حدثنا هناد أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الوضوء من لحوم الإبل، قال: "توضؤوا منها".
وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم؟ فقال: "لا توضؤوا منها".
قال: وفي الباب عن جابر بن سمرة وأسيد بن حضير.
قال أبو عيسى: وقد روى الحجاج بن أرطاة هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير، والصحيح حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، وهو قول أحمد وإسحاق.
وروى عبيدة الضبي، عن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ذي الغرة [الجهني].
وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة، وأخطأ فيه وقال: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أسيد بن حضير، والصحيح عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، قال إسحاق (١): صحّ في هذا الباب حديثان عن رسول - ﷺ -.
حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة.
* الكلام عليه:
سكت عن حديث البراء فلم يحكم عليه بشيء، وفي إسناده
_________________
(١) ذكره إسحاق بن منصور والكوسج عن إسحاق كما في التمهيد (٣/ ٣٤٩).
[ ٢ / ٢٥٨ ]
عبد (١) الله بن عبد الله الرازي قاضي الري: أصله كوفي، روى عن جابر بن سمرة وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير وغيرهم ..
روى عنه الأعمش وقال (٢): كان ثقة لا بأس به عندي عنه: وفطر بن خليفة، وحجاج بن أرطاة، والحكم بن عتيبة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والقاسم بن الوليد الهمداني، وعبيدة سئل عنه أحمد (٣) فقال: لا أعلم إلا خيرًا.
وقال عباد (٤): عن حجاج، وكان ثقة.
وقال ابن (٥) المديني: معروف.
وقال العجلي (٦): ثقة.
روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه (٧)، وأخرج هذا الحديث الإمام أحمد (٨)
_________________
(١) انظر ترجمته في الجرح والتعديل (٥/ ٩٢) برقم ٤٢١ وتهذيب الكمال (١٥/ ١٨٣ - ١٨٥) برقم ٣٣٦٧ وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٦٩).
(٢) الذي يظهر أن قائل ذلك يعقوب بن سفيان كما في المعرفة له (٣/ ٢٢٠)، ثم تبين لي أن الجملة من قول الأعمش كما في تاريخ بغداد (١٠/ ٤) برقم ٥١١٦ فالحمد لله أولًا وآخرًا.
(٣) هو عبيدة الضبي، وقول أحمد لا أعلم إلا خيرًا إنما قالها في عبد الله بن عبد الله الرازي كما في العلل لابنه عبد الله (٣/ ١٠٠) برقم ٤٣٧٩ فلعله سبق قلم من المصنف أو خطأ من النساخ.
(٤) تاريخ بغداد (١٠/ ٥).
(٥) المصدر السابق.
(٦) معرفة الثقات (٢/ ٤٤) برقم ٩٢٤.
(٧) والنسائي في مسند علي، انظر تهذيب الكمال (١٥/ ١٨٥).
(٨) المسند (٤/ ٦٧) و(٥/ ١١٢) ووقع في المسند من رواية أحمد وهو خطأ والصواب أنه من زيادات عبد الله على المسند كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/ ٤٨٦) ط. السعادة وفي تعجيل المنفعة (١/ ٥١٣) حيث رمز له (عب) وهو لزيادات عبد الله وكذا في أطراف المسند (٢/ ٣٢٢) برقم ٢٣٣١ وعزاه الهيثمي في المجمع لعبد الله بن أحمد (١/ ٢٥٠) وانظر إتحاف المهرة (٤/ ٤٦٠) برقم ٤٥٢٠ وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (١/ ٥٠١) هذا فيما يتعلق بحديث ذي الغرة الجهني ﵁، أما حديث البراء فهو في المسند (٤/ ٢٨٨، ٣٠٣) ولعل هو المقصود بقول المصنف وأخرج هذا الحديث الإمام أحمد.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وأبو (١) داود وابن (٢) ماجه، وقد حكم بصحته الإمام أحمد (٣) وإسحاق (٤)، روى عنهما أنهما قالا: في الباب حديثان صحيحان.
حديث البراء وحديث جابر بن سمرة وقال ابن (٥) خزيمة: "لم نر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل، لعدالة ناقليه" يعني حديث البراء، وقال أحمد (٦) بعد إخراجه هذا الحديث: عبد الله بن عبد الله الرازي قاضي الريّ ثقة.
فأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم (٧) من حديث أشعث بن أبي الشعثاء، كلهم عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة.
قال ابن (٨) المديني: جعفر بن أبي ثور رجل مجهول.
_________________
(١) في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٢٨) برقم ١٨٤ باب الوضوء من لحوم الإبل.
(٢) في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٦٦) برقم ٤٩٤ باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل.
(٣) انظر التمهيد (٣/ ٣٤٩) وسنن البيهقي (١/ ١٥٩) من رواية الأثرم عنه، وفي مسائل عبد الله لأبيه أنه قال: حديث البراء وحديث جابر بن سمرة جميعًا صحيح إن شاء الله تعالى. انظر مسائل عبد الله (ص ١٨).
(٤) انظر تنقيح التحقيق (١/ ٤٩٨) وسنن الترمذي (١/ ١٢٥) والتمهيد لابن عبد البر (٣/ ٢٤٩) وسنن البيهقي (١/ ١٥٩) من رواية الكوسج عنه.
(٥) في صحيحه (١/ ٢٢) برقم ٣٢.
(٦) المسند (٤/ ٣٠٣) وفيه عبد الله بن عبد الله رازي وكان قاضي الري وكانت جدته مولاة لعلي أو جارية قال عبد الله قال أبي ورواه عنه آدم وسعيد بن مسروق وكان ثقة، وانظر أطراف المسند (١/ ٥٨٣).
(٧) في صحيحه كتاب الحيض (١/ ٢٧٥) برقم ٣٦٠ باب الوضوء من لحوم الإبل.
(٨) انظر سنن البيهقي (١/ ١٥٨)، وقال الترمذي في العلل (١/ ١٥٤): "وجعفر بن أبي ثور رجل مشهور" وقال أبو أحمد الحاكم في الأسامي والكنى (٣/ ٩) برقم ٩٧٦: "وجعفر أحد المشايخ الكوفيين الذين اشتهرت روايتهم عن جابر بن سمرة" وقد صحح حديثه في لحوم الإبل:
(٩) مسلم في صحيحه (١/ ٢٧٥) برقم ٣٦٠.
(١٠) ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٢٢) برقم ٣١. =
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وقال الترمذي (١) في كتاب "العلل": أخطأ شعبة في حديث سماك عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، عن النبي - ﷺ - في الوضوء من لحوم الإبل فقال: عن سماك، عن أبي ثور، وجعفر بن أبي ثور رجل مشهور روى عنه سماك بن حرب، وعثمان بن عبد الله بن موهب وأشعث بن أبي الشعثاء، وهو من ولد جابر بن سمرة.
قال ابن (٢) خزيمة: وهؤلاء الثلاثة من أجلّة رواة الحديث.
قال البيهقي (٣): ومن روى عنه مثل هؤلاء الثلاثة خرج من أن يكون مجهولًا.
وقد ذكر الحاكم (٤) فيمن روى عنه أيضًا: محمد بن قيس، وحبيب بن أبي ثابت، وقال (٥): أحد مشائخ الكوفة (٦) الذي (٦) اشتهر حديثه (٦) عن جابر بن سمرة، روى عنه وذكر الخمسة الذين ذكرناهم، وقال البخاري (٧) فيما حكى عنه البيهقي (٨): جعفر بن أبي ثور، عن جده جابر بن سمرة، وقال سفيان: وزكريا وزائدة: عن سماك، عن جعفر بن أبي ثور بن جابر، عن جابر، عن النبي - ﷺ - في اللحوم قال: وقال أهل النسب: ولد جابر بن سمرة خالدًا وطلحة ومسلمة ". زاد
_________________
(١) = ٣ - ابن حبان في صحيحه (٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩) برقم ١١٢٦ الإحسان.
(٢) أبو عبد الله بن منده في كتاب الطهارة نقل ذلك عنه ابن دقيق العيد كما في الإمام (٢/ ٣٦٥).
(٣) البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٥٨ - ١٥٩).
(٤) العلل الكبير (١/ ١٥٤ - ١٥٥).
(٥) صحيح ابن خزيمة (١/ ٢١) برقم ٣١.
(٦) السنن الكبرى (١/ ١٥٩).
(٧) الأسامي والكنى (٣/ ١٠).
(٨) الأسامي والكنى (٣/ ٩).
(٩) في الأسامي الكوفيين الذين اشتهرت روايتهم.
(١٠) التاريخ الكبير (٢/ ١٨٧) برقم ٢١٤٥ والتاريخ الأوسط (١/ ٣٣٤).
(١١) السنن الكبرى (١/ ١٥٨).
[ ٢ / ٢٦١ ]
الحاكم (١) عن البخاري: وهو أبو ثور، وقال الحاكم (٢) عن السراج: سمعت محمد بن إدريس يعني الحنظلي قال: سألت أبا السائب وهو سلم بن جنادة، عن اسم أبي ثور بن جابر؟ فقال: اسمه مسلم بن جابر، ومات جابر بن سمرة عن أربعة خالد بن جابر وأبي ثور مسلم أبو جعفر، وجبير، وجندب فعقب منهم مسلم وخالد، وقد أدخل جعفرًا أبو (٣) حاتم بن حبان في كتاب "الثقات" له، وبعضهم يكنيه أبا ثور، وربما نسبه ابن عكرمة، وأظنّ تقليدًا لشعبة، وقد ردّه الحاكم (٤) أبو أحمد وغيره، وقال موسى (٥) بن هارون: جابر بن سمرة جده لأمه، ظنًّا بظنّه ليس على سبيل الجزم.
وقال الحافظ أبو (٦) الحجاج المزّي: قيل: ابن مسلم أو ابن مسلمة، أو ابن عكرمة جده جابر بن سمرة قيل لأبيه وقيل لأمه.
قلت: والظاهر من ذلك كلّه أنه جعفر بن أبي ثور مسلم بن جابر كما اختاره الحاكم (٧)، وحكاه عن أبي السائب.
وذكره الشيخ أبو (٨) الحسن الدارقطني في "العلل" مرفوعًا من حديث الجماعة بنحو ما ذكرناه، وقال: إن داود بن المحبر خالف فيه أصحاب حماد بن سلمة فقال عنه سماك بن جعفر بن أبي ثور، عن أبيه، عن جده جابر بن سمرة.
_________________
(١) الأسامي والكنى (٣/ ١٢).
(٢) الأسامي والكنى (٣/ ١٢).
(٣) الثقات (٤/ ١٠٥ - ١٠٦).
(٤) الأسامي والكنى (٣/ ٩).
(٥) انظر تهذيب التهذيب (١/ ٣٠٢) ولم ينسبه لقائل وكذا تهذيب الكمال (٥/ ١٩).
(٦) تهذيب الكمال (٥/ ١٩) وفيه اسمه عكرمة وقيل مسلم وقيل مسلمة السوائي أبو ثور الكوفي.
(٧) الأسامي والكنى (٣/ ١٢).
(٨) وليس هو في العلل المطبوع، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وقال شعبة: فيه عن سماك، عن أبي ثور بن عكرمة، عن جده جابر بن سمرة.
وقال الوليد بن أبي ثور عن سماك، عن جعفر بن أبي ثور جاء رجل إلى النبي - ﷺ - مرسل لم يذكر جابر بن سمرة.
وقوله (١): وفي الباب حديث أسيد بن حصير يوهم أنّه حديثي البراء وجابر وليس كذلك، هو حديث البراء، خالف الحجاج بن أرطاة فيه الأعمش، عن عبد الله الرازي. فالأعمش يرويه عنه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء. وكذلك رواه الناس عن الأعمش.
والحجاج يرويه عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير. والحجاج ضعيف.
وقد نسب الترمذي (٢) الخطأ فيه لحماد بن سلمة، عن حجاج وقال: خالف أصحاب حجاج، وخالف الأعمش وحجاجًا معًا عبيدة الضبي فجعله عن ذي الغرة، عن النبي - ﷺ -.
قال البيهقي (٣): "وليس بشيء، وعبيدة الضبي ليس بالقوي وذو الغرة لا يدرى من هو".
وقال أبو (٤) عمر: يقال إن اسم ذي الغرة يعيش جهني، وقيل طائي، وقيل هلالي، وذكر له هذا الحديث فكان الأشبه بالترمذي أن يقول: وفي الباب حديث أسيد بن حضير، وحديث ذي الغرة أولًا بعد حديث واحد منهما، ويجعل ذلك كله خلفًا وقع في حديث البراء كما هو الظاهر.
_________________
(١) أي الترمذي كما في الجامع (١/ ١٢٣).
(٢) الجامع (١/ ١٢٤) وكذا العلل الكبير (١/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٣) السنن الكبرى (١/ ١٥٩).
(٤) الاستيعاب (٢/ ٤٧٠).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وفيه من هذا النمط عن سليك الغطفاني، عن النبي - ﷺ -: روى جابر الجعفي، عن ابن أبي ثابت، عن ابن أبي ليلى، عن سليك الغطفاني، عن النبي - ﷺ - في الوضوء من لحوم الإبل، ذكر ابن (١) أبي حاتم أنّه سأل أباه عنه بعد ذكر هذه الروايات الثلاث، أعني عن ذي الغرة، وعن أسيد بن حضير، وعن البراء عن الصحيح فقال: ما رواه الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن البراء، عن النبيّ - ﷺ -. والأعمش أحفظ.
وفي هذا الباب حديث آخر رواه أحمد (٢) وابن عبدة (٣)، عن يحيى بن كثير، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ - قال. "توضؤوا من لحوم الإبل، ولا توضؤوا من لحوم الغنم".
قال ابن (٤) أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كنت أنكر هذا الحديث لتفرده فوجدت له أصلًا: حدثنا ابن المصفى، عن بقية، قال: حدثنا فلان سماه، عن عطاء بن السائب، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بنحوه. قال: وحدثني عبيد الله بن سعد الزهري قال: حدثني عمّي يعقوب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثني عطاء بن السائب الثقفي: أنّه سمع محارب بن دثار يذكر عن ابن عمر بنحو هذا، ولم يرفعوه.
_________________
(١) العلل (١/ ٢٥) برقم ٣٨.
(٢) قلت ليس هو في مسند أحمد ولعله خطأ من الناسخ أو سبق قلم من المصنف والحديث عند ابن ماجه في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٦٦) برقم ٤٩٧ باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل وتصحف فيه إلى عبد الله بن عمرو. انظر: تحفة الأشراف (٦/ ٧٤١٦) وعلل الحديث لابن أبي حاتم (١/ ٢٨) برقم ٤٨ ومصباح الزجاجة (١/ ١٩٧).
(٣) صوابه رواه أحمد بن عبدة وعليه فيزول الإشكال ولا حاجة بنا إلى حاشية رقم ٥ فالمصنف ينقل عن شيخه ابن دقيق العيد كما في الإمام (٢/ ٣٧١) وهذا الأخير ينقل عن ابن أبي حاتم في العلل.
(٤) العلل (١/ ٢٨) برقم ٤٨.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
قال أبي: حديث ابن إسحاق أشبه بموقوف.
وقد اختلف العلماء في الوضوء من لحوم الجزور (١)، فقالت طائفة: لا وضوء عنه. وهم الذين ذكرناهم في الباب قبل هذا، القائلون بأن لا وضوء مما مست النار مطلقًا.
وقالت طائفة: يتوضأ منه وممّن قال بذلك أحمد (٢) بن حنبل، وإسحاق (٢) بن راهويه، ويحيى (٢) بن يحيى، وأبو بكر بن المنذر، وابن (٣) خزيمة، واختاره الحافظ أبو (٤) بكر البيهقي. قال النووي (٥): وحكى عن أصحاب الحديث مطلقًا، وعن جماعة من الصحابة ﵃.
وقال ابن القاص: إن لحم الجزور ينقض الوضوء، وليس قاله النووي: ويعني في مذهب الشافعي يعني الجديد، والقول بذلك هو قديم المذهب.
قال أبو (٦) بكر بن أبي شيبة: ثنا ابن (٧) عائشة، عن محمد (٧) بن حميد، عن أبي العالية: أنَّ أبا موسى نحر جزورًا فأطعم أصحابه، ثم قاموا يصلون بغير طهور، فنهاهم عن ذلك الحديث. واختلف القائلون بالوضوء منه:
* فمنهم من قال: لا يتوضأ منه إلا أن مسته النار وهم الأكثرون.
_________________
(١) انظر: المغني (١/ ١٨٧ - ١٩٠)، الكافي (١/ ٤٤)، المحرر (١/ ١٥) والاستذكار (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، الكافي لابن عبد البر (١/ ١٥١) بداية المجتهد (١/ ٣١)، شرح معاني الآثار (١/ ٧١ - ٧٢)، فتح العزيز (٢/ ٢)، والمجموع (٢/ ٥٧ - ٦١).
(٢) التمهيد (٣/ ٣٥١).
(٣) صحيح ابن خزيمة (١/ ٢١ - ٢٢).
(٤) السنن الكبرى (١/ ١٥٨ - ١٥٩) والمعرفة (١/ ٤٥١ - ٤٥٢).
(٥) شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٧١).
(٦) المصنف (١/ ٤٦).
(٧) صوابه ابن علية عن حميد.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
* ومنهم من قال: يتوضأ من أكله بكل حال سواء مسته النار أو لم تمسه، وإلى الثاني ذهب أحمد وهو القديم من قول الشافعي.
فأما من قال: لا وضوء من لم الجزور، فتمسك بحديث جابر بن عبد الله: كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار، وما في معناه من الأحاديث السابقة في الباب.
قال أبو (١) عمر: وأما مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري والليث والأوزاعي فكلّهم لا يرون في شيء مما مسته النار وضوء على من أكله، وسواء عندهم لحم الإبل في ذلك وغير الإبل.
لأن في الأحاديث الثابتة: أنّ رسول الله - ﷺ - أكل خبزًا ولحمًا، وأكل كتفًا، ونحو هذا كثير: ولم يخص لم الجزور من غيره، وصلى ولم يتوضأ، وهذا ناسخ رافع عندهم لما عارضه (٢). ثم ذكر (٣) عن حماد بن زيد قال: سمعت أيوب يقول لعثمان البتي: "إذا سمعت أبدًا اختلافًا عن النبيّ - ﷺ -، أو بلغك فانظر ما كان عليه أبو بكر وعمر فشدّ به يدلّ" (٣). في آثار كثيرة في معناه، والجواب بأن العمومات في الوضوء تعارضه بالعمومات في ترك الوضوء. وقول جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء يقابله قول عائشة: كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -: الوضوء مما مست النار. وإن أمكن الترجيح هناك بصحة إسناد، أو عمل صحابي، أو ما أشبه ذلك في أحد الطرفين، وألفينا لأحد العامين على الآخر، فحديث الوضوء من لم الجزور خاص لا معارض له، والخاص مقدّم على العام (٤)، فيعمل به في موضعه ويبقى
_________________
(١) التمهيد (٣/ ٣٥١).
(٢) التمهيد (٣/ ٣٥١).
(٣) أي ابن عبد البر (٣/ ٣٥٣).
(٤) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ٢٧٢).
[ ٢ / ٢٦٦ ]
الحكم فيما عداه على عمومه، وكذلك قول أيوب لعثمان: إذا بلغك اختلاف عن النبي - ﷺ - فانظر ما كان عليه أبو بكر وعمر ولا يصلح أن يكون ردًّا على من ذهب إلى الوضوء من لحم الجزور، لأن هذه الخصوصية لم تبلغنا عن النبيّ - ﷺ - اختلاف فيه.
ومن قال: لا يتوضأ منه إلا إذا كان مطبوخًا، فهو عنده مستثنى مما مست النار.
ومن قال بالوضوء منه مطلقًا أخذ بعموم قوله: توضأ من لحوم الإبل ونظر أيضًا إلى المعنى وهو ما فيه من مزيد الزهومة التي ذكروها على غيره من اللحم، وهي إذا كانت كذلك، وهو مطبوخ أجدر بأن يكون أقوى قبل الطبخ.
واختلف العلماء في غسل اليد قبل الطعام وبعد.
قال الشيخ محيي (١) الدين: والأظهر استحبابه أولًا، إلا أن يتيقن نظافة اليد من النجاسة والوسخ واستحبابه بعد الفراغ إلا أن لا يبقى على اليد أثر الطعام بأن كان يابسًا، ولم يمسه بها.
ومذهب مالك (٢) ترك ذلك إلا أن يكون في اليد قذر.
فإن كان للطعام رائحة كالسمك غسلت اليد بعد، ولا يغسل قبل، وفيه جواز الصلاة في مرابض الغنم، والنهي عنها في مبارك الإبل، وسيأتي في بابه من كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
(٢) قال النووي في شرح مسلم (٤/ ٢٧٠) وقال مالك رحمه الله تعالى: "لا يستحب غسل اليد للطعام إلا أن يكون على اليد أولًا قذر، ويبقى عليها بعد الفراغ رائحة" وانظر عارضة الأحوذي (٨/ ٤٠).
[ ٢ / ٢٦٧ ]