تقدم قول الذهبي: إن ابن سيد الناس تخرج به جماعة، وهذا يدل على كثرة تلاميذه الذين أطالوا التلمذة عليه، حتى تخرجوا على يديه، فصاروا ثمارًا طيبة لعلمه الذي ينتفع به، وبقيت حتى الآن سلسلة روايتهم للحديث متصلة بواسطته، كما سيأتي، وتقدم أيضًا وصف المؤلف بأنه كان محبًا لطلبة العلم، طيب الأخلاق، ومن أحسن الناس محاضرة، لا تُمل محاضرته، حسن المحاورة، لطيف العبارة، مع سعة العلم، وجودة الفهم، وذلك هو ملاك صفات المدرس الناجح والكفء، بكل المقاييس العلمية والتربوية، مما يجعل طلاب العلم، بقبلون عليه، ويكثرون في حلقته، ويستفيدون منه، عِلمًا وخلقًا.
وكما وجدنا فيما تقدم بعض النساء قد أخذ عنها المؤلف الحديث، كذلك وجدت بعض النساء قد أخذَت عن المؤلف، وروت ما تحملته لمن بعدها.
فقد قال تقي الدين محمد بن محمد بن محمد بن فهد المكي: شافهتني المسندة أم محمد رقية ابنة علي بن مَزروع المدنية بها، أي بمكة وكتب إليّ المعمر أبو عبد الله محمد بن حسن بن علي القُرَشِي الفرسيسي المصري، منها -أي من مصر- قالا: أنبانا الحافظ أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله، اليعمري، قال: أخبرنا الإِمام الحافظ قطب الدين أبو محمد، أحمد القسطلاني وساق سنده إلى أحمد بن عبد الله بن الحسين المحاملي ثم إلى الرسول -ﷺ- بحديث: "إذا وطئ أحدكم الأذى بخُفَّيهِ، فطهورها التراب" (١).
_________________
(١) ذيل ابن فهد على تذكرة الحفاظ للذهبي / ٨٠، ٨١.
[ ١ / ٤٨ ]
فهذه الرواية تفيد أن كلًا من: محمد بن حسن بن علي الفرسيسي، وهو مصري والمسندة رقية ابنة علي بن مزروع، وهي مدنية، قد تحملا عن ابن سيد الناس بعض مرويات أو مؤلفات المَحامِلي. ثم أديا ما تحملاه إلى تلاميذهما، ومنهم ابن فهد، فالمسندة رقية شافهته، والفرسيسي كاتبه، وذكر ابن فهد أيضًا مكاتبة الفرسيسي له بمرويات أخرى عن شيخه ابن سيد الناس (١) كما جاء في معجم شيوخه سماع عدد من العلماء في مرحلة الطلب، السيرة النبوية الكبرى لابن سيد الناس، من تلميذه الفرسيسي هذا في مجالس له متعددة (٢) وجاء في نسخة السيرة المطبوعة إثبات سماع الفرسيسي لها من المؤلف (٣) وذكر ابن فهد أيضًا عددًا آخر من تلاميذ ابن سيد الناس أَسمعوا كتابه هذا في السيرة لطلابهم (٤) وهو المسمى (بعيون الأثر في فنون المغازي والسيَر) كما سيأتي ذكره في مؤلفاته.
كما ذكر ابن قاضي شهبة أيضًا مِمَّن تخرج في علم الحديث على ابن سيد الناس، تقي الدين محمد بن رافع بن هَجْرَس السُّلَامي، الحافظ المتقن المعمّر الرحلة، المصري ثم الدمشقي المتوفى سنة ٧٥٤ هـ (٥) وذكر ابن فهد أيضًا أن الحافظ مغلطاي بن قليج بن عبد الله الحنفي، قد تخرج في الحديث على ابن سيد الناس (٦).