قال: وفي الباب عن معاوية، والمقدام بن معدي كرب، وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن زيد أصحُّ شيءٍ في هذا الباب وأحسن.
وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق (٥).
* الكلام عليه:
حديث الباب صحيح مخرَّج عند الشيخين من غير ما وجه (٦).
_________________
(١) في "التمهيد" (٢٠/ ١٢٢).
(٢) في س "قدَّم".
(٣) في س "بما" وهو تصحيف ظاهر.
(٤) في س "ترجع".
(٥) في "الجامع" (١/ ٤٧).
(٦) وهو كما قال فقد أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب الوضوء (١/ ٨١ / برقم ١٨٥) باب مسح الرأس كله وأخرجه في مواطن أخرى من "صحيحه" من غير ما وجه انظره فيه برقم (١٩١) و(١٩٢) و(١٩٧) و(١٩٩) وأخرجه كذلك مسلم في "صحيحه" (كتاب الطهارة ١/ ٢١٠ / برقم ٢٣٥) باب في وضوء النبي - ﷺ - من غير ما وجه.
[ ١ / ٣٢٨ ]
قال أبو عمر (١): "رواه ابن عيينة، عن عمرو بن يحيى فأخطأ فيه في موضعين:
* أحدهما: أنّه قال فيه: عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه (٢)، وهذا خطأ، وإنَّما هو عبد الله بن زيد بن عاصم، وقد نسبناهما في كتاب "الصحابة" (٣)، وأوضَحْنا أمرهما (٤).
وأمَّا عبد الله (٥) بن زيد بن عبد ربه، فهو الذي أُرِيَ الأذان في النوم، وليس هو الذي يروي عنه هذا الحديث يحيى بنُ عمارة.
وعبد الله بن زيد بن عاصم هو: عمُّ عباد (٦) بن تميم، وهو أكثر رواية عن النبيِّ - ﷺ - من عبد الله بن زيد بن عبد ربه.
وقد كان أحمدُ بن زهير يزعم أنَّ إسماعيل بن إسحاق وَهِم فيهما، فجعلهما (٧) واحدًا، فيما حكى قاسم بن أصبغ عنه.
والغلط لا يسلم منه أحد، وإذا كان ابن عيينة مع جلالته يغلط في ذلك، فإسماعيل بن إسحاق أين يقع من ابن عيينة؟ إلا أن المتأخِّرين أوسع عِلْمًا، وأقلّ عذرًا.
* وأما الموضع الثاني الذي وَهِم ابنُ عيينة فيه، في متن الحديث فإنَّه ذكر
_________________
(١) في "التمهيد" (٢٠/ ١١٥).
(٢) غير مقروءة في ت.
(٣) الذي سمَّاه "الاستيعاب" وكلامه موجود فيه (٣/ ٩١٣) ط دار الجيل.
(٤) قوله "أمرهما وأما عبد الله" ملحق في هامش س مصحَّحًا.
(٥) الذي تقدمت الإشارة إليه وأنه في "التمهيد" (٢٠/ ١١٥).
(٦) قوله "هو عمُّ" غير واضح في ت.
(٧) غير مقروءة في ت.
[ ١ / ٣٢٩ ]
فيه: مَسَحَ الرأسُ مرتين، ولم يذكر فيه أحدٌ مرتين غير ابن عيينة، وأظنُّه -والله أعلم - تأوّل الحديث". انتهى كلام أبي عمر (١).
قوله: "وعبد الله بن زيد بن عاصم: هو عمُّ عباد بن تميم"، يُوهم عمومة النسب، بل ربَّما توهَّم هو ذلك فقال في نسب تميم والد عباد بن تميم (٢)، في كتابه في "الصحابة" (٣): "قيل فيه: تميم بن عبد عمرو، وقيل: تميم بن زيد بن عاصم أخو عبد الله، وحبيب ابني زيد بن عاصم بن عمرو من بني مازن بن النجار، أُمُّهم أمُّ عمارة نُسيبة الأنصارية، ويُعْرَفون ببني أمِّ عمارة".
وقد قال غيره (٤) مثل ذلك ثمن لم يأخذه عنه، وليس ذلك بشيء، إنَّما هو تميم بن غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، أمُّه أمُّ عمارة نُسَيْبة بضم النون [وفتح] (٥) السين المهملة، أو فتح النون وكسر السين، والأوَّل أشهر. تزوَّجها زيد بن عاصم، فولدت له عبد الله وحبيبًا، ثم خَلَف عليها غَزِيَّة بن عمرو (٦) فولدت له تميمًا وأبا حبّة (٧)، ذكر معناه ابن سعد (٨).
_________________
(١) الذي تقدمت الإشارة إليه وأنه في "التمهيد" (٢٠/ ١١٥).
(٢) من قوله "يوهم عمومة" إلى قوله "والد عباد بن تميم" ألحقه ناسخ في الهامش وصحَّح اللحق.
(٣) "الاستيعاب" (١/ ١٩٥ / برقم ٢٣٨) ط دار الجيل.
(٤) الذي تقدّمت الإشارة إليه وأنه في "التمهيد" (٢٠/ ١١٥).
(٥) كذا في س وهو الصواب وفي ت "وفتح النون" وهو خطأ يرده السياق.
(٦) في س عمر.
(٧) في س "أبا حية".
(٨) في "الطبقات الكبرى" (٨/ ٤١٢ - ٤١٦).
[ ١ / ٣٣٠ ]
وقد ذكر أبو عمر نسب أبي حبّة في بابه من الكنى على الصواب (١).
وأمَّا ما حكاه عن ابن أبي خيثمة من أنَّ إسماعيل بن إسحاق وَهِم فيهما فجعلهما واحدًا (٢).
فقد جعلهما أبو القاسم البغوي ثلاثة، فذكر عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب حديث الأذان، ثم ذكر بعده عبد الله بن زيد بن عمرو المازنيّ، وذكر له حديثًا واحدًا في الأذان، وقال: ليس له غيره، ثم عَقَد لعبد الله بن زيد بن عاصم ترجمة ثالثة، وذكر من حديثه وحكى وفاته.
قال: وفي الباب (٣) عن معاوية، والمقدام بن معدي كرب، وعائشة.
أمَّا حديث معاوية: "أنَّه توضَّأ للناس كما رأى رسول الله - ﷺ - يتوضَّأ؛ فلمَّا بلغ رأسه غَرَف غَرْفةً من ماء، فتلقَّاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه، حتَّى قطر الماء، أو كاد يقطر، ثمَّ مسح من مقدَّمه إلى مؤخَّره، ومن مؤخَّره إلى مقدَّمه" رواه أبو داود (٤).
وأمَّا حديثُ المقدام بِن معدي كرب: فقد تقدَّم في باب المضمضة والاستنشاق مخرّجًا عن الإمام أحمد وأبي داود وابن الجارود.
وأمَّا حديثُ عائشةَ (٥).
_________________
(١) في "الاستيعاب" (٤/ ٦٢٧ / برقم ٢٩٠٥) ط دار الجيل.
(٢) في "التمهيد" (٢٠/ ١١٥).
(٣) الواو ساقطة من س.
(٤) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ٥٠ / برقم ١٢٤) باب صفة وضوء النبي - ﷺ - مرتين.
(٥) لم يُخرِّجْ الشارحُ حديث عائشة وعلَّق عليه محمد عابد السندي في هامش "س" قائلًا: فقد =
[ ١ / ٣٣١ ]
وحديثُ الباب صحيح، وقد ذكر طرفًا منه في هذا الموضع، وطرفًا منه في غيره (١)، وسيأتي عنه تصحيحه (٢)، وهو عند الجماعة (٣).
وأمَّا مسحُ الرأسِ: قال أبو عمر (٤): "أجمعوا على أنَّ (٥) مَن مَسَحَ برأسه كُلّه فقد أحسن، وفَعَلَ أكمل ما يلزمه.
وكلّهم يقول: يمسح الرأس مسحة واحدة كاملةً، ولا يزيد عليها إلّا الشافعي، فإنه قال: أكمل الوضوء أن يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا كُلَّها سابغة، ويمسح برأسه ثلاثًا.
ورُوي مسح الرأس ثلاثًا عن أنس، وسعيد بن جُبَيْر، وعطاء وغيرهم.
وكان ابن سيرين يقول: يمسح رأسه مرتين.
_________________
(١) = أخرجه النسائي في "سننه الكبرى" وفي لفظ حديثها "ووضعت يدها في مقدم رأسها ثم مسحت رأسها مرة واحدة إلى مؤخره ثم مدَّت يدها بأذنها ثم مدَّت على الخدين" وستأتي الإشارة إليه في كلام الشارح في باب ما جاء أنَّ مسح الرأس مرة واحدة. "محمد عابد" وعلق ناسخ ت في هامش نسخته (ل ٨٥ / ا) قائلًا "حديث عائشة رواه النسائي بإسناد حسن".
(٢) في باب المضمضة والاستنشاق من كف واحدٍ في "جامعه" (١/ ٤١) وفي باب من يتوضأ بعض وضوئه مرتين وبعضه ثلاثًا (١/ ٦٦).
(٣) في "الجامع" (١/ ٦٦) حيث قال فيه: حسن صحيح.
(٤) والمراد بهم أصحاب الكتب الستة كما هو معروف وهو كما قال فقد أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" كما تقدم العزو إليهما ص (٢٩٢) وأخرجه أيضًا أبو داود في "سننه" في (كتاب الطهارة ١/ ٨٦ - ٨٧ / برقم ١١٨) باب صفة وضوء النبي - ﷺ - والنسائي في "سننه" في (كتاب الطهارة ١/ ٧١ - ٧٢ / برقم ٩٨) ط عبد الفتاح أبو غدة وابن ماجه في "سننه" (كتاب الطهارة، ١/ ١٤٩ - ١٥٠ / برقم ٤٣٤) باب ما جاء في مسح الرأس.
(٥) في "التمهيد" (٢٠/ ١٢٣ - ١٢٤).
(٦) ساقطة من ت.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وكان مالك يقول -في مسح الرأس-: يبدأ بمقدَّم رأسه، ثم يذهب بيديه إلى مؤخَّره، ثم يردَّهما إلى مقدَّمه، على حديث عبد الله بن زيد.
وكذلك يقول الشافعي، وأحمد، وكان الحسن بن حيٍّ يقول: يبدأ بمؤخر الرأس.
وقوله: "فأقبل بهما وأدبر"، تفسيره: أنَّه كلام خرج على التقديم والتأخير، كأنَّه قال: فأدبر بهما وأقبل، لأنَّ الواو لا تُوجِب الرُّتبة.
وإذا احتمل الكلام التأويل كان قوله: "بدأ بمقدَّم رأسه، ثمَّ ذهب بهما إلى قفاه"، تفسير ما أشكل من ذلك.
قلت: وأرفع التأويل (١) من هذا أن يُحْمَل: "أقبل" على البداءة بالقبل، "وأدبر" على البداءة بالدبر؛ فيكون من باب تسمية الفعل بابتدائه، وهو أحدُ القولين لأهل الأصول في تسمية الفعل هل يكون بابتدائه أو بانتهائه.
ثمَّ روى أبو عمر (٢) من طريق أبي داود حديث المقدام بن معدي كرب قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - توضَّأ، فلمَّا بلغ مسحَ رأسه، وضع كفيَّه على مقدَّم رأسه، فأمرَّهما حتى بلغ القفا، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه".
وروى معاوية "أن رسول الله - ﷺ - توضَّأ مثل ذلك" سواء (٣).
وأمَّا قولُ الحسنِ بن حيٍّ: "يبدأ بمؤخَّر رأسه"؛ فسيأتي في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ساقطة من ت.
(٢) في "التمهيد" (٢٠/ ١٢٤ - ١٢٥).
(٣) "التمهيد" (٢٠/ ١٢٥).
[ ١ / ٣٣٣ ]