حدثنا قتيبة: ثنا حماد بن زيد وجرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا توضأت فانتثر، وإذا استجمرت فأوتر".
قال: وفي الباب عن عثمان، ولقيط بن صبرة، وابن عباس، والمقدام بن معدي كرب، ووائل بن حجر، وأبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديث سلمة بن قيس حديث حسن صحيح.
* واختلف أهل العلم فيمن ترك المضمضة والاستنشاق
* فقالت طائفة منهم: إذا تركهما في الوضوء حتى صلى أعاد، ورأوا ذلك في الوضوء والجنابة سواء.
وبه يقول ابن أبي ليلى، وعبد الله بن المبارك، وأحمد، وإسحاق.
وقال أحمد: الاستنشاق أوكد من المضمضة.
[ ١ / ٢٩٠ ]
* قال: وقالت طائفة من أهل العلم يعيد في الجنابة ولا يعيد في الوضوء.
وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة.
" وقالت طائفة: لا يعيد في الوضوء، ولا في الجنابة؛ لأنَّهما سُنَّة عن النَّبي - ﷺ -، فلا تجب الإعادة عليه، من تركهما في الوضوء ولا في الجنابة وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله تعالى (١).
* الكلام عليه:
قد صحَّحَ حديث الباب.
وقد أخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣)، ورجاله رجال الصحيحين إلى سلمة صحابيه.
وأما حديث عثمان؛ فعن حمران، عنه: أنّه دعا بوضوء فتوضأ فغسل كفّيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر ثم غسل [وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل] (٤) رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل رجله اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضَّأ نحو وضوئي هذا ثمَّ قال - ﷺ -: "من توضَّأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه".
_________________
(١) "الجامع" (١/ ٤٠ / ٤١).
(٢) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ٧١ / برقم ٨٩) باب الأمر بالاستنثار.
(٣) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ١٤٢ / برقم ٤٠٦) باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار.
(٤) ما بين المعكوفتين ألحقه ناسخ في الهامش وصحَّح اللحق فيه.
[ ١ / ٢٩١ ]
فرواه البخاري (١) ومسلم (٢) وهذا لفظه.
وقال البخاري (١) "ثمَّ تمضمض واستنشق واستنثر".
وأما حديث لقيط بن صبرة فذكره (٣) الترمذي وصححه (٤)، وسيأتي.
وأخرجه ابن حبان في صحيححه (٥) أيضًا وابن خزيمة (٦).
وأمَّا حديثُ ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا". فرواه الإمام أحمد (٧) وأبو داود (٨) وابن ماجه (٩).
وأما حديث المقدام بن معدي كرب قال: "أُتي رسولُ الله - ﷺ - بوَضوء فتوضَّأ، فغسل كفيه ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثمَّ غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا، ثم مسح برأسه (١٠) وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، ثم غسل رجليه (١١) ثلاثًا".
_________________
(١) في "صحيحه" (كتاب الوضوء ١/ ٧٢ / برقم ١٦٢) باب المضمضة في الوضوء.
(٢) في "صحيحه" (كتاب الطهارة ١/ ٢٠٤ / برقم ٢٢٦) باب صفة الوضوء وكماله.
(٣) في س "فذكر".
(٤) في "سننه" (كتاب الصوم ٣/ ١٥٥ / برقم ٧٨٨) باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم وقال: حسن صحيح.
(٥) في "صحيحه" (٣/ ٣٦٨ / برقم ١٠٨٧) ذكر الأمر بتخليل الأصابع في الوضوء.
(٦) في "صحيحه" (١/ ٧٨ / برقم ١٥٠) باب الأمر بالمبالغة في الاستنشاق إذا كان المتوضيء مضطرًا غير صائم.
(٧) في "مسنده" (١/ ٢٢٨، ٣٥٢).
(٨) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ٩٦ - ٩٧ / برقم ١٤١) باب الاستنثار.
(٩) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ١٤٣ / برقم ٤٠٨) باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار.
(١٠) في س "رأسه".
(١١) في س "برجليه".
[ ١ / ٢٩٢ ]
فرواه [الإمام] (١) أحمد (٢) وهذا لفظه، وأبو داود (٣) بعضه.
وقال ابنُ الجارود: ثنا محمد بن يحيى: ثنا أبو المغيرة: ثنا حريز: حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، سمعت المقدام بن معدي كرب قال: "أُتي النبيّ - ﷺ - بوَضوء فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا [ثم] (٤) مسح برأسه، وأذنيه ظاهرهما وباطنهما (٥) " الحديث.
وأمَّا حديثُ وائل بن حجر فعند البزار من طريق محمد بن حجر، عن سعيد بن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن أمَّه، عن وائل أبيه قال: "شهدتُ النبيَّ - ﷺ - وأُتِيَ بإناء فيه ماءٌ فأكفأه على يمينه ثلاثًا، ثم غمس يمينه في الماء فغسل بها يساره ثلاثًا، ثمَّ أدخل يمينه في الماء فحفن بها حفنة من الماء، فتمضمض واستنشق ثلاثًا" الحديث (٦).
وأمَّا حديثُ أبي هريرة؛ فإنَّ (٧) رسولَ الله - ﷺ - قال. "إذا توضَّأ أحدُكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر" فرواه البخاري (٨) ومسلم (٩).
وفي الباب مما لم يذكره عن علي ﵁: "أنه دعا بوضوء فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، وفعل هذا ثلاثًا ثم قال: هذا طهورُ نبيِّ الله - ﷺ -".
_________________
(١) زيادة من س.
(٢) في "مسنده" (٤/ ١٣٢).
(٣) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ٨٨ / برقم ١٢١) باب صفة وضوء النبي - ﷺ -.
(٤) كذا في "المنتقى" لابن الجارود وفي نسخة س وأما في نسخة ت ففيها "ومسح".
(٥) في "المنتقى" (١/ ٧٣ / برقم ٧٤ "غوث المكدود").
(٦) عند البزار كما قال، في "مسنده" (١/ ١٤٠ - / ١٤٢ برقم ٢٦٨) "كشف الأستار".
(٧) في س "أنَّ".
(٨) في "صحيحه" (كتاب الوضوء ١/ ٧٢ / برقم ١٦٠) باب الاستجمار وترًا.
(٩) في "صحيحه" (كتاب الطهارة ١/ ٢١٢ / برقم ٢٣٧) باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار.
[ ١ / ٢٩٣ ]
رواه الإمام أحمد (١) والنسائي (٢) والدارقطني (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "أمرنا رسول الله - ﷺ - بالمضمضة والاستنشاق" رواه الدارقطني (٤).
وهذان الحديثان ليس (٥) من حديث سلمة بالتبويب لأن فيهما ذكر المضمضة والاستنشاق، وليس في حديث سلمة إلَّا ذكر الاستنثار فقط. وهو يدل على الاستنشاق بطريق الملازمة.
وأما المضمضة فليست فيه بمطابقة، ولا التزام، ولا وجه.
ومن طريق أبي داود: ثنا حميد بن مسعدة: ثنا معتمر قال: سمعت ليثًا يذكر عن طلحة، عن أبيه، عن جده قال: دخلت -يعني على النبيِّ - ﷺ - وهو يتوضَّأ، والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق" (٦).
وقال أبو داود: في حديث آخر لليث بن أبي سليم، عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده في الوضوء.
قال مسدد: فحدَّثتُ به يحيى القطان فأنكره.
وقال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: ابن عيينة زعموا كان ينكر؛ ويقول:
_________________
(١) في "مسنده" (١/ ١٣٩).
(٢) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ٧٢ / برقم ٩١) بأي اليدين يستنثر.
(٣) في "سننه" (١/ ٩٢ / برقم ٦).
(٤) في "سننه" (/ ١/ ١١٦ برقم ٩).
(٥) في س "أمسُّ".
(٦) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ٩٦ / برقم ١٣٩) باب الفرق بين المضمضة والاستنشاق.
[ ١ / ٢٩٤ ]
إيش هذا طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده؟ " (١).
وعن علي بن المديني أنه قال لسفيان: إن ليثًا روى عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده: "أنه رأى النبي - ﷺ - توضَّأ" فأنكر ذلك سفيان، وعجب أن يكون جدُّ طلحة لقي النبيّ - ﷺ -.
قال علي: وسألت عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- عن نسب جدِّ طلحة فقال: عمرو بن كعب، أو كعب بن عمرو، وكانت له صحبة، وقال غيره: عمرو بن كعب لم يشكَّ فيه (٢).
وذكر العباس الدَّوري أنَّه سأل يحيى بن معين عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده؛ رأى جده النبيّ - ﷺ - فقال يحيى: المحدثون يقولون: قد رآه، وأهل بيت طلحة يقولون: ليست له صحبة (٣).
وأمَّا حديث أبي هريرة المذكور عن الدَّارقطني (٤)؛ فذكره البيهقي (٥) عن غيره (٦) من حديث هدبة بن خالد عن حمَّاد بن سلمة، عن عمَّار بن أبي عمَّار، عن أبي هريرة الحديث.
قال: وقال مرة أخرى: مرسلًا، لم يقل عن أبي هريرة، وقال: كذا في هذا (٧) الحديث أظنّه هُدْبَة؛ أرسله مرة ووصله أخرى. وتابعه داود بن المحبر (٨)، عن حمَّاد
_________________
(١) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ٩٢ / برقم ١٣٢) باب صفة وضوء النبي - ﷺ -.
(٢) انظر "السنن الكبرى" للبيهقي (١/ ٥١).
(٣) "التاريخ" ليحيى بن معين برواية الدوري (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩).
(٤) في ص (٢٦٩) حاشية رقم (١).
(٥) قوله "عن غيره" ساقط من س.
(٦) في "السنن الكبرى" (١/ ٥٢).
(٧) في نسخة ت ألحق الناسخ كلمة "هذا" في الهامش ولم يصحح اللحق.
(٨) في س "بجير" وهو تحريف والصواب ما هو مثبت كما في ت.
[ ١ / ٢٩٥ ]
في وصله وغيرهما، يرويه مرسلًا كذلك، ذكره لي [أبو بكر] الفقيه، عن أبي الحسن الدارقطني.
قال البيهقي (١): وخالفهما إبراهيم بن سليمان الخلال شيخ ليعقوب بن سفيان، فقال: عن حمَّاد، عن عمَّار، عن ابن عباس. وكلاهما غير محفوظ.
وفي الباب أيضًا ممَّا لم يذكره حديث عائشة! أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: "المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه".
ذكره البيهقي (١) من حديث سليمان عن الزهري، عن عروة عنها، رواه عن أبي سعد أحمد بن محمد الصوفي، عن ابن عدي الحافظ، عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث: ثنا الحسين بن علي بن مهران: ثنا عصام بن يوسف، عن ابن المبارك، عن ابن جريج عنه (١).
قال: ورواه إسماعيل بن بشر البلخي، عن عصام نحوه، إلَّا أنَّه قال: "من الوضوء الذي لا تتم الصلاةُ إلا به". ثم رواه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى مرسلًا (١).
وحكى (٢) عن الدارقطني ترجيح المرسل، لكنه ضعف المسند (٣) هناك لمحمد بن الأزهر الجوزجاني (١)، وليس مسندنا من طريقه فليعلم ذلك.
وفي الباب حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي - ﷺ -، وسيأتي لطرف منه ذكر عنده، [فيذكر] (٤) هناك بكماله، وما يتعلَّق به.
_________________
(١) في "السنن الكبرى" (١/ ٥٢).
(٢) غير مقروءة في ت لوجود بعض البياض على حروفها.
(٣) غير مقروءة في س.
(٤) كذا في س وفي نسخة ت: فذكر والذي في س أنسب للسياق ولذا أثبته.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وفي الباب ما في حديث الصنابحي، وعمرو بن عنبسة، من بعض الطرق الذي تقدم ذكر ذلك في أحاديث فضل الوضوء فأغنى عن الإعادة ها هنا (١).
والمضمضة مأخوذة من الحركة، حركة الماء في الفم أو الغسل وهو قريب منه (٢).
قال ابن سيده: ومضمض إناءه غسله. والصاد يعني المهملة لغة حكاهما يعقوب. ومضمض الماء في فيه حركه وتمضمض به، ومضمض النعاسُ في عينيه: دبَّ، وتمضمضت به العين.
وأمَّا حقيقتها الشرعية: فقال أصحابنا: كمالها أن يجعل الماء في فيه، ثم يديره فيه ثم يمجُّه.
وأمَّا أقلَّها: فأن يجعل الماء في فيه، ولا يشترط إدارته على المشهور. وقال بعض الأصحاب: يشترط (٣).
والاستنشاق: جذب الماء بريح الأنف إلى الخياشيم. قاله القاضي عياض (٤).
وقال: الاستنثار: طرح الماء من الأنف بعد استنشاقه (٤).
وقال ابن قتيبة: الاستنشاق والاستنثار واحد، وحكي ذلك عن ابن
_________________
(١) علق الناسخ في هامش ت (ل ٧٧ / ب) قائلًا "وفي الباب مما لم يذكره المصنف ولا الشارح عن أبي بكرة أخرجه البزار من حديث عبد العزيز بن أبي بكر عن أبيه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ فغسل يديه ثلاثًا ومضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا وذكر الحديث". قلت: هو في "كشف الأستار" (٢٦٧) مطولًا، وقال البزار: لا نعلمه عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد، وبكار بن عبد العزيز ليس به بأس، وعبد الرحمن بن بكار صالح الحديث. وذكره الهيثمي (١/ ٢٣٢) وقال: وشيخ البزار محمد بن صالح بن العوام لم أجد له ترجمة، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) قوله "أو الغسل وهو قريب منه" ساقط من س.
(٣) انظر شرح "عمدة الأحكام" لابن دقيق العيد (١/ ١٧٠) وشرح مسلم للنووي (٣/ ١٠٥).
(٤) في "مشارق الأنوار" (٢/ ٢٩).
[ ١ / ٢٩٧ ]
الأعرابي (١).
وقال ابن قتيبة: مأخوذان من النثرة وهي الأنف.
قال القاضي عياض: ولم يقل شيئًا (٢).
وقال ابن عبد البر: "متقاربان في المعنى؛ إلا أن أخذَ الماء للأنف هو الاستنشاق، والاستنثار: ردُّ الماء بعد أخذه بريح الأنف، هذه حقيقة اللفظين (٣) " (٤).
وقال غيره في الاستنثار مأخوذ من النثرة: وهي طرف الأنف.
وقال الخطابي (٥): "الأنف" والمشهور: الأول (٦).
ويحتمل (٧) أن يكون مأخوذًا من النثرة (٨) لأنَّه نُثر الماء، وردُّه من الأنف.
قال أبو عمر: "وقد كان مالك يرى أنّ الاستنثار أن يجعل يده على أنفه ويستنثر.
قال: وأكثر أهل العلم يكتفون في هذا المعنى باللفظ الواحد، وقد روي (٩) عن
_________________
(١) في "مشارق الأنوار" (٢/ ٢٩).
(٢) من قوله "وقال ابن قتيبة" إلى قوله "عن ابن الأعرابي" ساقط من س.
(٣) في س اللفظتين.
(٤) في "التمهيد" (٤/ ٣٣).
(٥) في "معالم السنن" (١/ ٨٥).
(٦) عليها بعض الطمس في ت.
(٧) مطموسة في ت.
(٨) في س "من النثر".
(٩) ساقطة من ت.
[ ١ / ٢٩٨ ]
رسول الله - ﷺ - اللفظان جميعًا" (١).
قال أصحابنا: وعلى أيِّ صفةٍ أوصل الماء إلى الفمِّ والأنفِ، حصلت (٢) المضمضة والاستنشاق (٣).
وفي الأفضل خمسة أوجه يأتي ذكرها.
قال أبو عمر: "وأمَّا اختلافهم في حكمها (٤)، فإنَّ مالكًا والشافعيَّ وأصحابَهما يقولون: المضمضة والاستنشاق سنة ليستا بفرض لا في الجنابة، ولا في الوضوء.
وكذلك قال محمد بن جرير الطبري، وهو قول الأوزاعي، والليث بن سعد، ورُوي أيضًا عن الحسن البصري، والزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وقتادة، والحكم بن عتيبة.
فمن توضَّأ وتركهما، وصلَّى: فلا إعادة عليه عند واحد من هؤلاء المذكورين.
وقال أبو حنيفة وأصحابُه والثوري: هما فرض في الجنابة، سنة في الوضوء، فإنْ تركهما في غسل من الجنابة وصلَّى؛ أعاد كمن ترك لُمعةً، ومن تركهما في وضوءه فلا إعادة عليه.
وقال ابن أبي ليلى، وحماد (٥) بن أبي سليمان، وهو قول إسحاق بن راهويه: هما فرض في (٦) الغسل والوضوء جميعًا.
_________________
(١) قاله في "التمهيد" (٤/ ٣٣).
(٢) غير مقروءة في ت.
(٣) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ١٠٥).
(٤) في س "حكمهما".
(٥) ساقطة من ت.
(٦) ساقطة من س.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وروي عن الزهري وعطاء مثل هذا القول أيضًا.
وروي عنهما مثل قول مالك والشافعي.
وكذلك اختلف أصحاب داود فمنهم من يقول: هما فرض في الغسل والوضوء جميعًا.
ومنهم (١) من قال: إن المضمضة سنة، والاستنشاق فرض.
وكذلك اخْتُلِفَ عن أحمد بن حنبل كهذين القولين المذكورين عن داود وأصحابه (٢).
وقال الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية: "المشهور عند أحمد يجبان في الطهَّارتين الصغرى والكبرى (٣)، فمنْ أخلَّ بهما حتَّى صلَّى أعاد.
قال أبو عمر (٤): "ولم يختلف قول أبي عبيد وأبي ثور (٥): إنَّ المضمضة سنة، والاستنشاق واجب؛ فمن ترك الاستنشاق وصلَّى أعاد. ومن ترك المضمضة لم يعد.
وحجة من لم يوجبهما أنَّ الله لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما رسوله - ﷺ -، ولا اتفق الجميع عليه، والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه.
وحجة من أوجبهما في الغسل من الجنابة دون الوضوء قوله - ﷺ -: "تحت كُلِّ شعرة جنابة، فبلُّوا الشَّعرَ، وأنقوا البشرة". وفي الأنف ما فيه من الشَّعر، وأنَّه لا يوصل إلى غسل الأسنان والشفتين إلَّا بالمضمضة.
_________________
(١) غير مقروءه في ت.
(٢) "التمهيد" لابن عبد البر (٤/ ٣٤ - ٣٥).
(٣) "شرح عمدة الفقه" (١/ ١٧٧) دون قوله "فمن أخلَّ بها حتى صلَّى أعاد".
(٤) في ت: أبو عمرو وهو تصحيف، وأبو عمر هو ابن عبد البر.
(٥) في س أبي ثور وأبي عبيد.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وقد قال النبيُّ - ﷺ -: "العينان تزنيان، والفمُّ يزني ونحو هذا إلى أشياء يطول ذكرها.
وحجَّةُ من أوجبهما في الوضوء وفي غسل الجنابة جميعًا: أنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ كما قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. فما وجب في الواحد من الغسل، وجب في الآخر (١)، والنبيُّ - ﷺ - لم يُحفَظْ عنه أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ولا في غسله للجنابة، وهو المُبيَّن عن الله ﷿ مراده قولًا وعملًا، وقد بيَّن من (٢) مراد الله بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ المضمضة والاستنشاق [مع] (٣) [غسل] (٤) سائر الوجه.
وحجَّة من فرَّق بين المضمضة والاستنشاق: أنَّ النبيَّ - ﷺ - فعل المضمضة ولم يأمر بها، وأفعاله مندوب إليها ليست بواجبة إلا بدليل.
وفَعَلَ الاستنثار وأمرَ به، وأمرُه على الوجوب أبدًا، إلا أنْ يتبيَّن غيرُ (٥) ذلك من مراده، وهذا على أصولهم في ذلك. انتهى ما ذكره الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى (٦) " (٧).
فأمَّا الاحتجاج لمن لا يرى وجوبهما بأنّ الله لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما رسوله - ﷺ - فقد ثبت (٨) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا
_________________
(١) في ت "الخر" وهو تحريف ظاهر.
(٢) ساقطة من س.
(٣) كذا في س وهو الأنسب للشاق وفي ت "من".
(٤) زيادة من "التمهيد" لابن عبد البر المطبوع وهي زيادة يقتضيها السياق فضلًا عن كونها ثابتة في الأصل.
(٥) في س عن وهو تحريف يرده السياق.
(٦) في س "رضي الله تعالى عنه ورحمه".
(٧) في كتابه "التمهيد" (٤/ ٣٥ - ٣٦).
(٨) عليها بعض البياض في ت.
[ ١ / ٣٠١ ]
توضأ أحدُكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر". رواه البخاري (١) ومسلم (٢)، وقد تقدَّم في أحاديث في معناه عند غيرهما، أيضًا أول الباب.
وأمَّا الاحتجاج لمن يوجبهما في الغسل دون الوضوء بقوله - ﵇ -: "فبلُّوا الشَّعر وأنقوا البشرة" فهو حديث لا تقوم (٣) به حجة لتفرَّد الحارث بن وجيه به وهو ضعيف جدًّا.
قال يحيى: ليس بشيء (٤).
وقال النسائي: ضعيف (٥).
وقال ابن حبَّان: يتفرّد بالمناكير عن المشاهير (٦).
وأمَّا الاحتجاج لمن أوجب الاستنشاق دون المضمضة فإنَّ النبيَّ - ﷺ - فعل المضمضة ولم يأمر بها.
فقد حدثنا أبو الفضل عبد الرحيم بن يوسف الموصلي قراءة عليه، وأنا أسمع: قال: ثنا أبو حفص عمر محمد بن طبرزد أنا [أبو الوليد بن إبراهيم] (٧) بن محمد بن منصور الكرخي الفقيه: أبنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب: ثنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، أبنا أبو علي محمد بن أحمد بن [لؤلؤ: ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث: ثنا قتيبة بن سعيد في آخرين قالوا: ثنا يحيى بن سليم،
_________________
(١) في صحيحه.
(٢) في صحيحه.
(٣) في س "لا يقوم".
(٤) في سؤالات ابن الجنيد له (٩٥).
(٥) في كتابه "الضعفاء والمتروكين" ص (١٦٥ / برقم ١١٨).
(٦) في كتابه "المجروحون" (١/ ٢٢٤).
(٧) كذا في س وفي ت: "ثنا أبو البدر إبراهيم".
[ ١ / ٣٠٢ ]
عن] (١) إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه لقيط بن صبرة قال: كنت وافد بني المنتفق أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله - ﷺ - وفيه: فقلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء؟ قال: "أسبغ الوضوء وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا" (٢).
وبه إلى أبي داود قال: ثنا عقبة بن مكرم: ثنا يحيى بن سعيد: ثنا ابن جريج: حدَّثني إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط، عن أبيه لقيط بن صبرة (٣) فذكر معنى ما ذكرناه (٤).
قال أبو داود: ثنا محمد بن يحيى بن فارس: ثنا أبو عاصم، أبنا [ابن] (٥) جريج هذا الحديث قال فيه: "إذا توضأت فمضمض" (٦). انتهى.
ليس في إسناد هذا الحديث إلا من وُثِّق.
أمَّا محمد بن يحيى الذهلي: فإمام نيسابور المجمع على إمامته، وبفضله.
وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وابن جريج أعرف من أن يعرَّف بهما، وأشهر من أن ينبّه على محلِّهما.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ألحقه ناسخ س في الهامش وصحَّح هذا اللحق.
(٢) رواه المؤلف من طريق أبي داود وهو في "سننه" في (كتاب الطهارة ١/ ٩٧ - ١٠٠ / برقم ١٤٢) باب في الاستنثار.
(٣) من أمر بالإستنشاق دون المضمضة.
(٤) رواه المؤلف من طريق أبي داود وهو في "سننه" في (كتاب الطهارة ١/ ١٠٠ / برقم ١٤٣) باب في الاستنثار.
(٥) كذا في س وهو الصواب وفي ت: أبو جريج وهو تحريف.
(٦) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ١٠٠ / برقم ١٤٤) باب في الاستنثار.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وإسماعيل بن كثير وثقه أحمد (١) وابن سعد (٢).
وقال أبو حاتم: صالح (٣).
وعاصم: وثقه ابن حبَّان (٤) ولم نقف لأحد على جرح في واحد منهما.
وحديث عاصم هذا صحَّحه الترمذي.
وأخرجه ابنُ حبَّان، وابن خزيمة في صحيحيهما.
وقال أبو بشر الدولابي فيما جمعه من حديث الثوري: ثنا محمد بن بشار: أبنا ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن عاصم بن لقيط، عن أبيه، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إذا توضَّأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق، إلَّا أن تكون صائمًا".
قال أبو الحسن بن القطان: "وهذا صحيح" (٥).
فهذا أمر صحيح صريح، وانضمَّ إليه مواظبة النبيِّ - ﷺ - عليهما (٦)؛ فثبت ذلك عن النبيِّ - ﷺ - قولًا وفعلًا، مع المواظبة على الفعل، فلا وجه لدعوى التفرقة بينهما، ومن احتجَّ على وجوب المضمضة في الوضوء بوجوبها في الغسل [بطريق] (٧)
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٢/ ١٩٤ / برقم ٦٥٦).
(٢) في "الطبقات" (٥/ ٥٠٠).
(٣) "الجرح والتعديل" (٢/ ١٩٤).
(٤) في "الثقات" (٥/ ٢٣٤).
(٥) أي الحديث ذكر ذلك في "بيان الوهم والإيهام" (٥/ ٥٩٣).
(٦) أي على المضمضة في الوضوء، وفي المخطوط س: "عليها".
(٧) كذا في س وهو الأنسب للسياق وفي المخطوط ت "وطريق".
[ ١ / ٣٠٤ ]
الإلحاق به والقياس عليه، واستفاد وجوبها في الغسل بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
كما أشار إليه أبو عمر (١): فقد أبعد النجعة، وأتى بما يقبل المنازعة في غير ما موضع. والله أعلم.
وأمَّا حكم الجمع والتفرقة وذكر الهيئات في ذلك، وما يختار منها، فيأتي في الباب بعد هذا إن شاء الله.