مما تقدم يتضح لنا أنه توافر للمؤلف ما تكاملت به شخصيته العلمية، من
_________________
(١) الدرر الكامنة ٤/ ٣٣١.
(٢) انظر الدرر الكامنة ٤/ ٣٣٥.
[ ١ / ٤١ ]
تخصص بعلوم السنة وتبريز فيها، وإلمام بباقي العلوم المساعدة، وتوثيق له، وتمتع بمواهب أدبية وعلمية.
وقد ذكر المترجمون والمعاصرون له من المكانة العلمية المتعددة الجوانب، ومن الألقاب الدالة على ذلك، ما هو به جدير، فقد قال عنه الذهبي: إنه حجة فيما ينقله، له بصر نافذ بالفن، وخبرة بالرجال، وطبقاتِهم، ومعرفةٌ بالاختلاف. ويد طولى في علم اللسان، ومحاسنه جمة (١)، وقال أيضًا: كان عديم النظير في مجموعه، رأسًا في الأدب، قل أن ترى العيون مثله، في فهمه، وعلمه، وسيلان ذهنه، وسعة معارفه (٢) وقال أيضًا: هو أحد أئمة هذا الشأن، كتب بخطه المليح كثيرًا، وخرج وصنف، وصحح وعلل، وفرع وأصل، وقال الشعر البديع (٣).
وقال الصفدي: كان حافظًا بارعًا، أديبًا متَفنِّنًا، بليغًا، ناظمًا، ناثرًا، كاتبًا مُتَرسِّلًا كامل الأدوات (٤) -يعني الملكة العقلية، والعلوم المساعدة على نهوضه بتخصصه بالسنة وخدمتها- وقال أيضًا: كتب وصنف، وحدث، وأجاز، وتفرد بالحديث في وقته (٥) وقال أيضًا، شِعْره رقيق، سهل التركيب، منسجم الألفاظ، عذب النظم وترسُّلُه جيد، وكان النظم عليه بلا كُلفة، يكاد لا يتكلم إلا بالوزن (٦).
وقال البِرزالي: كان أحد الأعيان معرفة وإتقانًا وحفظًا للحديث، وتفهمًا في علله، وأسانيده، عالمًا بصحيحه وسقيمه، مستحضرًا للسيرة، له حظ من العربية، حسن التصنيف، إلى أن قال: ولم يخلفُ في مجموعه مثله (٧).
_________________
(١) الوافي بالوفيات ١/ ٢٩١ والطبقات الكبرى لابن السبكي ٩/ ٢٦٩.
(٢) الدرر الكامنة ٤/ ٣٣٤.
(٣) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٣٩٠.
(٤) الوافي بالوفيات ١/ ٢٩٠.
(٥) المصدر السابق.
(٦) الوافي بالوفيات ١/ ٢٩٣.
(٧) الدرر الكامنة ٤/ ٣٣١، ٣٣٢.
[ ١ / ٤٢ ]
وقال القطب (الجلبي): إمام محدث، حافظ، أديب شاعر بارع، جمع وألف، وخرَّج وأتقن، وصارت له يد طولى في الحديث والأدب، مع الإتقان (١).
وقال ابن فضل الله العمري (في مسالك الأبصار): كان أحد الأعلام الحفاظ، وإمام أهل الحديث الواقفين فيه بعكاظ، البحر المِكْثار، والحَبْر في نقل الآثار، وله أدب أسلسل قيادًا من الغمام بأيدي الرياح (٢).
وقال ابن كثير: اشتغل بالعلم، فبرع وساد أقرانه في علوم شتى، من الحديث والفقه، والنحو، ومن العربية، وعلم السير والتواريخ، وغير ذلك من الفنون، وحرر وحَبر، وأماد وأجاد، وله الشعر الرائق الفائق، والنثر الموافِق والبلاغة التامة، وحسن الترصيف، والتصنيف، ولم يكن في مصر في مجموعه مِثلُه، في حفظ الأسانيد والمتون، والعلل، والفقه، والمِلَح، والأشعار، والحكايات (٣).
وقال قرينه الإدفوي -بعد انتقاده السابق رَدُّه-: ولم يخلف بعده في القاهرة ومصر من يقوم بفنونه مقامه، ولا من يبلغ في ذلك مَرامه (٤).
وقال ابن ناصر الدين: كان إمامًا، حافظًا عجيبًا، مصنفًا بارعًا، شاعرًا أَديبًا (٥).
وقال معاصره الإسنوي: حافظ الديار المصرية، شيخ البلاغة والبراعة، صاحب النظم الرائق، والنثر الفائق (٦).
_________________
(١) الدرر الكامنة ٤/ ٣٣٢.
(٢) الدرر ٤/ ٣٣٢ وطبقات الشافعية لابن السبكي ٩/ ٢٦٨.
(٣) البداية والنهاية ١٤/ ١٤٧، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٣٩٠.
(٤) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٣٩٢، شذرات الذهب ٩/ ١٠٦.
(٥) الشذرات ٦/ ١٠٩.
(٦) طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٥١١.
[ ١ / ٤٣ ]
وهكذا يتجلى لنا من خلال تلك الشهادات والألقاب والأوصاف، تكامل جوانب شخصية المؤلف العلمية، وتعدد نشاطه العلمي والحَدِيثي وتنوعه بين رواية ودراية وتصنيف وتخريج، مع الجودة والإِتقان، كما يتجلى لنا تمتعه -﵀- بمكانة علمية لائقة بين حفاظ الحديث في عصره، وعلمائه المنتجين في مجالاته المتعددة.