حدثنا ابنُ أبي عمر: ثنا سفيان بن عُيينة، عن عبدِ الكريم بن أبي المُخارِق أبي أمية، عن حسّان بن بلال قال: "رأيت عمّارَ بن ياسر يتوضأ، فخلّل لحيته، فقيل له: أو قال: أتُخلّل لحيتك؟ فقال: وما يمنعني؛ ولقد رأيت رسول الله - ﷺ - يُخَلِّل لحيتَه".
حدثنا ابن أبي عمر: ثنا سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسّان بن بلال، عن عمّار، عن النبيّ - ﷺ - مثله.
قال: وفي الباب عن عائشة، وأمِّ سلمة وأنس، وابن أبي أوفى وأبي أيوب.
قال: سمعت إسحاق بن منصور يقول: سمعتُ أحمدَ بن حنبل قال: قال ابن عيينة: لم يَسْمَع عبدَ الكريم من حسَّان بن بلال حديث التَّخليل.
وقال محمد بن إسماعيل: أصحُّ شيءٍ في هذا الباب حديثُ عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان.
وقال بهذا أكثر أهل العلم، مِن أصحاب النبيِّ - ﷺ - ومَن بعدهم، رأوا تخليل الَّلحية، وبه يقول الشافعيُّ.
وقال أحمد: إنْ سها عن التخليل فهو جائز.
وقال إسحاق: إن تركه ناسيًا أو متأوِّلًا أجزأه (١)، وإن تركه عامدًا أعاد.
حدثنا يحيى بن موسى: ثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان بن عفَّان: "أن النبي - ﷺ - كان يُخلِّل لحيته". هذا حديث
_________________
(١) قوله: "إسحاق إن تركه ناسيًا أو متأولًا أجزأه" ألحقه ناسخ س في هامشها وصحح اللحق.
[ ١ / ٣١٣ ]
حسن صحيح (١).
* الكلام عليه:
أمَّا حديثُ عائشة: "أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كان إذا توضَّأ خَلَّل لحيتَه"؛ فرواه الإمام أحمد (٢).
وأمَّا حديثُ أنسٍ بن مالك: "أن رسول الله - ﷺ - كان إذا توضَّأ أخذ كفًّا من فأدْخله تحتَ حنكِه، فخلَّل به لحيتَه، وقال: هكذا أمرني ربِّي"؛ فرواه أبو داود (٣)، واللفظ له، وأخرج ابن ماجه بعضَه في "التخليل" (٤).
وأمَّا حديثُ أبي أيوب الأنصاري قال: "رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - توضَّأ فخَلَّل لحيتَه"؛ فرواه ابن ماجه (٥).
وأسنده الترمذي في "العلل": ثنا هنَّاد: ثنا محمد بن عُبَيْد، عن واصِل بن السائب، عن أبي سَوْرة، عن أبي أيوب: "أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان إذا توضَّأ تمضمض، ومَسَّ لحيته بالماء مِن تحتها" (٦).
قال: سألتُ محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: لا شيء، فقلت: أبو سورة ما اسمه؟ فقال: لا أدري، ما تصنع به؟ عنده مناكير، ولا يُعرَف له سماعٌ من أبي أيوب" (٦).
قلت: أبو سورة هذا هو: ابن أخي أبي أيوب.
_________________
(١) "الجامع" (١/ ٤٤ - ٤٦).
(٢) في "مسنده" (٦/ ٢٣٤).
(٣) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ١٠١ / برقم ١٤٥) باب تخليل اللحية.
(٤) في باب ما جاء في تخليل اللحية من "سنته" في (كتاب الطهارة ١/ ١٤٩ / برقم ٤٣١).
(٥) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ١٤٩ / برقم ٤٣٣) باب ما جاء في تخليل اللحية.
(٦) "العلل الكبير" (١/ ١١٥).
[ ١ / ٣١٤ ]
قال الدارقطني: "مجهول" (١)، ووثَّقه ابن حبان" (٢).
وحديث ابن أبي أوفى: أنَّه رأى النبيَّ - ﷺ - يتوضَّأ، وفيه: "يمسح رأسه واحدة، ويُخَلّل لحيته بأصابعه ثلاثًا" (٣).
في نسخة أبي أيوب سليمان بن عبد الرحمن التيميِّ، عن مروان بن معاوية الفزاري: ثنا فائد عنه.
وفي الباب ممَّا لم يذكره: عن أبي أُمامة، وابن عمر، وجابر، وعليِّ بن أبي طالب، وابن عباس، وجرير.
أمّا حديث أبي أُمامة، فروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤) حدثنا زيد بن الحباب، عن عمر بن سليم الباهلي قال: حدثني أبو غالب قال: "قلت لأبي أُمامة: أخْبِرْنا عن وضوء رسول الله - ﷺ - فتوضأ ثلاثًا، وخَلَّل لحيته، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل" (٤).
[وأمّا] (٥) حديثُ ابن عمر: عن نافع عنه فعن الخلال، أنبا محمد بن الحسن بن هارون، حدثني أبو الفضل جعفر بن محمد المخرمي (٦)، ثنا عفان ثنا بشر بن منصور، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا توضأ خلل لحيته.
قال جعفر بن محمد: قال أحمد: ليس في التخليل أحسن من هذا. انتهى.
_________________
(١) في كتاب "الضعفاء والمتروكون" ص (٤١٠ / برقم ٦١٧).
(٢) في "ثقاته" (٥/ ٥٧٠).
(٣) رواه أبو عبيد في كتاب "الطهور" وفي إسناده أبو الورقاء وهو ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ٩٨).
(٤) (١/ ١٣).
(٥) من س وهي ساقطة من ت.
(٦) في س والمخرمي.
[ ١ / ٣١٥ ]
وقد رواه الطبراني مرفوعًا في "المعجم الأوسط" من حديث مؤمل بن إسماعيل، ثنا عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر: أنه رأى النبي - ﷺ - يفعل ذلك.
رواه عن أحمد بن محمد بن صدقة، عن أحمد بن محمد (١) بن أبي بردة، عن مؤمل.
وقال: لم يروه عن عبد الله بن عمر إلا مؤمل.
وأمَّا حديث ابن عمر في "عرك العارضين" فعن نافع عنه قال: "كان رسول الله - ﷺ - إذا توضّأ عرَكَ عارِضَيْه بعض العَرْك (٢)، ثم شبَّك لحيته بأصابعه من تحتها".
أخرجها (٣) ابن ماجه (٤)، والدارقطني (٥)، وسيأتي الكلام على تعليله في الباب.
وحديث جابر: قال: "رأيتُ النبيَّ - ﷺ - توضَّأ فخلَّل لحيته كأنَّها أنيابُ مُشطٍ".
ذكره شيخنا الحافظ أبو الفتح القُشَيري في كتابه المسمَّى "بالإمام" (٦)، من رواية الحسن، عن جابر، من طريق لا معوَّل عليها (٧).
_________________
(١) قوله "صدقة عن أحمد بن محمد" ألحقه ناسخ س في الهامش وصحَّح اللحق.
(٢) قوله "عارضيه بعض العرك" ساقط من س وأشار عندها ناسخ إلى الهامش وليس فيه سوى قوله العرك وصحح اللحق.
(٣) في س أخرجه.
(٤) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ١٤٩ / برقم ٤٣٢) باب ما جاء في تخليل اللحية.
(٥) في "سننه" (١/ ١٠٦ - ١٠٧ / برقم ٥٣).
(٦) (١/ ٤٩٣).
(٧) لأن فيها أصرم بن غياث وهو ضعيف لا سيما فيما رواه عن مقاتل بن حيان فأحاديثه عنه مناكير كما قال البخاري والنسائي، وهذا الحديث من روايته عن مقاتل بن حيان عن الحسن عن جابر رواه بذلك ابن عدي في "الكامل" (١/ ٤٠٣).
[ ١ / ٣١٦ ]
وحديث عليّ بن أبي طالب ﵁: رواه أبو القاسم الطبراني من حديث هُشَيْم بن بَشير، عن منصورِ بنِ [زاذانَ] (١)، عن أبي البُخْتَريّ الطائيّ قال: "رأيت عليًّا ﵁ يُخلِّل لحيته إذا توضَّأ، ويقول: هكذا رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يفعل" الحديث.
فيما انتقاه أبو بكر بن مردويه على الطبراني، فيما انتقاه عن أهل البصرة هو للطبراني، عن يحيى بن عثمان، قال: ثنا زكريا بن عبد الخالق الواسطي قال: ثنا هشيم به (٢).
وأمَّا حديثُ ابن عباس: فقال ابن حزم (٣): وفي "كتاب العُقيلي" (٤)، في ترجمة نافع مولى يوسف السلمي قال: رُويَ عن ابن سيرين، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله - ﷺ - يتطهّر ثم يخلِّل لحيته، ويقول: بهذا أمرني ربي".
قال: ولا يتابع عليه بهذا الإسناد، والرواية في هذا الباب فيها لين، ونافع منكر الحديث (٤).
وقال النباتي (٥) في "الحافل" (٦): نافع مولى يوسف هو: السلمي. ذكر ابن
_________________
(١) من س وفي ت زادان وهو تصحيف.
(٢) عزاه الحافظ ابن حجر أيضًا لأبي بكر بن مردويه فيما انتقاه على الطبراني وذلك في "التلخيص الحبير" (١/ ٩٨) وقال: إسناده ضعيف ومنقطع. انظر "الجزء" رقم (٥٢) ط أضواء السلف.
(٣) في كتابه "المُحلَّى" (٢/ ٣٥) دون قوله "وفي كتاب العقيلي".
(٤) "الضعفاء" (٤/ ٢٨٥ / برقم ١٨٧٧) بنحوها.
(٥) غير مقروءة في ت لوجود بعض البياض عليها.
(٦) في تكملة "الكامل" لابن عدي وهو لأبي العباس النباتي، قال عنه الذهبي: مجلد مفيد فيه استلحاق على "الكامل" لابن عدي. انظر "سير أعلام النبلاء" (٢٣/ ٥٨) و"كشف الظنون" (٢/ ١٣٨٢).
[ ١ / ٣١٧ ]
عدي روايته عن عطاء في ترجمة نافع بن هرمز، وجمع بينهما، ووهم (١) في ذلك.
وأمَّا (٢) حديثُ جريرٍ: فذكره ابن عدي من طريق ياسين الزيَّات، عن ربعي بن حراش عنه -مرفوعًا-، ثم قال: و"ياسين متروك".
[وحديثُ الباب: عن عمَّار من طريق سعيد بن أبي عروبة، وابن أبي المُخارق] (٣)، عند ابن ماجه (٤).
وذكر ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (٥)، عن أبيه أنّه قال: لم يُحدِّث بهذا أحدٌ سوى ابن عيينة، عن ابن (٦) أبي عروبة.
قلت: هو صحيح؟ قال: لو كان صحيحًا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة (٧).
وكأنّه يشير إلى أن ابنَ عيينة لم يُصرّح فيه أيضًا بالسماع.
وسُئلَ أحمد (٨) عن حديث الحميدي، عن سفيان، عن ابن أبي عروبة، عن (٩) قتادة، عن حسَّان هذا فقال: "إمَّا أن يكون الحميديُّ اختلط، وإمَّا أن يكون
_________________
(١) في ت "وهم".
(٢) عليها بياض في ت.
(٣) ما بين المعكوفتين من س وساقط من نسخة ت.
(٤) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ١٤٨ / برقم ٤٢٩) باب ما جاء في تخليل اللحية.
(٥) (١/ ٣٢).
(٦) ساقطة من ت.
(٧) في المطبوع من "العلل" زيادة وهي: ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث، وهذا أيضًا مما يوهنه انظر "العلل" (١/ ٣٢).
(٨) كما في كتاب اختصار الخلَّال عن مهنا فيما حكاه ابن دقيق العيد عنه في كتابه المُسمَّى "بالإمام" (١/ ٤٩١).
(٩) قوله "سفيان عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن حسان هذا فقال إما أن يكون الحميدي "ألحقه ناسخ في الهامش وصحَّح اللحق.
[ ١ / ٣١٨ ]
من حدَّث (١) عنه خلَّط".
قلت: قد بَرِئ الحميدي من هذا بمتابعة ابن أبي عمر له (٢).
وذكر أحمد عن ابن المديني: لم يسمع عبد الكريم هذا إلا من قتادة (٣) ثمَّ قال أحمد: "كأنَّ عليَّ ابن المديني قد عَرَف الحديث" (٣).
وروى الطبرانيُّ (٤) حديثَ سفيان، عن سعيد، عن قتادة ثم قال: لم يَرْوه عن قتادة إلا سعيد، تفرَّد به سفيان (٥).
وذكر ابنُ عساكر عن البخاري (٦) أنه قال: "لم يسْمَع عبدُ الكريم من حسَّان هذا الحديث"، كما حكاه الترمذي عن أحمد (٧).
فطريق عبد الكريم مضعَّفةٌ به، وبهذا الانقطاع (٨).
وطريق سعيد أرفع منها، ويمكن أن تكون من باب الحسن.
_________________
(١) في س "من حديث" وهو خطأ يرده السياق.
(٢) التي تقدَّم ذكرها في ص (٢٨٢) أخرجها الترمذي عن ابن أبي عمر عن سفيان عن ابن أبي عروبه عن قتادة عن حسان به.
(٣) قلت في كتاب "الإمام" لابن دقيق (١/ ٤٩١) أن مهنا قال: قال عباس العنبري لأحمد قال أبو الحسن -يعني علي بن المديني-: لم يسمع قتادة هذا إلا من عبد الكريم- قال أحمد: كأن علي بن المديني قد عرف الحديث.
(٤) في "المعجم الأوسط" (٣/ ٣٧ / برقم ٢٣٩٥).
(٥) قوله "عن سعيد عن قتادة ثم قال: لم يروه عن قتادة إلا سعيد تفرد به سفيان" ألحقه ناسخ س في الهامش وصحَّح هذا اللحق كُلَّه.
(٦) هذا القول في "التاريخ الكبير" له (٣/ ٣١ / برقم ١٢٨) فلا داعي لتوسيط ابن عساكر!
(٧) في "العلل الكبير" (١/ ١١٥).
(٨) الذي بين عبد الكريم وحسان.
[ ١ / ٣١٩ ]
وأمَّا حديثُ عثمان فمصحَّح (١) في الأصل، وقد أخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا، وأبو بكر بن خزيمة (٣)، والدارقطني (٤)، والبيهقي (٥) وقال: بلغني عن البخاري أنه قال: "هو عندي حسن".
وعند الدارقطني: "وخَلَّل لحيته ثلاثًا"، ومع ذلك فكلُّهم رواه من طريق عامر بن شقيق. وقد قال عنه يحيى بن معين: "ضعيف".
وقال أبو حاتم: "ليس بقويّ" (٦).
وقال ابن أبي خيثمة: "سألت يحيى بن معين عن حديث عامر (٧) بن شقيق بعينه؛ فقال: ضعيف" (٨).
وحديث ابن عمر (٩): "إذا توضَّأ عرك عارضيه بعض العرك":
قال الدارقطني (١٠): قال ابن أبي حاتم: قال أبي: "روى هذا الحديث الوليد، عن الأوزاعي، عن عبد الواحد بن قيس، عن يزيد الرقاشي وقتادة قالا: كان النبيّ - ﷺ - مرسلًا-، وهو الصواب (١١).
_________________
(١) في ت "من".
(٢) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ١٤٨ / برقم ٤٣٠) باب ما جاء في تخليل اللحية.
(٣) في "صحيحه" (١/ ٧٨ / برقم ١٥١ - ١٥٢).
(٤) في "سننه" (١/ ٨٦ / برقم ١٢، ١٣).
(٥) في "الكبرى" (١/ ٥٤).
(٦) "الجرح والتعديل" (٦/ ٣٢٢ / برقم ١٨٠١).
(٧) في س "عن" وهو تحريف.
(٨) في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٣٦٤).
(٩) الذي تقدم ذكره ص (٢٨٤) عند الشارح.
(١٠) في "سننه" (١/ ١٠٧/ برقم ٥٣).
(١١) "العلل" لابن أبي حاتم (١/ ٣١ / برقم ٥٨) وفيه وهو أشبه بالصواب وكذا عند الدارقطني.
[ ١ / ٣٢٠ ]
قال الدارقطني: ورواه أبو (١) المغيرة عن الأوزاعي -موقوفًا-" (٢).
ثمَّ أسنده عن ابن عمر -غير مرفوع - (٣) من طريق ابن أبي العشرين. وصوَّب الدارقطني الموقوف (٤).
وأخرج هذا الحديث عبد الحق في "أحكامه" (٥) وقال؛ "والصحيح أنَّه فعل ابن عمر، غير مرفوع إلى النَّبيِّ - ﷺ -".
قال ابن القطّان (٦): "هذا نصُّ ما ذكر، ولم يبيِّن علَّته، وقد يُظَنُّ أنَّ تعليله إيَّاه هو ما ذكر مِن وقفه ورفعه، وليس ذلك بصحيح، فإنه إنَّما كان يصح أن يكون هذا عِلَّةً لو كان رافعه ضعيفًا، وواقفه ثقةً، ففي مثل هذه الحال كان يصدق قوله: "الصحيح موقوف من فعل ابن عمر.
أمَّا إذا كان رافغه ثقة، وواقفه ثقةً، فهذا لا يضرُّه، وهو لا علَّة فيه.
وهذا حال هذا الحديث، فإن رافعه عن الأوزاعي هو: عبد الحميد بن حبيب ابن أبي العشرين كاتبه، وواقفه عنه هو: أبو المغيرة (٧)، وكلاهما ثقة فالقضاء للواقف على الرافع يكون خطأً.
وبعد هذا فعلَّةُ الخبرِ هي غير ذلك: وهي ضعف عبد الواحد بن قيس راويه عن نافع، عن ابن عمر، وعنه رواه الأوزاعي في الوجهين.
_________________
(١) قوله "أبو" ألحقه ناسخ في الهامش (ل ٨٢ / ا).
(٢) "العلل" لابن أبي حاتم (١/ ٣١ / برقم ٥٨) وفيه: وهو أشبه بالصواب وكذا عند الدارقطني في "سننه".
(٣) قوله "غير مرفوع" ساقط من ت.
(٤) في "سننه" (١/ ١٠٧ / برقم ٥٤).
(٥) "الوسطى" (١/ ١٧٣).
(٦) في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٣٦٤).
(٧) في س "ابن المغيرة" وهو تحريف.
[ ١ / ٣٢١ ]
قال يحيى بن سعيد (١): "عبد الواحد بن قيس الذي رَوى عنه الأوزاعي شبه لا شيء".
وإذ (٢) الموقوف الذي صُحّح لا بُدَّ فيه مِن عبد الواحد، فليس إذن بصحيح. والدارقطني في لم يَقُل في الموقوف: صحيح، ولا أصحُّ؛ إنّما قال: "إنّ رواية أبي المغيرة بوقفه هي الصواب فاعلم ذلك".
قلت: أمَّا ما ذكره ابنُ القطَّان، فليس بعيدًا من حيث النَّظر، إذا استويا في مرتبة الثقة والعدالة، أو تقاربا (٣) كما هو ها هنا، لأنَّ الرفع زيادة على الوقف، وقد جاء عن ثقة، فسبيله القَبول، وهذا هو (٤) الذي زعمه ابنُ الصلاح (٥)، فإن كان نظرًا منه فهو نظرٌ صحيح، وإنْ كان نقلًا عن من تقدَّم، فليس للناس في ذلك عملٌ مطّردٌ.
وأبو المغيرة هو: عبد القدّوس بنُ الحجّاج الشامي، احتجَّ به الشيخان (٦).
وابن أبي العشرين: رَوَى له الترمذي، وابن ماجه (٧).
وقال ابن معين: "ليس به بأس" (٨).
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٦/ ٢٣ / برقم ١٢٠).
(٢) في س وإذا.
(٣) في س "توازيا".
(٤) ألحقت في هامش ت وصححت (ل ٨٣ / ا).
(٥) في "مقدمته " ص (٧٧).
(٦) وروى له سائر الأربعة أيضًا فقد رمز له الحافظ في "التقريب" بـ ع أي روى له الجماعة كما هو معلوم.
(٧) والبخاري تعليقًا أيضًا فقد رمز له الحافظ في "التقريب" خت وت وق وهذا عند ذكر اسمه، أما في الأبناء فقد رمز له بخت وت وس ولعله خطأ في المطبوع.
(٨) في سؤالات ابن الجنيد (٣٠٦ / برقم ١٣٥).
[ ١ / ٣٢٢ ]
وقال العجليّ؛ قريبًا من ذلك (١).
وقال النسائي: "ليس بالقويّ" (٢).
وقال البخاريّ: "شاميٌّ رُبَّما يخالف في حديثه" (٣).
فإن كان عبدُ القدّوس مرجَّحًا على عبد الحميد، فإنَّ لعبد الحميد اختصاصًا بالأوزاعي يُوجب له مزيَّةً فيما يروي عنه، كان كاتبه، وقدَّمه هشام بن عمار على أصحاب الأوزاعي، فقال في حكاية: "أوثق أصحابه كاتبه عبد الحميد" (٤). وعُرِف عن يحيى بن معين أنَّ قولَه: "ليس به بأس"؛ يعني به: الثقة (٥). فليس بمقصَّر في الأوزاعي عن درجة أبي المغيرة، وإنْ احتمل أنْ يقصر عنه في غيره.
وأمَّا ردُّ ابنُ القطان الخبرَ بعبد الواحد بن قيس، فليس في عبد الواحد كبيرُ أمرٍ.
عبد الواحد مختلف في حاله:
وثَّقه ابن معين (٦)، وأباه البخاريُّ (٧) ويحيى القطان (٧). وقال ابن عديٍّ: ضعيف (٨)، وإذا روى [عنه] (٩) الأوزاعي فهو صالح.
_________________
(١) في "معرفة الثقات" (٢/ ٧٠ / ١٠١١) حيث قال: لا بأس به.
(٢) في كتابه "الضعفاء والمتروكون" (١٦٩ / برقم ٤١٩).
(٣) في كتابه "التاريخ الكبير" (٦/ ٤٥ / برقم ١٦٥٢).
(٤) "تهذيب الكمال" (١٦/ ٤٢٢).
(٥) "لسان الميزان" (١/ ٢٤ - ٢٥).
(٦) كما في "تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي" (ص ١٤١ / برقم ٤٧١).
(٧) "التاريخ الكبير" (٦/ ٥٦ / برقم ١٦٩٤).
(٨) لم أجد تنصيص ابن عدي على ضعف عبد الواحد بن قيس في "الكامل" في ترجمة عبد الواحد بن قيس هذا (٥/ ٢٩٧ / ٤٦٩) ولكن أشار إلى ضعفه عندما وثقه إذا روى عنه الأوزاعي -معناه- إن لم يرو عنه الأوزاعي فهو ضعيف.
(٩) كذا في س وهو الصواب لأنه من شيوخ الأوزاعي وفي ت عن وهو تصحيف.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وهذا من رواية الأوزاعي عنه.
وأمَّا أبو محمد عبد الحقّ فقد صحَّح ذلك عن ابن عمر مِن فِعْله (١)، وليس إلَّا الاعتماد على الدارقطني في ترجيح موقوف هذا الخبر على مرفوعَه (٢)، وذلك لا يقتضي تصحيح الموقوف مطلقًا. والله أعلم.
وزعم أبو عمر في كلام له: "إنَّ أحاديث هذا الباب كلَّها ضعيفة (٣) " (٤).
وأمَّا حكمُ تخليلِ اللحيةِ: فالعلماء مختلفون فيه:
* فمنهم من أوجبه.
* ومنهم (٥) مَن لم يوجبه.
* ومنهم من فَرَّق بين الوضوءِ والغسل من الجنابة، فأوجبه في الغسل دون الوضوء.
* ومنهم مَن فرَّق بين اللحية الكثيفة والخفيفة.
وسنذكر من ذلك ما انتهى إلينا بمشيئة الله تعالى وعونه، وقد ذكرنا الأحاديث المرفوعة في ذلك (٦).
_________________
(١) في "أحكامه الوسطى" (١/ ١٧٣) كما تقدم قريبًا.
(٢) في "سننه" (/ ١/ ١٠٧ برقم ٥٤).
(٣) قوله "كلها ضعيفة" عليه بياض في ت.
(٤) في "التمهيد" (٢٠/ ١٢٠).
(٥) ألحق ناسخ س هذه الكلمة في هامشه وأشار إلى صحة هذا اللحق.
(٦) انظر ص (٢٩٠ - ٢٩١ - ٢٩٢).
[ ١ / ٣٢٤ ]
وأمَّا الآثارُ: فروي ذلك عن ابن عباس (١)، وابن عمر وأنس (١)، وعليّ (١)، وسعيد بن جُبَيْر (١)، وأبي قلابة (١)، ومجاهد (١)، وابن سيرين (١)، والضحّاك (١)، وإبراهيم النخعيّ (١).
وممّن رُوي عنه أنَّه [كان] (٢) لا يُخلّل: إبراهيم النخعيُّ (٣)، والحسنُ وابنُ الحنفية (٣)، وأبو العالية (٤)، وأبو جعفر الهاشمي (٤)، والشعبي (٤)، ومجاهد (٤)، والقاسم (٤)، وابن أبي ليلى (٤).
ذكر ذلك عنهم أبو بكر بن أبي شيبة بأسانيده إليهم (٤).
قال أبو عمر: "واختلف العلماء في تخليل اللحية والذّقن:
* فذهب مالكٌ، والشافعيُ، والثوريُ، والأوزاعيُّ؛ إلى أنَّ تخليلَ اللحيةِ ليس بواجب في الوضوء.
* وقال مالك، وأصحابُه، وطائفةٌ من أهل المدينة: ولا في غسل الجنابة، لا يجب تخليل اللحية أيضًا.
* وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابُهما، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبري، وأكثرُ أهل العلم: تخليل اللحية في غُسل الجنابة واجب، ولا يجب ذلك عندهم في الوضوء (٥).
وأظنُّهم فرَّقوا بين ذلك -والله أعلم- لقوله - ﷺ -: "تحت كل شعرة جنابة،
_________________
(١) رواها كلها ابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ١٢ - ١٣).
(٢) من س وهي ساقطة من ت.
(٣) في "المصنف" لابن أبي شيبة (١/ ١٤).
(٤) في مصنفه (١/ ١٢ - ١٤).
(٥) في التمهيد (٢٠/ ١١٩ - ١٢٠).
[ ١ / ٣٢٥ ]
فبُلْوا الشّعَر وأنقُوا البشرة".
وأظنُّ مالكًا ومَن قال بقوله ذهبوا إلى أن الشعر لا يمنع [مِن] (١) وصول الماء لرقة الماء، ويوصله إلى البشرة من غير تخليل إذا كان (٢) هناك تحريكٌ.
وذكر ابنُ عبد الحكم عن مالك قال: وتُحَرّك اللحية في الوضوء إذا كانت كبيرة، ولا يُخلِّلها، وأمَّا في الغسل فليحرِّكها وإن صَغرتْ، وتخليلها أحبُّ إليَّ.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: تخليل اللحية واجبٌ في الوضوء والغسل.
وروي نحوه عن سعيد بن جُبَير قال: ما بالُ الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت، فإذا نبتت لم يغسل، وما بال الأمرد يغسل ذقنه، ولا يغسله ذو اللحية.
وقال أبو عمر: ورُوي عن جماعة من الصحابة والتابعين تخليل اللحية، وأكثرهم لم يُفرِّقوا بين الوضوء والجنابة (٣).
ورُوي عن جماعة منهم الرخصة في تركِ تخليل اللحية.
وإيجاب غسل ما تحت اللحية إيجاب فرض، والفرائض لا تثبت إلا بيقين لا اختلاف (٤) فيه، ومَن احتاط وأخذ بالأوثق فهو أولى في خاصيّته.
وأمَّا الفتوى في إيجاب الإعادة فما ينبغي أنْ تكون إلَّا عن يقين" (٥).
وقال الأصحاب -في شعر الذّقن والعارِضَيْن، والعارِضُ عندهم: ما ينحطُّ
_________________
(١) من س وهي ساقطة من ت.
(٢) أشار عندها إلى الهامش في ت وليس فيه إلا حرف ص.
(٣) في "التمهيد" (٢٠/ ١٢٠).
(٤) في س: لختلاف.
(٥) في "التمهيد" (٢٠/ ١٢٠).
[ ١ / ٣٢٦ ]
عن القدر المحاذي للأذن-: يُنظر فيه إنْ كان خفيفًا وَجَب غَسْلُه، وإنْ كان كثيفًا لم يجب إلا المرأة فإنَّ لحيتها نادرة.
وفي العَنْفَقة وجهان؛ لما رُوي: أنّه - ﷺ - توضَّأ فغَرَف غَرْفةً غسل بها وجهه، وكان - ﷺ - كثَّ اللحية.
ولا يبلغ ماءُ الغرفة الواحدة أصول الشعر مع الكثافة، والمعنى فيه عُسر إيصال الماء إلى النابت مع الكثافة غير النادرة.
وحُكيَ فيه قول قديم: أنَّه يجبُ غَسْل البشرة تحته لانتهاء الوجه، وهذا شعر نابت عليه.
ومنهم من يحكيه وَجْهًا، وهو قول المزني.
* والمذهب الأول: قال الرافعي: "وعبارة أكثر الأصحاب أنَّ الخفيف ما تتراءى البشرةُ من خلاله في مَجْلس التخاطُب، والكثيف ما يستُر ويمنع الرُّؤية، هذا ما يُشعر به لفظ الشافعي، وقال بعض الأصحاب: الخفيف: ما يصل الماء إلى منبته من غير مبالغة واستقصاء، والكثيف: ما يفتقر إليه (١).
وفيما خرج عن حدّ الوجه من اللحية طولًا وعرضًا قولان:
* أحدهما: لا يجب غسله، وبه قال أبو حنيفة، والمزني.
* وأصحّهما: يجب لأنَّه من الوجه بحكم التبعية.
وهذا الخلاف يجري أيضًا في الخارج عن حدِّ الوجه من الشعور الخفيفة كالعذار والسبال (٢) إذا طال ولا فرق، وذكر بعضهم في السبال أنّه يجب غسله قولًا واحدًا، والظاهر الأول".
_________________
(١) قوله "ما يفتقر إليه" عليه بياض في ت في مصورتي.
(٢) غير مقروءة في مصورتي ت لارتجاج في التصوير.
[ ١ / ٣٢٧ ]
قال أبو عمر: "ولأصحاب مالك في هذه المسأله قولان كأصحاب الشافعي، والله أعلم" (١).