠) باب الاستنجاء بالماء من التبرز.
(٢) في "مسنده" (٢٤/ ٢٣٥ / ٥٤٨٥).
(٣) (١/ ٤٥ / ٨٣).
(٤) المسمى "بعمدة الأحكام" (١/ ٢٥٢ / برقم ١٤) مع "حاشية إحكام الأحكام" لابن دقيق العيد وحاشية الصنعاني.
(٥) (١١/ ٦٧ / ١١٠٦٥).
[ ١ / ٢٢٦ ]
مالك: أنَّ هذه الآية نزلت فيهم ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. قال رسول الله: "يا معشر الأنصار قد ثنى الله عليكم في الطّهور فما طهوركم؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء! قال: هو ذلك، فعليكموه" (١).
رواه ابن ماجه (٢)، وهذا لفظه، والدارقطني (٣) وفيه عتبة بن أبي حكيم وهو ضعيف، عن طلحة بن نافع، وقد خرّج له (٤) مسلم.
قال شعبة: حديثه عن جابر إنما هو صحيفة (٥)، وفي موضع آخر قال: سمع منه أربعة أحاديث.
قال ابن أبي حاتم: قال أبي: ولم يسمع من أبي أيوب شيئًا، وأما أنس فإنَّه محتمل (٦).
قال البيهقي: وروينا عن حذيفة بن اليمان أنّه كان يستنجي بالماء إذا بال.
وعن عائشة ﵂: "من السنَّة غسل المرأة قبلها" (٧).
_________________
(١) "المعجم الكبير" (١١/ ٦٧ / ١١٠٦٥).
(٢) في "سننه" (كتاب الطهارة (١/ ١٢٧ / ٣٥٥) باب الاستنجاء بالماء.
(٣) في "سننه" (١/ ٦٢ / ٢).
(٤) في الإيمان والصلاة وغيرهما كما قال ابن منجويه في رجال صحيح مسلم (١/ ٣٢٨ / ٧١٦).
(٥) وفي رواية: كتاب، ذكرها العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٢٢٤ / ٧٦٨) و"المراسيل" لابن أبي حاتم ص (٨٩ / برقم ١٥٢).
(٦) "المراسيل" (١٥٢)، وهو مردود برواية مسلم له في "الصحيح". انظر "التهذيب"، وقارن مع "الإتحاف" (٣/ ١٥٧) لابن حجر.
(٧) "السنن الكبرى" كتاب الطهارة باب الاستنجاء بالماء (١/ ١٠٥).
[ ١ / ٢٢٧ ]
فيه جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أصحابه في حاجاته.
وفيها خدمة الصالحين، وأهل الفضل والتبرُّك بذلك.
وفيه جواز الاستنجاء بالماء، واستحبابه ورجحانه على الاقتصار على الحجر.
وقد اختلف الناسُ في ذلك:
* فالذي عليه الجمهور: أنَّ الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيستعمل الحجر أولًا لتخفَّ النجاسة، وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء. فإن أراد الاقتصار على أحدهما جاز الاقتصار على أيّهما شاء، سواء وجد الآخر أو لم يجده، فيجوز الاقتصار على الحجر مع وجود الماء، ويجوز عكسه. فإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل من الحجر، لأنَّ الماء يُطهر الحلَّ طهارة حقيقية، وأمَّا الحجرُ فلا يطهِّره وإنّما يخفف النجاسة ويبيح الصلاة، مع النجاسة المعفو عنها.
* وذهب بعض السلف إلى أنَّ الحجر أفضل، وربما أوهم كلام بعضهم أنَّ الماء لا يجزئ، وذهب إلى أنه من قَبِيل المطعومِ فيحترم في ذلك.
وقال سعيد بن المسيب: في الاستنجاء بالماء: إنّما ذلك وضوء النساء.
وقال أبو العباس القرطبي: وقد شذَّ ابنُ حبيبِ من أصحابنا فقال: لا يجوز استعمال الأحجار مع وجود الماء، وهذا ليس بشيء، إذ قد صحَّ في "جامع البخاري" من حديث أبي هريرة: أنَّ النبيّ - ﷺ - استعمل الحجارة مع وجود الماء في الإداوة مع أبي هريرة يتبعه بها.
* قال: واختلف العلماء في الاستنجاء:
قال أبو حنيفة: ليس بفرض، وإزالة النجاسة فرض.
وقال الجمهور: هو من باب إزالة النجاسة إلا أنّهم اختلفوا في حكم إزالتها
[ ١ / ٢٢٨ ]
على ثلاثة أقوال:
هل هي فريضة مطلقًا، أو سنة مطلقًا، أو هي واجبة بشرط الذكر والقدرة.
وهكذا اختلاف أصحاب مالك عنه (١).