حدثنا محمَّد بن بشار: نا أبو عامر العقدي: ثنا زهير بن محمَّد، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمَّد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أُسْتحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت النبي - ﷺ - أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله، إني أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني فيها، قد منعتني الصيام والصلاة؟ قال: "أنعت لك الكُرْسُف، فإنّه يذهب الدم". قالت: هو أكثر من ذلك، قال: "فتلجّمي". قالت: هو أكثر من ذلك، قال: "فاتخذي ثوبًا". قالت: هو أكثر من ذلك، إنّما أثجّ ثجًّا. فقال النبي - ﷺ -: "سآمرك بأمرين أيهما صنعت أجزأ عنك، فإن قويت عليهما فأنتِ أعلم، فقال: إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت، فصلي أربعة (١) وعشرين ليلة، أو ثلاثة (٢) وعشرين ليلة وأيامها فصومي وصلي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء، وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن فإن قويت على أن تؤخرين (٣) الظهر وتعجلي (٣) العصر، ثم تغتسلين حتى (٤) تطهرين وتصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين الغرب وتعجلين العشاء،
_________________
(١) كذا والصواب أربعًا وهو كذلك في الجامع (١/ ٢٢٤).
(٢) كذا والصواب ثلاثًا وهو كذلك في الجامع (١/ ٢٢٤).
(٣) كذا في هذه النسخة وهو كذلك في التحقيق لابن الجوزي (١/ ٢٥٧) ط دار الكتب العلمية وفي (١/ ٣٦٤) ط دار الوعي بحلب. وفي نسخة أحمد شاكر (١/ ٢٢٥) تؤخرين وتعجلي وانظر بحث العلامة أحمد شاكر حول إهمال أن الناصبة في شرحه لسنن الترمذي (١/ ١٧٧) فهم مهم.
(٤) صوابه حين وهو ظاهر من السياق وقوله حتى وجد في بعض نسخ الجامع وهو خطأ كما نبه على ذلك الشيخ أحمد شاكر.
[ ٣ / ١٣٣ ]
ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين، وكذلك فافعلي وصومي إن قويت على ذلك"، فقال رسول الله - ﷺ -: "هو أعجب الأمرين إليّ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ورواه عبيد (١) الله بن عمرو الرقي وابن جريج وشريك عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمَّد بن طلحة، عن عمه عمران، عن أمه حمنة -إلا أنّ ابن جريج يقول: عمر بن طلحة، والصحيح عمران بن طلحة-.
وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن (٢)، وهكذا قال أحمد (٣) بن حنبل: هو حديث حسن صحيح.
وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إذا كانت تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره، وإقباله أن يكون أسود، وإدباره أن يتغير إلى الصفرة، فالحكم لها على حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وإن كانت المستحاضة لها أيام معروفة قبل أن تستحاض، فإنّها تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي، وإذا استمرّ بها
_________________
(١) قلت ووقع في المستدرك للحاكم (١/ ١٧٢) عبد الله بالتكبير وهو خطأ ظاهر، ووقع كذلك في نسخة الشيخ المحدث مقبل بن هادي الوادعي (١/ ٢٦٦) وهو خطأ. ووقع على الصواب في الخلافيات للبيهقي (٣/ ٣٢٧) وكذا السنن الكبرى (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩) إذ رواه من طريق الحاكم.
(٢) أضاف الشيخ أحمد شاكر بعد هذا "صحيح" وهو خطأ ويرده ما نقله البيهقي عن البخاري من قوله هو حديث حسن كما في معرفة السنن (٢/ ١٥٩) وكذا السنن الكبرى (١/ ٣٣٩) وانظر العلل الكبير (١/ ١٨٧ - ١٨٨) وكذا الإِمام (٣/ ٣٠٩).
(٣) قلت وهو مخالف لا نقله أبو داود في سننه (١/ ١٤٦) عن أحمد حيث قال: سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء. قال العلامة أحمد شاكر: ولعله يريد إلى أن في نفسه شيئًا من جهة الفقه والاستنباط، والجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى، وإن كان صحيحًا ثابتًا عنده من جهة الإسناد.
[ ٣ / ١٣٤ ]
الدم ولم يكن لها أيام معروفة ولم تعرف الحيض بإقبال الدم وإدباره فالحكم لها على حديث حمنة بنت جحش (١).
وقال الشافعي: المستحاضة إذا استمرّ بها الدم في أول ما رأت فدامت على ذلك فإنها تدع الصلاة ما بينها وبين خمسة عشر يومًا، فإذا طهرت في خمسة عشر يومًا (٢) فإنا تقضي صلاة أربع عشر يوما، ثم تدع الصلاة بعد ذلك أقل ما تحيض النساء وهو يوم وليلة.
قال أبو عيسى: واختلف أهل العلم في أقل الحيض وأكثره؛ فقال بعض أهل العلم: أقلّ الحيض ثلاثة وأكثره عشرة، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه يأخذ ابن المبارك، وروي عنه خلاف هذا.
وقال بعض أهل العلم منهم عطاء بن أبي رباح: أقلّ الحيض يوم، وأكثره خمس عشرة، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد (٣).
* الكلام عليه:
أخرجه أبو داود (٤) وابن (٥) ماجه وصححه الترمذي (٦)، ونقل عن البخاري (٧)
_________________
(١) وفي نسخة الشيخ أحمد شاكر زيادة عبارة وكذلك قال أبو عبيد.
(٢) في نسخة الشيخ أحمد شاكر: فإذا ظهرت في خمسة عشر يومًا أو قبل ذلك فإنها أيام حيض فإذا رأت الدم أكثر من خمسة عشر يومًا فإنها تقضي إلخ (٢/ ١٥٩) وكذا السنن الكبرى (١/ ٣٣٩) وانظر العلل الكبير (١/ ١٨٧ - ١٨٨) وكذا الإِمام (٣/ ٣٠٩).
(٣) الجامع (١/ ٢٢١ - ٢٢٨).
(٤) سنن أبي داود كتاب الطهارة (١/ ١٤٤ - ١٤٦) برقم ٢٨٧ باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة.
(٥) في سننه كتاب الطهارة وسننها (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦) برقم ٦٢٧ باب ما جاء في البكر إذا ابتدأت مستحاضة أو كان لها أيام حيض فنسيتها.
(٦) كما في الجامع (١/ ٢٢٥) حيث قال: هذا حديث حسن صحيح.
(٧) انظر الجامع (١/ ٢٢٦). =
[ ٣ / ١٣٥ ]
وأحمد (١) من التصحيح والتحسين ما ذكرناه.
وقال البيهقي (٢): تفرّد به عبد الله بن محمَّد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به.
وأما ابن (٣) منده فقال: لا يصحّ عندهم بوجه من الوجوه لأنه من رواية ابن عقيل، وقد أجمعوا على ترك حديثه، ذكر ذلك عنه شيخنا الإِمام الحافظ أبو (٤) الفتح القشيري -رحمه الله تعالى- وتعقبه بالردّ عليه وإنكار هذا الإطلاق (٥) على ابن عقيل، ولم يَعْدُ القشيري منهج الصواب.
وذكر الترمذي (٦) في كتاب "العلل": أنَّه سأل البخاري عن هذا الحديث
_________________
(١) = تنبيه: في نسخة أحمد شاكر زيادة صحيح فتصبح العبارة هكذا لأحسن صحيح". وهو مخالف لما نقله غير واحد عن البخاري من تحسينه للحديث فقط كما سبق التنبيه عليه.
(٢) انظر الجامع (١/ ٢٢٦). قلت: وهو مخالف لما نقله أبو داود عن ال إمام أحمد كما سبق التنبيه عليه.
(٣) انظر معرفة السنن (٢/ ١٥٩ - ١٦٠).
(٤) نقله ابن التركماني كما في الجوهر النقي (١/ ٣٣٩) وكذا ابن القيم في تهذيب السنن (١/ ١٨٤) وقبلها ابن دقيق العيد كما في الإِمام (٣/ ٣١٠) وابن حجر في التلخيص (١/ ٢٨٨).
(٥) الإمام (٣/ ٣١٠).
(٦) قال ابن دقيق العيد في الإِمام (٣/ ٣١٠): "ليس الأمر كما قال ابن منده -وإن كان بحرًا من بحور هذه الصنعة- فقد ذكر الترمذي أن الحميدي وأحمد وإسحاق كانوا يحتجون بحديث عبد الله بن محمَّد بن عقيل. قال محمَّد (يعني البخاري): "وهو مقارب الحديث" وما قاله ابن منده عجيب. أهـ. قلت: وقال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩): "وتعقبه ابن دقيق العيد واستنكر منه هذا الإطلاق، لكن ظهر لي أن مراد ابن منده بذلك من خرج الصحيح وهو كذلك". وانظر بحث ابن القيم كما في تهذيب السنن (١/ ١٨٣) وما بعد فقد أطال النفس وأجاد ﵀.
(٧) العلل الكبير (١/ ١٨٧ - ١٨٨).
[ ٣ / ١٣٦ ]
فقال: هو حديث حسن إلا أنّ إبراهيم بن محمَّد بن طلحة هو قديم، لا أدري سمع منه عبد الله بن محمَّد بن عقيل أم لا، وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح. انتهى.
وهذا القول عن البخاري لا أعلم له وجهًا (١)؛ إبراهيم بن محمَّد بن طلحة مات سنة عشر ومائة، فيما قاله أبو عبيد (٢) القاسم بن سلام وعلي (٢) بن المديني وخليفة (٣) بن خياط، وهو تابعي (٤) سمع أبا أسيد الساعدي وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبا هريرة وعائشة ﵃ (٥). وابن عقيل سمع عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك والرُّبيِّع بنت معوّذ ﵃، فكيف ينكر سماعه من إبراهيم بن محمَّد بن طلحة لقدمه، وأين ابن طلحة من هؤلاء في القدم؟ وهم نظراء شيوخه في الصحبة، وقريب منهم في الطبقة، ولو توقف عن القول بسماعه من ابن طلحة معلّلًا ذلك بعلّة غير القدم، أو غير معلّل له بعلة لما توجه إنكاره، وفي صحة هذا عن البخاري عندي نظر (٦).
والطريق الثاني التي ساق الترمذي (٧) منها هذا الحديث هي أسلم طرقه من العلل، وأبعدها عن المطاعن، وليس فيها من ينظر في أمره غير ابن عقيل، وقد تقدّم
_________________
(١) قلت: وقد أجاب ابن التركماني عن هذا في الجوهر النقي (١/ ٣٣٩) فقال: "إن البخاري شكّ في سماع ابن عقيل من إبراهيم، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن ابن عقيل سمع من ابن عمر وجابر وأنس وغيرهم، وهم نظراء شيوخ إبراهيم، فكيف ينكر سماعه منه؟ ".
(٢) انظر تهذيب الكمال (٢/ ١٧٤) وتهذيب التهذيب (١/ ٨١).
(٣) التاريخ (٣٤٠).
(٤) انظر ترجمته في الجرح والتعديل (٢/ ١٢٤) برقم ٣٨٥ وتهذيب الكمال (٢/ ١٧٢ - ١٧٤) برقم ٢٢٩ وتهذيب التهذيب (١/ ١ / ٨١).
(٥) انظر تهذيب الكمال (١٦/ ٧٨ - ٧٩) برقم ٤٣ وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٢٤).
(٦) وقد نقل ذلك عنه الترمذي كما في العلل الكبير (١/ ١٨٧ - ١٨٨).
(٧) انظر الجامع (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦).
[ ٣ / ١٣٧ ]
الكلام عليه بما فيه مغنى، وأن أحمد وإسحاق والحميدي كانوا يحتجون بحديثه وأنه متكلّم فيه من قبل حفظه.
وأما أبو محمَّد (١) بن حزم فإنه ذكر هذا الحديث، ثم رده بأنواع من الرد ليس منها ما يستقرّ على النقد ولم يعلله بابن عقيل (٢)، وذلك يقتضي أنّه عنده مقبول إلّا أن يكون يرى أنَّه استغنى بإعلاله بغيره مما علله به الانقطاع بين ابن جريج وابن عقيل (٣)، وزعم أن ابن جريج لم يسمعه من ابن عقيل بينهما فيه النعمان بن راشد وذكره بسنده وضعّف، فإن ابن راشد هذا قال: ورواه أيضًا عن ابن عقيل شريك وزهير بن محمَّد وكلاهما ضعيف. قال: وأيضًا فعمر بن طلحة غير مخلوق، ولا يعرف لطلحة ابن اسمه عمر.
فأمّا ما رده به من الانقطاع بين ابن جريج وابن عقيل من ضعف الواسطة
_________________
(١) المحلى (٢/ ١٩٤ - ١٩٥).
(٢) قال ابن حزم في المحلى (٢/ ١٩٤ - ١٩٥): "أما هذان الخبران فلا يصحان، أما أحدهما فإن ابن جريج لم يسمعه من عبد الله بن محمَّد بن عقيل، كذلك حدثناه همام عن عباس بن أصبغ عن ابن أيمن عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه -وذكر هذا الحديث- فقال: قال ابن جريج حدثت عن ابن عقيل ولم يسمعه. قال أحمد وقد رواه ابن جريج عن النعمان بن راشد. قال أحمد والنعمان يعرف فيه الضعف. وقد رواه أيضًا شريك وزهير بن محمَّد وكلاهما ضعيف وعن عمرو بن ثابت وهو ضعيف، وأيضًا فعمر بن طلحة غير مخلوق، لا يعرف لطلحة ابن اسمه عمر. وأما الآخر، فمن طريق الحارث بن أبي أسامة وقد ترك حديثه فسقط الخبر جملة". قلت: وقد رد على ابن حزم قوله هذا، فقال الحافظ الذهبي: "هذا يدل على قلة معرفة المؤلف، إذ يسقط هذا الحديث برواية الحارث له، كأنه لم يروه إلا الحارث، وقد رواه جماعة غيره، وقد صححه الترمذي وأخرجه هو وأبو داود" أهـ انظر هامش المحلى.
(٣) ولم أر من تعرض لذلك من العلماء، مع بحثي في كتب المراسيل وغيرها.
[ ٣ / ١٣٨ ]
بينهما، فقد سقناه من غير طريق ابن جريج، فليتصل طريق ابن جريج أو لينقطع وليكن الواسطة بينه وبين ابن عقيل ضعيفًا إن شاء أو قويًا.
فأمّا تضعيفه زهيرًا، وهو الذي سقناه من طريقه بدل ابن جريج، فقد أخرج الشيخان (١) لزهير محتجين به في صحيحيهما، وذكر أحمد (٢) بن حنبل زهيرًا فقال: مستقيم الحديث، وقال أبو (٣) حاتم: محلّه الصدق، وفي حفظه شيء (٤)، وحديثه (٥) بالشام أنكر من حديثه بالعراق.
وقال البخاري (٦) في "تاريخه الصغير": ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير (٧)، وما روى عنه أهل البصرة فإنّه صحيح الحديث.
وقال أحمد (٨) بن حنبل: كأن الذي روى عنه أهل الشام زهيرًا آخر فقلب اسمه.
وقال عثمان (٩) الدارمي: ثقة صدوق وله أغاليط (١٠).
_________________
(١) انظر: تهذيب الكمال (٩/ ٤١٤) برقم ٢٠١٧ والجمع بين رجال الصحيحين (١/ ١٥٣).
(٢) انظر: الجرح والتعديل (٣/ ٥٩٠) إذ هو من مكاتبات إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني لابن أبي حاتم.
(٣) الجرح والتعديل (٣/ ٥٩٠).
(٤) في المصدر السابق سوء بدل شيء.
(٥) في الجرح وكان حديثه بالشام.
(٦) التاريخ الأوسط (٢/ ١١٢) وكذا التاريخ الكبير (٣/ ٤٢٧) والصغير (٢/ ١٤٩) بنحوها.
(٧) زاد في التاريخ ليس لها أصل.
(٨) نقل ذلك عنه البخاري كما في التاريخ الأوسط (٢/ ١١٢) وكذا التاريخ الكبير (٣/ ٤٢٧) والتاريخ الصغير (٢/ ١٤٩).
(٩) انظر تهذيب الكمال (٩/ ٤١٨) وتهذيب التهذيب (١/ ٦٤٠)،
(١٠) وفي التهذيبين زيادة لفظة كثيرة وكذا تاريخ دمشق (١٩/ ١١٩).
[ ٣ / ١٣٩ ]
وقال يحيى (١) ثقة.
وقال ابن (٢) عدي: ولعل أهل الشام (٣) حيث رووا عنه أخطأوا عليه، فإنه إذا حدث عنه أهل العراق فرواياتهم عنه شبيه (٤) بالمستقيم، وأرجو أنه لا بأس به. انتهى.
أما حديثه هنا فمن رواية العَقَدي (٥) عنه وهو بصري (٦)، فهذا من حديث أهل العراق وليس من حديث أهل الشام.
وأما عمر بن طلحة الذي أنكره فلم نسق الحديث من طريقه وإنّما أوردناه من طريق عمران بن طلحة. وقد نبه الترمذي على أن عمر لا يقولها في هذا الإسناد إلا ابن (٧) جريج، وان غيره يقول عمران وهو الصواب.
_________________
(١) تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي (١١٤) برقم ٣٤٥ وفي (١١٣) برقم ٣٤٣ قال يحيى: ليس به بأس وهي بمعنى ثقة عند ابن معين كما هو معلوم. وانظر التاريخ لعباس الدوري (٢/ ١٧٦).
(٢) الكامل (٣/ ١٠٧٨).
(٣) في الكامل الشاميين بدل أهل الشام.
(٤) في الكامل شبه المستقيم.
(٥) وهو أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، ثقة من التاسعة انظر: التقريب (٦٢٥).
(٦) انظر: تهذيب الكمال (١٨/ ٣٦٤) برقم ٣٥٤٥، وتهذيب التهذيب (٢/ ٦١٩).
(٧) قلت: ورواية ابن جريج هذه رواها عبد الرزاق في المصنف (١/ ٣٠٦) ومن طريقه ابن ماجه في سننه كتاب الطهارة وسننها (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤) برقم ٦٢٢ وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٢٢) برقم ١٨٠ والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢١٧ - ٢١٨) برقم ٥٥١. تنبيه: وقع في مصنف عبد الرزاق (١/ ٣٠٦) في الأصل عمر وأشار محققه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي إلى أنه أخطأ، أي وقع في الأصل كذلك وهذا فيه نظر، إذ رواية ابن جريج كذلك كما أشار إليه الترمذي، فكان عليه أن يبين أن الوهم وقع فيه من ابن جريج لا كما توهمه عبارته إذ قد يفهم منها أن الخطأ وقع من النساخ، والله أعلم. =
[ ٣ / ١٤٠ ]
وأما رواية شريك فهي عند ابن (١) ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون عنه، وشريك (٢) مخرج له في الصحاح، وعمران بن طلحة وأخوه محمَّد (٣) بن طلحة السجاد (٤) المقتول مع أبيه يوم الجمل (٥) أمهما حمنة بنت جحش المذكورة في هذا الخبر.
وأما كلام أبي داود عن أحمد أن في هذا الباب حديثين وثالثًا في النفس منه شيء، ثم فسر أبو داود الثالث بأنه حديث حمنة هذا، فالجواب عنه أنَّ الترمذي قد
_________________
(١) = على أنه أشار الدارقطني في العلل إلى أن ابن جريج رواه على العبادة موافقًا في ذلك سائر من رواه، فقال: "اختلف عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل في هذا الحديث، فرواه أبو أيوب الإفريقي عن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل عن جابر، قال: ووهم فيه، وخالفه عبيد الله بن عمر وابن جريج وعمرو بن ثابت وزهير بن محمَّد وإبراهيم بن أبي يحيى، فرووه عن ابن عقيل عن إبراهيم بن محمَّد بن طلحة عن عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش".
(٢) في سننه كتاب الطهارة وسننها (١/ ٢٠٥) برقم ٦٢٧ باب ما جاء في البكر إذا ابتدئت مستحاضة أو كان لها أيام حيض فنسيتها.
(٣) انظر: تهذيب الكمال (١٢/ ٤٦٢) برقم ٢٧٣٦ وتهذيب التهذيب (٢/ ١٦٤).
(٤) انظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٥٢)، نسب قريش لمصعب (٢٨١)، طبقات خليفة (٢٣٣)، الجرح والتعديل (٧/ ٢٩١) برقم ١٥٧٧.
(٥) قلت: لقب بالسجّاد لعبادته وتألهه كما قال الذهبي. انظر: السير (٤/ ٣٦٨).
(٦) في نسب قريش لمصعب (٢٨١): "وكان طلحة أمره يوم الجمل أن يتقدم باللواء، فتقدم ونثل درعه بين رجليه، وقام عليها، فجعل كما حمل عليه رجل قال: نشدتك بـ "حم" فينصرف الرجل عنه، حتى شد عليه رجل من أسد بن خزيمة يقال له جرير، فنشده محمد بـ "حم" فلم يثنه ذلك. ففي ذلك يقول الأسدي: وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترى العين مسلم ضممت إليه بالسنان قميصه فخرَّ صريعًا لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعًا عليًّا ومن لا يتبع الحق يظلم فذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل المتقدم فمرّ به علي ﵁ في القتلى فقال: "السجاد ورب الكعبة، هذا الذي قتله بِرُ أبيه".
[ ٣ / ١٤١ ]
صححه، ونقل عن أحمد تصحيحه نصًّا، والذي ذكره أبو داود لم يعيّن فيه الحديث عن أحمد، وإنّما هو شيء وقع له ففسر به كلام أحمد ولن يستويا في رتبة أبدًا، وقد يكون ذلك كلّه، فيكون أحمد أولًا كان في نفسه منه شيء ففهمه أبو داود ونقله عنه، ثم زال ما في نفسه منه وظهرت له صحبة فنقل ذلك عنه البخاري والترمذي ومن نقله فاندفعت الشبه المذكورة عن هذا الخبر، ولم يبق فيه إلا ابن عقيل، [، تصحيح ما تفرد به، وقد تقدم قول البيهقي: إنه تفرد به] (١) فهو صحيح عند من يحتجّ به.
وقوله: أنعت لك الكرسف: أي القطن (٢).
وقوله: فتلجّمي: قال بعض (٣) الفقهاء: تشدّ على وسطها خرقة كالتكة، وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الرأس، وتجعل أحدهما قدّامها والآخر من ورائها وتشدها بتلك الخرقة.
قال الجوهري (٤): اللجام فارسي معرّب، واللجام (٥) ما تشده الحائض.
قال القاضي أبو (٦) بكر بن العربي: قال الخليل (٧): اللجام معروف، فإن أخذناه
_________________
(١) زيادة من نسخة السندي.
(٢) قال ابن العربي في عارضة الأحوذي (١/ ١٦٧): "الكرسف وهو القطن وله ستة أسماء: - الأول: القطن. - الثاني: الكرسف. - الثالث: البرس. - الرابع: العطب. - الخامس: العلوط. - السادس: الخرفع.
(٣) ولعله يقصد النووي، فهذه عبارته كما في شرح مسلم (٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٤) الصحاح (٥/ ٢٠٢٧) لجم.
(٥) في الصحاح زيادة أيضًا أي واللجام أيضًا.
(٦) عارضة الأحوذي (١/ ١٦٧ - ١٦٨).
(٧) انظر العين (٦/ ١٣٨ - ١٣٩).
[ ٣ / ١٤٢ ]
من هذا كان معناه: افعلي فعلًا يمنع سيلان الدّم واسترساله كما يمنع اللجام من استرسال الدابة، وأعجب من هذا أن شيخنا أبا بكر محمد بن طرخان التركي قال: أنا قال: واللجمة فيما يقال: فوهة النهر، وفيه نظر، فإن صحّ هذا فهو مأخوذ منه ويكون معناه شدي اللجمة وهي الفوهة التي ينهر منها الدّم، وهو بديع غريب.
وأمَّا الاستثفار فقال الهروي (١): هو أن تسدّ فرجها بخرقة عريضة توثق طرفها في جعب تشده في وسطها بعد أن تحتشي كرسفًا، فيمنع ذلك الدّم.
قال: ويحتمل أن يكون ذلك مأخوذًا من ثفَّر الدابة: أي تشد الخرقة كما يشد الثفر تحت الذنب، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الثفر وهو القرح (٢)، وإن كان أصله للسباع، فقد يستعار، يقال: استثفر الكلب إذا أدخل ذنبه بين رجليه، واستثفر الرجل إذا أدخل ذيله بين رجليه من خلفه.
وقولها: "إنّما أثجُّ": الثج: السيلان (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿ثَجَّاجًا﴾ أي سيالًا، وكذلك هو في الحديث الآخر: "العج والثج"، وكذلك استعمل في الحلب في الإناء، فحلب فيه ثجّا، واستعمل مجازًا في الكلام يقول الحسن (٤) في ابن عباس أنَّه كان مِثجًّا -بكسر الميم- وهو من أبنية المبالغة: أي كان يصبّ الكلام صبًّا.
وقوله: "ركضة من الشَّيطان": أصل الركض (٥): الضرب بالرجل والإصابة
_________________
(١) الغريبين (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤) وانظر العارضة لابن العربي (١/ ١٦٨).
(٢) الفرج.
(٣) انظر: الصحاح (١/ ٣٠٢) ثجج، وغريب الحديث للهروي (٣/ ٢٥١).
(٤) نقله عن ابن العربي في العارضة (١/ ١٦٨) وهي في مصنف عبد الرَّزاق (٤/ ٣٧٧).
(٥) انظر: الصحاح (٣/ ١٠٧٩ - ١٠٨٠) ركض وغريب الحديث للهروي (٥/ ٢٥١) وكذا العارضة لابن العربي (١/ ١٦٩).
[ ٣ / ١٤٣ ]
بها، وكأنه أراد الإضرار بالمرأة والأذى، بمعنى أن الشَّيطان وجد بذلك سبيلًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها حتَّى أنساها بذلك عادتها، فصار في التقدير كأنه ركضة بآلة من ركضاته.
وهذا التلجم والاستثفار واجب إلَّا في موضعين:
أحدهما: أن تتأذى بالشد ويحرقها اجتماع الدّم فلا يلزمها لما فيه من الضرر.
والثاني: أن تكون صائمة فتترك الاحتشاء بالقطن في النهار وتقتصر على الشدّ.
ويجب تقديم الشدّ والتلجم على الوضوء، وتتوضأ عقيب ذلك من غير إمهال، كما قلنا في المبادرة إلى الصَّلاة عقيب ذلك الوضوء فيما سبق من الباب قبل هذا، فإن شدَّت وتلجَّمت وأخرت الوضوء وتطاول الزمان ففي صحَّة وضوئها وجهان:
الأصح: أنَّه لا يصح، وإذا استوثقت بالشد على ما وصفنا ثم خرج منها دم من غير تفريط لم تبطل طهارتها ولا صلاتها، ولها أن تصلي بعد فرضها ما شاءت من النوافل لعدم تفريطها، ولتعذر الاحتراز عن ذلك.
وأمَّا إذا خرج الدَّم لتقصيرها في الشد أو زالت العصابة عن موضعها لضعف الشد فزاد خروج الدّم بسببه، فإنَّه يبطل طهرها، فإن كان ذلك في أثناء الصَّلاة بطلت، وإن كان بعد فريضة لم تستبح النافلة لتقصيرها.
وأمَّا تجديد غسل الفرج وحشوه وشده لكل فريضة فينظر فيه إن زالت العصابة عن موضعها زوالًا له تأثير، أو ظهر الدَّم على جوانب العصابة وجب التجديد، وإن لم تنزل العصابة عن موضعها ولا ظهر الدَّم، ففيه وجهان لأصحابنا:
أصحَّهما: وجوب التجديد كما يجب تجديد الوضوء، ولا تصلي بطهارة واحدة
[ ٣ / ١٤٤ ]
أكثر من فريضة واحدة مؤداة كانت أو مقضيَّة، وما شاءت من النوافل قبل الفريضة وبعدها.
ولنا وجه أنها لا تستبيح النافلة أصلًا لعدم ضرورتها إليها، والصَّواب الأول.
وحكي مثل مذهبنا عن عروة بن الزُّبير وسفيان الثوري وأحمد وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة: طهارتها مقدَّرة بالوقت فتصلي في الوقت بطهارتها الواحدة ما شاءت من الفرائض الفائتة.
وقال ربيعة ومالك وداود: دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء، فإذا تطهَّرت فلها أن تصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض إلى أن تحدث بغير الاستحاضة.
وكيفيَّة نيَّة المستحاضة أن تنوي استباحة الصَّلاة في وضوئها ولا تقتصر على نيَّة رفع الحدث، ولنا وجه أنَّه يجزئها الاقتصار على نيَّة رفع الحدث، ووجه ثالث: أنَّه يجب عليها الجمع بين نيَّة استباحة الصَّلاة ورفع الحدث، والصحيح الأول، فإذا توضأت المستحاضة استباحت الصَّلاة، وهل يقال: ارتفع حدثها؟ فيه أوجه لأصحابنا:
الأصح: أنَّه لا يرتفع شيء من حدثها بل تستبيح الصَّلاة بهذه الطهارة مع وجود الحدث كالمتيمم، فإنَّه محدث عندنا.
والثاني: يرتفع حدثها السابق والمقارن للطهارة دون المستقبل.
والثالث: يرتفع الماضي وحده.
وممن قال: إن المستحاضة تجمع بين الصلاتين بغسل واحد كما تضمَّنه حديث الباب عبد الله بن عباس من رواية عبد (١) الرَّزاق، عن معمر، عن أيوب
_________________
(١) المصنف (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦) بنوع تصرَّف.
[ ٣ / ١٤٥ ]
السختياني، عن سعيد بن جبير أنَّه كان عند ابن عباس فأتاه كتاب امرأة، قال سعيد: فدفعه ابن عباس إليّ فقرأته فإذا فيه: إنِّي امرأة مستحاضة أصابني بلاء وضرّ، فإني أدع الصَّلاة الزمان الطَّويل، وإن ابن أبي طالب سئل عن ذلك فأفتاني أن أغتسل عند كل صلاة، فقال ابن عباس: اللَّهم لا أجد لها إلَّا ما قال علي غير أنَّها تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا.
فقيل لابن عباس: إن الكوفة أرض باردة، وإنَّه يشقُّ عليها، قال: لو شاء الله لابتلاها بأشد من ذلك.
ورواه (١) أيضًا سفيان الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن سعيد بن جبير، عنه.
وروى ابن (٢) جريج عن عطاء قال: تنتظر المستحاضة أيَّام أقرائها، ثم تغتسل غسلًا واحدًا للظهر والعصر، وتؤخر الظهر قليلًا وتعجل العصر قليلًا، وكذلك المغرب والعشاء، وتغتسل للصبح غسلًا.
ومن طريق (٣) سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النَّخعيّ، مثل قول عطاء سواءً بسواء.
وقد حمل بعض العلماء الأمر بهذا الغسل على الاستحباب.
قال القاضي أبو بكر (٤) بن العربي -رحمه الله تعالى-: والحديث في ذلك
_________________
(١) أي عبد الرَّزاق كما في المصنف (١/ ٣٠٨).
(٢) المصنف (١/ ٣٠٤ - ٣٠٥).
(٣) المصنف (١/ ٣٠٥).
(٤) عارضة الأحوذي (١/ ١٧١).
[ ٣ / ١٤٦ ]
صحيح، فينبغي أن يكون مستحبًّا، وذلك أولى من قول ابن المسيب [من رأيه، ويعني ابن العربي بقول ابن المسيب]: تغتسل المستحاضة من طهر إلى طهر.
وقد اختلف في تقييده، فمنهم من رواه بالطاء المهملة، ومنهم من رواه بالظاء المعجمة، واستبعد الخطابي (١) أن يكون بالمهملة، وقال: وأي معنى له، وإنَّما علق على الغسل الطهر بالتمييز أو للعادة.
قال القاضي (٢) أبو بكر بن العربي: والذي أستبعده الخطابي صحيح يريد استبعاده صحيح؛ لأنَّه إذا أسقط لأجل المشقة عنها الاغتسال لكل صلاة فلا أقل من الاغتسال مرَّة في كل يوم عند الظهر في دفء النهار، وذلك للتنظيف.
* * *
_________________
(١) معالم السنن (١/ ١٥٣) بهامش السنن.
(٢) العارضة (١/ ١٧١).
[ ٣ / ١٤٧ ]