ثنا بندار: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا حضت يأمرني أن أتّزر ثم يباشرني.
قال: وفي الباب عن أم سلمة وميمونة.
قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح، هو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبيّ - ﷺ - والتابعين وبه يقول الشَّافعي وأحمد وإسحاق (١).
* الكلام عليه:
أخرجوه أجمعون (٢)، وحديث أم سلمة قالت: بينا أنا مع رسول الله - ﷺ - مضطجعة في الخميلة حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال: "أنَفسْت؟ "، فقلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة. أخرجاه في الصحيحين (٣).
_________________
(١) الجامع (١/ ٢٣٩).
(٢) أخرجه البُخاريّ في صحيحه كتاب الحيض (١/ ١١٤) برقم ٣٠٠ باب مباشرة الحائض وفي كتاب الاعتكاف (٢/ ٦٦) برقم ٢٠٣٠ باب غسل المعتكف ومسلم في صحيحه كتاب الحيض (١/ ٢٤٢) برقم ٢٩٣ وأبو داود في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٣٤) برقم ٢٦٨ باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع والنَّسائيُّ في سننه كتاب الحيض (١/ ٢٠٧) برقم ٣٧٢ وفي (١/ ١٦٦) برقم ٢٨٥ باب مباشرة الحائض وفي الكبرى كتاب عشرة النساء (٥/ ٣٥٠) برقم ٩١١٩ باب مضاجعة الحائض ومباشرتها وفي (٥/ ٣٥٢) برقم ٩١٢٨ باب الرخصة في أن تحدث المرأة بما يكون بينها وبين زوجها وابن ماجه في سننه كتاب الطهارة وسننها (١/ ٢٠٨) برقم ٦٣٦ باب ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا.
(٣) أخرجه البُخاريّ في صحيحه كتاب الحيض (١/ ١١٣، ١١٤) برقم ٢٩٨ باب من سمّى النِّفاس حيضًا وفي (١/ ١٢١) برقم ٣٢٣ باب من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر وفي (٢/ ٣٨) برقم ١٩٢٩ باب القبلة للصائم ومسلم في صحيحه كتاب الحيض (١/ ٢٤٣) برقم ٢٩٦ باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد.
[ ٣ / ١٨١ ]
وأخرجاه (١) أيضًا عن ميمونة زوج النَّبيِّ - ﷺ - قالت: كان النَّبيُّ - ﷺ - إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتّزرت وهي حائض. اللفظ للبخاري.
ولمسلم (٢) في الباب ممَّا لم يذكره عن أنس بن مالك: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النَّبيِّ - ﷺ - النَّبيَّ - ﷺ -؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾ إلى آخر الآية، فقال رسول الله - ﷺ -: "اصنعوا كل شيء إلَّا النّكاح".
وفيه عن عكرمة عن بعض أزواج النَّبيّ - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا. رواه أبو (٣) داود.
وفيه أيضًا عن عمير مولى عمر قال: جاء نفر من أهل العراق إلى عمر، فقال لهم عمر: أبإذن جئتم؟ قالوا: نعم، قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نسأل عن ثلاث، قال: وما هنّ؟ قالوا: صلاة الرجل في بيته تطوّعًا، ما هي؟ وما يصلح للرجل من امرأته وهي حائض؟ وعن الغسل من الجنابة، فقال عمر: أسحرة أنتم؟ قالوا: لا يا أمير المؤمنين، ما نحن سحرة. قال: لقد سألتموني عن ثلاثة أشياء ما سألني عنهن أحد منذ سألت رسول الله - ﷺ - عنهن قبلكم، أما صلاة الرجل في بيته نور (٤)؛ نوّر بيتك ما استطعت، وأمَّا الحائض فما فوق الإزار وليس له ما تحته. وأمَّا الغسل من الجنابة فتفرغ بيمينك على يسارك، ثم تدخل يدك في الإناء فتغسل
_________________
(١) البُخاريّ في صحيحه كتاب الحيض (١/ ١١٤) برقم ٣٠٣ باب مباشرة الحائض ومسلم في صحيحه كتاب الحيض (١/ ٢٤٣) برقم ٢٩٤ باب مباشرة الحائض فوق الإزار.
(٢) صحيح مسلم كتاب الحيض (١/ ٢٤٦) برقم ٣٠٢ باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن فيه.
(٣) في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٣٦) برقم ٢٧٢ باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع.
(٤) في نسخة السندي ما يدل على وجود كلام.
[ ٣ / ١٨٢ ]
فرجك وما أصابك ثم توضأ وضوءك للصلاة ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات تدلك رأسك كل مرَّة، ثم تغسل سائر جسدك. رواه أبو (١) يعلى الموصلي في "مسنده"، والبيهقيّ (٢) في "سننه".
وفيه أيضًا ما روى أبو داود (٣) في "السنن" عن عبد الله بن سعد الأنصاري: أنَّه سأل رسول الله - ﷺ -: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: "ما فوق الإزار".
وفيه عن معاذ بن جبل: سألت رسول الله - ﷺ - عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: "ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل".
رواه أبو داود (٤) عن هشام بن عبد الملك اليزني، عن بقية، عن سعد بن عبد الله الأغطش، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن معاذ.
وفيه عن ابن عباس: قال أبو (٥) محمد:
_________________
(١) ولم أقف عليه في مسنده وممن رواه كذلك أحمد بن عبيد الصفار في مسنده كما ذكر ذلك ابن دقيق العيد في الإمام (٣/ ٢٤٤) قلت وممن عزاه إلى أبي يعلى الحافظ مغلطاي كما في شرح سنن ابن ماجه (٣/ ٨٨٥) وقال الحافظ الهيثمي في القصد العلي (١/ ١٠٠) برقم ١٧٤ حدَّثنا أبو خيثمة حدَّثنا عبد الله عن مالك بن مغول عن عاصم بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: سألت رسول الله ﷺ ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض قال: "ما فوق الإزار". وذكره في مجمع الزوائد (١/ ٢٨١) وقال رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصَّحيح.
(٢) السنن الكبرى (١/ ٣١٢). والحديث أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الطهارة وسننها (١/ ٤٣٧، ٤٣٨) برقم ١٣٧٥ باب ما جاء في التطوع في البيت والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٣٧) والبيهقيّ في السنن الكبرى (١/ ٣١٢) من طريق أبي إسحاق عن عاصم بن عمرو عن عمير مولى عمر بن الخطاب عن عمر بن الخطاب عن النَّبيِّ ﷺ وعمير مولى عمر بن الخطاب لم يرو عنه سوى عاصم بن عمرو وقال الحافظ الذهبي في الكاشف (٢/ ٩٨) برقم ٤٢٩٣: وثق وقال الحافظ في التقريب (٧٥٤) مقبول.
(٣) في سننه كتاب الطهارة (١/ ١٠٨) برقم ٢١٢ باب في المذي.
(٤) في سننه كتاب الطهارة (١ /).
(٥) يعني ابن حزم كما في المحلى (٢/ ١٧٨ - ١٧٩ و١٨١).
[ ٣ / ١٨٣ ]
روينا من طريق عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن كريب، عن ابن عباس أنَّه سئل عن ما يحل من المرأة وهي حائض لزوجها؟ قال: سمعنا -والله أعلم- إن كان قاله رسول الله - ﷺ - فهو كذلك: "يحل له ما فوق الإزار".
وفيه عن أم حبيبة: روى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن خديج (١)، عن معاوية بن أبي سفيان، عن أم حبيبة زوج النَّبيِّ - ﷺ - قال: سألتها كيف كنت تصنعين مع رسول الله - ﷺ - في الحيض؟ قالت: كانت إحدانا في فورها أول ما تحيض تشد عليها إزارًا إلى أنصاف فخذيها ثم تضطجع مع رسول الله - ﷺ -".
والاتزار (٢): أن تشد إزارًا تستر سرتها. (٣) وما تحتها إلى الركبة، والمباشرة (٤) فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر أو بالقبلة أو المعانقة أو اللمس وغير ذلك حلال باتفاق.
نقل الشَّيخ أبو حامد الإسفراييني وجماعة الإجماع على هذا، وأمَّا ما حكي عن عبيدة السلماني، وغيره من أنَّه لا يباشر شيئًا منها بشيء منه فشاذ منكر غير معروف ولا مقبول، ولو صح عنه لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة (٥) في مباشرة النَّبيِّ - ﷺ - فوق الإزار وإذنه في ذلك (٦)، ثم إنه لا فرق بين أن يكون على الموضع الذي يستمتع به شيء من الدَّم أو لا يكون. هذا هو الصواب -إن شاء الله تعالى-
_________________
(١) وقع في المطبوع من سنن ابن ماجه (١/ ٢٠٩) برقم ٦٣٨ خديج بالمعجمة وهو خطأ وصوابه حديج وانظر ترجمته في تهذيب الكمال (٢٨/ ١٦٣، ١٦٧) برقم ٦٠٤٦.
(٢) نقل المصنف هذا التفسير عن النووي كما في شرح مسلم (٣/ ١٩٤).
(٣) شرح مسلم (٣/ ١٩٤).
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ١٩٥).
(٥) زاد النووي كما في شرح مسلم المشهورة المذكورة في الصحيحين وغيرهما (٣/ ١٩٥).
(٦) زاد النووي بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده.
[ ٣ / ١٨٤ ]
الذي قطع به جمهور الأصحاب وغيرهم من العلماء، وحكى المحاملي وجهًا لبعض الأصحاب أنَّه يحرم مباشرة ما فوق السرة وتحت الركبة إذا كان عليه شيء من دم الحيض.
قال النووي -﵀-: وهذا الوجه باطل لا شك فيه.
وأمَّا المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا:
أصحّها: عند الجمهور (١) وأشهرها في المذهب أنَّه حرام.
والثاني: أنها ليست بحرام، ولكنها مكروهة كراهة تنزيه، وهذا الوجه أقوى من حيث الدليل (٢).
الثالث: إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج ويثق من نفسه باجتنابه إما لضعف شهوته وأمَّا لشدة ورعه جاز، وإلا فلا، وهذا الوجه حسن، قاله أبو الفياض (٣) البصري من منتحلي مذهب الشَّافعي -﵀-،
وممن ذهب إلى الوجه الأول وهو التحريم مطلقًا مالك وأبو حنيفة، وقبلهما (٤) سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة.
وممن ذهب إلى الجواز عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والحكم والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن الحسن وأصبغ وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر وداود (٥) واحتجوا بحديث أنس الذي ذكرناه: "اصنعوا كل شيء إلَّا النكاح".
_________________
(١) عند النووي عند جماهيرهم (٣/ ١٩٥).
(٢) قال النووي وهو المختار (٣/ ١٩٥).
(٣) عند النووي أبو العباس البصري من أصحابنا (٣/ ١٩٥).
(٤) قال النووي وهو قول أكثر العلماء منهم سعيد بن المسيب وشريح وطاوس (٣/ ١٩٥).
(٥) قال النووي وقد قدمنا أن هذا المذهب أقوى دليلًا (٣/ ١٩٦).
[ ٣ / ١٨٥ ]
قالوا: وأمَّا اقتصار النَّبيِّ - ﷺ - في مباشرته على ما فوق الإزار فمحمول على الاستحباب (١)، والفرق بين الدلالة القولية والفعلية ظاهر فلا خفاء برجحان هذا المذهب.
وتحريم الوطء والمباشرة حيث هي محرمة يكون في مدة الحيض وبعد انقطاعه إلى أن تغتسل أو تتيمم إن عدمت الماء بشرطه عند مالك والشّافعيّ وأحمد وجمهور السلف.
وقال أبو حنيفة: إذا انقطع الدَّم لأكثر الحيض حل وطؤها في الحال.
وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾، وقوله: "يَطْهُرْنَ" معناه حتَّى يحصل لهنَّ الطهر الذي هو عدم المحيض، وقوله: "فَإِذَا تَطَهَّرْن" هو صفة فعلهن.
وأمَّا ما ذهب إليه أبو حنيفة فقال: أبو محمد علي بن أحمد الفارسي: لم في عن أحد من الصّحابة - ﵃ - في هذه المسألة شيء، ولا نعلمه أيضًا عن أحد من التّابعين إلَّا عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهري وربيعة، وروينا من طريق الدَّارميِّ عن عطاء الترخيص فيه للشبق.
وأمَّا الدبر فحرام في كل وقت.
* * *
_________________
(١) شرط النووي على مسلم (٣/ ١٩٤، ١٩٦).
[ ٣ / ١٨٦ ]