ثنا محمد بن حميد الرازي: ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد عن أنس: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يتوضأ لكل صلاة طاهرًا أو غير طاهر قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كُنَّا نتوضأ وضوءًا واحدًا.
قال أبو عيسى: حديث أنس غريب.
والمشهور عند أهل الحديثِ حديثُ عمرو بن عامر عن أنس.
وقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة استحبابًا لا على الوجوب.
حدَّثنا محمد بن بشار: ثنا يَحْيَى بن سعيد، وعبد الرحمن هو ابن مهدي، قالا: ثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "كان النَّبيُّ - ﷺ - يتوضّأ عند كل صلاة" قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كُنَّا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث.
قال: هذا حديث حسن صحيح.
وقد روي عن ابن عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: "من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات". قال: روى هذا الحديث الإفريقي، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ -.
حدَّثنا بذلك الحسين بن حريث المروزي: ثنا محمد بن يزيد الواسطيِّ، عن الإفريقي. وهو إسناد ضعيف (١).
قال عليّ: قال يَحْيَى بن سعيد القطان: ذكر لهشام بن عروة إسناد هذا الحديث فقال: هذا إسناد مشرقي.
_________________
(١) الجامع (١/ ٨٦ - ٨٧).
[ ٢ / ٢٨ ]
* الكلام عليه:
حديث حميد، عن أنس هذا استغربه التِّرمذيُّ، وانفرد بإخراجه عن أصحاب الكتب الستة، وذكر في كتاب "العلل" (١) أنَّه سأل البُخاريّ عنه فقال (٢): لا أدري ما سلمة هذا، كان إسحاق يتكلَّم فيه، ما أروي عنه، ولم يُعرف محمد هذا من حديث حميد (٣).
وسلمة هذا هو ابن الفضل أبو عبد الله الأبرش الأنصاري، قاضي الرّي، يروي عن ابن إسحاق المغازي، ضعفه ابن راهويه والنَّسائيُّ (٤).
وقال عليّ: رمينا حديثه (٥).
وقال البُخاريّ: عنده مناكير (٦).
وحديث عمرو بن عامر الذي أشار إليه ثم ذكره بإسناده وصححه (٧).
أخرجه البُخاريّ (٨)، وأبو داود (٩)، والنَّسائيُّ (١٠)، وابن ماجه (١١).
_________________
(١) العلل الكبير (١/ ١٢٨).
(٢) انظر ترجمته في الجرح والتعديل (٤/ ١٦٨) برقم ٧٣٩ وتهذيب الكمال (١١/ ٣٠٥) برقم ٢٤٦٤ وتهذيب التهذيب (٢/ ٧٦).
(٣) التاريخ الصَّغير للبخاري (٢/ ٢٦٨) ط دار الوعي بحلب تحقيق محمود إبراهيم زايد.
(٤) الضعفاء والمتروكون (١٨٤) برقم ٢٤١ ط دار المعرفة.
(٥) التاريخ الصَّغير للبخاري (٢/ ٢٦٨).
(٦) التاريخ الكبير (٤/ ٨٤) برقم ٢٠٤٤.
(٧) الجامع (١/ ٨٨) وقال حسن صحيح.
(٨) في صحيحه كتاب الوضوء (١/ ٨٩) برقم ٢١٤ باب الوضوء من غير حدث.
(٩) في سننه كتاب الطهارة (١ /) برقم ١٧١ باب الرجل يصلِّي الصلوات بوضوء واحد.
(١٠) في سننه كتاب الطهارة (١/ ٩١ - ٩٢) برقم ١٣١ باب الوضوء لكل صلاة.
(١١) في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٧٠) يرقم ٥٠٩ باب الوضوء لكل صلاة والصلوات كلها بوضوء واحد.
[ ٢ / ٢٩ ]
وذكر حديث ابن عمر من طريق الإفريقي، وضعّفه (١)، وهو عند أبي داود (٢) وابن ماجه (٣).
وذكر التِّرمذيُّ في كتاب "العلل" (٤) قال: ورأيت محمدًا يثني على الإفريقي خيرًا ويقوّي أمره.
يعني عبد الرحمن بن زياد.
وحديثُ الإفريقي هذا عند ابن ماجه (٥) من طريقه عن أبي غطيف، عن ابن عمر، أتمّ من هذا.
قال أبو غطيف: سمعت ابن عمر في مجلسه في المسجد، فلمَّا حضرت العصر قام فتوضأ ثم صَلَّى، ثم عاد إلى مجلسه، فلما حضرت المغرب قام فتوضّأ ثم صَلَّى المغرب، ثم عاد إلى مجلسه؛ فقلت: أصلحك الله! أفريضة أم سنة؟ الوضوء عند كل صلاة؟ قال: أوَ فطنت إليّ، وإلى هذا منّي؟ فقلت: نعم. فقال: لا، لو توضأت لصلاة الصبح لصلّيت به الصلوات كلّها ما لم أحدث. ولكنّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من توضّأ على طهر فله عشر حسنات"، وإنّما رغب في الحسنات.
ذكر أبو (٦) بكر الحازمي من حديث علقمة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النَّبيِّ - ﷺ -: "أنّه كان يتوضأ لكلّ صلاة".
_________________
(١) الجامع (١/ ٨٧).
(٢) في سننه كتاب الطهارة (١ /) برقم ٦٢ باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث.
(٣) في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٧٠ - ١٧١) برقم ٥١٢ باب الوضوء على طهارة.
(٤) العلل الكبير (١/ ١٢٨).
(٥) في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٧٠ - ١٧١) برقم ٥١٢ باب الوضوء على طهارة.
(٦) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (١٠٩ - ١١١) باب تجديد الوضوء لكل صلاة ط المصرية تحقيق محمد أحمد عبد العزيز، وانظر شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٤١ - ٤٢) ط المصرية تحقيق محمد سيد جاد الحق.
[ ٢ / ٣٠ ]
وقال: قال أبو جعفر الطحاوي: فذهب قوم إلى أنّ الحاضرين يجب عليهم أن يتوضؤوا لكل صلاة.
واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وخالفهم في ذلك أكثر العلماء، فقالوا: لا يجب الوضوء، إلَّا من حدث.
وما روي عن النبيّ - ﷺ - محمول على التماس الفضل، لا على الوجوب، ويحتمل أن يكون ممَّا خصّ به النبيّ - ﷺ - دون أمَته (١)، واستدل على ذلك بحديث أنس الذي ذكرناه آنفًا من طريق عمرو بن عامر وحميد.
قال الطحاوي: فهذا أنس قد علم ما ذكرنا من فعل رسول الله - ﷺ - ولم يَر ذلك فرضًا على غيره، قال: وقد يجوز أن يكون رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك وهو واجب، ثم نسخ (١)، وذكر في ذلك ما يأتي ذكره في الباب بعد هذا.
ومن يذهب إلى تجديد الوضوء لكلّ صلاة يتمسَّك بظاهر قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٢) الآية.
وقد اختلف في هذا الأمر (٢)، هل هو مخصوص لمن كان على غير طهارة فذهب قوم إلى أنَّه مخصوص بمن كان على غير طهارة، واختلفوا بعد ذلك في تأويل الآية.
_________________
(١) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (١٠٩ - ١١١) باب تجديد الوضوء لكل صلاة ط المصرية تحقيق محمد أحمد عبد العزيز، وانظر شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٤١ - ٤٢) ط المصرية تحقيق محمد سيد جاد الحق.
(٢) انظر أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٣٢٨ - ٣٣١) ط دار الكتاب العربي لبنان وأحكام القرآن للشافعي (٤٥) دار الكتب العلمية ونيل المرام من تفسير آيات الأحكام لصديق ابن حسن خان ٢/ ٤٤٣ - ٤٤٦) ط رمادي للنشر وأحكام القرآن للكيا الهرّاسي (٣/ ٣١) ط دار الكتب العلمية وأحكام القرآن لابن العربي المالكي (٢/ ٥٥٧ - ٥٦١) الطبعة المصرية، تفسير الطبري (١٠/ ٧ - ٢٢) ط دار المعارف بمصر.
[ ٢ / ٣١ ]
فقيل: المأمورون بذلك المحدثون خاصة كأنه تعالى قال: إذا قمتم إلى الصَّلاة وقد أحدثتم وإلى هذا ذهب الشَّافعي (١).
وقيل: المأمورون بذلك القائمون من النوم، والمعنى: إذا قمتم إلى الصَّلاة وقد نمتم، وهو مذهب زيد (٢) بن أسلم وأهل المدينة.
وقد اختلف العلماء في النوم هل هو حدث أو سبب للحدث، كما يأتي في باب الوضوء من النوم إن شاء الله تعالى.
والذين ذهبوا إلى أن الأمر بالوضوء عام لمن أحدث، ولمن لم يحدث اختلفوا هل ذلك الأمر محمول على الإيجاب (٣) أو الندب (٤).
فذهب جماعة إلى أنَّه أمر ندب، فلم يوجبوا الوضوء على من قام إلى الصَّلاة، وهو على وضوء، وأوجبوه على من قام إلى الصَّلاة وهو على غير وضوء، بدليل من خارج، وذهب جماعة إلى أن الأمر في الآية أمر إيجاب، وقالوا: فيجب على كل من قام إلى الصَّلاة الوضوء محدثًا كان أو غير محدث.
ثم اختلف هؤلاء هل ذلك الأمر محكم أو منسوخ، فذهب جماعة إلى أنّه محكم، وأوجبوا الوضوء على كل قائم إلى الصَّلاة. يحكى ذلك عن ابن (٥) سيرين،
_________________
(١) أحكام القرآن للشافعي (٤٥) وانظر الأم (١/ ١٠ - ١١).
(٢) تفسير ابن جرير (١٠/ ١٢) والأثر رواه مالك في الموطأ (١/ ٢١) برقم ١٠.
(٣) وبه قال داود الظاهري، انظر نيل المرام (٢/ ٤٤٣).
(٤) وبه قال جمهور أهل العلم، انظر نيل المرام (٢/ ٤٤٦) وهو الذي رجحه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٩).
(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٣) برقم ١١٣٢٤ وإسناده ضعيف ابن سيرين لم يرو عن أحد من الخلفاء الراشدين الأربعة ولم يدرك أحدًا منهم.
[ ٢ / ٣٢ ]
وعكرمة (١)، وعبيد بن عمير.
وحمل قوم مذهب عليّ بن أبي طالب على هذا.
وذكر أبو (٢) بكر بن أبي شيبة: ثنا يَحْيَى بن سعيد، عن مسعود بن علي، عن عكرمة قال: قال سعد: إذا توضّأت فصلِّي بوضوءك ما لم تحدث.
وقال عليّ (٣): إذا قمتم إلى الصَّلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم.
حدَّثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: كانت الخلفاء تتوضّأ لكلّ صلاة (٤).
حدَّثنا يزيد بن هارون قال: ثنا حماد بن زيد، عن هشام بن حسَّان، عن محمد قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان فيما يعلم أبو خالد: يتوضؤون لكلّ صلاة، فإذا كانوا في المسجد دعوا بالطست (٤).
ولد نقل عن عمر غير هذا كما سنذكر.
وذهب جماعة إلى أن الأمر بذلك منسوخ وسيأتي.
* * *
_________________
(١) ضعيف أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٢) برقم ١١٣٢٣ والدارمي (١/ ١٧٥) من طريق مسعود بن علي الشيباني قال: سمعت عكرمة يقول: كان علي ﵁ يتوضّأ عند كل صلاة. وهذا إسناد ضعيف بسبب الانقطاع بين مسعود الشيباني وعكرمة، قال البُخاريّ في التاريخ الكبير (٧/ ٤٢٣) برقم ١٨٥٢: "مسعود بن علي سمع من عكرمة، مرسل، روى عنه يَحْيَى القطان، وقال: لم يكن به بأس".
(٢) المصنف (١/ ٢٨).
(٣) المصنف (١/ ٢٩).
(٤) المصدر السابق.
[ ٢ / ٣٣ ]