وهذا المبحث يورده المؤلف بعد مبحث "الإِسناد" الذي تقدمت عناصره، فيكون هو المبحث الثاني من مباحث الشرح عنده، وتارة يعنونه بقوله: "الثاني في شيء من مفرداته" (٥) وتارة يقسمه إلى مبحثين فيقول: "الوجه الثاني في
_________________
(١) انظر الشرح/ ق ٢٢ أ، ب، ٢٥ أ، ب.
(٢) انظر الشرح/ ق ٢٢ أ، ب.
(٣) انظر العارضة ١/ ١٥، ١٦.
(٤) انظر تحفة الأحوذي ١/ ٤١.
(٥) انظر الشرح/ ق ١٣١ ب.
[ ١ / ١١١ ]
غريبه" و"الوجه الثالث في شيء من العربية وغيرها" (١) وهذا القسم الذي حققته لم يعنون المؤلف فيه شيئًا من المباحث التفصيلية للشرح، ولذا قمت من جانبي بوضع عنوان يدخل هذا تحته، وهو عنوان (المعاني والأحكام) ويلاحظ أن العنوانين اللذين يذكرهما المؤلف مقاربين لما عنون به ابن العربي مباحث شرحه أيضًا كما تقدم، أما العراقي فلا يعنون إلا بالرقم المسلسل لكل مبحث فقط حيث يقول: الثاني كذا، والثالث كذا الخ كما أشرت لذلك فيما تقدم، وبهذا يتضح لنا أن هذا العنصر من منهج الشرح أساسي، بحيث انتهجه كل الشراح لجامع الترمذي وغيره؛ لأنه من أهم أغراض ومطالب الشرح، وقد تناول المؤلف في هذا العنصر شرح الألفاظ والعبارات الواردة في متن الحديث غالبًا، ويرى المؤلف أنها بحاجة إلى إيضاح؛ إما لغرابتها، أو لكون معناها مشكلًا، لتعدد المراد بها، والخلاف فيه، ونحو ذلك، كما يَضبط أيضًا بالحروف ما يراه بحاجة إلى ذلك، ويُبين اشتقاق ما يحتاج لذلك، كما يتناول فيه بعض النقاط البلاغية، ويعرب ما يرى حاجة إلى إعرابه، وهذا قليل بالنسبة لباقي النقاط قبله، ويشمل هذا العنصر أحاديث الترمذي وغيرها من الروايات التي خرجها المؤلف في الشرح كما تقدم في عنصر التخريج (٢).
ومع اشتراك الشراح جميعًا في تناول هذا العنصر إلا أنهم يتفاوتون فيما يرونه بحاجة إلى شرح وبيان، ولذلك نجد أحدهم يشرح ما لم يشرحه الآخر، فمثلًا حديث الدعاء عند دخول الخلاء، ولفظه (كان النبي -ﷺ- إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك، وفي مرة: أعوذ بالله من الخُبُث والخبيث ) الحديث. فذكر ابن العربي تحت عنوان (غريبه) شرح وضبط ألفاظ: الخلاء، وأعوذ، والخُبُث (٣) وتبعه على هذا المباركفوري (٤) أما ابن سيد الناس فشرح
_________________
(١) انظر الشرح/ ق ١٦٨ - ١٦٩ ب.
(٢) انظر نماذج ما تقدم في الشرح/ ق ١٣ ب، ١٤ ب، ١٥ أ، ١٩ أ، ب، ٢٠ ب، ٢٣ أ.
(٣) العارضة ١/ ٢٠، ٢١.
(٤) تحفة الأحوذي ١/ ٤٧، ٤٨.
[ ١ / ١١٢ ]
وضبط كلمتي: "الخلاء والخبث" ولم يتعرض لشرح لفظ "أعوذ" ثم زاد شرح لفظأ "الحُشوش" وهو مذكور في رواية لزيد بن أرقم، وهي مما أشار إليه الترمذي في الباب، وخرجها المؤلف بالعزو إلى علل الترمذي وغيره (١)، وأيضًا توسع ابن العربي في شرح كلمة (الخلاء) أكثر من ابن سيد الناس.
وأيضًا في باب الرخصة في استقبال القبلة ببول أو غائط، أخرج الترمذي حديث ابن عمر قال: "رَقَيت يومًا على بيت حفصة، فرأيت رسول الله -ﷺ- على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة" فلم يتعرض ابن العربي لشرح شيء من مفرداته (٢)، ولكن ابن سيد الناس شرح ألفاظ "رقيت" و"الشام" و"لَبِنَتَينْ" الواردة في إحدى روايات الحديث عند غير الترمذي (٣) أما المباركفوري فشرح لفظ "رقيت" بقوله: أي علوت وصعدت (٤).
وبهذا تفاوتت فائدة الشروح الثلاثة بتفاوت ما تضمنته من المشروح.