حدثنا أحمد بن منيع، وعلي بن حجر قالا: أنا إسماعيل بن عليّة، عن أبي ريحانة، عن سفينة: أن النبيّ - ﷺ - كان يتوضَأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع (١).
قال: وفي الباب عن عائشة وجابر وأنس بن مالك.
قال أبو عيسى: حديث سفينة حديث حسن صحيح.
وأبو ريحانة اسمه عبد الله بن مطر.
وهكذا رأى بعض أهل العلم الوضوء بالمد، والغسل بالصاع.
وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: ليس معنى هذا الحديث على التوقيت أنّه لا يجوز أكثر منه ولا أقل؛ وهو قدر ما يكفي.
* الكلام عليه:
أخرجه مسلم (٢) وابن ماجه (٣).
وأبو ريحانة: عبد الله، ويقال: زياد بن مطر البصري، يقال: مولى بني ثعلبة بن يربوع، سمع أبا عبد الرحمن سفينة مولى رسول الله - ﷺ - (٤).
_________________
(١) الجامع (١/ ٨٣ - ٨٤).
(٢) في صحيحه كتاب الحيض (١/ ٢٥٨) برقم ٥٢ - ٥٣ باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة.
(٣) في سننه كتاب الطهارة (١/ ٩٩) برقم ٢٦٧ باب ما جاء في مقدار الماء للوضوء والغسل من الجنابة.
(٤) الجرح والتعديل (٥/ ١٦٨) برقم ٧٧٩ وتهذيب الكمال (١٦/ ١٤٦ - ١٤٩) برقم ٣٥٧٥ وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٣٤).
[ ٢ / ١٤ ]
وصحب أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي.
روى عنه أبو بكر وهيب بن خالد البصري (١)، وأبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن عليّة الأسدي. ذكره أبو أحمد الحاكم، وقال البُخاريّ: اسمه عبد الله، ويقال: زياد، قال: والأول أصحّ (٢).
قال يَحْيَى بن معين: هو صالح (٣).
وقال ابن عديّ: لا أعرف له حديثًا منكرًا (٤).
وقال النَّسائيّ: ليس بالقويّ (٥).
وروي له مسلم، وأبو داود، وابن ماجه.
حديث عائشة: "أن النبي - ﷺ - كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد". أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (٦)، وأبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٧)، وأبو داود (٨)، والنَّسائيُّ (٩)، وابن ماجه (١٠).
_________________
(١) التاريخ الكبير (٥/ ١٩٨) برقم ٦٢٤ ط دار الكتب العلمية.
(٢) الجرح والتعديل (٥/ ١١٩) برقم ٧٧٩.
(٣) الكامل (٤/ ١٥٦٧) ط دار الفكر ولفظه: ولا أعرف له منكرًا فأذكره.
(٤) الضعفاء والمتروكون (٢٥٤) برقم ٦٥٩ ط دار المعرفة.
(٥) انظر تهذيب الكمال (١٦/ ١٤٨) برقم ٣٥٧٥.
(٦) المسند (٦/ ٢٤٩).
(٧) المصنف (١/ ٦٦).
(٨) في سننه كتاب الطهارة (١ /) برقم ٩٢ باب ما يجزئ من الماء في الوضوء.
(٩) في سننه كتاب المياه (١/ ١٩٧) برقم ٣٤٥ - ٣٤٦ باب القدر الذي يكفي به الإنسان من الماء للوضوء والغسل.
(١٠) في سننه كتاب الطهارة (١/ ٩٩) برقم ٢٦٨ باب ما جاء في مقدار الماء للوضوء والغسل من الجنابة.
[ ٢ / ١٥ ]
وحديث جابر أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١)، وأبو داود (٢) السجستاني، وهو عندهما من حديث يزيد بن أبي زياد الكوفيّ، وهو ضعيف (٣).
وذكره ابن السكن: ثنا عبد الله بن سليمان: ثنا هارون بن إسحاق: ثنا ابن فضيل، عن حصين (٤). وآخر ذكره عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر: قال رسول الله - ﷺ -: "يجزئ من الوضوء المدّ، ومن الجنابة الصاع" (٥).
قال ابن القطان، صحيح على مذهب أبي محمد -يعني: عبد الحق- في قبول روايات أبي بكر بن أبي داود -ثقة حافظ، وإن كان مُسَّ بجرحٍ يسير فلا يضره- وأظن الرجل المقرون بحصين هو يزيد بن أبي زياد (٦).
وحديث أنس بن مالك أخرجه البُخاريّ (٧) ومسلم (٨) من حديث عبد الله بن جبير، عنه، عن أنس ﵁، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال: "يكفي أحدكم مدّ
_________________
(١) المصنف (١/ ٦٥).
(٢) في سننه كتاب الطهارة برقم ٩٣ باب ما يجزئ من الماء في الوضوء.
(٣) ضعفه شعبة وأحمد بن حنبل وابن معين وعبد الله بن المبارك وغيرهم، انظر تهذيب الكمال (٣٢/ ١٣٥ - ١٤٠) برقم ٦٩٩١.
(٤) ولم أقف عليه ولا على من عزاه إليه.
(٥) المصنف لابن أبي شيبة (١/ ٦٥).
(٦) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٧٠) وانظر (٥/ ٣٣، ٣٥). قلت: وفي هامش نسخة ابن العجمي: قلت له: به أبي بكر بن أبي داود عليه أبو بكر بن خزيمة إمام الأئمة، فأخرجه في "صحيحه" عن هارون بن إسحاق. وكذا أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريق مطين عن هارون. اهـ. انظر: "صحيح ابن خزيمة" (١١٧) و"المستدرك" (١/ ١٦١) قال الحافظ في "الإتحاف" (٢٦٥٤): رواه ابن السكن في "صحيحه" عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث عن هارون بن إسحاق به. ولم يسم يزيد بن أبي زياد، بل كنى عنه (بآخر). وصححه ابن القطان، وقال: هو في "صحيح مسلم" من فعله - ﷺ - لا من قوله. والله أعلم. واعترض ذلك محقق "الإتحاف" بأن الذي أخرجه عن جابر أبو داود. وأنه عند مسلم من حديث سفينة وأنس.
(٧) في صحيحه كتاب الوضوء (١/ ٨٥) برقم ٢٠١ باب الوضوء بالمد.
(٨) في صحيحه كتاب الحيض (١/ ٢٨٥) برقم ٣٢٥ باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة.
[ ٢ / ١٦ ]
من الوضوء". رواه الإمام أحمد (١).
وعند أبي (٢) داود أيضًا من حديث عبد الله بن جبر، عن أنس قال: "كان النبيّ - ﷺ - يتوضّأ بإناء يسع رطلين، ويغتسل بالصاع".
وفي رواية قال: "يتوضّأ بمكوك". أخرجه النَّسائيّ (٣).
ولفظه: "كان رسول الله - ﷺ - يغتسل بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكوك".
وفي رواية: مكاكي.
وفي الباب ممَّا لم يذكره عن زينب بنت أبي سلمة، وأبي أمامة، وأم عمارة، وابن عمر، وعبد الله بن زيد، وأبي أمامة، وابن عباس.
وحديث ابن عباس عند الطّبرانيّ (٤) في "معجمه الكبير" من حديث ابن جريج، عن عمرو، عن عكرمة، قال: سأل رجل ابن عباس: ما يكفي من الغسل؟ قال: صاع، ومدّ للوضوء. قال الرجل: ما يكفيني! فقال: لا أمَّ لك، فيكفي من هو خير منك، رسول الله - ﷺ -. رواه عن مطيّن، عن أبي كريب، عن محمد (٥) بن حماد بن حوار، عنه.
أما حديث زينب بنت أبي سلمة عن النبيّ - ﷺ -: "أنَّه كان يتوضّأ بالكوب -وهو المكوك-، ويغتسل بالفرق -وهو الصاع.". رواه أحمد الفرضي من حديث إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر الهذلي، عن زينب (٦).
_________________
(١) المسند (٣/ ٢٦٤) وفيه جبير بن عبد الله بدل عبد الله بن جبر والصّواب عبد الله بن عبد الله بن جبر كما ذكر ذلك الحافظان المزي في تحفة الأشراف (١/ ٢٥٩) وابن حجر في أطراف مسند الإمام أحمد (١/ ٣٤٣) برقم ٤٠٤ ورقم ٦٦٧ وفيه ورد على الصواب وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب إنه من مقلوب الأسماء في بحث ممتع (٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨).
(٢) في سننه كتاب الطهارة برقم ٩٥ باب ما يجزئ من الماء في الوضوء.
(٣) في سننه كتاب الطهارة (١/ ٦١) برقم ٧٣ باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء.
(٤) المعجم الكبير (١١/ ٢٥١) برقم ١١٦٤٦.
(٥) في المعجم: أحمد بن حماد بن خوار.
(٦) لم أقف عليه.
[ ٢ / ١٧ ]
وأمَّا حديث أبي أمامة؛ فرواه الطّبرانيّ في "معجمه (١) الكبير"، من حديث أبي طالب (٢)، عن أبي أمامة: "أن رسول الله - ﷺ - توضأ بنصف مدّ".
وأمَّا حديث أمِّ عمارة وهي نسيبة بنت كعب الأنصاري: "أن النبيّ - ﷺ - توضّأ فأتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المدّ.
فرواه أبو (٣) داود، وأخرجه النَّسائيّ (٤)، وفيه قال شعبة: فاحفظ أنَّه غسل ذراعيه، وجعل يدلكهما، ومسح أذُنيه باطنهما، ولا أحفظ أنَّه مسح ظاهرهما.
وحديث ابن عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنّه قال: "الغسل صاع، والوضوء مدّ" (٥).
هو عند عبد الحق من طريق أبي أحمد، وضعّفه لنكارة رواية حكيم بن نافع.
وحديث عبد الله بن زيد؛ روى البيهقي من حديث أبي خالد الأحمر: ثنا شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن ابن زيد الأنصاري: "أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - توضأ بنحو من ثلثي المدّ" (٦). قال: وكذلك رواه معاذ بن معاذ، عن شعبة، وكذلك رواه يَحْيَى بن زكريا بن أبي زائدة.
ورواه غندر عن شعبة بن حبيب، عن عباد، عن أم عمارة. قال أبو زرعة: هو الصَّحيح عندي.
وحديث أبي أُمامة (٧): أن النَّبيَّ - ﷺ - توضَأ بنصف مدّ رواه ابن عديّ من طريق الصلت بن دينار،
_________________
(١) المعجم الكبير (٨/ ٣٣٤) برقم ٨٠٧١.
(٢) في المعجم عن أبي غالب.
(٣) في سننه كتاب الطهارة (١ /) برقم ٩٤ باب ما يجزئ من الماء في الوضوء.
(٤) في سننه كتاب الطهارة (١/ ٦١) برقم ٧٤ باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء.
(٥) الأحكام الوسطى (١/ ١٩٥).
(٦) السنن الكبرى (١/ ١٩٥ - ١٩٦).
(٧) الكامل (٤/ ١٣٩٨) ط دار الفكر.
[ ٢ / ١٨ ]
وضعّفه به (١).
الصاع: مكيال أهل المدينة معلوم، وهو أربعة أمداد بمدّ النبي - ﷺ -، وذلك خمسة أرطال وثلث بالبغدادي. هذا قول أهل الحجاز وهو الصَّحيح.
والمدّ: رطل وثلث، قيل: سمَي مدًّا لأنَّه يملأ كفيّ الإنسان إذا مدّهما طعامًا.
وقال أهل العراق: إن الصاع ثمانية أرطال.
والمدّ: رطلين.
والمكّوك: بفتح الميم الأولى، وضمّ الكاف الأولى وتشديدها، وجمعه مكاكيك، ومكاكي. وهو كيل مع صاعًا ونصف صاع من صاع النَّبيِّ - ﷺ -. قاله القاضي عياض (٢).
وقال الشَّيخ محيي الدين ﵀ في الكلام على: "حديث يغتسل بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكوك" (٣)؛ قال: ولعل المراد بالمكوك هنا المدّ، كما قال في الرّواية الأخرى: يتوضّأ بالمدِّ ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ولا أدري من أين هذا له، فقد أجمعوا على أن الماء الذي يجزي في الوضوء والغسل غير مقدّر بمقدار معيّن لا يتعدّاه، بل يكفي فيه القليل والكثير، إذا وجد شرط الغسل (٤)، وهو عند
_________________
(١) في هامش نسخة ابن العجمي: قلت: وفيه أيضًا عن عقيل بن أبي طالب وابن مسعود، وأم سلمة. فحديث عقيل رواه ابن ماجه بلفظ: "يجزيء من الوضوء مد ومن الغسل صاع". وحديث ابن مسعود؛ رواه البزار بنحو حديث قبله لابن عباس: أنَّه كان يتوضّأ بالمد ويغتسل بالصاع. وحديث أم سلمة رواه الطّبرانيّ في "الأوسط" و"الكبير" أيضًا بلفظ حديث ابن عباس المذكور. اهـ. انظر "الصحيحة" (١٩٩١، ٢٤٤٧)، "مجمع الزوائد" (١/ ٢١٩).
(٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٧٩).
(٣) شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣) ط دار المعرفة تحت باب ما يكفي من الماء في الغسل والوضوء من كتاب الحيض.
(٤) شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣) ط دار المعرفة.
[ ٢ / ١٩ ]
أصحابنا جريان الماء على الأعضاء (١).
قال الشَّافعي (٢) ﵀: وقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفي.
قال العلماء (٣): والمستحبّ أن لا ينقص في الغسل من صاع، ولا في الوضوء من مدّ.
والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي (٤).
والمد رطل وثلث، وذلك على التقريب لا على التحديد، وإذا كان كذلك فليكن كل من المدّ والصاع والمكوك محمولًا على موضوعه اللغوي المفسر به عند أهل العلم، ولم تدع ضرورة إلى إخراجه عن موضوعه بتأويل قريب ولا بعيد، بل كانت طرقًا متعددة من الوضوء والاغتسال بمقادير مختلفة من الماء، يتبيّن من مجموعها أن لا حدّ في ذلك على سبيل الجزم، أو تكون محدودة بالأقل تارة، والأكثر تارة لبيان الجواز، وقد قال الشَّافعي وغيره من العلماء الجمع بين هذه الروايات أنّها كانت اغتسالات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله، وأقله، فدلَّ على أنَّه لا حدَّ في قدر ماء الطهارة؛ يجب استيفاؤه.
وذكر ابن أبي شيبة: ثنا ابن عيينة عن الزُّهريّ، عن عروة، عن حفصة (٥) قالت: "كان رسول الله - ﷺ - يغتسل من الفرق -وهو القَدَح-" (٦).
قال: ثنا حسين بن عليّ، عن زائدة، عن منصور، عن إبراهيم قال: كان
_________________
(١) فتح العزيز (٢/ ١٦٥ بهامش المجموع).
(٢) الأم (١/ ٨٤) ط دار الكتب العلمية تحت باب قدر الماء الذي يتوضّأ به.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصنف (١/ ٦٥).
(٥) لعله سبق قلم والصّواب عائشة.
(٦) المصنف (١/ ٦٦).
[ ٢ / ٢٠ ]
يقال: يكفي الرجل لغسله ربعُ الفرق.
حدَّثنا وكيع، عن مسعر، عن عطيّة قال: رأيت عمر توضأ من كوز، وأفضل منه (١).
قلت (٢): يكون مدًّا؟ قال: وأفضل.
وروي عن ابن عيينة (٣)، عن عبد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: يجزي الصاع للجنب. فقال عبد الله: لا أدري قبل الوضوء أو بعده.
* * *
_________________
(١) المصنف (١/ ٦٦).
(٢) أي ابن أبي شيبة.
(٣) المصنف (١/ ٦٥ - ٦٦).
[ ٢ / ٢١ ]