تقدم أن ابن العربي جعل من منهجه في الشرح تخصيص مبحث لما يتعلق بالحديث الذي يشرحه من علمي أصول الفقه، وأصول الدين، وهي المسائل الاعتقادية، وأنه يعنون له بعنوان (الأصول) أو (أصوله) يعني الحديث، أما الحافظ العراقي فإنه في كثير من الأحيان يخصص لذلك وجهًا من الوجوه التي يقسم شرح الحديث إليها، وإن لم يضع لها عنوانًا غير الرقم المسلسل للوجه الذي يوردها فيه كان يقول: الثامن في كذا.
_________________
(١) نيل الأوطار ١/ ٩٨.
(٢) تحفة الأحوذي ١/ ٦٥.
[ ١ / ١١٧ ]
وقد وجدت ابن سيد الناس يتناول في شرحه أيضًا ما يتعلق بالحديث من مباحث علم أصول الفقه وأصول الدين، لكن تعرضه لهما أقل بصفة عامة، من تعرض كل من العراقي وابن العربي، كما أني لم أجده خصص لأي منهما مبحثًا مستقلًا معنونًا بعنوان خاص كما فعل في العناصر الأخرى في بعض الأبواب، كما تقدم، ولكنه يذكر ذلك خلال مبحث الأحكام المستفادة من الحديث، ففي باب "ما يقول إذا خرج من الخلاء" أخرج الترمذي فيه حديث عائشة "أنه -ﷺ- كان إذا خرج من الخلاء قال: غُفرانك" فعقد ابن العربي في شرحه مبحثًا عنونه بقوله: (الأصول)، وقال فيه: كان النبي -ﷺ- يطلب المغفرة من ربه قبل أن يُعلِمه أنه قد غَفر له، وكان لايسألها بعد ذلك؛ لأنه قد غفر له، بشرط استغفاره، ورُفع إلى شرف المنزلة بشرط أن يجتهد في الأعمال الصالحة، والكل له حاصل بفضل الله، ثم قال: في طلب المغفرة هنا محملان: الأول: أنه سأل المغفرة من تركه ذكر الله في ذلك الوقت في تلك الحالة الخ (١) ويلاحظ أن ما ذكره ابن العربي هنا تحت عنوان (الأصول) متعلق بأصول الدين الاعتقادية لا بأصول الفقه، أما ابن سيد الناس فإنه في شرح هذا الحديث، ذكر معنى الغفران وإعرابه بنحو ما ذكره ابن العربي، بحيث يفهم من ذلك اطلاعه على شرح ابن العربي للحديث، ومع ذلك لم يتعرض لمسألة استغفار الرسول -ﷺ- ربَّه قبل أن يُعلمه أنه قد غفر له، ثم كان لا يسألها بعد إعلامه بذلك، بل تجاوز المؤلف ذلك إلى ما بعده من وجه سؤاله -ﷺ- المغفرة في تلك الحالة، وذكر نحو ما ذكره في هذا ابن العربي، مع زيادة وتفصيل استفاد فيه من شرح النووي لهذا الحديث من صحيح مسلم، كما أثبَتُّ ذلك في توثيق النص (٢).
وفي باب (ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور) أخرج الترمذي حديث علي -﵁- (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلُها التسليم)
_________________
(١) العارضة ١/ ٢٢، ٢٣.
(٢) انظر الشرح/ ق ٢٦ ب.
[ ١ / ١١٨ ]
وقد ذكر المؤلف ضمن بيانه للأحكام المستفادة من الحديث، أن أبا حنيفة والأوزاعي والثوري وغيرهم يجيزون الانصراف من الصلاة بغير التسليم، ثم ذكر أنه يُستَدل لأبي حنيفة بما روى البيهقي عن علي -﵁- قال: "إذا جلس -يعني المصلى- مقدار التشهد، ثم أحدث فقد تمت صلاته". وعقَّب على ذلك بقوله: وهذا -يعني الاستدلال بقول علي ﵁- جار على أصولهم -يعني الحنفية- وأما عندنا -يعني الشافعية- فالحجة فيما روى، لا فيما رأى (١)، وتوضيح ذلك أن الترمذي أخرج رواية عن النبي -ﷺ- أنّ تحليل الصلاة التسليم - والبيهقي روى عن علي أيضًا قوله السابق ذكرُه، وهو مخالف لمارواه بنفسه عن النبي -ﷺ- فمن أصول الفقه عند الحنفية أنه عند اختلاف رأي الصحابي عما يرويه بنفسه عن النبي -ﷺ- يُعمَل بما رآه، لا بما رواه؛ لأنه بمشاهدته للرسول -ﷺ- يكون أعرف بمقصوده -ﷺ- من الحديث الذي رواه عنه، ولهم في ذلك تفاصيل أخرى، وأما الشافعية ومن يوافقهم فمن أصولهم: أن العبرة بما رواه الصحابي عن الرسول -ﷺ- لا برأيه هو؛ لأن الحديث حجة على راويه وعلى غيره، ولهم في ذلك تفاصيل أيضًا (٢).
وهذه المسألة التي تعرض لها المؤلف عندما تُراجع شرح ابن العربي للحديث لا تجده تعرض لها (٣) وهي مسألة أصولية مُختَلف فيها كما ترى ومتعلقة بالحديث. ويلاحظ أيضًا أن المؤلف ذكر ذلك خلال بيان الأحكام المتعلقة بالحديث، ولم يخصص لها مبحثًا.
ومن المباحث الأصولية التي اتفق المؤلف مع غيره في تناولها، ما جاء في باب الرخصة في استقبال القبلة بالبول أو الغائط، فقد أخرج الترمذي فيه
_________________
(١) انظر الشرح/ ق ٢٣ ب.
(٢) انظر الشرح/ ق ٢٣ مع التعليق والمعتمد ٢/ ٦٧٠، ٦٧١ والمنخول للغزالي ١٧٥، ١٧٦. وفتح الباري ٣/ ٥١٣، ٥١٤ باب الجمع بين الصلاتين بعرفة.
(٣) العارضة ١/ ١٥ - ١٩.
[ ١ / ١١٩ ]
حديث ابن عمر أنه (رأى رسول الله -ﷺ- على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة).
وقد ذكر المؤلف في الأحكام المستفادة من الحديث، وخلافَ العلماء فيها، نقلًا عن أبي العباس القرطبي: أن من العلماء من منع استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا، لأنه يرى أن حديث ابن عمر المذكور لا يصلح مُخصصًا لحديث أبي أيوب في نهيه -ﷺ- عن الاستقبال والاستدبار؛ لأن حديث ابن عمر فعل له -ﷺ- في خلوة فيحتمل أنه مختص به، وحديث أبي أيوب، قول قُعِّدَت به القاعدة، فبقاؤه على عمومه أولى، ثم نقل جواب القرطبي عن ذلك، وأقره، وخلاصته: أن الفعل أقل مَراتبه الدلالة على الجواز، وأن الأصل فيه عدم الخصوصية بالرسول -ﷺ-.
وبهذا أقر المؤلف القرطبي على أن الحديث الفعلي يصلح مخصصًا للحديث القولي (١) ومسألة الاستدلال بفعل الرسول -ﷺ- على الأحكام بمفرده، سواء كانت تخصيصًا أو نسخًا أو غيرهما، مسألة أصولية طال فيها كلام الأصوليين وخلافهم، كما أشرت إلى ذلك في التعليق على هذا الموضع من الشرح، وحققت القول فيها بقدر الإمكان فتراجع من هناك (٢).
وفي شرح ابن العربي للحديث تعرض أيضًا للمسألة، دون أن يضع لها عنوانًا كعادته في عنونة مبحث الأصول وغيره في شرحه كما قدمت، وإنما تعرض لها ضمن مبحث الأحكام المستفادة من الحديث، حيث ذكر خلاف العلماء في جواز الاستقبال والاستدبار وعدمه، ثم قال: والمختار والله الموفق؛ أنه لا يجوز الاستقبال ولا الاستدبار في الصحراء، ولا في البنيان؛ وذكر في تدليله على ذلك: أن حديث أبي أيوب قول، وحديث ابن عمر وحديث جابر الذي أخرجه الترمذي في الباب أيضًا، كلاهما فعلان، ولا معارضة بين القول والفعل، وأن
_________________
(١) الشرح/ ق ٣٥ أ، ب.
(٢) انظر الموضع السابق من الشرح.
[ ١ / ١٢٠ ]
الفعل لا صيغة له، وإنما هو حكاية حال الخ (١) وبذلك انتهى إلى أن الفعل في حديثي الباب لا يعارض حديث أبي أيوب القولي، وهذا خلاف ما نقله ابن سيد الناس عن أبي العباس القرطبي وأقره عليه.
وهكذا اتفق المؤلف وابن العربي في تناول تلك المسألة الأصولية، ولكنهما اختلفا في الأخذ بمقتضاها، حسبما ترجح لكل منهما.