حدثنا محمد بن بشار: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي حية، عن علي: "أن النبي - ﷺ - توضأ ثلاثًا ثلاثًا".
قال أبو عيسى: وفي الباب، عن عثمان، والرُّبيِّع، وابن عمر، وأبي أمامة، وعائشة، وأبي رافع، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية، وأبي هريرة، وجابر، وعبد الله بن زيد، وأبيّ.
قال أبو عيسى: حديث علي أحسن شيء في الباب وأصح، والعمل على هذا عند عامة أهل العلم، أن الوضوء يجزيء مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء.
قال ابن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم.
وقال أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى (١).
* الكلام عليه:
رواه الإمام أحمد (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن ماجه (٥)، وصححه الحافظان: أبو علي بن السكن، وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (٦)، وسيأتي تصحيح الترمذي إياه بعد هذا.
_________________
(١) الجامع (١/ ٦٣ - ٦٤).
(٢) المسند (١/ ١٢٠، ١٤٨، ١٤٩).
(٣) في سننه كتاب الطهارة (١ /) رقم ١١٦ باب صفة وضوء النبي ﷺ.
(٤) في سننه كتاب الطهارة (١/ ٧٣) رقم ٩٣، ٩٤، ٩٥.
(٥) في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٥٠) رقم ٣٤٦ و(١/ ١٥٥) رقم ٤٥٦.
(٦) المختارة (٢/ ٤١١) رقم ٧٩٧.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وذكره أبو محمد عبد الحق في أحكامه (١) فسكت عنه، وهو عنده تصحيح.
وتعقب عليه أبو الحسن بن القطان (٢) في ذلك فقال: وأبو حية الوادعي، قال فيه أحمد بن حنبل: شيخ، ومعنى ذلك عندهم: أنه ليس من أهل العلم، وإنما وقعت له رواية لحديث أو أحاديث، فأخذت عنه.
وهم يقولون: لا تقبل رواية الشيوخ في الأحكام، وقد رأيت من قال في هذا الرجل: أنه مجهول، وأبو الوليد بن الفرضي ممن قال ذلك. ولا يَروي عنه -فيما أعلم- غير أبي إسحاق.
وقال أبو زرعة (٣): لا يسمى، ووثقه بعضهم، وصحح آخرون حديث علي هذا، وممن صححه ابن السكن، وقد أتبع الترمذي هذا الحديث أنه: أحسن شيء في هذا الباب، وهو باعتبار حال أبي حية، وباعتبار حال أبي إسحاق واختلاطه، حسن؛ فإن أبا الأحوص وزهير بن معاوية سمعا منه، وأنه استفاد ذلك من قوله: أنه أحسن شيء في الباب، ومن التقصير بأبي حية؛ إما لجهالته عند من ادعاها عليه، أو لتعريف من عرَّفه، بأنه شيخ، ولم يزد على ذلك.
وبقوله: إنه لم يرو عنه غير أبي إسحاق فيما يعلم، وقال: عن أبي زرعة لا يعرف اسمه، وبرواية زهير عن أبي إسحاق، وهو إنما سمع منه بعد الاختلاط ولا تخلو هذه الشبه كلها من الاعتراضات.
فأما تحسينه له فليس بمستقيم، لتصحيح من صححه ممن ذكره.
وأما قول الترمذي (٤): أحسن شيء في الباب، فلا يدل ذلك على أنه عنده
_________________
(١) الأحكام الصغرى (١/ ١١٧).
(٢) بيان الوهم والإيهام (٤/ ١٠٨) رقم ١٥٤٦.
(٣) الجرح والتعديل (٣/ ٥٨٩) رقم ٢٦٧.
(٤) الجامع (١/ ٦٧).
[ ١ / ٤١٠ ]
حسن، كما تقدم غير مرة، وإن كان ذلك يفيد التحسين فلم يقتصر على هذا اللفظ.
بل قال: أحسن شيء في هذا الباب وأصح، فإن كان استفاد التحسين من قوله: أحسن، فليستفد التصحيح من قوله: وأصح، ولا فرق بل قد صححه الترمذي بعد هذا، في باب: وضوء النبي - ﷺ - كيف كان.
وأما الكلام في أبي حية:
فقد وثقه أبو حاتم ابن حبان (١)، وليس في الجهالة التي حكاها عن ابن الفرضي (٢)، ولا في قول الإمام أحمد عنه: شيخ (٣)، ما يعارض التوثيق المذكور.
وأما قوله: إنه لم يرو عنه غير أبي إسحاق، فقد قال أبو أحمد الحاكم (٤): ثنا عمر بن أحمد بن علي الجوهري: ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة: ثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون: ثنا عمرو بن ثابت، عن المنهال بن عمرو وأبي إسحاق، عن أبي حية؛ قال: رأيت عليًّا دخل الرحبة، وذكر حديث الوضوء بطوله، فهذا المنهال بن عمرو راوٍ ثان عن أبي حية، لكنه قال -في ترجمته-: إن كان ذلك محفوظًا، ثم ساقه بهذا السند.
وسئل أبو زرعة عن حديث المنهال بن عمرو؛ قال: حدثنا زر بن حبيش: جاء رجل إلى علي، فسأله عن وضوء رسول الله - ﷺ -؛ قال: إنما يروى عن المنهال بن عمرو، عن أبي حية، عن علي وهو الأشبه (٥).
_________________
(١) الثقات (٥/ ١٨٠).
(٢) تهذيب التهذيب (٤/ ٥١٥).
(٣) العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٤٨٣ رقم ٣١٧٢).
(٤) الأسامي والكنى (٤/ ٢٢٨) رقم ١٩٠٢.
(٥) العلل لابن أبي حاتم (١/ ٢١) رقم ٢٨ والمجيب أبو حاتم.
[ ١ / ٤١١ ]
وقال: لا نعرف اسمه (١)، وقد سماه ابن حبان -في كتاب الثقات (٢) له-: عمرو بن عبد الله.
وقال الأمير (٣): أبو حية الوادعي، الحازمي، الهمداني، حدث عن علي، روى عنه السبيعي، يختلف في اسمه يقال: عمرو بن نصر، وقيل: عامر بن الحارث.
وأما التضعيف برواية زهير، عن أبي إسحاق، وأنه سمع منه بعد الاختلاط، فلا تكاد أن ترى في الصحيحين حديثًا من رواية زهير، عن أبي إسحاق، إلا رأيته وليس مما تفرد به زهير، عن أبي إسحاق، بل إنما هو عندنا من رواية سفيان عن أبي إسحاق.
وذكر الشيخ أبو الحسن الدارقطني في كتاب "العلل" (٤)، وجوهًا عديدة من الاختلاف على أبي إسحاق في رواية هذا الحديث، ثم قال (٥): وأصحها كلها قول من قال: عن أبي حية عن علي أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا.
وحديث عثمان: أخرجه البخاري (٦)، ومسلم (٧)، وأبو داود (٨)، والنسائي (٩)، من حديث حمران عنه.
_________________
(١) العلل (١/ ٥٦) رقم ١٤٤ بزيادة وهو ابن قيس الوادعي.
(٢) الثقات (٥/ ١٨٠).
(٣) الإكمال لابن ماكولا (٢/ ٣٢٥).
(٤) العلل (٤/ ١٨٩ - ١٩٣) رقم ٥٠١.
(٥) العلل (٤/ ١٩٢).
(٦) في صحيحه كتاب الوضوء (١/ ٧٢) رقم ١٥٩ باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا.
(٧) في صحيحه كتاب الطهارة (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥) رقم ٢٢٦ باب صفة الوضوء وكماله.
(٨) في سننه كتاب الطهارة (١ /) رقم ١٠٦ باب صفة وضوء النبي ﷺ.
(٩) في سننه كتاب الطهارة (١/ ٦٨ - ٦٩) رقم ٨٤ باب المضمضة والاستنشاق وبرقم ٥٩ باب بأي اليدين يتمضمض.
[ ١ / ٤١٢ ]