حدثنا قتيبة: ثنا بشر بن الفضل (١)، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيّع بنت معوّذ بن عفراء: "أنَّ النبيَّ - ﷺ - مَسَح برأسه مرَّتين، بدأ بمؤخَّر رأسه، ثمَّ بمقدَّمه، وبأذنيه كليهما ظهورهما وبطونهما".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وحديث عبد الله بن زيد أصحُّ من هذا وأجودُ إسنادًا.
وقد ذهَب بعضُ أهلِ الكوفةِ إلى هذا الحديث منهم وكيع بن الجرَّاح (٢).
* الكلام عليه:
هو حديث يدور على عبد الله بن محمد بن عقيل، ولم يكن بالحافظ عندهم، وقد تقدَّم (٣)، وألفاظه (٤) مختلفة، هذا لفظ بشر بن المُفضَّل، والحسن بن صالح.
ورواه ابنُ عجلان عنه رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ فمسح ما أقبل من رأسه وما أدبر، رواه عن ابن عجلان كذلك سعيد بن أبي أيوب، ورواه الليث عن ابن عجلان فقال: فمسح برأسه، فمسح الرأس كُلَّه، مِن فرق الشعر كل ناحية لمنصب الشعر، لا يحرّك الشعر (٥) عن هيئته".
وبعضُ هذا عند البيهقي (٦)، ورواه الإمام أحمد (٧)، ولفظه: "أنَّ رسول الله
_________________
(١) في س: الفضل وهو تصحيف والصواب ما هو مثبت كما في ت "جامع الترمذي".
(٢) "الجامع" (١/ ٤٨).
(٣) من س وفي ت "توَّهم" وهو تصحيف ظاهر من السياق.
(٤) من س وفي ت "ولفظه" وهو تصحيف ظاهر من السياق.
(٥) قوله "لا يحرك الشعر" ألحقه الناسخ لـ ت في الهامش وصحَّحه.
(٦) في "السنن الكبرى" (١/ ٦٠).
(٧) في "المسند" (٦/ ٣٥٩).
[ ١ / ٣٣٤ ]
- ﷺ - توضَّأ عندها، فرأيته مَسَح على رأسه مجاري الشعر، ما أقبل منه وما أدبر، ومسح صدغيه، وأذنيه ظاهرهما وباطنهما".
ورواه أبو داود (١).
وأمَّا البداءةُ في مسَحَ الرأس من مؤخَّره: فمَحْكيّةٌ عن الحسن بن حيِّ، ووكيع بن الجراح.
وقال أبو عمر (٢): "قد توَّهم (٣) بعضُ النَّاس في حديث عبد الله بن زيد في قوله: "ثمَّ مَسَح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر".
أنَّه بدأ بمؤخَّر رأسه، وتوهَّم غيره أنَّه: بدأ من وسَطِ رأسه، فأقبل بيديه وأدبر، وهذه كلُّها ظُنون لا تصح".
قال (٤): "وقد رُوي عن ابن عمر "أنَّه كان يبدأ من وسط رأسه"، ولا يصحُّ.
وأصحُّ حديث في هذا الباب: حديث عبد الله بن زيد الذي تقدَّم، والمشهور المتداول الذي عليه الجمهور البداءةُ من مقدَّم الرأس إلى مؤخَّره، وقد جاءت هذه الأحاديث كما ترى: "ما أقبل وما أدبر"، وفي بعضها: "ما أدبر وما أقبل" (٥)، وقد سَبَق الجواب عن هذا من الوجهين اللذين (٦) ذكرناهما:
* الأول: أنَّ الواو لا تقتضي الترتيب.
* الثاني: أنَّ الفعل قد يُسمَّى بالشروع فيه عند قوم، وبالانتهاء منه عند آخرين.
_________________
(١) في "سننه" (كتاب الطهارة ١/ ٩١ برقم ١٢٦) باب صفة وضوء النبي - ﷺ -.
(٢) في "التمهيد" (٢٠/ ١٢٤).
(٣) في ت: تقدّم وهو خطأ ظاهر.
(٤) في ت "قال قال" كذا مكررة.
(٥) في ت "ما أدبر وكذا أقبل".
(٦) في ت: الذي.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وأمَّا هذه الروايةُ: "بدأ بمؤخَّر رأسه" فقد تكون محمولة على الرواية بالمعنى عند مَن يُسمِّي الفعل بما يُنتهي إليه، كأنَّه حمَل قولَه: "ما أقبل وما أدبر". على الابتداء بمؤخَّر الرأس فأدَّاه بمعناه عنده، وإنْ لم يكن كذلك ذكر معناه ابنُ العربي (١).
ويمكن أن يكون النبي - ﷺ - (٢) فعل ذلك لبيان الجواز مرَّة، وكانت مواظبته على البداءة بمقدّم الرأس أكثر، وما كان أكثر مواظبته عليه كان أفضل.