يعتبر هذا العنصر من شرح الأحاديث عمومًا عنصرًا أساسيًا، وهدفًا أعلا، وقد عده علماء الحديث نوعًا قائمًا بذاته من أنواع علوم الحديث، فقال الحاكم أبو عبد الله؛ النوع العشرون من هذا العلم معرفة فقه الحديث؛ إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة (٥) وتتأكد أهمية بيان فقه الحديث وأحكامه بالنسبة لجامع الترمذي، لأنه راعى فيه ذكر الأحاديث المعمول بها عند طوائف العلماء (٦)، كما عني فيه بنقل مذاهب الفقهاء حتى عصره، والمتعلقة بما يدل عليه الحديث من أحكام وآداب، ومن هنا كان على من يتصدى لشرحه
_________________
(١) الشرح / ق ٢٣ ب، ٢٤ أ، ب.
(٢) العارضة ١/ ٢٦.
(٣) الشرح/ ق ٣٤ ب، ٣٥ أ.
(٤) تحفة الأحوذي ١/ ٦٥.
(٥) معرفة علوم الحديث للحاكم/ ٦٣.
(٦) شرح العلل لابن رجب ١/ ٤، ٥ والشرح/ ق ٥ ب.
[ ١ / ١١٣ ]
أن يجعل من منهجه العناية بهذا الجانب، وقد نُسب إلى الإِمام البُلْقيني (ت ٨٠٥ هـ) كما تقدم، تأليف شرحين لجامع الترمذي، أحدهما صناعة، والآخر فقه (١).
وقد قام ابن سيد الناس في شرحه هذا ببيان ما دلت عليه الأحاديث وما يستنبط منها من أحكام وآداب، وأورده بعد عنصر المفردات السابق ذكره. وفي المواضع التي عني فيها بذكر عناوين تفصيلية للشرح عنون هذا العنصر تارة بقوله: "المباحث والفوائد" (٢) وتارة بقوله: "الكلام على ما يستفاد من هذه الأحاديث، ويستنبط منها من الأحكام" (٣) وهذا شبيه بعنونة ابن العربي لهذا العنصر كما تقدم. وفي هذا القسم الذي حققته لم أجد المؤلف عنون هذا العنصر بمثل ما عنونه به في مواضع أخرى من الشرح، لكنه يصدِّر بيانه للأحكام بعبارات متعددة تفيد ذلك، سواء كانت من عنده أو من نقله عن غيره، فمن ذلك قوله: في الحديث دليل على كذا (٤) وقوله: الحديث دل على كذا (٥) وقوله: في الحديث بيان كذا (٦). وقوله: وقد يَستدِل بهذا (٧) وقوله: وفيه دليل لمالك وابن نافع (٨) وقوله: استدل أبو حنيفة بهذا الحديث (٩) وقوله: فيه من الفقه كذا (١٠)، وقوله: الحديث نص في كذا (١١) وقوله: تمسك بعضهم بهذا الحديث (١٢)
_________________
(١) وانظر ذيول تذكرة الحفاظ/ ٢١٦.
(٢) الشرح/ ق ١٢٩ ب.
(٣) الشرح/ ق ١٤٨ أ - ١٤٩ أ.
(٤) الشرح/ ق ٢٩ ب.
(٥) الشرح/ ق ٣١ أ.
(٦) الشرح/ ق ٢٢ ب.
(٧) الشرح/ ق ١٩ ب.
(٨) الشرح/ ق ١٦ أ.
(٩) الشرح/ ق ٢٠ ب.
(١٠) الشرح/ ق ١٤ ب.
(١١) الشرح/ ق ١٥ أ.
(١٢) الشرح/ ١٥ ب.
[ ١ / ١١٤ ]
وقوله: ينبني عليه كذا (١).
وقد وضعت من عندي عنوانًا يشمل هذا العنصر وما قبله وهو (المعاني والأحكام) ولم يقتصر المؤلف في بيان الأحكام على ما خرجه الترمذي في الأبواب، بل قد يتناول أيضًا بعض الروايات التي أشار إليها في الباب، أو التي اسَتدركها عليه هو (٢) ويُعنَى المؤلف مع بيان الأحكام ببيان ما ظهر له أو لغيره من علة الحكم، وحكمة التشريع (٣)، ويبين الناسخ والمنسوخ (٤) كما أنه يبين ما تيسر له من أهم آراء الفقهاء، ابتداء بالصحابة وحتى عصره، مع بيان ما يكون لكلٍ من أدلة غير الحديث موضع الشرح، ولا يتقيد المؤلف في ذلك بمذهب إمام معين، وإن كانت عنايته بأقوال الشافعية واضحة، باعتباره مذهبه الفقهي، ودرايته به أكثر، ويعبر عن الشافعية بأصحابنا (٥)، وقد يفصل الأقوال والآراء في الحكم، ثم يلخصه في النهاية في كلمات حتى يسهل استيعابه (٦) ولا تبلغ عنايته بذكر آراء الشافعية مبلغ عناية ابن العربي في عارضته بتفصيل آراء المالكية، كما تقدمت الإِشارة إلى ذلك. ويعتبر الحافظ العراقي في تكملته لهذا الشرح أكثر عناية بذكر آراء الشافعية المتعلقة بما يدل عليه الحديث، ولم ألحظ من المؤلف في هذا القسم المحقق انحيازًا لأصحابه الشافعية، ولا تحاملًا على غيرهم من بقية أصحاب المذاهب الأخرى.
وكما ذكرت تفاوت الشراح في العنصر السابق من منهج الشرح، فإني أقرر أن تفاوتهم في هذا العنصر أكثر، تبعًا للتفاوت في نظر العلماء وقدراتهم العلمية
_________________
(١) الشرح/ ق ٢٤ ب.
(٢) انظر الشرح/ ق ١٤ ب، ١٥ أ، ب، ١٦ أ، ١٩ ب، ٢٣ أ.
(٣) الشرح/ ق ٢٦ أ، ٣٠ أ - ٣٢ أ.
(٤) الشرح ٣٠ أ.
(٥) الشرح/ ق ٢٠ أ، ب، ٢١ أ، ٢٢ ب، ٢٣ أ، ب، ٢٤ أ، ب، ٢٩ ب، ٣٠ أ، ب، ٣١ أ، ٣٥ ب، ٣٦ أ.
(٦) الشرح/ ١٥ ب، ٢٠ ب.
[ ١ / ١١٥ ]
والشخصية على الاستنباط، وسعة الاطلاع على آراء واستنباط الآخرين، والإفادة منهما.
فمثلًا حديث ابن عمر في الرخصة في استقبال القبلة ببول أو غائط، قد أخرجه الترمذي وغيره بلفظ: أن ابن عمر قال: "رَقِيتُ يومًا على بيت حفصة" الحديث.
فلم يتعرض ابن العربي ولا المؤلف لما يستفاد من إضافة ابن عمر -﵄- البيت إلى حفصة مع كونه ملكًا لرسول اللهﷺ- في حين تعرض له الحافظ ابن حجر في الفتح وأجاب عن ذلك بأجوبة (١)، أما البخاري فإنه بما عُرف عنه من دقة الاستنباط للأحكام من خلال تراجمه على الأحاديث في الصحيح، قد أخرج الحديث في موضع دلالته الظاهرة، وذلك في كتاب الوضوء، وبوب عليه بقوله: "باب من تبرز على لَبِنَتِينْ" (٢) ثم أخرج الحديث مرة أخرى بنفس اللفظ في كتاب "فرض الخمس" تحت "باب ما جاء في بيوت أزواج النبي -ﷺ-، وما نُسِب من البيوت إليهن" (٣) وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى وجه ذكر البخاري للحديث تحت هذه الترجمة فقال: إن ابن عمر حيث أضاف البيت إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت الذي أسكنها -ﷺ- فيه، واستمر في يدها إلى أن ماتت فورِث عنها، ثم قال: وسيأتي انتزاع المصنف -يعني البخاري- لذلك من هذا الحديث في كتاب الخمس إن شاء الله (٤) وقال ابن المُنير في بيان غرض البخاري بترجمة نسبة البيوت إلى أزواج الرسول -ﷺ- والتي أعاد إخراج الحديث تحتها: غرضه بهذه الترجمة أن يُبين أن هذه النسبة تحقق دوام استحقاقهن للبيوت ما بَقِين؛ لأن نفقتهن وسكناهن من خصائص النبيﷺ- والسر فيه، حَبسُهن عليه (٥).
_________________
(١) الفتح ١/ ٢٤٧.
(٢) البخاري مع الفتح ١/ ٢٤٦.
(٣) البخاري مع الفتح ٦/ ٢١٠.
(٤) الفتح ١/ ٢٤٧.
(٥) الفتح ٦/ ٢١١.
[ ١ / ١١٦ ]
أقول: وابن المنير الذي بيّن استنباط البخاري لهذا الحكم من حديث ابن عمر وغيره، قد يكون هو ناصر الدين المتوفى سنة ٦٨٣ هـ، وقد يكون الأخ الأصغر للأول، ويلقب بزين الدين وتوفي سنة ٦٩٥ هـ، لأن لكل منهما تأليفًا في مناسبات تراجم البخاري، وكلاهما معاصر لابن سيد الناس، وتُوفِّيا في حياته، فكان يمكنه استفادة هذا الحكم من تأليفيهما المشار إليهما، ولكن يبدو عدم تمكنه من ذلك، حيث لم يتعرض لذكره، في حين تعرض له غيره كالحافظ ابن حجر كما أشرت.
ومن الجدير بالذكر هنا أن الإِمام الشوكاني قد نقل عن شرح المؤلف هذا، بيان معنى كلمة "رَقِيتُ" وقال في آخره: "قاله ابن سيد الناس في شرح الترمذي" ثم نقل عقبه مباشرة جواب الحافظ ابن حجر في الفتح عن إضافة البيت لحفصة -﵂- ولكنه لم ينسب ذلك إلى ابن حجر (١) فجاء المباركفوري فحذف الهاء من قول الشوكاني: "قاله ابن سيد الناس" فصارت: "قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي " وبذلك صار جواب ابن حجر المذكور بعدها، منسوبًا إلى ابن سيد الناس في شرح الترمذي (٢) وهو خطأ حيث لم يتعرض ابن سيد الناس لذلك في شرحه للحديث كما أوضحته، فليتنبه لذلك من يقف على كلام المباركفوري في شرح هذا الحديث.