نا إسحاق بن منصور: نا يحيى بن سعيد القطان: نا حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: أن النبيّ - ﷺ - لقيه وهو جنب قال: فانبجست فاغتسلت ثم جئت فقال: "أين كنت؟ وأين ذهبت؟ " قلت: إنّي كنت جنبًا، قال: "إن المسلم لا ينجس".
قال: وفي الباب عن حذيفة.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقد رخّص غير واحد من أهل العلم في مصافحة الجنب، ولم يروا بعرق الجنب والحائض بأسًا، ومعنى قوله: فانبجست، يعني: أي تنحيت عنه (١).
* الكلام عليه:
أخرجه مسلم (٢) من حديث حميد الطويل، عن أبي رافع، عن أبي هريرة وهو عنده منقطع بين حميد وأبي رافع بينهما بكر بن عبد الله المزني (٣)، وكذا هو عند
_________________
(١) الجامع (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨).
(٢) في صحيحه كتاب الحيض (١/ ٢٨٢) برقم ٣٧١ باب الدليل على أن المسلم لا ينجس.
(٣) قال النووي في شرح مسلم (٢/ ٦٧ - ٦٨): "وأما قوله عن حميد عن أبي رافع فهكذا هو في صحيح مسلم في جميع النسخ. قال القاضي عياض قال الإمام أبو عبد الله المازري هذا الإسناد منقطع إنما يرويه حميد عن بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع هكذا أخرجه البخاري وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنده وهذا كلام القاضي عن المازري، ثم قال النووي ولا يقدح هذا في أصل متن الحديث فإن المتن ثابت على كل حال من رواية أبي هريرة ومن رواية حذيفة والله أعلم" اهـ. قلت وانظر: المعلم للمازري (١/ ٢٥٨) وكذا إكمال المعلم (٢/ ٢٢٦) والمصنف لابن أبي شيبة (١/ ١٧٣) في مجالسة الجنب. وممن رواه بالواسطة: =
[ ٣ / ٤١ ]
الترمذي كما أوردناه.
ورواه مسدّد، عن يحيى بن سعيد وبشر، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، ذكره أبو داود (١) من حديث بشر: حدثني حميد قال: حدثني بكر: وذكره.
وذكره البخاري (٢)، عن محمد بن المثنّى، عن يحيى بن سعيد، عن حميد قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع.
وذكره ابن (٣) أبي شيبة من رواية إسماعيل بن عُلَيّة عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع.
وذكره الحافظ أبو علي بن السكن من رواية عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن يحيى بن سعيد، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع (٤).
وقيل (٥) إنّما قصر به عن يحيى بن سعيد، زهير بن حرب أسقط منه بكرًا (٦)، وكذا قال الجماعة بدخول بكر فيه.
رواه أبو (٧) نعيم أيضًا في مستخرجه.
وقد اجتمع فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم: حميد
_________________
(١) = أبو داود في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٥٦) برقم ٢٣١ باب في الجنب يصافح والنسائي في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٥٩) برقم ٢٦٩ باب مماسة الجنب ومجالسته وابن ماجه في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٧٨) برقم ٥٣٤ باب مصافحة الجنب.
(٢) في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٥٦) برقم ٢٣١ باب في مصافحة الجنب وقد مضى.
(٣) في صحيحه كتاب الغسل (١/ ١٠٩) برقم ٢٨٣ باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس.
(٤) المصنف (١/ ١٧٣) وقد مضى.
(٥) انظر الإمام (٣/ ٩٨).
(٦) في الإمام فقيل.
(٧) المصدر السابق.
(٨) المستخرج (١/ ٤٠٦) برقم ٨١٧ ووقع فيه بكير بدل بكر وهو خطأ مطبعي.
[ ٣ / ٤٢ ]
وبكر المزني وأبو رافع، واسم أبي رافع هذا نفيع (١).
قال أبو (٢) حاتم الرازي: ليس به بأس.
وأما حديث حذيفة فعند مسلم (٣) في "صحيحه": أن رسول الله - ﷺ - لقيه وهو جنب فحاد عنه فاغتسل، ثم جاء فقال: كنت جنبًا، قال: "إن المسلم لا ينجس".
ورواه النسائي (٤) أيضًا من حديث جرير عن الشيباني، عن أبي بردة، عن حذيفة، ورواه ابن (٥) ماجه بنحوه من حديث حذيفة.
يقال: يَنْجُسُ (٦) -بضم الجيم وفتحها- لغتان، وفي ماضيه لغتان: نجِس -بكسرالجيم- ونجُس -بضمّها-.
وهذا (٧) الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيًّا وميّتًا، فأمّا الحيّ فطاهر بإجماع المسلمين، حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها.
قال بعض أصحابنا: هو طاهر بإجماع المسلمين. قال: ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في (٨) رطوبة فرج المرأة ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة طاهر بيض الدجاج ونحوه، فإن فيه وجهين بناءً على رطوبة الفرج.
_________________
(١) انظر ترجمته في: الجرح والتعديل (٨/ ٤٨٨) برقم ٢٥٤٢ وتهذيب الكمال (٣٠/ ١٤) برقم ٦٤٦٧ وتهذيب التهذيب (٤/ ٢٤٠).
(٢) الجرح والتعديل (٨/ ٤٨٩) برقم ٢٢٤٢.
(٣) في صحيحه كتاب الحيض (١/ ٢٨٢) برقم ٣٧٢ باب الدليل على أن المسلم لا ينجس.
(٤) في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٥٨) برقم ٢٦٧ باب مماسة الجنب ومجالسته. بسياق أتم.
(٥) في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٧٨) برقم ٥٣٥ باب مصافحة الجنب.
(٦) انظر إكمال المعلم (٢/ ٢٢٦) وشرح النووي على مسلم (٢/ ٦٧).
(٧) هذا كلام النووي بالحرف الواحد في شرحه على صحيح مسلم (٢/ ٦٦).
(٨) زاد النووي نجاسة.
[ ٣ / ٤٣ ]
هذا حكم المسلم الحيّ، وأما الميت ففيه خلاف بين العلماء (١)، وللشافعي فيه قولان، الصحيح منهما أنه طاهر، ولهذا غُسِّل، ولقوله - ﵇ -: "إن المؤمن لا ينجس".
وذكر البخاري (٢) في "صحيحه": عن ابن عباس تعليقًا: المسلم لا ينجس حيًّا ولا ميّتًا. ووصله (٣) الحاكم (٤) في المستدرك، فقال: أخبرني إبراهيم بن عصمة (٥) بن إبراهيم العدل، ثنا أبو مسلم المسيب بن زهير البغدادي، ثنا أبو بكر وعثمان: ابنا أبي شيبة قالا: نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تنجسوا موتاكم، فإن المؤمن (٦) ليس ينجس حيًّا ولا ميتًا".
قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه (٧).
هذا حكم المسلم، وأما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم
_________________
(١) عند النووي للعلماء.
(٢) في صحيحه كتاب الجنائز (١/ ٣٨٧) ووصله سعيد بن منصور في السنن وابن أبي شيبة في المصنف والدارقطني في السنن. انظر"تغليق التعليق" (٢/ ٤٦١ - ٤٦١).
(٣) قوله ووصله الحاكم مما زاد ابن سيد الناس على كلام النووي.
(٤) المستدرك (١/ ٣٨٥).
(٥) في المستدرك ابن عاصم.
(٦) في المستدرك المسلم.
(٧) وأقره الذهبي. قلت: وقال الضياء في الأحكام: إسناده عندي على شرط الصحيح. قاله الحافظ في "تغليق التعليق" (٢/ ٤٦١)، قال الحافظ ﵀: "والذي يتبادر إلى ذهني أن الموقوف أصح" ثم ذكر من رواه موقوفًا كما في تغليق التعليق. قلت: وانظر "الضعيفة" (٦٣٠٤، ١٣/ ٦٦٧)، ومختصر البخاري (١/ ٣٦٨) و"فتح الباري" (٣/ ١٢٧).
[ ٣ / ٤٤ ]
عندنا (١)، وإليه ذهب الجمهور (٢)، وخالف في ذلك أحمد (٣).
وأما قول الله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾، فالمراد نجاسة الاعتقاد وللاستقذار، وليس المراد أنّ أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما.
فإذا ثبت طهارة الآدمي مسلمًا كان أو كافرًا، فعرف ولعابه ودمعه (٤)؛ كل ذلك منه طاهر سواءً المحدث والجنب والحائض والنفساء في ذلك كله، وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة، فيجوز الصلاة في ثيابهم والأكل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه، ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة، وفيه استحباب احترام أهل الفضل (٥)؛ فإن جليسهم ومصاحبهم يكون على أكمل الهيئات، ومن ذلك (٦) استحبابهم للمصلي أن يكون على أحسن حالاته وأجمل هيئاته (٦)، وكذلك استحبوا لطالب العلم أن يكون في حال طلبه للعلم وحمله إياه عن أشياخه بين أيديهم في هيئة حسنة من إزالة الشعور المأمور بإزالتها، وقصّ الأظفار وإزالة الرائحة المكروهة وغير ذلك، فإن ذلك من إجلال العلم والعلماء.
وفيه أن العالم إذا رأى من تابعه أمرًا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه، وبدأه بقول الصواب فيه (٧).
_________________
(١) في شرح النووي على مسلم هذا مذهبنا بدل عندنا.
(٢) عند النووي هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف.
(٣) قوله وخالف في ذلك أحمد ليست عند النووي.
(٤) وعبارة النووي: "فإذا ثبتت طهارة الآدمي مسلمًا كان أو كافرًا فعرقه ولعابه ودمعه طاهرات سواء كان محدثًا أو جنبًا أو حائضًا أو نفساء وهذا كله بإجماع المسلمين".
(٥) زاد النووي وأن يوقر جليسهم.
(٦) هذا من زيادات ابن سيد الناس على النووي.
(٧) شرح النووي على مسلم (٢/ ٦٦).
[ ٣ / ٤٥ ]