ثنا هناد: ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان النبي - ﷺ - ينام وهو جنب لا يمسّ ماءً".
حدثنا هنّاد: نا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق نحوه.
قال أبو عيسى: وهذا قول سعيد بن المسيب وغيره.
وقد روى غير واحد عن الأسود، عن عائشة، عن النبيّ - ﷺ - أنه: "كان يتوضأ قبل أن ينام".
وهذا أصح من حديث أبي إسحاق عن الأسود.
وقد رَوَى عن أبي إسحاق هذا الحديث شعبة والثوري، وغير واحد، ويرون هذا غلطًا من أبي إسحاق (١).
* الكلام عليه:
أخرجه النسائي (٢) وابن (٣) ماجه، وسكت عنه الترمذي فلم يحكم عليه بشيء، ولعله لشبهة كلام العلماء فيه، وقد نبّه عليه بقوله: يرون هذا غلطًا من أبي إسحاق.
قال يزيد (٤) بن هارون: هذا الحديث وهم، وقال سفيان (٥) الثوري: فذكرت
_________________
(١) الجامع (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣).
(٢) النسائي في الكبرى (٥/ ٣٣٢) برقم ٩٠٥٢.
(٣) في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٩٢) برقم ٥٨١ باب في الجنب ينام كهيئته لا يمس ماء.
(٤) مختصر سنن أبي داود للمنذري (١/ ١٥٤).
(٥) أخرجه ابن ماجه في سننه (١/ ١٩٢) عقب الحديث ٥٨٣.
[ ٣ / ٢٥ ]
الحديث يومًا يعني حديث أبي إسحاق هذا، فقال لي إسماعيل: يا فتى فَشُدَّ هذا الحديث بشيء.
وذكر الخلال عن مهنا: سألت أحمد عن حديث أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان النبيّ - ﷺ - ينام جنبًا لا يمسُّ ماء"، قال: ليس صحيحًا (١)، قلت: لِمَ؟ قال: لأن شعبة روى عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أنّ رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاه" (٢)، قلت: مِنْ قِبَلِ مَنْ جاء هذا الاختلاف؟ قال: من قبل أبي إسحاق الحديث، ثم قال (٣): وسألت أحمد بن صالح عن هذا الحديث، فقال: لا يحل أن يروى هذا الحديث.
قال أبو عبد الله: الحكم يرويه مثل قصة أبي إسحاق ليس عن الأسود: الجنب يأكل، يعني أنه ليس في تلك الرواية كذا عن الأسود، وأن فيها الجنب يأكل.
قال الأثرم (٤): وقد روى أبو إسحاق عن الأسود، عن عائشة ﵂: "أنّ النَّبيّ - ﷺ - كان يجنب ثم ينام قبل أن يمسّ ماء"، فلو لم يخالف أبا إسحاق في هذا إلا إبراهيم وحده، عن الأسود كان أثبت، وأعلم بالأسود، ثم وافق إبراهيمَ عبد (٥) الرحمن بن الأسود، ثم وافقهما فيما روياه أبو سلمة وعروة عن عائشة رصي الله عنها.
_________________
(١) عبارة أحمد هذه نقلها الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١٤٥) وفيه قال أحمد إنه ليس بصحيح.
(٢) رواه مسلم في صحيحه كتاب الحيض (١/ ٢٤٨) برقم ٣٠٥ باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له.
(٣) أي مهنا وقول أحمد بن صالح ذكره الحافظ في التلخيص (١/ ١٤٠ - ١٤١).
(٤) قول الأثرم هذا نقله الحافظ في التلخيص (١/ ١٤١) مقتصرًا على أوله.
(٥) ورواية عبد الرحمن بن الأسود أخرجها البيهقي في سننه (١/ ٢٠٢).
[ ٣ / ٢٦ ]
ثم وافق ما صحّ عن عائشة ﵂ من ذلك رواية ابن عمر عن عمر، وما رُوِيَ عن عمار وأبي سعيد فتبيّن أنّ حديث أبي إسحاق إنما هو وهم.
وروى هُشَيْم عن عبد الملك، عن عطاء، عن عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - مثل ما رواه أبو إسحاق عن الأسود.
ورواية عطاء، عن عائشة مما لا يحتجّ به، إلا أن يقول: سمعت، ولو قال في هذا سمعت؛ كانت تلك الأحاديث أقوى (١).
وأورد الترمذي حديث الباب من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق ثم أتبعه بحديث وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، وكلاهما عنده عن هنّاد، عنهما.
وفائدة هذه المتابعة تقوية حديث أبي بكر بن عياش لسلامة وكيع مما طعن به على أبي بكر بن عياش، وأبو (٢) بكر وإن كان ممن له قدم راجح في العبادة والعلم وقراءة القرآن، وتروى له مناقب منها: أنّه أقام خمسين سنة لا يفرش له فراش ينام عليه (٣). ومنها أنّه عند موته أشار إلى موضع في منزله وذكر أنّه ختم القرآن فيه ثمانية عشر ألف مرة (٤). ومنها أن محمد بن المثنى قال: سمعت إبراهيم بن شماس قال: سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن عياش، قال: شهدت أبي عند الموت فبكيت، فقال: يا بني، ما يبكيك؟ فما أتى أبوك فاحشة قط (٥). ومنها: أن يزيد بن هارون
_________________
(١) الإمام (٣/ ٩٠ - ٩١).
(٢) انظر ترجمته في الجرح والتعديل (٩/ ٣٤٨ - ٣٥٠) برقم ١٥٦٥ وتهذيب الكمال (٣٣/ ١٢٩ - ١٣٥) برقم ٧٢٥٢ وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٩٢ - ٤٩٤).
(٣) انظر السير (٨/ ٤٩٩) وله ترجمة حافلة في تاريخ بغداد (١٤/ ٣٧١) برقم ٧٦٩٨.
(٤) السير (٨/ ٥٠٤).
(٥) تاريخ بغداد (١٤/ ٣٨٣).
[ ٣ / ٢٧ ]
قال عنه: لم يضع جنبه على الأرض منذ أربعين سنة (١)، فقال قال: مفضّل الغساني: سألت يحيى (٢) بن معين عنه؛ فضعّفه.
ومن رواية عباس الدُّوري عن يحيى: شريك أثبت من أبي الأحوص، وأبو الأحوص أثبت من أبي بكر بن عياش.
وقال عثمان (٣) بن زائدة: سألت سفيان الثوري عمّن آخذ العلم بالكوفة؟ فقال: عليك بزائدة وسفيان بن عيينة، قلت: فأبو بكر بن عياش؟ قال: ذاك صاحب قرآن.
وروى ابن (٤) المديني، عن يحيى القطان قال: لو كان أبو بكر بن عياش بين يديَّ ما ساكته عن شيء.
وعن أحمد (٥): كثير الخطأ جدًّا، قيل له: في كتبه؟ قال: لا، إذا حدّث من حفظه.
ومع ذلك فقد وثّقه العجلي (٦) وأبو (٧) داود وغيرهما (٨).
_________________
(١) السير (٨/ ٥٠١)، تاريخ بغداد (١٤/ ٣٨٠).
(٢) تاريخ بغداد (١٤/ ٣٧٨).
(٣) تاريخ بغداد (١٤/ ٣٧٨).
(٤) المصدر السابق.
(٥) تاريخ بغداد (١٤/ ٣٧٩).
(٦) معرفة الثقات (٢/ ٣٨٩) برقم ٢٠٩٩.
(٧) تاريخ بغداد (١٤/ ٣٧٩) وسؤالات الآجري أبا داود (١/ ٢٩٨) برقم ٤٧٥.
(٨) ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٦٦٨) وقال ابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٤٥): "وهو في كل رواياته عن كل من روى عنه لا بأس به، وذلك أني لم أجد له حديثًا منكرًا إذا روى عنه ثقة إلا أن يروي عنه ضعيف".
[ ٣ / ٢٨ ]
قال الترمذي (١): وقد روى غير واحد عن الأسود، عن عائشة، عن النبيّ - ﷺ - أنّه كان يتوضأ قبل أن ينام" (٢).
وهذا أصحّ من حديث أبي إسحاق، عن الأسود إلى آخره (٢).
قلت: من الناس من يحمل الوهم في ذلك على أبي (٣) إسحاق معتمدًا على أنّ عبد الرحمن بن الأسود وإبراهيم النخعي روياه عن الأسود (٤)، فخالفا أبا إسحاق، فذكرا الوضوء قبل النوم فعارضاه، وكذلك من ذكرنا معهما في هذا الباب، وستأتي أحاديثهم في الباب بعد هذا.
ومن الناس من جمع بين الروايتين؛ قال الدارقطني (٥): وقال بعض أهل العلم: يشبه أن يكون الخبران صحيحين، وأنّ عائشة قالت: "ربما كان النبيّ - ﷺ - قدم الغسل وربّما أخّره". كما حكى ذلك عنها غضيف بن الحارث وعبد الله بن أبي قيس وغيرهما، وأن الأسود حفظ ذلك عنها، فحفظ عنه أبو إسحاق تأخير الوضوء والغسل، وحفظ عنه عبد الرحمن بن الأسود والنخعي تقديم الوضوء على الغسل.
_________________
(١) الجامع (١/ ٢٠٣).
(٢) رواه الطيالسي في مسنده (١٩٨) برقم ١٣٨٤.
(٣) انظر مختصر سنن أبي داود للمنذري (١/ ١٥٤) وكذا سنن ابن ماجه (١/ ١٩٢) عقب حديث رقم ٥٨٣. وذكر الخلال عن مهنا قال: سألت أحمد عن حديث أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي - ﷺ - ينام جنبًا لا يمس ماء، قال: "ليس صحيحًا". قلت: لم؟ قال. "لأن شعبة روى عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة. قلت: من قبل من جاء هذا الاختلاف؟ قال: من قبل أبي إسحاق ، الحديث". انظر الإمام (٣/ ٨٩ - ٩٠).
(٤) انظر السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٠٢).
(٥) وكلامه هذا في العلل كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٤٥).
[ ٣ / ٢٩ ]
ويمكن أن يقال في دفع الوهم عن أبي إسحاق أن الثقة كأبي إسحاق إذا روى اعتمدت روايته إلا بعلّة بيّنة، والأحاديث التي ذكرها على قسمين: أحدهما الأمر بالوضوء قبل النوم، والثاني: فعل الرسول - ﷺ -، فأما الأمر فيمكن أن يحمل على الاستحباب، ويحمل الفعل على بيان الجواز، ولا تعارض ولا دليل على الوهم.
وأما الفعل فليس يدلّ على الوجوب بمجرّده، ويمكن أن يكون الأمران جميعًا وقعا، فالفعل لبيان الاستحباب، والترك لبيان الجواز (١).
وقد اعتضدت رواية أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، برواية عبد الملك عن عطاء، عنها. وقد نقل ذلك عن عائشة من فتياها.
قال أبو (٢) بكر بن أبي شيبة، نا الفضل بن دكين، نا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر (٣)، عن حذيفة، قال: عائشة قالت: نومة قبل الغسل أوعب لخروجه.
وعن حذيفة أيضًا قال: ثنا وكيع، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرّف قال: قال حذيفة: نومة بعد الجنابة أوعب للغسل (٤).
وقد روت أم سلمة ﵂: "أنّ النبيّ - ﷺ - كان يجنب ثم ينام، ثم يجنب، ثم ينام" رواه الإمام أحمد (٥) في مسنده، وهذا مما لم يذكره الترمذي في الباب.
_________________
(١) انظر الإمام (٣/ ٩١).
(٢) المصنف (١/ ٦٢).
(٣) في المصنف إبراهيم بن أبي معمر وهو خطأ وصوابه ما نقله المصنف، والله أعلم.
(٤) المصنف (١/ ٦٢).
(٥) المسند (٦/ ٢٩٨) ولفظه: "كان رسول الله - ﷺ - يجنب ثم ينام ثم ينتبه ثم ينام".
[ ٣ / ٣٠ ]
قال أبو (١) عمر: ما أعلم أحدًا من أهل العلم أوجب الوضوء على الجنب إذا أراد أن ينام فرضًا إلا طائفة من أهل الظاهر، وأما سائر الفقهاء بالأمصار فلا يوجبونه، وأكثرهم يأمرون به ويستحبونه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين.
قال مالك: لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة، قال: وله أن يعاود أهله قبل أن يتوضأ، ويأكل قبل أن يتوضأ إلا أن يكون في يده قذر فيغسلها. فال: وأما الحائض فتنام قبل أن تتوضأ.
وقول الشافعي في هذا كله نحو قول مالك.
وقال الليث بن سعد: لا ينام الجنب حتى يتوضأ رجلًا كان أو امرأة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء، وأحبّ إليهم أن يتوضأ. قال: فإذا أراد أن يأكل مضمض وغسل يديه. وهو قول الخزرجي (٢).
وقال الأوزاعي: الحائض والجنب إذا أرادا أن يأكلا (٣) غسلا أيديهما.
وقال سعيد بن المسيب: إن شاء الجنب نام قبل أن يتوضأ (٤).
* * *
_________________
(١) الاستذكار (٣/ ٩٧).
(٢) كذا وفي الاستذكار الحسن بن حي بدل الخزرجي.
(٣) زاد في الاستذكار أو يناما.
(٤) الاستذكار (٣/ ٩٧ - ٩٩) مع اختلاف يسير.
[ ٣ / ٣١ ]