حدثنا سَعيدُ بنُ عبد الرحمن المخْزُومِي، ثنا سفيان بن عُيَيْنَة، عن الزهري، عن عطاء بن يَزِيَد اللَّيثيِّ، عن أبي أَيُّوب الأنصاري قال: قال رسول الله -ﷺ- .. إذا أتَيْتُم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بَول، ولا تَسْتَنبِرُوها، ولكن شَرِّقُوا، أو غَرِّبُوا. قال (١) أبو أيوب: فَقدِمْنا الشام، فَوجدنا مَراحِيضَ قد بُنِيَتْ، مُسْتَقْبَل القِبْلَة، فننحرف عنها ونستغفر الله.
[قال أبو عيسى] (٢) وفي الباب عن عبد الله بن الحارث [بن جَزْء الزبيدي] (٣) ومعقل بن أبي الهيثم، ويقال: معقل بن أبي معقل، وأبي أمامة، وأبي هريرة، وسهل بن حنيف.
قال [أبو عيسى] (٤) وحديث أبي أيوب، أحْسَنُ شيءٍ في هذا
_________________
(١) في ط شاكر "فقال" ١/ ١٣.
(٢) من ط شاكر/ الموضع السابق.
(٣) من ط شاكر ١/ ١٣، ١٤.
(٤) من ط شاكر ١/ ١٤.
[ ١ / ٤٤٩ ]
الباب وأصح، وأبو أيوب اسمه: خالد بن زيد، والزهري [اسمه] (١) محمد بن مسلم بن عبيد الله، بن شهاب الزهري [وكنيته أبو بكر] (٢).
قال أبو الوليد المكي: قال أبو عبد الله [محمد بن إدريس] (٣) الشافعي: إنما معنى قول النبي -ﷺ-: "لا تستقبلوا القبلة بغائط، ولا بول، ولا تستدبروها" إنما هذا في الفيافي، فأما (٤) في الكنف البنية، فله (٥) رخصة في أن يستقبِلَها، وهكذا قال إسحق [بن إبراهيم] (٦).
[و] (٧) قال أحمد بن حنبل: إنما الرخصة من النبي -ﷺ- في استدبار القبلة بغائط، أو بول، فأما استقبال القبلة، فلا يَسْتَقبِلُها، كَأَنَّه لَمْ يَر في الصحراء ولا في الكُنُف، أن يستقبل القبلة.
[الكلام عليه]
[التخريج والصناعة الحديثية]:
أما حديث أبي أيوب، فَمخَرّجُ في الكتب الستة (٨) وحديث
_________________
(١) من ط شاكر ١/ ١٤.
(٢) من ط شاكر ١/ ١٤.
(٣) من ط شاكر ١/ ١٤.
(٤) ط شاكر "وأما" ١/ ١٤.
(٥) في ط شاكر "له".
(٦) من ط شاكر ١/ ١٤ ويؤيده مصادر حكاية المذاهب في المسألة كالمجموع ٢/ ٨١، ٨٢، والمغنى لابن قدامة ١/ ١٦٢، ١٦٣ وعمدة القاري العيني ٢/ ٢٦٢ ط مصطفى الحلبي.
(٧) من ط شاكر ١/ ١٤ وتؤيده مصادر حكاية المذاهب السابقة.
(٨) أخرجه البخاري بلفظه وسنده في كتاب الصلاة - باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق ١/ ١٠٣ وذلك من طريقين، في أولهما تصريح سفيان بالتحديث =
[ ١ / ٤٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عن الزهري، وفي ثانيهما تصريح عطاء بالسماع من أبي أيوب، وذلك بدل العنعنة في سند الترمذي في الموضعين. وأخرجه البخاري أيضًا بنحوه، دون قول أبي أيوب: قدمنا الشام إلخ - كتاب الوضوء - باب لا يستقبل القبلة ببول ولا غائط إلا عند البناء ١/ ٤٥. وأخرجه مسلم بلفظه - كتاب الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٢٤ ح ٥٩. وأبو داود، في الطهارة - باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، ولم يذكر النهي عن الاستدبار ١/ ٢٧ مع عون المعبود. والنسائي في الطهارة - باب النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، مقتصرًا على ذكر النهي عن استقبال القبلة واستدبارها، وفي باب النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة، ولم يذكر كلام أبي أيوب، وفي باب الأمر باستقبال المشرق والمغرب عند الحاجة، بلفظ: "إذا أتي أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة، ولكن ليشرق، أو ليغَرِّب" سنن النسائي مع التعليقات السلفية ١/ ٥، ٦. وابن ماجه - كتاب الطهارة - باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط أو البول، ولم يذكر النهي عن الاستدبار، ولا كلام أبي أيوب ١/ ١١٥ ح ٣١٨. أقول وأخرجه غير الستة أيضًا: فقد أخرجه الدارمي بسند الترمذي ولفظه، ثم قال: وهذا أصح من حديث عبد الكريم، وعبد الكريم شبه المتروك - سنن الدارمي - كتاب الصلاة والطهارة - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول ١/ ١٣٥، ١٣٦ ح ٦٧١ ومقصود الدارمي بحديث عبد الكريم، حديث سهل بن حنيف الذي أشار إليه الترمذي ضمن ما في الباب، فقد أخرجه الدارمي قبل هذا الحديث، وفي سنده عبد الكريم، وهو ابن أبي المُخارِق، وسيأتي تخريج الحديث، كما سيأتي في الأصل التعريف بعبد الكريم ص ٤٥٦. وأخرجه أحمد في مسنده بلفظ مقارب من طريق معمر عن الزهري به، ومن طريق مالك عن إسحق بن عبد الله، وفي أوله قصة، ولم يذكر فيه كلام
[ ١ / ٤٥١ ]
عبد الله بن الحارث رواه الإمام أحمد (١) وابن ماجه (٢).
_________________
(١) = أبي أيوب: فلما قَدِمنا الشام إلخ/ مسند أحمد ٥/ ٤١٤، ٤١٥ ومن طريق سفيان عن الزهري، ومعمر عن الزهري بنحوه، مع ذكر كلام أبي أيوب ٤/ ٤١٦، ٤١٧، ٤٢١ ومن طريق حماد بن سلمة عن إسحق بن عبد الله، بنحوه دون ذكر كلام أبي أيوب ٤/ ٤١٩. وأخرجه مالك في الموطأ، عن إسحق بن عبد الله، بسنده إلى أبي أيوب، بلفظ رواية أحمد الأخيرة/ الموطأ كتاب القِبْلَة - باب النهي عن استقبال القبلة والإنسان على حاجته/ ١٣٧ ح ١. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق مالك بلفظ: إذا ذهب أحدكم الغائط، أو البول، فلا تستقبلوا القبلة، أو قال: بفرج/ المصنف - كتاب الطهارة - باب في استقبال القبلة بالغائط أو البول ١/ ١٥٠. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه بنحو رواية الترمذي/ صحيح ابن خزيمة - كتاب الطهارة - باب ذكر خبر رُوي عن النبي -ﷺ- في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط والبول، بلفظ عام ١/ ٣٣ ح ٥٧.
(٢) في مسنده مكررًا ست مرات من طرق، بعضها عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله، وبعضها عن ابن لَهيعة عن سليمان الحضرمي عن عبد الله، وألفاظها متقاربة، ومقتصرة على ذكر النهي عن استقبال القبلة بالبول/ مسند أحمد ٤/ ١٩٠، ١٩١.
(٣) من طريق "الليث" السابق ذكره من عند أحمد، وبلفظ رواية أحمد/ سنن ابن ماجه/ كتاب الطهارة - باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول ١/ ١١٥ ح ٣١٧. وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده صحيح، وحَكَم بصحته جماعة/ هامش السنن/ الموضع السابق. أقول: وممن صححه ابن حبان، فقد أخرجه في صحيحه من طريق غوث بن =
[ ١ / ٤٥٢ ]
وحديث مَعْقِل بن أبي مَعْقِل، في النهي عن استقبال القبلتين (١) -وسيأتي الكلام على مَعْقِل، لذكره الخلاف في (٢) اسم أبيه- رواه الإمام أحمد (٣) وأبو داود (٤)، وابن ماجه (٥).
_________________
(١) = سليمان عن عبد الله، بمعناه/ موارد الظمآن ١/ ٦٢، ٦٣، وكان الأولى تخريج المؤلف للحديث منه مراعاة للصحة. قال العيني: فإن قُلتَ: قال ابن يونس في تاريخه: وهو حديث معلول، ثم قال العيني: قلت: لا التفات الى قوله هذا، فإن ابن حبان قد صححه/ عمدة القاري ٢/ ٢٦١ ط الحلبي. أقول: ويؤيد ابن حبان تصحيح غيره للحديث كما تقدم. وأخرجه أيضًا الخطيب في تاريخه بلفظ: لا يتغوط أحدكم لبوله ولا لغيره مستقبل القبلة ولا مستدبرها، شرقوا أو غربوا/ تاريخ بغداد ٤/ ١٩٢، ١٩٣.
(٢) أي الكعبة وبيت المقدس/ معالم السنن ١/ ٢٠ مع مختصر سنن أبي داود.
(٣) بالأصل "و" ولا يستقيم المعنى عليه.
(٤) من طريقين عن أبي زيد مولى ثعلبة عن أبي مَعْقِل، ولفظ الرواية الأولى: أن رسول الله -ﷺ- نهى أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط، ولفظ الثانية: أن تُستقبل القبلتان بغائط أو بول/ المسند ٤/ ٢١٠، ٦/ ٤٠٦.
(٥) بلفظ رواية أحمد الأولى، ومن طريق أبي زيد، مولى ثعلبة، كتاب الطهارة باب كراهية استقبال القبلة ١/ ٢٨ ح ١٠ مع عون المعبود. أقول: ولم يُضغِّف أبو داود هذا الحديث مع وجود أبي زيد المذكور في سنده، وهو مجهول الحال كما سيأتي ص ٥٩٢ ت.
(٦) بلفظ رواية أبي داود، مع تقديم "الغائط" على "البول" ومن طريق أبي زيد أيضًا/ سنن ابن ماجه - كتاب الطهارة - باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول ١/ ١١٥، ١١٦ ح ٣١٨. =
[ ١ / ٤٥٣ ]
وحديث أبي هريرة (١) إذا جلس أَحدُكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرْها، رواه مسلم (٢).
_________________
(١) = وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: قيل: أبو زيد مجهول الحال؛ فالحديث ضعيف به/ سنن ابن ماجه هامش/ الموضع السابق، ويؤيده ما في التقريب ٢/ ٤٢٥ ترجمة ٢٩، وعليه فلا يُسلَّم قول النووي عن هذا الحديث: إسناده جيد/ المجموع ٢/ ٨٠. أقول وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في المصنف بلفظ رواية ابن ماجه، ومن طريقين عن عمرو بن يحيى عن أبي زيد المذكور/ المصنف - كتاب الطهارة - باب في استقبال القبلة بالغائط أو البول ١/ ١٥٠، ١٥١، وسيأتي ذكر شاهدين له، يرقيانه إلى الحسن لغيره ص ٦١٠ - ٦١٢ ت.
(٢) بالأصل قبل هذا ما نصه "وحديث أبي أمامة" ثم ضرب عَلَى "أبي أمامة"، مع أن الترمذي ذكره ضمن من له حديث في الباب كما تقدم. وقد بحثتُ عن حديثه فلم أقف عليه في المظان، فلعل المؤلف ترك ذكره لعدم وقوفه عليه، ولكن كان عليه أن ينبه على هذا.
(٣) في صحيحه - كتاب الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٢٤ ح ٦٠. أقول: وأخرجه أيضًا أبو داود، في أثناء حديث بلفظ: "فإذا أتي أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها - كتاب الطهارة - باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ١/ ٢٧ مع عون المعبود. وقد أخرجه أيضًا ابن ماجه في أثناء حديث بلفظ: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبرها" - كتاب الطهارة - باب باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة ١/ ١١٤ ح ٣١٣. وأخرجه ابن حبان في صحيحه بنحو رواية أبي داود السابقة/ موارد الظمآن - كتاب الطهارة - باب آداب الخلاء أو الاستجمار بالحجر ص ٦٢ ح ١٢٨. وأخرجه أحمد في مسنده بلفظ رواية ابن ماجه السابقة - الفتح الرباني لترتيب مسند الإِمام أحمد بن حنبل الشيباني، للشيخ أحمد البنا الساعاتي ١/ ١٧٣ =
[ ١ / ٤٥٤ ]
وحديثُ سَهْل بن حُنَيْف، ذكره الدَّارِمي في مسنده (١) ثنا أبو عاصم عن ابن جُرَيْج، عن عبد الكريم، عن الوليد بن مالك [من] (٢) عبد القيس - عن محمد بن قيس -مولى سهل بن حُنَيف-
_________________
(١) = ح ١٢١ مع بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني للساعاتي أيضًا. وأخرجه الدارمي -في أثناء حديث، بلفظ "فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها"- كتاب الطهارة والصلاة - باب الاستنجاء بالأحجار ١/ ١٣٨ ح ٦٨٠. وأخرجه النسائي في أثناء حديث، بلفظ: "إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها"/ كتاب الطهارة - باب النهي عن الاستطابة بالروث ١/ ٨ مع التعليقات السلفية. وأخرجه البيهقي -في أثناء حديث- بالفاظ مقاربة - كتاب الطهارة - جماع أبواب الاستطابة ١/ ٩١. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه بلفظ "فلا يستقبل أحدكم القبلة ولا يستدبرها" -يعني في الغائط- كتاب الطهارة - باب النهي عن الاستطابة بدون ثلاثة أحجار ١/ ٤٣، ٤٤ ح ٨٠.
(٢) تعقب الحافظ العراقي ابن الصلاح في تسمية كتاب الدارمي هذا "بالمسند" كما فعل المؤلف هنا، فقال العراقي: إن هذا وَهْم، لأنه مرتب على الأبواب، كالكتب الخمسة، واشتهر تسميته "بالمسند" كما سمى البخاري كتابه "المسند الجامع الصحيح" -وإن كان مرتبًا على الأبواب- لكون أحاديثه مسندة، إلا أن مسند الدارمي كثير الأحاديث المرسلة والمنقطة والمعضلة والمقطوعة/ التقييد والإيضاح/ ٥٦ ونسخته الخطية بدار الكتب المصرية رقم ٣٦ مصطلح الحديث ورقة ١٤ ب.
(٣) بالأصل "عن" وفي مسند أحمد أنه رواه روح وعبد الرزاق عن ابن جريج، فقال روح: ابن عبد القيس، وقال عبد الرزاق: من عبد القيس/ المسند ٣/ ٤٨٧، وتابع عبد الرزاق على ذلك أبو عاصم شيخ الدارمي/ سنن الدارمي ١/ ١٣٥، ١٣٧، وانظر تعجيل المنفعة/ ٤٣٨.
[ ١ / ٤٥٥ ]
عن سهل، [و] (١) قال: عبد الكريم شِبْهُ المتروك (٢) وذكر ابن المديني أنه أيضًا: لا الوليد عن مالك، ولا محمد بن قيس؛ فإن هذا الحديث لا يُروى إلا عن عبد الكريم، وأن محمد بن قيس، لا يُرْوَى عنه شيء غير هذا الحديث، وقال: غريب من حديث سهل: أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يُسْتقبلَ شيء من القبلتين بالغائط والبول.
وفي الباب مما لم يذكره: حديث سلمان الفارسي، وهو عند مسلم (٣)، وفيه أيضًا ما ذكره أبو أحمد بن عدي من حديث
_________________
(١) زيادة منى ليستقيم الكلام.
(٢) سنن الدارمي - كتاب الطهارة والصلاة - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول ١/ ١٣٥ خ ٦٧٠. ومن قوله: "وعبد الكريم شبه المتروك" الى قوله: "بالغائط والبول" متأخر في الأصل عن قوله الآتي: "وفي الباب مما لم يذكره " إلخ ولكن عليه إشارة بأن يُقدم ويوصل ببقية الكلام كما فعلت. أقول: وأخرج حديث "سهل" هذا أيضًا الإمام أحمد في أثناء حديث بلفظ: "وإذا تخليتم فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها"/ المسند ٣/ ٤٨٧.
(٣) في صحيحه، بلفظ: "لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول" - كتاب الطهارة باب الاستطابة ١/ ٢٢٣ ح ٥٧، وبلفظ: نهانا أن يستنجى أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة/ كتاب الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٢٤ ح ٥٧ مكرر. أقول/ وأخرج حديث سلمان أيضًا أبو داود، بلفظ: "لقد نهانا -ﷺ- أن نستقبل القبلة بغائط أو بول" - كتاب الطهارة - باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ١/ ٢٤، ٢٥ ح ٧ مع عون المعبود. وأخرجه النسائي بنحو رواية أبي داود - كتاب الطهارة باب النهي عن الاكتفاء =
[ ١ / ٤٥٦ ]
عمرو (١) العَجْلاني وقال: في إسناده عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، وهو ضعيف عندهم (٢).
_________________
(١) = في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، وباب النهي عن الاستنجاء باليمين - بلفظ: "نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، ويستقبل القبلة" السنن مع التعليقات السلفية ١/ ٨، ٩، ١٠. وأخرجه ابن ماجه بلفظ "أمرنا أن لا نستقبل القبلة" - كتاب الطهارة - باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة ١/ ١١٥ ح ٣١٦. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه بلفظ ابن ماجه السابق/ كتاب الطهارة - جماع أبواب الاستنجاء بالأحجار ١/ ٤١ ح ٧٤ وباب الدليل على النهي عن الاستطابة بدون ثلاثة أحجار إلخ ١/ ٤٤ ح ٨١. وأخرجه أحمد - بلفظ "ينهانا أن يستقبل أحدنا القبلة وأن يستدبرها" وبلفظ: "ينهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه أو يستقبل القبلة"/ المسند ٥/ ٤٣٧، ٤٣٨، ٤٣٩. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف بنحو رواية أبي داود السابقة/ المصنف - كتاب الطهارة - باب في استقبال القبلة بغائط أو بول ١/ ١٥٠ وبلفظ: رواية ابن ماجه السابقة/ باب من كان لا يستنجي بالماء ويجتزئ بالحجارة ١/ ١٥٥. وأخرجه أبو داود الطيالسي بلفظ: "نهانا أن نستقبل القبلة بفروجنا أو نستدبرها/ مسند الطيالسي ٩١ ح ٦٥٤.
(٢) بالأصل "ابن العجلاني" ومصوبة بالهامش كما أثبتها، وكذا في التجريد للذهبي ١/ ٤١٣، ٤١٤ وفي سند الحديث أيضًا عند ابن عدي/ ل ٢١٥ الظاهرية.
(٣) الحديث المشار اليه أخرجه ابن عدي في الكامل في ترجمة عبد الله بن نافع المذكور، ومن طريقه، بلفظ "أن رسول الله -ﷺ- نهى أن نستقبل شيئًا من القبلتين بالغائط والبول" ولكن لم أجد في الترجمة وصف ابن عدي لعبد الله بالضعف صراحة؛ وإنما الموجود بعد هذا الحديث قول ابن عدي: "ولعبد الله بن =
[ ١ / ٤٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = نافع من الحديث غير ذلك وهو ممن يكتب حديثه، وإن كان عنده مخالفة" وهذا الكلام يفيد تضعيف ابن عدي له؛ ولكنه بعبارة غير التي نسبها المؤلف لابن عدي، ونعم إنه ذكر في صدر ترجمته عن يحيى بن معين أنه قال: عبد الله بن نافع مولى ابن عمر ضعيف/ الكامل لابن عدي/ ل ٢١٥ من نسخة الظاهرية. وسيأتي أن الجمهور على تضعيف عبد الله هذا، خاصة في روايته عن أبيه كهذا الحديث/ ص ٦٠٩ ت، كما سيأتي أن حديثه هذا يرتقى للحسن لغيره/ ص ٦١٠ ت. ثم إن ابن عدي أخرج في ترجمة عبد الله هذا حديثًا آخر من أحاديث الباب، وفي سنده عبد الله بن نافع المذكور، ولكن المؤلف لم يذكره، وقد أخرجه إبن عدي بروايتين: أولاهما عن شيخه. ابن مكرم، وثانيتهما عن شيخه أبي يعلى الموصلي -صاحب المسند- كلاهما بإسناده عن أسامة بن زيد، ولفظ الرواية الأولى: أن رسول الله -ﷺ- قال: لا تستقبلوا القبلة لغائط ولا بول" ولفظ الثانية: "أن رسول الله -ﷺ- نهى أن تُستَقْبل القبلة بغائط أو بول"/ الكامل/ الموضع السابق. وعزا ابن حجر الرواية الثانية لأبي يعلى في مسنده/ المطالب العالية بزوائد المسانيد الثانية، لابن حجر العسقلاني - كتاب الطهارة - باب الاستطابة ١/ ١٧ ح ٤٢. وهناك أحاديث أخرى من أحاديث الباب لم يذكرها الترمذي ولم يشر إليها، ولم يستدركها عليه المؤلف أيضًا: فمن ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده مكررًا - عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -ﷺ- "زجر أن تستقبل القبلة لبول"/ المسند ٣/ ١٢، ١٥. ومن ذلك ما أخرجه أحمد أيضًا في مسنده عن رجل من الأنصار عن أبيه أن رسول الله -ﷺ- نهى أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط/ المسند جـ ٥/ ٤٣٠. =
[ ١ / ٤٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومنها ما أخرجه مالك في الموطأ عن رجل من الأنصار أن رسول الله -ﷺ- نهى أن تستقبل القبلة لغائط أو بول/ الموطأ - كتاب القبلة - باب النهي عن استقبال القبلة والإنسان على حاجته ١/ ١٣٧ ح ٢. وأخرجه من طريق مالك، الشافعي، ومن طريق الشافعي الطحاوي، ومن طريق الطحاوي البيهقي وفي رواياتهم جميعًا: عن رجل من الأنصار عن أبيه أن رسول الله -ﷺ- نهى (الحديث). معرفة السنن والأثار للبيهقي - كتاب الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٦٤، ٢٦٥، وقال ابن عبد البر: إن في رواية يحيى بن يحيى: "عن رجل من الأنصار أنه سمع رسول الله -ﷺ- (الحديث) وأما سائر الرواة عن مالك غير يحيى - فإنهم يقولون: "عن رجل من الأنصار عن أبيه" وهو الصواب/ تنوير الحوالك للسيوطي ١/ ١٥٤ مع موطأ مالك بتصرف يسير. وقد رواه هكذا على الصواب، البيهقي من طريق ابن بكير عن مالك/ معرفة السنن والآثار ١/ ٢٦٥. ومنها ما أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن الحضرمي -وكان من الصحابة- أن أعرابيًا لقي النبي -ﷺ- يستفتيه عن الغائط فقال: لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها إذا استنجيت، قال يا رسول كيف أصنع؟ قال: اعترض بحجرين وضمن الثالث "وقال الحافظ ابن حجر: في سنده متروك/ المطالب العالية - كتاب الطهارة - باب الاستطابة ١/ ١٦ ح ٣٩. ومنها ما أخرجه ابن أبي حاتم الرازي عن سراقة بن مالك عن النبي -ﷺ- "إذا أتي أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة" وفي آخره زيادة وقال أبو حاتم: إن ما يروونه موقوف، وأسنده عبد الرزاق بآخرة/ علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٣٦، ٣٧. ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة عن طاوس مرسلًا -بلفظ: "حق على كل مسلم أن يكرم قبلة الله، فلا يستقبل منها شيئًا، يقول: في غائط أو بول/ المصنف =
[ ١ / ٤٥٩ ]
ومعقل "المذكور، قال أبو عمر: مَعْقِل بن/ الهيثم (١) الأسدي،
_________________
(١) = لابن أبي شيبة - كتاب الطهارات باب في استقبال القبلة بالغائط والبول ١/ ١٠١. وأخرجه الدارقطني عن طاوس مرسلًا بلفظ: "إذا أتي أحدكم البراز فليكرم قبلة الله فلا يستقبلها ولا يستدبرها" وفي آخره زيادة، وأخرجه موقوفًا على طاوس بنحوه، وأقر ابن المديني وغيره أن المعروف هو الرواية الموقوفة على طاوس/ سنن الدارقطني - كتاب الطهارة باب الاستطابة ١/ ٥٧، ٥٨. وأخرجه البيهقي من طريق الدارقطني، ونقل عن الشافعي أن حديث طاوس هذا مرسل/ معرفة السنن والآثار للبيهقي ١/ ٢٦٨، ٢٦٨. ولكن يبدو أن المؤلف كان مطلعًا على بعض تلك الأحاديث وإن لم يستدركها على الترمذي، بدليل ذكره لحديث "سراقة" السابق - فيما سيأتي من شرح الحديث، وذكره أيضًا حديث طاوس في شرح الباب السابق.
(٢) الذي في طبعتي "الاستيعاب" ابن أبي الهيثم" ٣/ ١٤٣٢ ط النهضة، ٣/ ٣٩١ ط الحلبي، وعليه مشى الترمذي -كما تقدم كلامه في الأصل- وقال الحافظ ابن حجر: رجح العسكري والدارقطني وابن مندة وابن عبد البر، وآخرون قول من قال فيه: "معقِل بن أبي الهيثم" وبه جزم صاحب "الكمال" يعني المقدسي - ووهَّمه المزي في ذلك، والعلم عند الله تعالى/ النكت الظراف لابن حجر مع تحفة الأشراف ٨/ ٤٥٩. أقول: وقول ابن حجر هذا: إن المزي وَهَّم صاحب الكمال في الجزم "بابن أبي الهيثم" يفيد ترجيح المزي لكونه "ابن الهيثم"، وقد ذكره به فعلًا في "تهذيب الكمال ٣/ ١٣٥٣، وفي تحفة الأشراف ٨/ ٤٥٩؛ ولكن يخالف هذا ما في نسخة تهذيب التهذيب المطبوعة ١٠/ ٢٣٥ حيث ذكر فيها "ابن أبي الهيثم" وذكر أن المؤلف -يعني المِزي- اختاره، فلعل هذا خطأ ناسخ أو طابع في تهذيب التهذيب. كما أن ذكر ابن حجر للدارقطني ضمن من رجح "ابن أبي الهيثم" يخالف ما في تهذيب التهذيب المطبوع أيضًا ١٠/ ٢٣٥ أن الدارقطني صحح "ابن الهيثم" ولعل ما ذكر في "النكت الظراف" هو المعتمد من قول الدارقطني؛ لأن ابن حجر أشرك =
[ ١ / ٤٦٠ ]
يُقال له: مَعْقِل ابنُ أُم مَعْقِل، وُيقال له: مَعْقِلُ بن أَبي مَعْقِلْ، وكلُّه واحد (١) يُعَدُّ في أهل المدينة، مات في عهد معاوية. رَوى عن النبي
_________________
(١) = فيها مع الدارقطني في ترجيح "ابن أبي الهيثم" كلًا من العسكري وابن مندة وابن عبد البر: وهم المذكورون في نفس تهذيب التهذيب" ضمن القائلين "بابن أبي الهيثم"، وقال ابن حجر في "الإصابة" ٣/ ٤٢٦: قال الدارقطني: الصحيح أنه معقل بن أبي الهيثم، وذكر ممن وافق الدارقطني على ذلك: العسكري والترمذي. وقول ابن حجر بعد ذكر عدد ممن رجح "ابن أبي الهيثم": "والعلم عند الله تعالى"، يدل على عدم ترجح أي من الأمرين عنده، ويؤيد ذلك تصرفه في باقي مؤلفاته، ففي موضع من الإصابة ٣/ ٤٢٦، قال: "وهو معقل بن الهيثم، ويقال: "ابن أبي الهيثم"، وهذا يفيد ترجيحه للأول ثم عكس هذا في التقريب ٢/ ٢٦٥، وقال في موضع آخر في "الإصابة" ٣/ ٤٢٦: "معقل بن الهيثم أو ابن أبي الهيثم"، فلم يرجح أيهما، ثم في ترجمة والد معقل هذا، في الأسماء وفي الكنى من "الإصابة" ٣/ ٥٨١، ٤/ ١٨٢ جزم بأن اسمه "الهيثم" وكنيته "أبو معقل" ونقله عن النسائي أيضًا "الإصابة" ٤/ ١٨١ ونجد الذهبي في "تجريد الصحابة" في ترجمة "معقل" يرجح كونه "ابن أبي الهيثم" التجريد ٢/ ٨٨ وفي ترجمة والده في الأسماء من التجريد أيضًا ٢/ ١٢٤ جزم بأنه "الهيثم " وفي ترجمته في الكنى/ التجريد ٢/ ٢٠٤ ذكره بكنية "أَبي مَعْقِل" وقال: يقال: اسمه "هيثم " وكذا فعل أبو نعيم في معرفة الصحابة، له/ ل ١٤١، ٢٨٧. ومع كل هذا الخلاف في تسمية الأب فالابن واحد كما سيأتي ذكره في الأصل.
(٢) ولذا عقد ابن عبد البر ثم الذهبي له ترجمة واحدة وقررا فيها هذا/ الاستيعاب ٣/ ٣٩١، وتجريد الصحابة ٢/ ٨٨، أما الحافظ ابن حجر فعقد له ثلاث تراجم، بناءا على الخلاف فيمن نُسِب إليه في الروايات المثبتة لصحبته، لكنه ربط بين التراجم الثلاثة بما يشير إلى كونهم لشخص واحد أيضًا/ الإصابة ٣/ ٤٢٦، ٤٢٧.
[ ١ / ٤٦١ ]
-ﷺ-: عمرة في رمضان تَعْدِلُ حَجة (١) وَرَوى أن
_________________
(١) الاستيعاب ٣/ ٣٩١ والحديث المذكور أخرجه من روايته عن النبي -ﷺ- النسائي في سننه الكبرى - كتاب الحج - عن عمرو بن علي عن يحيى (بن سعيد) عن هشام الدَّسْتَوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عمِّ معقل بن أبي مَعْقِل قال: أرادت أمي أن تحج، وكان جملها أعجف، فسألت رسول الله -ﷺ- فقال: اعتمري في رمضان، فإن عُمرة فيه تَعْدِلُ حَجة/ تحفة الأشراف ٨/ ٤٥٩ ح ١١٤٦٤. وأخرجه أحمد في مسنده عن يحيى بن سعيد، بإسناد النسائي السابق، وبلفظ مقارب لمتنه/ مسند أحمد ٤/ ٢١٠. وأخرجه أحمد أيضًا في مسنده من طريق آخر عن أبي زيد عن مَعقِل بن أبي معقل أنه قال: يا رسول الله، إن أم مَعْقِل فاتها الحج معك (الحديث) وفيه: فَلْتعتمر في رمضان، فإن عمرة في رمضان كحجة/ المسند ٤/ ٢١٠. وأخرجه أحمد أيضًا في مسنده من طريق آخر عن إبراهيم بن مهاجر عن أبي بكر بن عبد الرحمن القرشي عن مَعْقِل بن أبي مَعْقِل أن أمه أتت رسول الله -ﷺ- فقالت: ولم يسق متن الحديث ولكن قال: انه بمعنى حديثٍ قبله، وفي هذا الحديث الذي قبله: عُمرة في رمضان تَعْدِلُ حجه أو تُجزي عن حجة/ المسند ٦/ ٤٠٦. ولكن حديث العمرة هذا مروي أيضًا من طريق إبراهيم بن مهاجر وغيره عن أبي بكر بن عبد الرحمن المذكور عن أُم مَعْقِل، مرفوعًا/ مسند أحمد ٦/ ٤٠٥، ٤٠٦، والسنن الكبرى للنسائي - كتاب المناسك/ كما في تحفة الأشراف ١٣/ ١٠٦ ح ١٨٣٥٩. ورُوي من طريق إبراهيم بن مهاجر عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن رسول مروان الى أُم مَعْقِل عنها/ سنن أبي داود - كتاب المناسك - باب العمرة ٢/ ٣٠٥، ٥٠٤ ح ١٩٨٨، ومسند أحمد ٦/ ٤٠٥، ٤٠٦، وابن مندة كما في الإصابة ٤/ ١٨١. =
[ ١ / ٤٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورُوي من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي مَعْقِل مرفوعًا - سنن النسائي الكبرى - كتاب الحج - كما في تحفة الأشراف ٩/ ٢٨٩ ح ١٢١٧٤، ١٣/ ١٠٦ ح ١٨٣٥٩. ورُوي من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلًا/ الموطأ - كتاب الحج - باب جامع ما جاء في العمرة ١/ ٣٤٦، ٣٤٧ ح ٦٦. ولهذا الاختلاف في الروايات من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، ذكر ابن عبد البر أنه اختُلِف عليه فيه/ الاستيعاب ٤/ ١٨٩. وأخرجه الترمذي من طريق الأسود (بن يزيد) عن ابن أبي مَعْقِل عن أُم مَعْقِل، مرفوعًا - كما في تحفة الأشراف ١٣/ ١٠٦ ح ١٨٣٦٠ والإِصابة ٤/ ١٨١ وتهذيب التهذيب ١٠/ ٢٣٥. وفي الترمذي المطبوع عن ابن أم مَعْقِل عن أُم مَعْقِل عن النبي -ﷺ-/ جامع الترمذي أبواب الحج - باب ما جاء في عمرة رمضان ٣/ ٢٦٧ ح ٩٣٩ ط فؤاد عبد الباقي، و٢/ ٢٠٨ ح ٩٤٣ من ط الدار السلفية بتحقيق عبد الرحمن عثمان، وقال عنه الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وأخرجه ابن ماجه - من طريق الأسود أيضًا عن أبي مَعْقِل عن النبي -ﷺ-/ كتاب المناسك - باب العمرة في رمضان ٢/ ٩٩٦ ح ٢٩٩٣، وقال المزي: إنه وقع في بعض نسخ ابن ماجه "عن ابن أبي مَعْقِل عن أُم مَعْقِل" كما في رواية الترمذي، وهو وَهْم/ تهذيب الكمال ٣/ ١٣٥٣. وروي أيضًا -كما قال ابن مندة- من طريق الأسود عن أَبي مَعْقِل عن أُم مَعْقِل/ الإصابة ٤/ ١٨١. ولهذا وغيره من اختلاف رواياته التي استوعب الحافظ ابن حجر كثيرًا منها في الإصابة ٤/ ١٨١، ١٨٢، وصف ابن عبد البر سند هذا الحديث عن أم مَعْقل بأنه مضطرب/ الاستيعاب ٤/ ٤٧٦؛ ولكن تقدم تحسين الترمذي لبعضها. كما أنه مخرج في الصحيحين بنحوه من حديث ابن عباس/ صحيح البخاري مع =
[ ١ / ٤٦٣ ]
النبي -ﷺ- نهى عن استقبال القبلتين لبول (١) أو غائط (٢)، وقال ابن سعد: صَحِبَ النبي -ﷺ- وَرَوى عنه (٣)، رَوَى له أبو داود وابن ماجه، والنسائي (٤).
_________________
(١) = الفتح - كتاب الحج - باب عمرة في رمضان، ٣/ ٦٠٣ ح ١٧٨٢، وكتاب جزاء الصيد - باب حج النساء ٤/ ٧٢ ح ١٨٦٣. وأخرجه مسلم بلفظه وبنحوه - كتاب الحج - باب فضل العمرة في رمضان ٢/ ٩١٧ ح ٢٢١، ٢٢٢.
(٢) كذا في الاستيعاب ٣/ ٣٩١ ولكن لفظ حديث مَعْقِل في مصادر تخريجه السابقة، وفي تحفة الأشراف ٨/ ٤٥٩ "ببول".
(٣) تقدم تخريج الحديث ص ٤٥٣ أصل وت.
(٤) الإصابة ٣/ ٤٢٦ ترجمة ٨١٤٠ وتهذيب الكمال ٣/ ١٣٥٣.
(٥) تهذيب الكمال ٣/ ١٣٥٣، وتقدم تخريج حديثه من كل منها، وعلى هذا اقتصر الذهبي في الكاشف ٢/ ١٦٣ ترجمة ٥٦٥٢ وتجريد الصحابة ٢/ ٨٨ ترجمة ٩٩٠. لكن جاء في تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٣٥: أن الترمذي أخرج لِمَعْقِل هذا في أبواب الطهارة ولم يسمه، وأنه أخرج أيضًا حديث "عُمرة في رمضان تَعْدِلُ حَجة" من طريق ابن أَبي مَعْقِل عن أُم مَعْقِل، وجاء في "تهذيب الكمال" مثل ذلك بدون تحديد موضع الرواية الأولى بـ "الطهارة" أو غيرها من أبواب جامع الترمذي/ تهذيب الكمال ٣/ ١٣٥٣. لكن المزي في "تحفة الأشراف" ٨/ ٤٥٩ لم يذكر رواية لِمعْقل عند الترمذي في "الطهارة" مطلقًا، بل لم يذكر له عند الترمذي رواية أخرى غير حديث "العمرة في رمضان"/ تحفة الأشراف ١٣/ ١٠٦ ح ١٨٣٦٠، وهو في "الحج"، لا في "الطهارة" كما تقدم تخريجه ص ٤٦٣ ت، وبناءًا على هذا الحديث فقط يتوجه وضع رمز الترمذي على ترجمة معقل كما في تهذيب الكمال ٣/ ١٣٥٣، وفروعه، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٣٥، والخلاصة/ ٣٨٣، والتقريب ٢/ ٢٦٥.
[ ١ / ٤٦٤ ]
قال (١): وأبو أيوب: اسمه خالد بن زيد، وهو ابن كُليب بن ثَعْلبةَ بن عبْدِ عَوف (٢) بن غَنْم (٣) بن مالك بن النجار (٤)، وقيل: ابن عبد عوف بن جُشم بن غَنْم بن مالك الأنصاري الخزرجي، يُكْنى أبا أيوب، شهد بدرًا، والعقبة، والمشاهد كلها، مع رسول الله -ﷺ-، نزل عليه رسول الله -ﷺ- حين قدم المدينة، شهرًا، حتى بنيت مساكنه، ومسجده (٥)، رُوِي له عن رسول الله -ﷺ- مائةٌ وخمسون حديثًا، اتفقا منها على سبعة، وانفرد البخاري بحديث واحد، ومسلم بخمسة (٦) روى عنه: البراء بن عازب، وجابر بن سَمُرة، والمقدام بن مَعدى كرب، وأبو أُمامة الباهِلي، وزيد بن خالد الجُهَني (٧) وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن يزيد الخَطْمِي (٨)، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء بن يزيد الليثي وعبد الله بن
_________________
(١) أي الترمذي كما تقدم كلامه في الأصل.
(٢) ويقال: ابن عمرو بن عبد عوف/ تهذيب الكمال ٢/ ٣٥٣.
(٣) بفتح المعجمة وسكون النون/ المغنى للفتَّني/ ١٩١.
(٤) جمهرة أنساب العرب لابن حزم/ ٣٤٨.
(٥) تهذيب الكمال ١ ك ٣٥٣ والاستيعاب ١/ ٤٠٣.
(٦) الخلاصة/ ١٠٠ والرياض المستطابة للعامري/ ٦٢ وهدي الساري/ ٤٧٤.
(٧) الإصابة ١/ ٤٠٥.
(٨) بفتح الخاء المنقوطة بواحدة وسكون الطاء المهملة، في آخرها الميم، نسبة إلى بطن من الأنصار، يُقال له: خَطْمة بن جُشَم، منهم "عبد الله" المذكور/ الأنساب ٥/ ١٦٣.
[ ١ / ٤٦٥ ]
حنين، وخلق سواهم، روى له الجماعة. قال أبو عمر: وآخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين مُصْعَب بن عُمير (١) وكان أبو أيوب الأنصاري مع علي بن أبي طالب في حروبه كلها، مات بالقُسْطَنْطِينِيّة، من بلاد الروم، في زمن معاوية، وكانت غَزاتُه تلك تحت راية يزيد، هو (٢) كان أميرهم يومئذ، وكان سنة خمسين أو إحدى وخمسين من التاريخ، وقيل: بل كان ذلك سنة اثنتين وخمسين -وهو الأكثر-، في غزوة يزيد، القُسْطَنْطِينِية.
قال (٣): حدثنا سعيد بن نصر قال: ثنا قاسم بن أَصْبَغ، قال: ثنا محمد بن وضَّاح قال: ثنا ابن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي ظَبْيان، عن أشياخه، عن أبي أيوب، أنه خرج غازيًا في زمن معاوية، فمرض، فلما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مِت، فاحملوني، فإذا صافَفْتم العدو، فادفنوني تحت أقدامكم، ففعلوا -وذكر تمام الحديث-.
وقبر أبي أيوب، قُرب سُورِها (٤) معلوم إلى اليوم، مُعظَّم، يَسْتَسقُون به، فيُسْقَون (٥).
_________________
(١) الاستيعاب ١/ ٤٠٤، وآخى رسول الله -ﷺأيضًا بين زوجة أبي أيوب، وبين عاثشة -﵂-/ الرياض المستطابة/ ٦١.
(٢) في الاستيعاب "وهو" ١/ ٤٠٤ والضمير يعود ليزيد/ انظر الإصابة ١/ ٤٠٥.
(٣) أي ابن عبد البر/ الاستيعاب ١/ ٤٠٤.
(٤) أي سور القُسْطَنطِينِيَّة كما تقدم ذكرها، وفي تهذيب الكمال ١/ ٣٥٤: وقبره في أصل سور القُسْطَنْطِينِيَّة.
(٥) الاستيعاب ١/ ٤٠٥، ٤/ ٥، ٦ والخلاصة/ ١٠٠، ومن المعلوم أن الاستسقاء =
[ ١ / ٤٦٦ ]
قال (١): والزهري: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب.
كذا قال: نَسَبَ "عُبيد الله" إلى جده "شهاب" وهو: عبيد الله بن [عبد الله] (٢) بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرة بن كِلَاب القرشي الزُّهْري (٣)، قال ابن الحَذَّاء (٤): وشَهِد جَدُّه
_________________
(١) = المذكور ونحوه من التوسل بالقبور والمقبورين مُحرم شرعًا، وعليه فما كان لابن عبد البر ثم المؤلف من بعده، ذكر هذا دون تنبيه على فساده والنهي عنه، فليتنبه لمثل ذلك وعدم الاغترار بجلالة قائله، فما من أحد غير المعصوم -ﷺ- إلا يؤخذ من قوله، ويُرَد عليه، تبعًا للدليل، والله أعلم.
(٢) أي الترمذي كما تقدم كلامه في صدر الباب.
(٣) ليست بالأصل، ولا يستقيم المعنى بدونها، وهي في سياق النسب في المصادر/ الثقات لابن حبان ٥/ ٣٤٩، تهذيب الكمال ٣/ ١٣٦٩، والتاريخ الكبير ١/ ٢٢٠، والكنى للدولابي ١/ ١٢٢ ترجمة الزهري من تاريخ دمشق بتحقيق الأخ الأستاذ/ شكر الله قوجاني ٣ و٣٩، ٤٠ - ٤٧؛ لكن جاء نسب الزهري على لسانه هو كما ذكر الترمذي تارة، وكما في غيره من المصادر تارة أخرى/ انظر ترجمة الزهري من تاريخ دمشق ٢١، ٢٦، ٦٧.
(٤) في الثقات لابن حبان ٥/ ٣٤٩: الزهري القرشي، وما بالأصل وغيره من المصادر هو المناسب لقاعدة النسب، في البدء بالنسبة للعام ثم الخاص؛ ليحصل بالثاني فائدة لم تحصل من الأول/ التدريب ٢/ ٣٨٥، وهنا "الزهري" منسوب إلى "زُهْرة بن كِلَاب" وهي من قريش/ الأنساب للسمعاني ٦/ ٣٥٠، ولعل من قدم "الزهري" راعى شهرته بها/ انظر الأنساب ٦/ ٣٥٠ وترجمة الزهري من تاريخ دمشق لابن عساكر/ ٤٣، ٤٦.
(٥) هو محمد بن يحيى بن أحمد، أبو عبد الله، التميمي، القرطبي، المالكي، المعروف بابن الحذاء، كان عالمًا بالفقه والحديث، وولد سنة ٣٤٨ هـ، وتوفي سنة ٤١٦ هـ، وله مؤلفات منها: "التعريف بمن ذكر في الموطأ من الرجال والنساء" =
[ ١ / ٤٦٧ ]
-عَبدُ الله بن شهاب- أُحدًا (١) مع/ المشركين، ثم أسلم بَعْدُ، وكان اسمُه في الجاهلية: عَبدَ الجَانِّ (٢)، فسماه رسول الله -ﷺ- عبد الله، وهو عبدُ الله الأصغر (٣) قال
_________________
(١) = وهو مَظِنة الكلام الذي نقله عنه المؤلف في التعريف بالزهري، كما أنه نقل عنه هذا الموضع في تراجم بعض الرواة أيضًا، وتوجد من هذا الكتاب نسخة خطية بخزانة القرويين بفاس، تقع في ٤٢ ق/ انظر شجرة النور الزكية ١/ ١١٢ وفهرس مخطوطات القرويين لمحمد العابد الفاسي ١/ ١٨٦ - ١٨٨.
(٢) في طبقات ابن سعد: شهد بدرًا مع المشركين، وكان أحد النفر الأربعة الذين تعاهدوا وتعاقدوا يوم أحد، لئن رأوا رسول الله -ﷺ- لَيَقْتُلُنه، أو لَيُقْتَلُن دونه/ الطبقات الكبرى ٤/ ١٢٥، وسيأتي في الأصل ذكر اثنين من هؤلاء الأربعة، وعبد الله بن شهاب هو الثالث ورابعهم أُبي بن خَلف/ الطبقات ٤/ ١٢٥.
(٣) بالأصل "الحاز" وفي الموضع الآتي قريبًا "الحبار" وما أثبته هو الوارد في مصادر الترجمة/ الطبقات الكبرى لابن سعد ٤/ ١٢٥، والاستيعاب ٢/ ٣٨٧، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم/ ١٣٠، وهكذا ذكر ابن حجر في الإصابة ٢/ ٣٢٥ فيمن اسمه "عبد الله بن شهاب". لكن قال في فصل "من أضيف بالعبودية إلى اسم من أسماء الله تعالى أو غيره": عبد الجبار بن شهاب وأحال به على "عبد الله بن شهاب" المتقدم/ الإصابة ٢/ ٣٨٧.
(٤) هذا الذي نقله المؤلف عن ابن الحذاء بشأن "عبد الله بن شهاب" جَدّ الزهري، تضمن أمورًا: أولها: أنه جده لأبيه، وثانيها: أنه شهد غزوة أحد مع المشركين، ثم أسلم بَعْدُ، وثالثها: أنه كان اسمه "عبدَ الجَانّ" فغير الرسول -ﷺ- اسمه إلى "عبد الله"، ورابعها: أنه عبد الله الأصغر. وقد اختلف العلماء في تلك الأمور، كما في نقل المؤلف عن بعضهم في بقية كلامه =
[ ١ / ٤٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بعدُ، ولم أجد ترجيحًا عامًا في أي من تلك الأمور؛ بل إن بعض تلك الأمور اختلف فيه قولُ العالم الواحد من موضع لآخر في كتاب واحد. ويمكن إجمال ذلك بأن "شهابًا" والدُ جَدِّ الزهري، كان له ولدان، كل منهما يسمى "عبد الله" وأحدُهما "أكبر" والثاني "أصغر" منه، وما ذكره ابن الحذاء من أن جد الزهري لأبيه هو "عبد الله الأصغر" قد قرره معاصره "المَرْزُبانِي"/ معجم الشعراء، له/ ٣٤٥، ومن قبلهما قرره الزبير بن بكار/ جمهرة نسب قريش، له ق ٩٣ أ، وترجمة الزهري من تاريخ دمشق لابن عساكر/ ٣٩ أصل وهامش، وأُسْد الغابة لابن الأثير ٣/ ١٨٤، وتجريد الصحابة للذهبي ١/ ٣١٨، وقرره أيضًا أبو عبد الله الزبيري/ نسب قريش له/ ٢٧٤ ثم قرره أخيرًا ابن حزم، وذكر مما يؤيده: أن "عبد الله الأكبر" الذي قال غير هؤلاء: إنه جد الزهري لأبيه - لم يكن له عقب/ جمهرة أنساب العرب لابن حزم/ ١٣٠. ومع ذلك فإن الذي صدر به ابن الأثير ثم الذهبي كلامهما أن جد الزهري لأبيه هو "عبد الله الأكبر"/ أسد الغابة لابن الأثير ٣/ ١٨٤، وتجريد الصحابة للذهبي ١/ ٣١٨، لكن يعكر على هذا ما قرره ابن حزم من أن "عبد الله الأكبر" لم يكن له عقب مطلقًا كما تقدم ذكره. أما ابن سعد فتعدد قوله في "الطبقات الكبرى"؛ ففي ترجمته للزهري قرر أن جده لأبيه هو "عبد الله الأصغر"/ ١٥٧ من الجزء الذي حققه الشيخ زياد منصور، وترجمة الزهري من تاريخ دمشق/ ٤١، ولكن في ترجمته لعبد الله الأصغر قرر أنه جد الزهري لأمه، وأن جده لأبيه هو "عبد الله الأكبر" ثم ترجم لعبد الله الأكبر عقب ترجمته للأصغر مباشرة، وقرر أن من ولده "الزهري"/ الطبقات الكبرى ٤/ ١٢٥، ١٢٦. وسيأتي ترجيح أن جده لأمه ليس عبد الله الأصغر ولا عبد الله الأكبر. وما نقله المؤلف عن ابن الحذاء أن عبد الله الأصغر شهد أحدًا مع المشركين، ثم أسلم بَعْدُ، قد قرره الزبير بن بكار، وابن حزم من بعده/ انظر جمهرة أنساب =
[ ١ / ٤٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = العرب لابن حزم/ ١٣٠ والاستيعاب ٢/ ٣٨٧ وأسد الغابة ٣/ ١٨٤ وتجريد الصحابة ١/ ٣١٨، وقد ذكر الواقدي ممن شهد أحدًا من المشركين "عبد الله بن شهاب الزهري" وأنه كان من الأربعة الذين تعاهدوا على قتل الرسول -ﷺ- لكن لم يبين أنه الأصغر أو الأكبر/ المغازي للواقدي ١/ ٢٣٨، ٢٤٣، ٢٤٥، ٢٤٨. وأما ابن سعد، فقد قال: إن "عبد الله الأصغر" هو الذي أسلم قديمًا بمكة، وهاجر إلى الحبشة، في قول الواقدي والكَلْبي، ثم مات بمكة قبل الهجرة للمدينة/ الطبقات الكبرى لابن سعد ٤/ ١٢٥، وذكر ذلك أيضًا ابن عبد البر/ الاستيعاب ٢/ ٣٨٨، وابن الأثير/ أسد الغابة ٣/ ١٨٤، وعلى هذا فلم يشهد أُحدًا، ولا غيرها من غزوات الرسول -ﷺ- وقد ضعف ابن حجر قول السُّهَيلي: إن عبد الله الأصغر هذا قد توفي بمكة بعد الفتح/ الإصابة ٢/ ٣٢٥. ثم ذكر ابن سعد أيضًا في ترجمة عبد الله الأصغر، عقب كلامه السابق: أن "عبد الله الأكبر" هو الذي شهد بدرًا وأحدًا مع المشركين ثم أسلم بعد/ الطبقات الكبرى/ الموضع السابق، وهذا عكس ما قرره ابن حزم/ جمهرة أنساب العرب/ ١٣٠ ومشى عليه الذهبي/ تجريد الصحابة ١/ ٣١٨، وصدَّر به ابن الأثير كلامه/ أسد الغابة ٣/ ١٨٤؛ لكن ابن سعد عقب ترجمته للأصغر، ترجم لأخيه عبد الله الأكبر، وقال في ترجمته، إنه أسلم بمكة، ومات بها قديمًا قبل الهجرتين إلى أرض الحبشة/ الطبقات الكبرى ٤/ ١٢٦، وهذا يفيد أنه لم يشهد أيًا من غزوات الرسول -ﷺ-. وأما ما ذكر المؤلف عن ابن الحذاء: أن الذي غير رسولُ الله -ﷺ- اسمه من "عبد الجان" إلى "عبد الله" هو الأصغر، فقد قرره ابن سعد والزبير بن بَكَّار، ودل عليه صنيع ابن حجر -كما سيأتي بيانه- وإن لم يُصرح به/ انظر الطبقات الكبرى ٤/ ١٢٥ والإصابة ٢/ ٣٢٥. لكن الذي قرره كل من ابن عبد البر وابن حزم وابن الأثير: أن الذين غير الرسول -ﷺ- اسمه: هو "عبد الله الأكبر"/ انظر الاستيعاب ٢/ ٣٨٧ وجمهرة أنساب العرب/ ١٣٠، وأسد الغابة ٣/ ١٨٤. =
[ ١ / ٤٧٠ ]
الزبير (١): هما أخوان: عبد الله الأكبر، وعبد الله الأصغر، ابنا شهاب، كان اسم عبد الله بن شهاب الأكبر، عبد الجَانِّ، فسماه رسول الله -ﷺ- عبدَ الله، كان من المهاجرين إلى أرض الحبشة، ومات بمكة قبل الهجرة إلى المدينة. وأخوه عبد الله بن شهاب الأصغر، شهد
_________________
(١) = أما الحافظ ابن حجر، فذكر لعبد الله بن شهاب ثلاث تراجم متوالية، ولم يبين في أي منها أنها للأكبر أو للأصغر، ولكن يفهم من الترتيب للتراجم أن أولاهم للأكبر وثانيتهم للأصغر، كما صرح بذلك ابن الأثير/ أسد الغابة ٣/ ١٨٤، وقد ذكر ابن حجر في كل من الترجمتين: الثانية والثالثة أن صاحبها كان اسمه "عبد الجَانِّ" فغيِّره الرسول -ﷺ- إلى عبد الله/ الإِصابة ٢/ ٣٢٥، وهذا يتفق مع ما تقدم عن ابن سعد وغيره أن تغيير الاسم كان لعبد الله الأصغر، وإن لم يُصرح بذلك ابن حجر، ثم إنه ذكر بعد ذلك ترجمة رابعة باسم "عبد الجبار بن شهاب" -كما قدمت ذكره- وأحال بها فقال: عبد الجبار بن شهاب، في عبد الله بن شهاب، تقدم/ الإِصابة ٢/ ٣٨٧. وقد أطلت في عرض هذه الآراء بشأن عبد الله بن شهاب، جَدُّ الزهري، حتى لا يؤخذ ما نقله المؤلف عن ابن الحذاء وغيره بشأنه قولًا مُسلَّمًا، وإن كان هذا لا يؤثر في توثيق الزهري الذي هو أحد رجال إسناد الحديث الذي معنا، لأنه ليس في هذا الخلاف مطعن له.
(٢) هو الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب، أبو عبد الله، الحافظ النسَّابة، قاضي مكة وعالمهما، ولد سنة ١٧٢ هـ، وتوفي في ذي القعدة سنة ٢٥٦ هـ، وقد روى عنه ابن ماجه في سننه، وأبو حاتم الرازي وغيرهما، ووصفه السليماني بأنه منكر الحديث، ورد الذهبي ذلك، وقد وثقه الدارقطني والخطيب، ومن مؤلفاته كتاب "جمهرة نسب قريش وأخبارها" وهو المتضمن أقواله المذكورة عن جد الزهري، ولكن لم يتيسر لي مراجعته الآن لعزوها إليه، مع أنه قد طبع جزء منه يقارب النصف، بتحقيق الشيخ محمود شاكر سنة ١٣٨١ هـ/ سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣١١، ٣١٥ أصل وهامش/ ولكن ليس فيه النص المذكور.
[ ١ / ٤٧١ ]
أُحَدًا مع المشركين ثم أسلم بَعْدُ، وهو جد محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، الفقيه (١).
قال ابن إسحق: هو الذي شج رسول الله -ﷺ- في وجهه، وابن قَمِيئة جَرَح وَجْنَتَه، وعُتبة كسر رَبَاعِيَته (٢) وحكى الزبير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري قال: ما بلغ أحد الحُلُم من ولد عُتبة بن أبي وقاص، إلا بَخِر (٣) أَوْ هَتِم (٤)، لِكَسْرِ عُتبة رَبِاعِيةَ رسول الله -ﷺ-.
وقيل: إن عبد الله بن شهاب الأصغر، هو جد الزهري من قِبَل أُمه (٥) وأما جدُّه من قِبَل أبيه، فهو عبد الله بن شهاب الأكبر، وأن
_________________
(١) الاستيعاب بهامش الإصابة ٢/ ٣٨٧.
(٢) المصدر السابق. والرَّباعية: بوزن الثمانية: هي السن التي بين الثَّنِيَّة والناب، قال القاضي عياض: وهي أربع محيطات بالثنايات، اثنان من فوق، واثنان من أسفل، وقال ابن حجر: رَبَاعِيته: أي المُقدم من أسنانه/ مختار الصحاح/ ٢٣١، مشارق الأنوار ١/ ٢٨٠، وهدي الساري/ ١٢١.
(٣) بفتح الباء وكسر الخاء المعجمة، أي نَتُن، والبَخَر -بفتحتين- النَّتنَ يكون في الفم وغيره/ لسان العرب ٥/ ١١٠، ١١١ ومختار الصحاح/ ٤٢ والنهاية في غريب الحديث ١/ ١٠١ مادة "بخر" في الجميع.
(٤) بفتح الهاء وكسر التاء، من الهتم، وهو انكسار الثنايا من أصولها خاصة، وقيل من أطرافها/ لسان العرب ١٦/ ٨١ والنهاية لابن الأثير ٥/ ٢٤٣ مادة "هتم" فيهما.
(٥) كذا جاء في الاستيعاب ٢/ ٢٨٨ بهامش الإصابة، وفي أسد الغابة ٣/ ١٨٤. وفي الطبقات الكبرى لابن سعد، وعنه روى ابن عساكر: أن الزهري أمه عائشة =
[ ١ / ٤٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بنت عبد الله الأكبر بن شهاب/ القسم المحقق من الطبقات/ ١٥٧ وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٤١. ولم أجد من عني بتحقيق الأمر في هذا، ولكني وجدت دلائل ترجح أن جَد الزهري لأمه ليس واحدًا من هذين الرجلين، وإنما هو رجل آخر اسمه أُهبان بن أفْصَى، من بني نُفَاثة من بني الدِّئْل من عبد مَناة بن كنانة؛ فقد قرر ذلك خليفة بن خياط في طبقاته/ ٢٦١ والزبير بن بكار، ومصعب بن عبد الله الزُّبَيري، وأبو أحمد الحاكم، ورواه عن هؤلاء من جاء بعدهم/ نسب قريش لمصعب/ ٢٧٤ والكنى لأبي أحمد الحاكم/ ل ٢٥ ب، وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر ٣٨، ٣٩، ٤٠، ٤٥ والتمهيد لابن عبد البر ٦/ ١٠١. ويؤكد هذا ما جاء أن الزهري عندما كان يأتي المدينة المنورة يقيم في بيت له في بني الدِّئْل بين أخواله منهم، فروى الفسوي بسنده عن مالك أنه قال عن ابن شهاب: كُنَّا نأتيه في بيته من بني الدِّئْل المعرفة والتاريخ ١/ ٦٣٣، ٦٣٤. وروى ابن عساكر بسنده عن الفسوي أن الزهري لما خرج "للحج من الشام" سنة ١١٩ هـ مع أبي شاكر (مَسْلَمة) بن هشام بن عبد الملك نزل في دار بني الدِّئْل، بين أخواله؛ لأن أمه نُفاثِيَّة، وكان يحيى بن سعيد، وربيعة، والناس، يختلفون إليه/ ترجمة الزهري/ ١٦٨، ١٦٩. وقد رُوِيَتْ بعضُ أخبار الزهري من طريق بعض أخواله هؤلاء، فقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر -يعني الواقدي- قال: أخبرني شيخ من أخوال الزهري من بني نُفاثة من بني الدِّئل قال: أخْدَم الزهري -يعني في حجته السابق ذكرها- في ليلة واحدة خمس عشرة امرأة، كل خادم بثلاثين دينارًا إلخ/ القسم المحقق من طبقات ابن سعد/ ١٨٠ وترجمة الزهري/ ١٦٩، فهذه دلائل واضحة على أن جد الزهري لأمه هو "أُهبان بن أفصى" من بني نُفاثة، وليس عبد الله الأصغر ولا عبد الله الأكبر ابني شهاب، كما ذكرته المصادر المتقدم ذكرها.
[ ١ / ٤٧٣ ]
عبد الله الأصغر، هو الذي هاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مكة، فمات بها قبل الهجرة (١).
وقد روي أن ابن شهاب قيل له: أَشهِد جَدُّك بدرًا؟ قال: شهدها من ذلك الجانب -يعني مع المشركين-، فالله أعلم أيّ جَدَّيْه
كان؟ (٢).
ومحمد بن مسلم، بُكْنَى أبا بَكر (٣) مَدَني (٤) سكن الشام (٥) سمع (٦) أنسَ بنَ مالك، وسَهْل بن سَعْد السَاعِدي، وأبا الطُّفيْل عامر بن
_________________
(١) الاستيعاب، بهامش الإِصابة ٢/ ٣٨٨ وأسد الغابة ٣/ ١٨٤.
(٢) الذي في الاستيعاب ٢/ ٣٨٨، وأسد الغابة ٣/ ١٨٤: أيَّ جَدَّيْه أراد.
(٣) انظر الكنى والأسماء للإمام مسلم ١/ ١١٤، ١١٥ والكنى للدولابي ١/ ١٢٢، والطبقات الكبرى لابن سعد/ الجزء المحقق ١٥٧، والعلل لابن المديني - بتحقيق الدكتور الأعظمي/ ٣٦ والجرح والتعديل ٨/ ٧١ وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر بتحقيق الأخ شكر الله/ ٣، ٣٧، ٣٨، ٣٩، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٥ والتاريخ وأسماء المحدثين وكُناهم للمقدمي/ ل ١٣١ والحلية ٣/ ٣٧٢.
(٤) التاريخ الكبير للبخاري ١/ ٢٢٠، والعلل لابن المدني/ ٣٦ والكنى لأبي أحمد الحاكم/ ل ٢٥ ب، وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٤٢، ٤٥، ٤٦ وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٦ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٥.
(٥) وتوفي بها: انظر ترجمة الزهري من ابن عساكر/ ٤٧، والطبقات الكبرى لابن سعد/ القسم المحقق/ ١٨٦ وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٤٩ والبداية والنهاية لابن كثير ٩/ ٣٨٧ والمعرفة والتاريخ للفسوي ١/ ٦٣٦.
(٦) بالأصل "مع" والصواب ما أثبته كما في التاريخ الكبير للبخاري ١/ ٢٢٠، وترجمة الزهري من ابن عساكر/ ٤٢، ٤٣، ٤٥، ٤٦ وزاد الذهبي في السير: أن الزهري لَقِيَ أَنسًا في دمشق/ السير ٥/ ٣٢٧ وقال ابن عساكر: وسمع منه =
[ ١ / ٤٧٤ ]
واثِلَة، والسائب بن يزيد، وسُنَيْنًا أبا جَميلة، وعبد الرحمن بن أزهر (١)
_________________
(١) = بدمشق/ ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٣. ويؤيد هذا التصويب ما سيأتي في الأصل من ظهور علامة النصب بالحروف في ذكر بعض الرواة على المفعولية لـ "سمع" مع ملاحظة أن سماع الزهري من بعض المذكورين فيه خلاف كما سيأتي في التعليقات التالية.
(٢) ذكر الإمام مسلم أن عبد الرحمن بن أزهر هذا ومن ذكر قبله من الصحابة قد أدركهم الزهري ورآهم/ رجال عروة بن الزبير وجماعة من التابعين وغيرهم للإمام مسلم/ ١٢٨، وقال أبو نعيم: إنه رآهم وروى عنهم/ الحلية ٣/ ٣٧٢، وذكر أحمد وابن المديني وغيرهما أن الزهري روى عن عبد الرحمن بن الأزهر/ الجرح والتعديل ٨/ ٧١ وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٤٢، ٤٣، ٥٠، ٥١ ورواية الدقاق عن يحيى بن معين/ ٧٥، ٧٦، وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٦٩ وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٧، لكن أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن أبي بكر الأثرم أنه قال لأحمد بن حنبل: هل سمع الزهري من عبد الرحمن بن أزهر؟ قال: ما أراه سمع منه، ثم بين أحمد -﵁- دليله على هذا، وكيف حَدَث ذِكْر سماع الزهري من ابن أزهر، فقال: إنما يقول الزهري: كان عبد الرحمن بن أزهر يُحدِّث، كذا، فيقول معمر وأسامة عنه (أي عن الزهري): سمعت عبد الرحمن بن أزهر، ولم يصنعا عندي شيئًا، ما أراه حُفِظ، وقد أُدخِل بينه وبينه طلحة بن عبد الله بن عوف/ المراسيل لابن أبي حاتم/ ١٩٠، ١٩١، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٥٠، وجامع التحصيل للعلائي/ ٣٣١ وتحفة التحصيل لأبي زرعة ابن العراقي/ ١٨٤ أ، وقد نقل كل من ابن أبي حاتم وابن حجر والعلائي وأبو زرعة ابن العراقي كلام أحمد وأقروه، وفسره الحافظ ابن رجب بأن أحمد لم يصحح قول مَعْمَر وأسامة: عن الزهري سمعت عبد الرحمن بن الأزهر/ شرح علل الترمذي لابن رجب في ١/ ٣٧٠، ٣٧١. ومع ذلك فإن الإمام أحمد قد أخرج في مسنده الحديث الذي أشار إليه في كلامه السابق من رواية الزهري عن ابن الأزهر في رؤيته الرسول -ﷺ- في غزوة حنين يحثو التراب في وجه شارب الخمر، ويجعل الحاضرين يضربونه بالنعال، وذلك =
[ ١ / ٤٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من طريق كل من أسامة بن زيد ومَعْمر بن راشد، كل منهما عن الزهري وفي رواية أسامة التصريح بسماع الزهري من ابن الأزهر مرة، والتعبير بـ "عن" مرة، وبـ "قال" مرة أخرى، وفي رواية معمر عن الزهري قال: وكان عبد الرحمن بن أزهر يُحدِّث. ولم يعلق أحمد في المسند على ذلك بشيء، لكنه ذكر متابعة صالح لكل من أسامة ومعمر على الرواية الخالية من ذكر سماع الزهري من ابن الأزهر/ مسند الإمام أحمد ٤/ ٨٨، ٣٥٠. وذكر النسائي وأبو داود وغيرهما الرواية بغير السماع أيضًا ورجحها النسائي وغيره. وبيان ذلك أنه قد أخرج النسائي في السنن الكبرى - كتاب حد الخمر/ ٦٨ أ، وأبو داود في السنن - كتاب الحدود - باب إذا تتابع في شرب الخمر ٤/ ٦٢٧، ٦٢٨ ح ٤٤٨٧، ٤٤٨٩ كلاهما عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن أزهر قال .. (الحديث بنحو رواية أحمد في المسند) وانظر تحفة الأشراف ٧/ ١٩١، ١٩٢ ح ٩٦٨٥. ثم أخرج النسائي وأبو داود أيضًا - في الموضعين السابقين، (ح ٤٤٨٨ عند أبي داود) كلاهما من طريق عَقِيل بن خالد عن ابن شهاب أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الأزهر أخبره عن أبيه قال (الحديث بنحوه)، وقال أبو داود: أَدخل عقيلُ بن خالد بين الزهري وبين ابن الأزهر في هذا الحديث، عَبدَ الله بن عبد الرحمن بن الأزهر، عن أبيه/ سنن أبي داود/ الموضع السابق ص ٦٢٩، ونحوه قال أبو نعيم في المعرفة ٢/ ٤٦، وأبو زرعة الدمشقي كما في تاريخه ١/ ٤١٧، أقول: وعقيل هذا ثقة ثَبْت/ التقريب ٢/ ٧٩، ولم ينفرد بإدخال عبد الله بن عبد الرحمن بينه وبين الزهري؛ بل تابعه أيضًا ابن لهيعة/ المصدر السابق، وقد ذكر النسائي رواية أسامة بن زيد التي ليس فيها واسطة بين الزهري وبين ابن الأزهر، ثم رواية عقيل المشتملة على الواسطة بينهما وقال: هذا =
[ ١ / ٤٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أولى بالصواب من الأول/ سنن النسائي الكبرى/ الموضع السابق. وسأل ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة عن الحديث المذكور، من طريق أسامة عن الزهري عن ابن الأزهر فقالا: لم يسمع الزهري هذا الحديث من عبد الرحمن بن أزهر، ثم ذكرا له أن عقيل بن خالد يُدخِلُ بينهما عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر/ علل الحديث للرازي - كتاب الحدود ١/ ٤٤٦ ح ١٣٤٤. وأقر ذلك أيضًا ابن حجر في التلخيص الحبير ٤/ ٧٥. لكن يلاحظ أن الإمام أحمد -كما تقدم- استدل بهذا الحديث على نفي سماع الزهري مطلقًا من ابن الأزهر. أما النسائي وأبو حاتم وأبو زرعة الرازي فنفوا سماعه هذا الحديث فقط من ابن الأزهر. فلعل مطلق كلام أحمد يُحمَل على تَقْييدهم بهذا الحديث فقط. والزهْري مع إمامته وزيادة توثيقه، قد عُدَّ ممن يُرسل عن كل أحد، أي عن الثقات والضعفاء من الشيوخ، كسليمان بن أَرقم، وغيره؛ ولهذا رجح الأكثرون ضعف مراسيله وقال العلائي: الظاهر أن قول الأكثرين أولى بالاعتماد/ جامع التحصيل للعلائي/ ٤١، ٤٣، ٤٤، ٧٤، ٧٥، ٨١، ٨٧، ٩٥، ١٠١، ١٠٢، ١١٦، ٣٣١، وانظر شرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٢٨٤ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٩ وانظر لتفصيل الآراء في مراسيله ص ٥١٨ ت. ويُعَد الزهري من المدلِّسين أيضًا مع الخلاف في طبقته، فالعلائي -مع ترجيحه لضعف مراسيله كما مضى- قد عده من الطبقة الثانية من المدلسين، وهم من احتمل الأئمة تدليسهم وإن لم يصرحوا بالسماع، وذلك لإمامته، أو لقلة تدليسه بالنسبة لمجموع مرويَّاته/ جامع التحصيل ١٣٠، وقال الذهبي: كان يدلس في النادر/ الميزان ٤/ ٤٠، وأما البرهان الحلبي فذكر أنه مشهور بالتدليس، لكنه =
[ ١ / ٤٧٧ ]
وربيعة من عِبَاد (١) الدِّيلي (٢)، ومحمود بن الربيع، [و] (٣) رجلًا من
_________________
(١) = أتبع ذلك بقوله: وقد قبل الأئمة قوله: "عن"/ التبيين لأسماء المدلسين للبرهان الحلبي/ ١٥. فعلى هذا تحمل عنعنةُ الزهري عمن أدركه، أو لقيه على الاتصال، ما لم يأت ناف لذلك، فيؤخذ به فيما ورد فيه، مطلقًا أو مقيدًا، مع مراعاة إمكان الجمع أو الترجيح عند الإِختلاف، كما تقدم في قول الإِمام أحمد وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيان، والنسائي في سماع الزهري من ابن الأزهر. أما الحافظ ابن حجر فقد عد الزهري في الطبقة الثالثة من المدلسين، وهم من أكثر من التدليس فلم يحتج جماعة من الأئمة الا بما صرحوا فيه بالسماع/ تعريف أهل التقديس لابن حجر/ ٢٣، ١٠٩، وعلى هذا لا يُعد متصلًا من رواياته عمومًا عمن أدركهم أولقيهم إلا ما صرح فيه بما يدل على الاتصال، كالسماع أو التحديث ونحوهما. ويمكن الجواب عما أخرجه من اشترط الصحة، لاسيما الشيخين، من أحاديث الزهري المنعنعة، بمعرفتهم اتصالها من طرق أخرى/ انظر جامع التحصيل للعلائي/ ١٣٠ وهدي الساري لابن حجر/ ٣٨٥. أقول: ولم يذكر المزي تخريج الشيخين ولا أحدهما لشيء من رواية الزهري عن ابن الأزهر هذا/ تحفة الأشراف ٧/ ١٩٠ - ١٩٣.
(٢) بكسر أوله وتخفيف الموحدة على الصواب/ الإِصابة ٢/ ٤٦٩، وتعجيل المنفعة/ ١٢٨.
(٣) بكسر الدال والياء الساكنة نسبة الى حَي يُسمى الدُّئل أو الدُّول، من كنانة، أو من عبد القيس، أو من غيرهما، صحابي، أدرك الجاهلية، وعُمِّرَ في الإسلام ومات بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان/ الإِصابة ٢/ ٤٦٩، ٤٧٠ وتعجيل المنفعة/ ١٢٨، وتبصير المنتبه ٢/ ٥٦٤، ٥٦٥، واللباب ١/ ٥١٤، ٥١٥.
(٤) ليست بالأصل، والصواب إثباتها، لما سيأتي في التعليق التالي لهذا.
[ ١ / ٤٧٨ ]
بَلِيِّ (١) له صحبة، [ورأى] (٢) عبد الله بن عمر بن الخطاب.
_________________
(١) بفتح الباء وكسر اللام، وهي قبيلة من قُضاعة، رأسُها: بَلِي من عمر بن الحاف بن قُضاعة/ الإكمال لابن ماكولا ١/ ٣٥٥، والأنساب ٢/ ٣٢٣، وعجالة المبتدى في النسب للحازمي/ ٢٧. وقد ترجم ابن أبي حاتم لهذا الصحابي في "باب من عُرفوا بأسماء آبائهم دون أن تُذكر أسماؤهم"، وقال: روى عنه الزهري/ الجرح والتعديل ٩/ ٣١٧، وذكر أيضًا الذهبي في التجريد أنه روى عن أبيه، وقال: روى عنه الزهري/ تجريد أسماء الصحابة للذهبي ٢/ ٢١٧، وذكره الذهبي ضمن شيوخ الزهري وكناه "بأبي عُمر"/ سير أعلام النبلاء ٥/ ٣١٧، وأخرج أبو نعيم بعض روايات الزهري عنه من عدة طرق/ معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢ ل/ ٢٩٨.
(٢) ليست بالأصل، وأثبتها بناء على ما سيأتي من تصريح المؤلف بها بعد قليل. وقد قرر أئمة الجرح والتعديل إدراك الزهري ومعاصرته لابن عمر؛ لكنهم اختلفوا في تلاقيهما، وفي سماع الزهري منه، والذي يترجح أن الزهري لم ير ابن عمر ولم يسمع منه شيئًا. وتفصيل ذلك: أنه قد ذكر الأئمة مسلم وأبو حاتم الرازي وأبو أحمد الحاكم: أن الزهري أدرك ابن عمر ورآه/ الكنى ١/ ١١٤، ١١٥، ورجال عروة بن الزبير وغيره من التابعين/ ٢٨ كلاهما للإِمام مسلم، والجرح والتعديل ٨/ ٧١، والكنى لأبي أحمد الحاكم ل/ ٢٥، وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٤٣، ٤٤، ٤٥، وذكر ابن بُكَير أنه عند وفاة ابن عمر كان الزهري ابن ست عشرة سنة/ ترجمة الزهري/ ٥١. وذكر أبو نعيم أن الزهري أدرك ابن عمر ورآه وروى عنه/ حلية الأولياء ٣/ ٣٢٧. وذكر العِجْلي أن الزهري روى عن ابن عمر ثلاثة أحاديث/ التمهيد ١٠/ ٧، وترجمة الزهري/ ٥٠، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٨، وترتيب ثقات العجلي للهيثمي بتحقيق الدكتور قلعجي، وفيه "ثمانية أحاديث" بدل "ثلاثة"/ ٤١٣، =
[ ١ / ٤٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهو خطأ طباعي، لاتفاق الأصل المخطوط/ ل ٤٨، والنقول عنه على "ثلاثة"، وقد عقب ابن عبد البر على قول العجلي بقوله: هذا مما لا يصححه أحد سماعًا/ التمهيد/ ١٠/ ٧. وقد اقتصر غير العجلي على أن الزهري سمع من ابن عمر حديثين فقط، مع خلاف في تحديدهما، والراجع عدم ثبوت سماعه لهما منه. وخلاصة ذلك أن ابن المديني ذكر عن عبد الرزاق أن الزهري سمع من ابن عمر حديثين، ثم قال ابن المديني: ولم يحفظهما عبد الرزاق، إلا أنه ذكر عن معمر عن الزهري أنه شهد ابن عمر مع الحجاج (بن يوسف) بعرفات/ ترجمة الزهري/ ٥٠ وسير النبلاء ٥/ ٣٢٧ والمراسيل لابن أبي حاتم/ ١٩٠ والتمهيد لابن عبد البر ١٠/ ٧، وجامع التحصيل للعلائي/ ٣٣١ وتحفة التحصيل لابن العراقي/ ١٨٤ أ. فهذا الكلام يفيد أن ابن المديني يرى أن عبد الرزاق كان يعرف الحديثين، ولكنه نسيهما، وأن هناك حديثًا آخر غيرهما رواه عبد الرزاق عن مَعْمر عن الزهري، وفيه تصريح الزهري بمشاهدته لابن عمر مع الحجاج (بن يوسف) بعرفات. لكن الذي رواه غير ابن المديني عن عبد الرزاق يفيد أنه لم يعرف الحديثين مطلقًا، وأنه كان نادمًا على ذلك، فقد ذكر الحسن بن علي (الحلواني) قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن الزهري - في حديثه الذي ذكر أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج: اقتدِ بابن عمر في مناسك الحج، فأرسل إليه الحجاج، قال: وقال الزهري: وأنا يومئذ بينهما، وكنت صائمًا فلقيت من الحر شدة. قال عبد الرزاق: فقلت لمعمر: فَرأى الزهري ابن عمر؟ قال: نعم، وقد سمع منه حديثين، فسلني عنهما أُحَدِثكَهُمَا، قال: فجعلت أتَحَيِّنُ خَلوتَه لأن أسألُه عنهما ولا يكون معنا أحد، قال: فلم يمكني ذلك حتى أنسيته، فما ذكرت حتى نفضت يدي من قبره، فندمت بعد ذلك، فقلت: وما ضرني لو سمعتهما وسمع معي غيري! / التمهيد ١٠/ ٩. =
[ ١ / ٤٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فرواية الحلواني هذه واضحة الدلالة على أن عبد الرزاق لم يعرف الحديثين أصلًا، وأنهما غير حديث الزهري المذكور في مشاهدته لابن عمر في عرفات، لأن معمرًا وعد عبد الرزاق بتحديثه بهما بعد أن حدثه بالحديث المذكور. لكن ابن عبد البر يرى أن الحديث المذكور هو أحد الحديثين، وأن كلام عبد الرزاق، السابق يدل على أن الحديث الثاني فقط هو الذي لم يُسْمَع من معمر وقال: ولا أنه ذُكِر -فيما علمت- عند أحد من أهل العلم/ التمهيد ١٠/ ٩. ثم نقل قولًا عن أحمد بن خالد: أن الحديث الآخر في الحج، وتعقبه بقوله: وهذا لا يوجد ولا يُعرف/ التمهيد ١٠/ ٩. ثم ذكر ابن عبد البر حديثًا آخر عن الحلواني قال: وحدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: أنبأنا شريك عن خالد بن ذُؤيب عن الزهري قال: رأيت ابن عمر يمشي أمام الجنازة/ التمهيد ١٠/ ١٠، وهذا في إثبات رؤية الزهري لابن عمر، وقد روى الحلواني أيضًا في تأييد هذا الحديث أمرين: أحدهما: أنه قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: أنبأنا عَنْبَسةُ بن خالد بن أخي يونس بن يزيد (عن يونس) عن الزهري قال: وَفدْتُ إلى مروان بن الحكم وأنا مُحْتلِم. قال الحسن (الحلواني): ومات ابن (عمر) سنة أربع وسبعين، في أولها، إلا أنه حج سنة ثلاث وسبعين، ومات بعد الحج، ومنهم من يقول: مات في آخر سنة ثلاث وسبعين/ التمهيد ١٠/ ١٠، (مع تصويب كلمة "ابن عمر" وذكر ما يبين. القوسين من المصادر كالتهذيب ٥/ ٣٢٨ - ٣٣٠، ٩/ ٤٥١) وقد تأخرت وفاة الزهري عن ذلك بسنين عديدة كما سيأتي. فيكون وجه الدلالة من ذلك كما سيأتي عن الذهلي: أن وفود الزهري وهو بالغ على مروان، ثم تأخُّر وفاته كثيرًا عن تاريخ وفاة ابن عمر، يجعلان معاصرته له مؤكَّدة، وبالتالي تكون رؤيته له كما ورد في حديث الجنازة السابق ممكنة. =
[ ١ / ٤٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وثانيهما: قال الحلواني أيضًا: سمعت أحمد بن صالح يقول: قد أدرك الزهري "الحَرَّة" وهو بالغ وعَقلَها -أظنه- قال: وشَهدَها، وكانت الحرَّة في أول خلافة يزيد بن معاوية، وذلك سنة إحدى وستين/ التمهيد ١٠/ ٨. والذي قرره الطبري في تاريخه ٥/ ٤٨٧ وابن كثير في البداية والنهاية ٨/ ٢٣٥، ٢٣٧، أن وقعة الحَرَّة كانت في ذي الحجة سنة ٦٣ هـ. وعلى كلٍّ فوجه الدلالة من هذه الرواية أن عبد الله بن عمر كان موجودًا بالمدينة حين حدوث تلك المعركة، وروى نافع عنه أنه منع أهل بيته من الدخول فيها، والخروج على يزيد/ انظر مسند أحمد ٢/ ٩٦ والبداية والنهاية ٨/ ٢٣٥، ٢٥١، فبإدراك الزهري للمعركة يكون قد أدرك ابن عمر، وأمكن لقاؤُه به. وقد أورد ابن عبد البر حديث الحلواني المتقدم، والذي صرح فيه الزهري برؤيته لابن عمر وهو يمشي أمام الجنازة، وأورد أيضًا ما أيده به الحلواني من الأمرين السابقين عن عَنْبَسةُ وأحمد بن صالح، ولم يتعقب ذلك كله بشيء، لكن سيأتي تعقب غيره لذلك. كذلك روى محمد بن يحيى الذُّهْلي عن عبد الرزاق ما تقدم من حديث معمر عن الزهري أنه شاهد ابن عمر مع الحجاج بن يوسف بعرفات، ثم قول معمر لعبد الرزاق: إن الزهري سمع من ابن عمر حديثين/ ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٥٠، وقد عزا الحافظ ابن حجر رواية معمر هذه إلى مصنف عبد الرزاق، ولم أجدها في مظنتها من المصنف المطبوع، لكن الحافظ ساق المقصود منه بلفظه، مما يدل على وجوده في نسخته/ انظر فتح الباري ٣/ ٥١١، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٥١، وأطلق غيره عزو الحديث لعبد الرزاق دون تحديد كتاب/ التمهيد ١٠/ ٨ وسير النبلاء ٥/ ٣٢٧ وقد أقر الذُّهْلِي حديث معمر هذا فقال: ممكن أن يكون الزهري قد شاهد ابن عمر مع سالم في قصة الحجاج، فلست أدفع رواية معمر، لأن ابن وهب روى عن العُمري عن ابن شهاب نحو رواية معمر، وروى عنبسة بن خالد عن يونس عن ابن شهاب قال: وفدت على مروان وأنا محتلم، قال الذهلي، ومروان مات سنة ٦٥ هـ، ومات =
[ ١ / ٤٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن عمر (في تلك الحجة) سنة ثلاث وسبعين، (قال): وأظن مولد الزهري سنة خمسين أو نحو هذا، وموته سنة أربع وعشرين ومائة، فممكن أن يكون شاهد ابن عمر في تلك الحجة/ فتح الباري ٣/ ٥١١ والتمهيد ١٠/ ٧، ٨. وهكذا قرر الذهلي رؤية الزهري لابن عمر في عرفات، وقرر الحلواني رؤيته له يمشي أمام الجنازة، وأيَّد ذلك. بما تقدم من متابعة العمري لمعمر، وبالمقارنة التاريخية بين مولد الزهري ووفاة ابن عمر، وببعض الأحداث العامة التي اشتركا في إدراكها. وقرر الدكتور السباعي - ﵀ أيضًا لقاء الزهري بابن عمر في عرفات بناءًا على رواية عبد الرزاق التي اعتمدها الذُّهْلِي/ انظر السُّنة ومكانتها في التشريع للدكتور السباعي/ ٣٢٨. ولكن المحققين من العلماء ردوا كل ما تقدم استناد الذُّهْلي والحَلَواني، والسباعي عليه فيما قرروه من رؤية الزهري لابن عمر، وخلاصة ذلك كما يلي: (أ) أن ما رواه معمر وتابعه عليه العُمري: أن الزهري شاهد ابن عمر بعرفات، قد خالفهما فيه من هو أثبت منهما في الرواية عن الزهري، وهُما: مالك، وعَقِيل بن خالد، فأدخلا في هذه الرواية بين الزهري وبين ابن عمر، ابنَه سالمًا، فروى مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أنه قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج (الحديث) وفيه: قال سالم: فلما كان يوم عرفة جاءه (أي الحجاجَ) عبدُ الله بن عمر، وأنا معه فساق الحديث بطوله، وليس فيه ذِكْرُ حضور الزهري، ولا قولُه: وكنت يومئذٍ صائمًا فلقيتُ من الحَرِّ شدة/ الموطأ - كتاب الحج - باب الصلاة في البيت وقصر الصلاة وتعجيل الخطبة بعرفة ١/ ٣٩٩ ح ١٩٤. وقد أشار ابن المديني ومن بعده ابن أبي حاتم إلى معارضة رواية مالك هذه لرواية معمر السابقة/ المراسيل لابن أبي حاتم/ ١٩٠ وترجمة الزهري/ ٥٠، ٥١. =
[ ١ / ٤٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومن طريق مالك أخرج البخاري الحديث محتجًا به - في كتاب الحج - باب التهجير بالرواح يوم عرفة/ البخاري مع الفتح ٣/ ٥١١ ح ١٦٦٠، وأخرجه أيضًا النسائي في السنن - كتاب مناسك الحج - باب الرواح يوم عرفة/ المُجتبى ٥/ ٢٥٢. وأخرج البخاري -تعليقًا مجزومًا- عن الليث حدثني عَقِيل عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم أن الحجاج بن يوسف عامَ نزل بابن الزبيرَ -﵄- سأل عبد الله -﵁- (الحديث) بنحو رواية مالك السابقة مع اختصار/ البخاري مع الفتح ٣/ ٥١٣، وقد وصل الإسماعيلي الحديث، ورجح الحافظ ابن حجر رواية مالك وعَقِيل هذه التي ذكَرَا فيها "سالمًا" بن عبد الله بينه وبين الزهري، بأن مالكًا وعَقيلًا إليهما المرجع في حديث الزهري، قال الحافظ: فتكون روايتهما هي المعتمدة/ فتح الباري ٣/ ٥١١. وقال ابن معين عن رواية معمر أيضًا: وَهِم في ذلك معمر، وابن شهاب لم يَرَ ابن عمر ولا سمع منه/ فتح الباري ٣/ ٥١١، والتمهيد ١٠/ ٧. (ب) أما رواية عنبسة بن خالد في وفود الزهري على مروان وهو محتلم، فقال يحيى بن بكير: إنها باطلة، والصواب أن الزهري وَفَد على عبد الملك بن مروان سنة ٨٣ هـ، لا على مروان، وقد أيد ابن بكير بطلان رواية عنبسة بأمرين: أحدهما: أن عنبسة ليس أهلًا لكتابة الحديث عنه، ولا لسماعه منه، وكثيرًا ما كان يختبئ في أسفل دار ابن بُكير، فهو أعرف به، مع أنه قد وافقه على تضعيفه: أحمد وأبو حاتم الرازي وغيرهما/ تهذيب التهذيب ٨/ ١٥٤ وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٦ وترجمة الزهري/ ١٢، ١٣، ١٧، ٢٣، ٢٨، ٣٤، ٣٦. ثانيهما: أن الزهري -في رأي ابن بكير- قد ولد سنة ٥٦ هـ، ومروان توفي سنة ٦٥ هـ/ ترجمة الزهري/ ٣٦، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٦ وفتح الباري ٣/ ٥١١، وعليه يكون عُمْر الزهري عند وفاة مروان ٩ سنوات، فكيف يتأتي وفوده وهو محتلم على مروان؟ =
[ ١ / ٤٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال غَيرُ ابن بكير: إن رواية عنيسة هذه أيضًا وَهْم، وإنما قال الزهري: وَفَدْتُ على عبد الملك، ولو كان الزهري وفد على مروان لأدرك جِلَّة الصحابة، ممن ليست له عنهم رواية إلا بواسطة/ فتح الباري ٣/ ١١، وترجمة الزهري/ ١٢، ١٣، ١٧، ٢٣، ٢٨، ٣٤ وطبقات ابن سعد الكبرى/ القسم المحقق/ ١٥٨، ١٥٩ وسير أعلام النبلاء/ ٣٢٨ - ٣٣٠. (جـ) وأما حديث خالد بن ذُؤيب عن الزهري قال "رأيت ابن عمر يمشي أمام الجنازة" فقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في آخر حديث مرسل، ولفظه: عن معمر عن الزهري قال: كان رسول الله -ﷺ- وأبو بكر وعمر يمشون بين يدي الجنازة، قال مَعْمر: وأخبرني الزهري قال: أخبرني سالم أن أباه كان يمشي بين يدي الجنازة/ المصنف لعبد الرزاق - كتاب الجنائز - باب المشي أمام الجنازة ٣/ ٤٤٤، ٤٤٥، وبهذا أدخل بين الزهري وبين ابنِ عمر ابنَه سالمًا. ومن طريق عبد الرزاق هذه أخرجه الترمذي بلفظه، ونقل عن البخاري أن يونس أيضًا روى عن الزهري (الحديث) بلفظه المتقدم. وأخرج المرفوع فقط من طريق منصور وبكر الكوفي وزياد وسفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: رأيت النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة/ جامع الترمذي أبواب الجنائز - باب ما جاء في المشي أمام الجنازة ٣/ ٢٣٧، ٢٣٨. ومن طريق ابن عيينة هذه ومَنْ معه أخرجه أيضًا النسائي، ثم قال: هذا خطأ، والصواب مرسل/ سنن النسائي - كتاب الجنائز - باب مكان الماشي من الجنازة ٤/ ٥٦، ونقل الزيلعي عبارة النسائي بلفظ: "قال النسائي: هذا حديث خطأ، وهِم فيه ابن عيينة وخالفه مالك -﵁-، فرواه عن الزهري، مرسلًا وهو الصواب " ثم أوضح وجه حصول الوَهْم من ابن عيينة/ نصب الراية - كتاب الصلاة ٢/ ٢٩٤. ونقل الترمذي عن ابن المبارك قال: حديث الزهري في هذا مرسل أصح من حديث ابن عيينة/ جامع الترمذي ٢/ ٢٣٨ ونقل النسائي عن ابن المبارك أيضًا =
[ ١ / ٤٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أن الحفاظ عن الزهري ثلاثة: مالك ومعمر وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان منهم على قول أخذنا به وتركنا قول الآخر/ نصب الراية ٢/ ٢٩٤. وقال الترمذي: وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح/ جامع الترمذي ٢/ ٢٣٨ ونصب الراية ٢/ ٢٩٤. وأخرج الترمذي أيضًا من طريق محمد بن بكر عن يونس عن الزهري عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله -ﷺ- يمشي أمام الجنازة، وأبو بكر وعمر وعثمان، ثم سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يُرْوَى هذا الحديث عن يونس عن الزهري: أن النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة، قال الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة، قال محمد (أي البخاري): وهذا أصح/ جامع الترمذي - أبواب الجنائز - باب ما جاء في المشي أمام الجنازة ٢/ ٢٣٨، ٢٣٩. ونحو هذا ذكر الترمذي عن البخاري أيضًا/ العلل الكبير للترمذي - ترتيب أبي طالب/ كتاب الجنائز/ ل ٢٤ ونقل البغوي مجمل قول الترمذي وابن المبارك والبخاري وأقرهم/ شرح السنة للبغوي - كتاب الجنائز - باب المشي مع الجنازة ٥/ ٣٣٢، ٣٣٣ ح ١٤٨٨، ونقله ابن التركماني أيضًا في رده على ترجيح البيهقي لرواية سفيان المرفوعة/ الجوهر النقي في الرد على البيهقي لابن التركماني، بهامش السنن الكبرى للبيهقي - كتاب الجنائز - باب المشي أمام الجنازة ٤/ ٢٣، ٢٤؛ لكن جاء عند التركماني والبغوي في الموضعين السابقين عبارة الترمذي بلفظ "وأهل الحديث كأنهم يرون" بدل "كلهم يرون" الواردة في جامع الترمذي وفي نقل الزيلعي عنه كما تقدم، فلعل ما في شرح السنة وفي الجوهر النقي تحريف لكلمة "كلهم" إلى "كأنهم". وأخرج الإمام أحمد الحديث عن عبد الرزاق و(محمد) بن بكر عن ابن جريج عن الزهري حدثني سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله -ﷺ- وأبو بكر وعمر وعثمان يمشون أمامها المسند لأحمد ٢/ ٣٧. =
[ ١ / ٤٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه أيضًا بنحوه من طريق عَقِيل بن خالد وزياد بن سعد -كلاهما- عن ابن شهاب بنحوه/ المسند ٢/ ١٤٠. ونقل الزيلعي عن الإِمام أحمد قال: هذا الحديث إنما هو عن الزهري أن رسول الله -ﷺ-، مرسل، وحديث سالم فِعْلُ ابنِ عمر، وحديث ابن عيينة (يعني المرفوع السابق) كأنه وَهْم/ نصب الراية للزيلعي - كتاب الصلاة - باب صلاة الجنازة ٢/ ٢٩٤، ٢٩٥. وقال النسائي في بيان سبب حدوث وَهْم ابن عيينة في رفع الحديث: وإنما أُتِيَ عليه فيه من جهة أن الزهري رواه (هكذا). عن سالم عن أبيه أنه كان يمشي أمام الجنازة، قال: وكان النبي ﵇، وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، فقوله: "وكان النبي ﵇ " إلى آخره، من كلام الزهري لا من كلام ابن عمر/ نصب الراية ٢/ ٢٩٤. وبهذا يتبين أن رواية الزهري المرسلة المرفوعة والتي صححها أهل الحديث عامة وكذا روايته الموقوفة على ابن عمر ليس فيهما رؤية الزهري لابن عمر وهو يمشي أمام الجنازة، ولا روايته عنه مباشرة، وإنما جاء بينه وبين ابن عمر ابنُه سالم، وعليه تكون رواية ابن ذُؤَيب السابقة التي أخرجها ابن عبد البر، مرجوحة، فلا يعول عليها في إثبات رؤية الزهري لابن عمر. وقد ذكر المزي في تحفة الأشراف ثلاثة أحاديث فقط بِعدَّة طرق عن الزهري عن ابن عمر، وعزاها للنسائي فقط دون بقية الستة/ تحفة الأشراف ٦/ ٤٥، ٤٦. وبالرجوع لتلك الأحاديث في سنن النسائي الكبرى والصغرى نجد عبارة الزهري في جميعها لا تدل على الاتصال، ففي بعضها يقول: سألوا ابن عمر/ سنن النسائي الكبرى - كتاب الحج - باب الطواف بين الصفا والمروة على الراحلة ٥٢ أ، وفي بعضها يقول: كان ابن عمر يحدث/ السنن الصغرى - كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف ٣/ ١٧٢،=
[ ١ / ٤٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وبعضها يقول: عن ابن عمر/ السنن الصغرى/ الموضع السابق، والكبرى - كتاب العتق - باب العبد يعتق وله مال ٦٥ أ، ثم نجد النسائي نفسه قد أخرج حديثين من الثلاثة، كل منهما من طريق آخر صحيح وفيه بين الزهري وبين ابنِ عمر ابنه سالم. فحديث "من باع عبدًا وله مال" (الحديث) أخرجه النسائي من طريق إسحق بن إبراهيم قال: حدثنا سفيان بن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي -ﷺ- به. ثم أخرجه من طريق إسحق بن إبراهيم قال: ثنا معاذ بن هشام قال: حدثنا أَبِي عن قتادة عن عكرمة بن خالد عن الزهري عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- وذكر طرفًا من الحديث ثم أحال بيقيته على حديث سفيان السابق/ سنن النسائي الكبرى - كتاب العتق - باب العبد يَعتِقُ وله مال ٦٥ أ. والطريق الأولى للحديث التي ذُكِر فيها "سالم" هي الصحيحة، فقد أخرج الحديث بها -مع النسائي- كل من: مسلم في صحيحه، وأبو داود وابن ماجه في سننيهما/ انظر تحفة الأشراف ٥/ ٣٧٠ ح ٦٨١٩. أما الطريق الثانية الخالية من ذكر سالم بين أبيه وبين الزهري، فيلاحظ أن فيها قتادة بن دعامة السَّدُوسي، وهو مع ثقته - مدلِّس من الطبقة الثالثة، فلا يحتج من حديثه إلا بما صرح فيه بالاتصال، وهو هنا قد عنعن/ انظر تهذيب التهذيب ٢/ ١٢٣ وطبقات المدلسين لابن حجر/ ١٠٢ والتأنيس بشرح منظومة الذهبي في أهل التدليس للشيخ عبد العزيز الغماري/ ٢٧ - ٢٩. وأما الحديث الثاني فهو حديث "صلاة النبي -ﷺ- ركعة بإحدى الطائفتين في صلاة الخوف" وقد أخرجه النسائي أيضًا من طريق معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه، به. ثم أخرجه من طريق سعيد بن عبد العزيز، والعلاء، وأيوب، ثلاثتهم عن الزهري، عن ابن عمر، به. وقد وجدت ابن السني تلميذ النسائي، وأحد رواة السنن عنه، عَقَّب على الحديث من طريق الثلاثة المذكورين آنفًا، فقال: سمع =
[ ١ / ٤٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الزهري من ابن عمر حديثين، ولم يسمع هذا منه/ سنن النسائي الصغرى - كتاب الصلاة - باب الخوف ٣/ ١٧٢، ١٧٣. وعلى هذا تكون رواية الزهري للحديث المذكور عن ابن عمر منقطعة - والصحيح روايته له عن سالم عن أبيه، كما في طريق معمر السابقة، فقد اتفق الشيخان على إخراج الحديث بها/ انظر تحفة الأشراف ٥/ ٣٩١ ح ٦٩٣١ و٦/ ٤٦ ح ٧٤٤٨. ويلاحظ أن ابن السني لم يذكر الحديثين اللذين قال إن الزهري سمعهما من ابن عمر، فلعله اعتمد في هذا على مجرد قول معمر السابق أو غيره، وقد تقدم لنا تحقيق عدم معرفة هذين الحديثين على وجه التحديد، وما عَدْه ابن عبد البر منهما، وهو حديث معمر عن الزهري في لقائه بابن عمر في عرفات، كما تقدم، لم يقطع بثبوته، حيث قال: وليس لابن شهاب سماع من ابن عمر غير حديث معمر هذا -إن صح عنه-/ التمهيد ١٠/ ٧، وقد بينت آنفًا أن سنده مُعَلٍّ، فلا يعتد به. وحكى المِزِّي القولَ بسماع الزهري حديثين من ابن عمر بلفظ "يقال" الذي اصطلح على التعبير بمثله عما في إسناده نظر عنده/ تهذيب الكمال ١/ ٣، ٣/ ١٢٦٩. وأما غير هذين الحديثين، فإن استعراضنا السابق للأحاديث التي لم تذكر فيها واسطة بين ابن عمر وبين الزهري، أو ما صرح فيه برؤيته له، قد تبين منه أن طرق تلك الأحاديث مُعَلَّة، وأن الراجح وجود واسطة بين الزهري وبين ابن عمر، كما ثبت في الطرق الأخرى المعتمدة لتلك الأحاديث. وقد جاء عن الزهري نفسه تصريح بدخول سالم بينه وبين ابن عمر والد سالم، فقال مالك -وهو من أثبت أصحاب الزهري-: كنا نجلس إلى الزهري والى محمد بن المنكدر، فيقول الزهري: قال ابن عمر: كذا وكذا، فإذا كان بعد ذلك جلسنا إليه، فقلنا له: الذي ذكرت عن ابن عمر، من أخبرك به؟ قال: ابنُه سالم/ الطبقات الكبرى لابن سعد/ القسم المحقق/ ١٧٩ والتمهيد لابن عبد البر ١/ ٣٧. =
[ ١ / ٤٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فالظاهر مما تقدم أنه لم تتوافر لنا رواية معتمدة تثبت سماع الزهري من ابن عمر، أو لقاءهما. ولما قرر أبو حاتم الرازي رؤية الزهري لابن عمر، نَبَّه في نفس الوقت على عدم اقتضاء تلك الرؤية لسماعه منه، فقد قال: الزهري لم يصح سماعه من ابن عمر، رآه ولم يسمع منه/ المراسيل لابن أبي حاتم/ ١٩٢ وشرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٣٦٧، وقال ابن عبد البر: وليست الرؤية دليلًا على صحة السماع/ التمهيد ١/ ٣٧، وقال: ابن رُشَيد: كم مِنْ تابع لقي صاحبًا ولم يسمع منه، وكذلك مَنْ بَعدهم/ السَّنَن الأبْينَ لابن رُشَيد/ ٣٣ وقال ابن رجب: وكذلك من عُلِم منه أنه مع اللقاء لم يسمع ممن لقيه إلا شيئًا يسيرًا فرواياته عنه زيادة على ذلك مرسلة/ شرح علل الترمذي ١/ ٣٦٦، وقد وافق أحمد أبا حاتم على عدم سماع الزهري من ابن عمر فقال: لم يسمع الزهري من عبد الله بن عمر شيئًا/ جامع التحصيل/ ٣٣١ وتحفة التحصيل/ ١٨٤ أوتهذيب التهذيب ٩/ ٤٥٠، ووافق ابن معين أيضًا أبا حاتم على عدم السماع؛ ولكنه خالفه في ثبوت الرؤية، فقال: لم يسمع الزهري من ابن عمر شيئًا/ جامع التحصيل/ ٣٣١ وتحفة التحصيل/ ١٨٤ أ، وفي لفظ: ليس للزهري عن ابن عمر رواية/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٥٠ - يعني رواية متصلة- وفي لفظ آخر قال: وابن شهاب لم ير ابن عمر ولا سمع منه/ التمهيد ١٠/ ٧ وفتح الباري ٣/ ٥١١، وأوجز المسالك الى موطأ مالك للكاند هلوي ٧/ ٣٤٧، وقال عمرو بن دينار: أنا لقيت ابن عمر ولم يلقه الزهري/ ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ١١٢، والتمهيد ٦/ ١٠٢ وابن دينار ممن روى عن الزهري وجالسه بمكة وأثنى عليه/ المصدر السابق/ ترجمة الزهري/ ١١٢، ١١٣ والتمهيد ٦/ ١٠٢ ومع أن من المؤكد من تاريخ مولد الزهري وتاريخ وفاة ابن عمر ومن تَتَبُّعِ مسار حياتهما أنهما تعاصرا، وأمكن لقاؤهما إلا أن من يكتفي بالمعاصرة وإمكان اللقاء والسماع في إثبات الاتصال -كالإِمام مسلم ومن وافقه- يشترطون مع ذلك السلامة من التدليس، وعدم وجود دلالة بَيِّنة على أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لقيه ولكن لم يسمع منه شيئًا/ صحيح مسلم =
[ ١ / ٤٩٠ ]
وسمع عبد الله بن عامر بن ربيعة وعبد الله بن ثَعلبة بن صُعَيْر (١) وأَبا أمامة بن سَهْل بن حُنَيف، ومالك بن أوس بن
_________________
(١) = ١/ ٣٠، ٣٣ والسَّنن الأبين لابن رُشَيد/ ٤، ٣٠، ٣٥، ٣٦، ٤٨، ٤٩ وفتح المغيث للسخاوي ١/ ١٦١، ١٦٢، وشرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٣٦٠، ٣٦١ هامش ٣٦٣، ٣٦٤، ٣٦٥، وكلا هذين الشرطين منتفيان هنا، فالزهري كما أسلفت - موصوف بالتدليس والإرسال، وقد نفى سماعه لابن عمر ولقاءه به غير واحد من الأثبات، ومنهم بعض تلاميذه العارفين به، كابن دينار، ومالك الذي وجه إليه مع زملائه سؤالًا محددًا عما حدثهم به عن ابن عمر، فقرر لهم صراحة أنه أخبره به عن ابن عمر ولده "سالم".
(٢) يقال: ثَعْلَبةُ بن صُعَير وابن أبي صُعير، وقيل ابنُ صُعير غيره، وصُعَير بضم الصاد وفتح العين المهملتين، مُصغَّر، ونسبته "العُذرِي" بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة وبالراء، ولثعلبة هذا صُحبةُ ورواية، أما ولدُه "عبد الله" المذكور فاختلف في تاريخ مولده اختلافًا بيَّنًا؛ فقيل: إنه ولد قبل الهجرة بأربع سنين، وقيل: بعدها، وإن الرسول -ﷺ- توفي وهو ابن أربع سنين، ويُرجِّح هذا الأخير ما سيأتي في الأصل ص ٥٢٢ من أن الرسول -ﷺ- مسح على رأسه زمن فتح مكة، وهذا قد أخرجه البخاري في الصحيح، كما سيأتي تخريجه ص ٥٢٣ ت هامش، وعليه يكون حينذاك صغيرًا؛ ولهذا يُعَد من صغار الصحابة، له رؤية ولم يثبت له سماع من الرسول -ﷺ-، وتوفي سنة سبع أو تسع وثمانين، وله ثلاث وثمانون، وقيل تسعون، وقيل غير ذلك، وقد روي الزهري عنه وعن أبيه ثعلبة أيضًا/ انظر الإِكمال لابن ماكولا ٥/ ١٨٢ والمشتبه للذهبي/ ٤١١ والإصابة ١/ ٢٠٠، ٢/ ٢٨٥، وتاريخ يحيى بن معين - رواية الدقاق/ ٧٦ والتقريب ١/ ٤٠٥ ومعرفة علوم الحديث للحاكم/ ٢٤، وعمدة القاري للعيني - كتاب المغازي - بابٌ منه ١٧/ ٢٨٨. وقد حكي الزهري بنفسه تلمذته لعبد الله بن ثعلبة في تلقي الحديث، وفي عِلْم نسَب قريش الذي كان ابن ثعلبة خبيرًا به، لكونه حليفهم وابن أُختهم، كما قرر الزهري أيضًا أنه حينذاك كان غلامًا وابن ثعلبة رجل مُسِن، وأشار أيضًا إلى أنه مع روايته للحديث لم يكن فقيهًا، =
[ ١ / ٤٩١ ]
[الحَدَثان (١) وعمر بن أبي سلمة] (٢)
_________________
(١) = ولذا تحول من مجالسته إلى مجالسة سعيد بن المسيب، والتلمذة له ولغيره حتى فَقه/ انظر طبقات ابن سعد/ الجزء المحقق/ ١٥٧، ١٥٨ وترجمة الزهري/ ٦٧، ٦٦ وحلية الأولياء ٣/ ٣٦٦.
(٢) بالأصل "الحكم" والصواب ما أثبته كما في الإِصابة ٣/ ٣١٩ وسير النبلاء ٥/ ٣٢٧ ورجال عروة بن الزبير وجماعة من التابعين لمسلم/ ١٢٨، و"الحَدَثانِ" بفتح المهملة والمثلثة/ التقريب ٢/ ٢٢٣.
(٣) بالأصل "عمير أبي سَلَمة" وذَكَره بعد كلمات باسم "عمرو أبي سَلَمة" مع الإشارة إلى الخلاف في سماع الزهري منه، ولم أجد في أمهات كتب الصحابة والرجال صحابيًا اسمه وسياق نسبه هكذا، إلا ما يُفهم من كلام الذهبي الآتي ذكره قريبًا ص ٤٩٤ ت. كما لم أجد في مصادر ترجمة الزهري المتعددة شيخًا له بهذا الاسم، ولكن ما أثبته هو الذي ذكرته المصادر التي سأحيل عليها، مع ذكرها حُدوث وَهْمٍ من بعض الرواة في تسميته وفي إثبات رواية الزهري عنه. وبيان ذلك أن ابن طاهر المقدسي ذكر في أطراف الغرائب للدارقطني: مسند عمر بن أبي سلمة، (رَبيبُ رسول الله -ﷺ-) وذكر حديثه: رأيت رسول الله -ﷺ- يصلي في ثوب واحد الحديث، ثم قال: تفرد به جابر بن نوح عن عبيد الله (يعني ابن عمر) عن الزهري عن عمر، به وقال: ورواه الحسن بن حبيب، وهو غريب/ أطراف الغرائب لابن طاهر ٢٣٢ أ، ثم ذكر بعد ذلك: مسند عمرو ابن أبي الأسد، وذكر فيه نفس حديث الصلاة في الثوب الواحد كما تقدم، وقال: كذا قال محمد بن بشر (يعني العبدي) عن عبيد الله بن عمر عن الزهري (عن) عمرو بن أبي الأسد/ المرجع السابق/ ٢٣٩ أ، ب، فأفاد بهذا أن الحديث بالإسناد المذكور غريب، تفرد به محمد بن بشر، كما تفرد بالإِسناد السابق، جابر بن نوح، ويلاحَظ أنهما اختلفا في تسمية الصحابي، فرواية جابر فيها "عمر بن أبي سلمة" ورواية محمد بن بشر فيها "عمرو بن أبي الأَسد"، =
[ ١ / ٤٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وجابر بن نوح ضعيف/ تهذيب التهذيب ٢/ ٤٥، ٤٦ وتقريب التهذيب ١/ ١٢٣ والكامل لابن عدي ٢/ ٥٤٤. ومحمد بن بشر وَثَّقه غير واحد توثيقًا مطلقًا، وقيد عثمان ابن أبي شيبة توثيقه بما حدث به من كتابه فقط/ الثقات لابن شاهين/ ٢١١، ولابن حبان ٧/ ٤٤١ وتهذيب التهذيب ٩/ ٧٣، ٧٤ وعلى أي حال فأنه قد وَهِم في هذا الحديث، وخالف غيره من الثقات كما سيأتي ذكره، وبذلك لا يعتد بروايته هذه، كما لا يعتد برواية جابر السابقة؛ لضعفه، كما أن رواية الزهري معنعنة في الطريقين، وهو مدلس كما قدمت، فتكون روايته هذه عن عمر منقطعة، ويؤيد ذلك. أن أبا نعيم ذكر "عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد" وذكر مما أسنده حديثَ الصلاة في الثوب الواحد المتقدم؛ لكن من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن أبي سلمة به، ثم ذكر متابعة عبد الرحمن الجُمحي لأبي أُسامة على الحديث المذكور، بنحوه/ معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢/ ٧٢، ٧٣ أ. وأبو أسامة المذكور هو: حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي، ثقة ثَبْتُ رُبَّما دلَّس، وكان بآخرِه يحدث من كتب غيره/ تهذيب التهذيب ٣/ ٢، ٣ والتقريب ١/ ١٩٥. وعبد الرحمن، هو ابن بكر بن الربيع بن مُسلم الجُمَحي البصري - صدوق من العاشرة/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٧٧ تقريب التهذيب ١/ ٤٧٣. ثم ذكر أبو نعيم "عمرو بن أبي الأسد" وذكر له الحديث السابق من طريق محمد بن بشر العبدي عن عُبيد الله بن عمر عن ابن شهاب الزهري عن عمرو بن أبي الأسد، ثم قال: وَهِم فيه محمد بن بشر، فقال: عمرو بن أبي الأسد، وصوابه ما رواه أبو أسامة وغيره، عن عبيد الله بن عمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد/ معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢/ ٩٥٧ أ. =
[ ١ / ٤٩٣ ]
وأبارُهْم (١)
_________________
(١) = وعلى هذا يكون الصواب أن هذا الصحابي اسمه: "عمر بن أبي سلمة" وأن تسميته بعمرو بن أبي الأسد، يُعتبر وَهْمًا، كما أن رواية الزهري عنه منقطعة. وقد أقر هذا. التصويب لا سمه كل من ابن الأثير والذهبي وابن حجر، إلا أن ابن الأثير ذكر أن أبا نعيم جعل اسم هذا الصحابي "عمرو بن الأسود"/ أسد الغابة ٤/ ١٩١ ط الشعب، والذي في المعرفة لأبي نعيم -كما تقدم- هو: "عمرو بن أبي الأسد" وكذا جاء في النسخة التي اطلع عليها ابن حجر/ انظر الإِصابة ٣/ ١٧٢، فلعل النسخة التي اطلع عليها ابن الأثير من "المعرفة" وقع فيها الاسم كما ذكره. وأيضًا ذكر الذهبي هذا الصحابي باسم "عمرو بن أبي الأسد" وقال: روى عنه الزهري، وَهِم فيه محمد بن بشر، وإنما هو ابن أبي سلمة/ انظر تجديد الصحابة ١/ ٤٠٠، وقوله: "وإنما هو ابن أبي سلمة" يفيد إقراره لكون اسمه "عمرو بن أبي سلمة" وذلك خلاف ما تقدم من أن الصواب كونه "عمر بن أبي سلمة" لا "عمرو". وفي الإِصابة أيضًا ذكر تصويب رواية "عمرو بن أبي سلمة" بالواو/ الإِصابة ٣/ ١٧٢ ط التجارية سنة ١٩٣٩ م، و٥/ ٢٨٨ ط النهضة، والصواب "عمر" بدون الواو كما تقدم نقله عن المعرفة لأبي نعيم، وأطراف غرائب الدارقطني، وهما مصدرا ابن حجر في التصويب المذكور.
(٢) بالأصل "وأبي رُهم" والصواب ما أثبته، لعطفه على منصوب، وقد ضبط ابن حجر هذه الكنية فقال: بضم الراء/ التقريب ٢/ ١٣٦، وفي الصحابة غير واحد كُنِي بهذه الكنية؛ ولكن لم أجد ذكرًا لرواية الزهري عن أي منهم؛ لكن نقل ابن حجر في ترجمة أبي رُهم الغفاري عن ابن المديني أن حديث الزهري عنه غير متصل/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٥١، وهذا يفيد أن أبارُهْم المقصود هو أبو رُهْم الغفاري، واسمه كلثوم بن الحصين، واختلف في بقية نسبه؛ ولكنه مشهور باسمه وبكنيته/ انظر الكنى لمسلم ١/ ٣٢٦ وللدولابي ١/ ٢٨، ٢٩. وقد ساق ابن حجر له حديثًا عزاه إلى أحمد والبَغوي وغيرهما من طريق معمر عن =
[ ١ / ٤٩٤ ]
والمِسْوَر (١) وأم عبد الله الدَّوسِيَّة (٢) على خلاف في [عمر بن]
_________________
(١) = الزهري أخبرني ابن أخي أبي رُهم أنه سمع أبا رُهْم يقول: غزوت مع النبي -ﷺ- غزوة تبوك/ الإِصابة ٤/ ٧١ ففي هذه الرواية نجد بين الزهري وبين أبي رُهم هذا واسطةً، هو ابن أخي أبي رُهْم، فيصدق عليه قول ابن المديني: إن حديث الزهري عنه غير متصل، لوجود الواسطة بينهما، وهكذا قال الذهبي: روى الزهري عن ابن أخيه عنه/ تجريد الصحابة ٢/ ١٦٧ بل زاد المزي ذكر واسطتين بينهما، فقال بعد ذكر السند السابق: وقيل: عن الزهري عن ابن أُكَيمة الليثي عن ابن أخي أبي رُهم عن أبي رُهم/ تهذيب الكمال ٣/ ١١٤٩، وأوسع من عَدَّد الذين رآهم الزهري، والذين روى عنهم هو الإمام مسلم في كتابه: رجال عروة بن الزبير وجماعة من التابعين، ومع ذلك لم يذكر فيهم أبا رُهم هذا/ انظر رجال عروة/ ١٢٨ - ١٣٦.
(٢) بكسر الميم وسكون السين (المهملة) وفتح الواو وتخفيفها - ابن مَخزمة بن نوفل الزهري، وهو من صغار الصحابة، وقال المزي: صح سماعه من الرسول -ﷺ-، وتوفي بمكة في حصار ابن الزبير الأول على عهد يزيدَ بنِ معاوية سنة ٦٤ هـ أو سنة ٦٥ هـ على الصواب/ الجرح والتعديل ٨/ ٢٩٧ والإِصابة ٣/ ٣٩٩، ٤٠٠ وتهذيب الكمال ٣/ ١٣٣٠، والإكمال ٧/ ٢٤٥، وبناءًا على تاريخ وفاته المذكور تكون معاصرة الزهري له مؤكدة، وذكر ابن حجر أنه روى عنه/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٥، لكن قال أبو حاتم الرازي: الزهري لا يثبت له سماع من المِسْوَر بن مخرمة، يَدخُل بينه وبينه سليمان بن يسار، وعروة بن الزبير/ المراسيل لابن أبي حاتم/ ١٩١ ونقله عنه العلائي/ جامع التحصيل/ ٢٣١ وأبو زرعة ابن العراقي/ تحفة التحصيل/ ١٨٤ أوأَقرَّاه على ذلك.
(٣) هكذا ذكرها ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، دون ذكر اسم لها ولا نَسَب، وتبعه المؤلفون في الصحابة بعده، وساق أبو نعيم وابن حجر حديثها من طريق بقية بن الوليد عن معاوية بن يحيى حدثني معاوية بن سعيد التُّجِيبي عن الحكم بن عبد الله بن سعد عن الزهري عن أم عبد الله الدَّوسِيَّة قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام، وإن لم يكن =
[ ١ / ٤٩٥ ]
أبي سلمة ومَن بَعدَه (١).
وسمع من كَثِير (٢)
_________________
(١) = فيها إلا أربعة، ومع تصريحها في هذا الحديث بالسماع من الرسول -ﷺ- فإن أبا نعيم والذهبي وابن حجر قالوا: إنها أدركت النبي -ﷺ- فقط، بل زاد الذهبي قائلًا: وأظنها تابعية، وقال: روى عنها الزهري/ الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم/ ل ٣٩٢ أومعرفة الصحابة لأبي نعيم ٢ / ل ٣٨٣ وتجريد الصحابة للذهبي ٢/ ٣٢٧ والإِصابة ٤/ ٤٥٢، وقد أخرج الدارقطني حديث الدَّوسِيَّة السابقة، وتعقبه بقوله: الزهري لا يصح سماعه عن الدَّوسِيَّة، والحَكَم هذا متروك، كما أخرجه من طريق الوليد بن محمد عن الزهري قال: حدثتني أم عبد الله الدَّوُسِيَّة قالت قال رسول الله -ﷺ- (الحديث)، وتعقبه بقوله: الوليد بن محمد الموقري متروك، ولا يصح هذا عن الزهري، كل من رواه عنه متروك، وأخرجه أيضًا من طريق معاوية بن سعيد التُّجِيبي ثنا الزهري عن أم عبد الله الدَّوْسِيَّة قالت: قال رسول الله -ﷺ- (الحديث)، وتعقبه بقوله: لا يصح هذا عن الزهري/ سنن الدارقطني مع التعليق المغني - كتاب الجمعة - باب الجمعة على أهل القرية ٢/ ٧ - ٩ ح ١ - ٣. وقد نقل العلائي وابن العراقي قول الدارقطني بعدم سماع الزهري من الدَّوْسية وأقراه/ جامع التحصيل/ ٣٣١ وتحفة التحصيل/ ١٨٤ أ، وعليه تكون روايته عنها منقطعة.
(٢) قوله: "على خلاف في عمر بن أبي سلمة ومن بعده" بالأصل "عمرو" والصواب ما أثبته كما تقدم بيانه، وهذه العبارة تقييد لما تقدم من أن الزهري "سمع من عبد الله بن عامر بن ربيعة، وعبد الله بن ثعلبة " الخ، وما تقدم في التعليقات السابقة يفيد أن الخلاف في سماع الزهري ليس مقتصرًا على عمر بن أبي سلمة ومَنْ بَعدَه من الصحابة، بل تعدى هؤلاء إلى غيرهم ممن سبق ذكره من الصحابة كعبد الله بن عمر، ومَن سيأتي بَعدُ مِنْ غيرهم.
(٣) كَثِير -بفتح الكاف وكسر الثاء المثلثة/ الإِكمال ٧/ ١٦ والمشتبه/ ٥٤٤، وهو كثير بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، أبو تَمَّام، ابن عم الرسول =
[ ١ / ٤٩٦ ]
وتَمَّام (١) انتهى.
_________________
(١) = -ﷺ- وأدركه وهو صغير، واختلف في ثبوت سماعه منه، وقال ابن السكن: "لم يصح سماعه من النبي -ﷺ-"، وعلى ذلك فهو صحابي من حيث الرؤية، وبهذا الاعتبار ذكره ابن الحَذَّاء هنا في الصحابة، ولكنه تابعي من حيث الرواية عن الرسول -ﷺ-/ انظر الإِصابة ١/ ٨، ولذلك سيأتي ذكر المؤلف له ثانيًا ضمن مَنْ روى عنهم الزهري من التابعين. وقد قرر رواية الزهري عنه الإِمام مسلم/ رجال عروة وغيره/ ١٢٩، والمزي/ تهذيب الكمال ٣/ ١١٤٣ وابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ٥ وأبو نعيم/ الحلية ٣/ ٣٧٢ وابن حجر الإصابة/ ٣/ ٢٩٤. وغيرهم. ثم إنه يلزم التنبه إلى أن الزهري يروي عن اثنين آخرين كل منهما يسمى: "كَثيرًا" ولم يذكرهما المؤلف هنا، وقد ذكرهما غيره: أحدهما: كَثِير بن أفلح، مولى أبي أيوب الأنصاري، وهو ثقة من كبار التابعين/ انظر رجال عروة وغيره لمسلم/ ١٣٢ وتهذيب التهذيب ٨/ ٤١١ وتقريب التهذيب ١/ ٥، ٢/ ١٣١. وثانيهما: كَثِير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، من كبار أتباع التابعين، قال عنه ابن حجر: ضعيف من السابعة، ومنهم من نسبه إلى الكذب/ انظر رجال عروة وغيره لمسلم/ ١٣٣ وتقريب التهذيب ١/ ٦، ٢/ ١٣٢ وذكر ابنُ عَدِي كثيرًا من أحاديثه المعلولة ولم أجد فيها شيئًا من طريق الزهري، لكنه لم يستوعب كل أحاديثه/ الكامل لابن عدي ٦/ ٢٠٧٨ - ٢٠٨٣. ولهذا يجب التنبه للمقصود من هؤلاء الثلاثة عندما يَرِدُ في إسنادٍ روايةٌ للزهري: "عن كثير" غير منسوب ولا مُميَّز، فيلجأ لجمع طرق الرواية والنظر فيها لتحديد المقصود منهم، حتى لا يختلط الضعيف بالثقة منهم، والله الموفق.
(٢) بفتح التاء المثناة في أوله وتشديد الميم/ المشتبه للذهبي/ ١١٧ وهو ابن العباس بن عبد المطلب، أخ شقيق لكثير المتقدم ذكره، وهو أصغر أولاد العباس العشرة، وفيه قال أبوه: =
[ ١ / ٤٩٧ ]
ومن التابعين: سعيد بن المُسَيِّب (١) وأبا سلمة بن عبد الرحمن (٢)
_________________
(١) = "تَمُّوا بِتَمامٍ فصاروا عشرة يا رب فاجعلهم كراما بَررة" وهو كأخيه "كثير" له رؤية، ولم تحفظ له رواية عن النبي -ﷺ- من وجه ثابت، وقد عده ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: حديثه عن الرسول -ﷺ- مرسل، وإنما رواه عن أبيه/ انظر الاستيعاب والإِصابة معه ١/ ١٨٦، ١٨٧.
(٢) بفتح السين المهملة، مع اختلاف في ضبط الياء المثناة؛ فأهل المدينة يكسرونها، وارتضاه سعيد نفسه، وأهل العراق يفتحونها، وكان سعيد يكرهه/ تبصير المنتبه لابن حجر ٤/ ١٢٨٧.
(٣) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل اسمه اسماعيل، وقيل اسمه كنيته/ الكني لمسلم ١/ ٣٧٨ وتهذيب التهذيب ١٢/ ١١٥ ورواية الزهري عنه في الصحيحين وبقية الستة/ تهذيب الكمال ٣/ ١٦١٠، ١٦١١ وتحفة الأشراف ١١/ ٢٣ - ٦٣ و١٢/ ٣٦٢، ٣٦٨، وقد صرح بتحديثه له، كما في حديث الإِفك عند البخاري - كتاب المغازي - باب حديث الإِفك؛ ففيه أن الوليد بن عبد الملك قال له: أَبَلَغَك أن عليا كان فيمن قذف عائشة؟ قال الزهري: قلت لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (الحديث) البخاري مع الفتح ٧/ ٤٣٥ ح ٤١٤٢، وتحفة الأشراف ١٢/ ٣٦٧، ٣٦٨ ح ١٧٧٧١. لكن الترمذي قرر عدم سماع الزهري من أبي سلمة حديثًا معينًا وهو حديث: "لا نذر في معصية"، فقد أخرجه من طريق يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة به مرفوعًا، ثم قال: وهذا لا يصح؛ لأن الزهري لم يَسمع هذا الحديث من أبي سلمة، ثم نقل عن البخاري أن الحديث مروي عن جماعة غير يونس المذكور، عن الزهري عن سليمان بن أرقم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة، به، واعتمد البخاري هذه الرواية التي فيها واسطتان بين =
[ ١ / ٤٩٨ ]
وأخاه حُمَيدًا (١) وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله [و] (٢) الحسن [ابني] (٢) محمد بن الحنيفة، وكَثِير بن العباس، ومحمد بن عباد بن جعفر، وحمزة بن عبد الله بن عمر، وحفص بن عاصم بن عمر، ومحمد بن النعمان بن بشير، وعبد الله بن كعب بن مالك، وعبَّاد بن تميم، وأبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (٣)
_________________
(١) = الزهري وبين أبي سلمة، وتبعه الترمذي فقال: إن هذا أصح من حديث أبي صفوان عن يونس -يعني الخالي من الواسطة كما تقدم/ انظر جامع الترمذي- أبواب النذور والأيمان - باب ما جاء أن لا نذر في معصية ٣/ ٤٠ ح ١٥٦٢، ١٥٦٣، ونقل المزي ذلك عن الترمذي وأقره/ تحفة الأشراف ١٢/ ٣٦٧ ح ١٧٧٧٠ وكذا العلائي وابن العراقي/ جامع التحصيل ٣٣١ وتحفة التحصيل/ ١٨٤ أ. ويلاحظ أن الحديث رواه الزهري عن أبي سلمة بالعنعنة، فيكون مُعْضَلًا؛ لوجود واسطتين بينهما في الطرق الأخرى الصحيحة كما تقدم. ولا يقدح هذا في اتصال الأحاديث الأخرى التي رواها الزهري عن أبي سلمة بما يفيد الاتصال من تحديث أو إخبار، كحديث الإِفك المتقدم، وغيره مما يُعلم اتصاله.
(٢) بالتصغير/ المغني للفتَّني/ ٨١ وانظر رجال عروة وغيره لمسلم/ ١٢٩ وتهذيب التهذيب ٣/ ٤٥ والتمهيد ٧/ ١٦٠ وما بعدها.
(٣) بالأصل "وعبد الله بن الحسن" والصواب ما أثبته وِفَاقًا لما في مصادر الترجمة، أن الزهري روى عن: عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، والحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، أو ابن الحنفية/ انظر تهذيب الكمال ٣/ ١٢٦٩ ورجال عروة وغيره لمسلم/ ١٢٩ وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٥ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٦.
(٤) بالأصل "خزم" بالخاء المعجمة وما أثبته هو الصواب الموافق لمصادر الترجمة/ رجال عروة وغيره لمسلم/ ١٣٥ وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٦ وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٦٩ وغيرها.
[ ١ / ٤٩٩ ]
وعمارة بن خزيمة بن ثابت، وسعيد بن جُبَيْر بن مُطْعِم (١) وعطاء بن يزيد، وعلقمة بن وقاص، وقبيصة بن ذؤيب، وأبا إدريس الخَوْلَانِي (٢)
_________________
(١) كذا في الأصل، وأوسع المصادر التي عددت شيوخ الزهري مثل ابن عساكر في تاريخ دمشق، ومسلم في رجال عروة وغيره، والمزي في تهذيب الكمال، لم يذكر في أي منها شيخًا للزهري بهذا الأسم، ونعم ذكر ابن حزم أن من ولد "جبير بن مطعم" سعيدًا الأكبر، وسعيدًا الأصغر، لكنه لم يذكر رواية الزهري عن أي منهما، بل لم يصفهما بالتحديث كما وصف غيرهما من أبناء جبير/ جمهرة أنساب العرب لابن حزم/ ١١٥، ١١٦. ثم إن المزي ذكر أن سعيدًا الأكبر وسعيدًا الأصغر هذين من ولد مُطعِم بن عدي، فيكونان أخوين لجبير، لا ولدين له/ انظر تهذيب الكمال ١/ ١٨٥. وذكر ابن حزم والمزي ومسلم وغيرهم أن من ولد جبير بن مطعم "محمد بن جبير" وقد وصفه ابن حزم بأنه ممن رَوِي عنه الحديث/ الجمهرة/ ١١٦، وقرر مسلم وابن عساكر والمزي وغيرهم: أن الزهري روى عنه/ رجال عروة وغيره لمسلم/ ١٢٩، وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ وتهذيب الكمال ٣/ ١١٨٢، ١٢٦٩، ورواية الزهري عنه ثابتة في الكتب الستة/ تحفة الأشراف ٢/ ٤١١ - ٤١٦ وفي الموطأ/ التمهيد ٩/ ١١٤، ١٥٥. ومحمد بن جُبير هذا يُكْنَى "أبا سعيد"؛ فلعل في الأصل سقطًا وصحته "وأبا سعيد بن جُبَير بنِ مُطعِم".
(٢) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، وبعدها لام ألف، وفي آخرها نون، نسبة الى خَوْلان بن عمرو/ اللباب ١/ ٤٧٢ واسم أبي إدريس هو عايذ الله -بتحتانية ومعجمة- ابن عبد الله الخَوْلاَني، ولد في حياة النبي -ﷺ- يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، ووصف بأنه كان عالم الشام بعد أبي الدرداء، وتوفي سنة ٨٠ هـ/ رجال عروة وغيره لمسلم/ ١٣١ وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٦ وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٦٩ وتقريب التهذيب ١/ ٣٩٠.
[ ١ / ٥٠٠ ]
وخالد بن سعيد (١) بن عمرو بن عثمان بن عفان، ونبهان -مولى أم سلمة- (٢) وعروة بن الزبير، وابنه يحيى، وعبد الله بن مُحَيْرِيز، وعُبَيْد الله بن عبد الله بن عُتْبة (٣)، والقاسم بن محمد/ بن أبي بكر
_________________
(١) كذا بالأصل، وفي ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر، والذي في بقية المصادر "سعيد بن خالد"/ رجال عروة وغيره لمسلم/ ١٢٨، ١٢٩ وتهذيب الكمال ١/ ٤٨٥، ٣/ ١٢٦٩ وتقريب التهذيب ١/ ٢٩٤.
(٢) وروي الزهري عن عدد آخر من الموالي بلغ بهم مسلم ٢٢ رجلًا خلاف نَبْهان المذكور/ رجال عروة وغيره لمسلم/ ١٣٢، ١٣٣، وبه يتحقق جوابه لمعمر بن راشد حين قال له: ذكروا أنك لا تحدث عن الموالي، فقال: إني لأحدث عنهم؛ ولكن إذا وَجدتُ أبناء أصحاب رسول الله -ﷺ- فإذا أصنع بغيرهم؟ / ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٦٤ وسير النبلاء ٥/ ٣٤٤ وطبقات ابن سعد الكبرى/ القسم المحقق/ ١٦٩.
(٣) وقال الزهري في تلمذته له: كنت أحْسِب أني قد أصبت من العلم، حتى جالست عُبيدَ الله بن عبد الله بن عُتبة، فكأنما كُنت في شِعْب من الشعاب/ سير النبلاء ٥/ ٣٤٤، وعندما رأى الزهري أنه قد استوعب كل علم عبيد الله، واستغنى عنه، انقطع عنه، فقال فيه عبيد الله: إذا شئت أن تلقي خليلًا مصافحًا لَقِيتَ، وإخوانُ الثقات قليل! ترجمة الزهري/ ٥٦. وفي رواية للهروي: أن الزهري لما ظَنَّ أنه استوفى كُلَّ عِلْم عبيد الله لم يعد يُظهر له التَّكْرِمَة كما كان من قبل، حتى خرج عليه يومًا، فلم يُقمْ له الزهري، فقال له: إنك بعدُ في العَزازَ فقُم، أي إنك في الأطراف من العلم لم تتوسطه بعدُ/ النهاية لابن الأثير ٣/ ٢٢٩ ورواية الزهري عن عُبيد الله المذكور عن ابن عباس عن عمر عن النبي -ﷺ- من أصح الأسانيد/ ترجمة الزهري من تاريخ عساكر ١٠١، وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٧٠ وفيه "عبدوس" بدل "عباس".
[ ١ / ٥٠١ ]
الصديق، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وخَارِجة بن زيد بن ثابت (١)، وعمر بن عبد العزيز (٢).
وروى عن أبان بن عثمان بن عفان، ولم يسمع منه، قاله ابن أبي حاتم، قال: ولا يصح حديث أبان بن عثمان، في طلاق السَّكْران (٣).
_________________
(١) وهو في مقدمة من وجَّه عبدُ الملك بن مروان الزهريَّ للأخذ عنهم، وذلك حين قدم الزهري الشام على عهد الملك سنة ٨٢ هـ، فسأله عمن لقي من العلماء، قال الزهري: فجعلت أُسَمِّي له وأخبره بمن لقيت من قريش، لا أعدُوهم، فقال عبدُ الملك: فأين أنت عن الأنصار؟؛ فإنك واجد عندهم علمًا، أين أنت عن ابن سيِّدهم، خارجة بن زيد بن ثابت؟ قال الزهري: فسمي رجالًا منهم، فقدِمْتُ المدينة فسألتهم، وسمعت منهم -يعني الأنصار- ووجدت عندهم علمًا كثيرًا./ طبقات أبن سعد الكبرى/ القسم المحقق/ ١٦٢. أقول: وهذا يفيد في تحديد زمن رواية الزهري أو إكثاره الرواية عنه هو وغيره ممن أدركهم من الأنصار، وبذلك يُعرَف الناسخ والمنسوخ والراجح والمرجوح من الروايات.
(٢) وقد روى عمر أيضًا عن الزهري، فَعُدَّ من تلاميذه، وخطب الناس ببعض ما رواه عن الزهري فقال في خطبته: إن الزهري حدثني بكذا وكذا/ ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٦، طبقات ابن سعد/ القسم المحقق/ ١٦٤، وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٦٩ وسير النبلاء ٥/ ٣٢٧، ٣٢٨.
(٣) عند مراجعة المصادر نجد أن نفي سماع الزهري من أبان، وإعلال حديثه عنه في طلاق السكران من قول أبي حاتم الرازي، وليس من قول ابنه كما ذكر المؤلف، نعم ابن أبي حاتم هو الناقل لكلام والده مع إقراره عليه، لكنه صرح
[ ١ / ٥٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بعزوه إليه، تارة بقوله في نهاية العبارة المذكورة في الأصل: سمعت أبي يقول ذلك/ الجرح والتعديل ٨/ ٧١، ٧٢ وتارة بقوله: قال أبي: الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا، وتارة بقوله: سمعت أبي يقول: الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان/ المراسيل لابن أبي حاتم/ ١٩٢؛ ولهذا نجد غير واحد ممن نقل هذه العبارة يعزوها لأبي حاتم مباشرة/ شرح علل الترمذي، لابن رجب ١/ ٣٦٨، وجامع التحصيل/ ٣٣١ ومنهم من ساق العبارة بإسناده عن ابن أبي حاتم، وفي نهايتها قوله: سمعت أبي يقول ذلك/ ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٤٣. وعمومًا فإن هذا القول خلاف الراجح، كما سأوضحه؛ مع أن أبا حاتم لم ينفرد به، بل حكى موافقة غير واحد له على ذلك فقال: لم أختلف أنا وأبو زرعة. وجماعة من أصحابنا أن الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا/ المراسيل لابن أبي حاتم/ ١٩١ وجامع التحصيل/ ٣٣١ وتحفة التحصيل/ ١٨٤ أ، وقال الإِمام أحمد أيضًا بعدم سماع الزهري من أبان كما سيأتي كلامه. وقد أيد أبو حاتم والإِمام أحمد عَدمَ سماع الزهري من أبان، بأنه قد ورد بينهما واسطةٌ، وذلك مما يُستدَل به على عدم السماع/ شرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٣٦٩، فقال أبو حاتم عقب ما تقدم من نفيه لسماع الزهري من أبان: وكيف سمع من أبان، وهو يقول: بلغنى عن أبان؟ / المصادر السابقة، ولما سُئِل الإِمام أحمد: هل الزهري سمع من أبان بن عثمان؟ قال: ما أراه سمع منه، وما أَدْرِي -أو نحو هذا- إلا أنه قد أدخَل بينه وبينه عبد الله بن أبي بكر/ المراسيل لابن أبي حاتم/ ١٨٩، ١٩٠. لكن محمد بن يحي النيسابوري الذُّهْلي -شيخَ الإِمام البخاري- قرر سماع الزهري من أبان، ولما قال أبو حاتم الرازي -كما مر-: إن الزهري لم يسمع من أبان، قيل له: فإن محمد بن يحيى النيسابوري كان يقول: قد سمِع، فردَّ أبو حاتم بقوله: محمد بن يحيى كان بابُه السلامة/ المراسيل/ ١٩١. أقول: ومحمد بن يحيى الذُّهلي له تصنيف في حديث الزهري يسمى "السنن"/=
[ ١ / ٥٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تخريج الدلالات السمعية لأبي الحسن التلمساني/ ٨٠٨، وتوجد قطعتان مخطوطتان من تأليفه في حديث الزهري، فلعلهما منها/ انظر تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين ١/ ٢٦١ ط جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية، وقد قال يحيى بن معين: إن الذُّهلي كفانا جمع حديث الزهري، وقال الدارقطني: من أحب أن يعرف قصور علمه عن علم السلف فلينظر في علل حديث الزهري لمحمد بن يحيى/ تهذيب الكمال ٣/ ١٢٨٦، ١٢٨٧ وتهذيب التهذيب ٩/ ٥١٢ - ٥١٥، فلعل هذا هو السبب في مواجهة أبي حاتم عند نفيه للسماع؛ بأن الذُّهلي يقول بإثباته. يعني وهو مشهودٌ له بالعناية بحديث الزهري، والتأليف فيه والخبرة بعلله؛ لكن أبا حاتم أجاب بدوره عن قول الذُّهلي بناء على خبرة به، حيث تتلمذ له، وكتب عنه الحديث، ووَّثقه/ الجرح والتعديل ٨/ ١٢٥ وتهذيب التهذيب ٩/ ٥١٢ - ٥١٥، وقد قرر عنه في تلك المسألة: أنه كان بَابُه السلامة، وقد قدمت في التعليق على سماع الزهري من ابن عمر أن الذُّهلي أقر اتصال روايته المعنعنة عن ابن عمر بناء على تعاصرهما، وإمكان لقائهما، كما هو قول الإِمام مسلم ومن وافقه، فلعل هذا هو مقصود أبي حاتم بقوله: إن محمد بن يحيى كان بابُه السلَامة، أي أنه يحمل رواية الزهري عمن أدركهم، وأمكن لقاؤه بهم، على الاتصال والسماع، ويشير إلى حمل العبارة على هذا المعنى قول الحافظ ابن حجر في تقويم الآراء في السند المعنعن: ومن اكتفى بالمعاصرة سهَّل/ تدريب الراوي ١/ ٢١٦. وقد ردَّ أبو حاتم أيضًا التلازم بين المعاصرة والسماع فقال: الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا، لا أنه لم يدركه، قد أدركه وأدرك من هو أكبر منه؛ ولكن لا يثبُت له السماع منه، كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك (أي على عدم ثبوت سماع حبيب من عروة مع إدراكه له) قال أبو حاتم: واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة/ المراسيل/ ١٩٢، ٢٨ وشرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٣٦٨، ٣٧٢، وجامع التحصيل/ ٣٣١ وتحفة التحصيل/ ١٨٤ أ. =
[ ١ / ٥٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لكن هناك نقطة أخرى واجهت أبا حاتم، وهي وجود حديث صرح فيه الزهري بتحديث أبان له، وهو حديث طلاق السكران، الآتي تخريجه، وقد أجاب أبو حاتم عنه بأنه لا يصح، كما ذَكرَ المؤلف لا الأصل، وانظر الجرح والتعديل ٨/ ٧١. غير أن أبا حاتم لم يوضح سبب عدم صحة الحديث حتى يمكن النظر فيه، وقد ذكر غيره بعض الأسباب ولكن الراجح ردُّها، كما سيأتي قريبًا. وكما شارك أبا حاتم في قوله غيرُ واحد، فإن الذُّهلي أيضًا قد شاركه غيرُ واحد في إثبات سماع الزهري من أبان، وتصحيح حديث طلاق السكران. ومن هؤلاء أبو زرعة الدمشقي، وشيخه عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدُحَيم، فقد قال أبو زرعة: وأنكر بعض أهل العلم أن يكون ابن شهاب سمع من أبان بن عثمان بن عفان، فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن إبراهيم، فلم ينكر لقاءه/ تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٥٠٨. وسأله أيضًا أبو زرعة: أتستوحش سماع الزهري من أبان؟ قال: لا/ المصدر السابق ١/ ٥١٠، وذكر دُحَيم لأبي زرعة دليلَه على اللقاء، والسماع: أن الزهري كان مرة بصحبة عمر بن عبد العزيز بالمدينة المنورة، في حين كان أبان بن عثمان واليًا عليها، فاجتمع ثلاثتهم في مجلس عُرِض فيه على عمر بن عبد العزيز الفصل في طلاق رجل سكران، قال دُحَيم لأبي زرعة: فحدثني آدم -يعني ابن أبي إياس- قال: حدثنا ابن ذِئْب عن الزهري قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقتُ امرأتي وأنا سكران، قال الزهري: فكان رأى عمر بن عبد العزيز مع رأينا أن يجلده، ويفرق بينه وبين امرأته، حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان (أن عثمان -﵁- قال): ليس على المجنون ولا السكران طلاق، فقال عمر: تأمروني، وهذا يحدثني عن عثمان بن عفان؟ فَجلَده، وردَّ إليه امرأته/ تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٥٠٩، فقول الزهري: "فكان رأي عمر مع رأينا حتى حدثه أبان"، يفيد أنه كان حاضرًا مع عمر آنذاك، وسمع تحديث أبان له بهذا الحديث؛ ولهذا فإن أبا زرعة الدمشقي ساق الحديث المذكور =
[ ١ / ٥٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثم قال: فهذه مشاهدة وسماع صحيح، وأضاف تأييد ذلك بالمعاصرة فقال: ثم نظرنا فوجدنا أمثال ابن شهاب قد سمع من أبان بن عثمان، وسمع منه من هو دونه في السن/ تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٥٠٩. ثم إنه جاء في رواية ابن أبي شيبة تصريح الزهري بتحديث أبان له بهذا الحديث، حيث قال ابن أبي شيبة: نا وكيع عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبان بن عثمان، عن عثمان، (أنه): كان لا يجيز طلاق السكران والمجنون، قال: وكان عمر بن عبد العزيز يجيز طلاقه، ويُوجِع ظَهره، حتى حدثنا أبان بذلك/ مصنف ابن أبي شيبة -كتاب الطلاق- باب من كان لا يرى طلاق السكران جائزًا ٥/ ٣٩، فقول الزهري: "حتى حدثنا أبان بذلك" يفيد أنه كان أحد السامعين لتحديث أبان بهذا الحديث. وبهذا ينتفي القول بعدم سماع الزهري شيئًا من أبان. كما يَثْبُت اتصال سند هذا الحديث بينهما. ورجال إسناد الحديث المتقدم ذكرهم في رواية أبي زرعة الدمشقي، ورواية ابن أبي شيبة وهم: آدم بن أبي إياس ووكيع (بن الجرَّاح) كلاهما عن (محمد بن عبد الرحمن) بن أبي ذئب، عن الزهري عن أبان بن عثمان بن عفان، وهؤلاء جميعهم ثقات/ انظر تهذيب الكمال ٣/ ١٤٦٣، ١٤٦٤ وتقريب التهذيب ٢/ ١٨٤ ترجمة ٤٦٢، ٢٠٧ ترجمة ٧٠٢، ١/ ٣١ ترجمة ١٦٣، ١/ ٣٠ ترجمة ١٥٣. ونَعم تكلم العلماء في رواية ابن أبي ذئب عن الزهري خاصة، بين مضعِّف، ومُوثِّق/ انظر شرح علل الترمذي لابن رجب ٢/ ٤٨١، ٤٨٢، ٤٨٤، ٤٨٥، ٦٦٤، ٦٦٥ وتاريخ عثمان الدَارِمي عن ابن معين/ ٤٨، وهدى الساري لابن حجر/ ٤٤٠، ٤٦٣، وقد فسر بعضهم جهة تضعيف روايته عن الزهري بالاضطراب، وفسرها بعضهم بعدم السماع من الزهري بعد جَفْوةٍ حصلت بينهما، فتلقي عنه ابن أبي ذئب بعد ذلك عدة أحاديث فقط مُناولةً أو مُكاتبة/ تاريخ ابن معين برواية الدوري ٢/ ٥٢٥، ومال إلى ذلك الحافظ ابن حجر/ هدى الساري/ ٤٤٠ وتهذيب التهذيب ٩/ ٣٠٥، وعليه تكون روايته عن =
[ ١ / ٥٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الزهري مقبولة، وقد قال أبو زرعة الدمشقي: قُلت لعبد الرحمن بن إبراهيم (دُحَيم): أَتَسْتَوْحِشُ من حديث ابن أبي ذئب، وسماع الزهري من أبان بن عثمان؟ قال: لا/ تاريخ دمشق أبي زرعة الدمشقي ١/ ٥١٠. ومن جهة أخرى نجد الإِمام أحمد يقول: إن أبان بن عثمان لم يسمع من أبيه شيئًا/ المراسيل لابن أبي حاتم ١٦ وتهذيب التهذيب ١/ ٩٧؛ لكن الصواب سماعه منه كما جاء في صحيح مسلم - كتاب النكاح - باب تحريم نكاح المُحْرِم ٢/ ١٠٣١ ح ٤٥ وكتاب الحج باب جواز مداواة المُحْرِم عينَه ٢/ ٨٦٣ ح ٩٠، وسنن أبي داود - كتاب الحج - باب المُحرِم يتزوج ٢/ ٤٢٠ ح ١٨٤١، وبهذا رد الحافظ ابن حجر قولَ الإِمام أحمد بعدم السماع/ تهذيب التهذيب ١/ ٩٧، بل إن الإِمام أحمد نفسه روى حديث طلاق السكران من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبان عن عثمان، به. ثم قال: وهو أرفع شيء فيه - يعني في طلاق السكران/ مسائل الإِمام أحمد - رواية ابنه عبد الله/ ٣٦١. وبهذا كله يتضح لنا أن سند الحديث منفصل برواية الثقات بعضهم عن بعض، وقال عنه العيني: إنه سند صحيح/ عمدة القاري ٢٠/ ٢٥٢. وقد ذكر البخاري في صحيحه الحديث معلقًا بصيغة الجزم، حيث قال: وقال عثمان: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق/ كتاب الطلاق - باب الطلاق في الإغلاق والمكره والسكران إلخ/ البخاري مع الفتح ٩/ ٣٨٨، والتعليق المجزوم يفيد صحة إسناده إلى من عُلِّق عنه وهو عثمان -﵁-/ انظر فتح المغيث للسخاوي ١/ ٥٢، ٥٣. ومشى الألباني على صحته/ إرواء الغليل ٧/ ١١٢. وأخرجه ابن حزم في المحلَّي من طريق ابن أبي شيبة، واحتج به/ المحلَّي - كتاب الطلاق ١١/ ٥٣٧، ٥٣٨. وأخرجه أيضًا البيهقي في السنن مطولًا وفي آخره زيادة، وذلك من طريق شبابة نا ابن أبي ذئب عن الزهري به - كتاب الطلاق - باب من قال لا يجوز طلاق =
[ ١ / ٥٠٧ ]
روى عنه:- عِرَاك (١) بن مالك وأخوه (٢) عبد الله بن مُسلم، وبُكير (٣) بن الأَشَج، ومنصور بن المُعتمِر، وعمرو بن شُعيب، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وصالح بن كيسان، وسليمان بن موسى، ومالك بن أنس، وسفيانُ بن عُيينة (٤) ومَعْمر بن راشد، ويونس بن يزيد، وعُقَيل (٥) والأوزاعي، والزُّبَيدِي (٦).
_________________
(١) = السكران ولا عِتْقُه ٧/ ٣٥٩. وعزاه السيوطي أيضًا إلى مُسدَّد في مسنده/ الجامع الكبير للسيوطي ٢/ ١٣ مسند عثمان -﵁-. وعلى هذا تكون النتيجة ردَّ قول أبي حاتم الرازي ومن وافقه بعدم سماع الزهري شيئًا من أبان، ورد القول بعدم صحة حديث الزهري عن أبان عن عثمان في طلاق السكران، وترجيح ثبوت سماع الزهري للحديث المذكور من أبان، وثبوت صحته أيضًا بهذا الإسناد. والله أعلم.
(٢) بكسر أوله وتخفيف الراء، وفي آخره كاف/ تقريب التهذيب ٢/ ١٧ والمُغنِي للفتَّني/ ١٧٢.
(٣) يعني أخا الزهري.
(٤) بضم أوله وفتح ثانيه، مصغر/ التقريب ١/ ١٠٧.
(٥) ويشتبه بسفيان آخر يروي عن الزهري، وهو مُضَعَّف في حديثه عنه، وهو سفيان بن حسين أبو محمد/ تهذيب الكمال ١/ ٥١٠، ويحصل هذا الاشتباه عندما يَرِدُ في الإسناد كل منهما باسمه فقط، ولذا عَني الترمذي في مثل هذه الحالة بالتنبيه على المراد منهما/ انظر جامع الترمذي - أبواب الجنائز - باب المشي أمام الجنازة ٢/ ٢٣٨.
(٦) بالتصغير، وهو ابن خالد بن عَقِيل - بفتح أوله/ التقريب ٢/ ٢٩ والمغني للفتَّني/ ١٧٦، ١٧٧.
(٧) بالزاي والموحدة، مصغرًا، وهو محمد بن الوليد بن عامر/ التقريب ٢/ ٢١٥. =
[ ١ / ٥٠٨ ]
روى عبد الرازق عن مَعْمَر قال: قال عمر بن عبد العزيز، لجلسائه: هل تأتون ابن شهاب؟ قالوا: إنا لنَفْعَل. قال: فَأْتُوه، فإنه لم يبق أحدٌ أعلمُ بِسُنَّة ماضية منه. قال مَعْمر: وإنَّ الحسنَ وأَضْرابَه (١) لأحْياء يومئذ (٢).
_________________
(١) = هذا ولم يستوعب المؤلف كل من رووا عن الزهري، ولكن هؤلاء من ذكرهم أبو حاتم، ونقلهم عنه بهذا السياق وَلدُه في الجرح والتعديل، له ٨/ ٧١، ٧٢، ونقله عنه ابن عساكر نَصًا/ ترجمة الزهري ٤٣، ومن أراد المزيد مِنْ تلاميذ الزهري وشُيوخه فعليه بترجمته لابن عساكر/ ٦ وما بعدها، وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٦٩، ١٢٧٠ وحلية الأولياء ٣/ ٣٧٢، ٣٧٣، وسير النبلاء ٥/ ٣٢٧، ٣٢٨، ثم إن العلماء اختلفوا في أثبت وأوثق من روى عن الزهري، ممن ذكرهم المؤلف وغيرهم، كما ضعَّف بعضُ العلماء أيضًا بعض الرواة عنه في روايتهم عنه خاصة، مثلما أسلفت في رواية ابن أبي ذئب عنه، وثمرة هذا الخلاف هي تقوية بعض الروايات عنه دون بعض، وترجيح بعض الروايات عند التعارض على بعض. وقد فصل القول عن كثير من الرواة عن الزهري وعرض أقوال العلماء في درجات رواياتهم عنه الحافظ ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي بحيث يجب الرجوع إلى ما ذكره لمعرفة حكم رواية هؤلاء التلاميذ عنه قبولًا وردًا/ انظر شرح العلل الجزء ٢/ ٤٧٨ - ٤٨٦، ٦٦٤، ٦٦٥، ٧٥٠.
(٢) بالجرح والتعديل "ضُرَبَاءَه" ٨/ ٧٢ وكذا في ترجمة الزهري/ ١١١ وأخرج ابن عساكر من طريق آخر عن معمر بلفظ "نظراؤه"/ الموضع السابق وكذا الفَسَوِي/ المعرفة والتاريخ ١/ ٦٩٦.
(٣) انظر الجرح والتعديل/ الموضع السابق، وترجمة الزهري/ ١١٠، ١١١ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٩، وأخرج ابن عساكر العبارة بنحوها من طريقين آخرين: إحداهما: عن عبد الرزاق عن مَعْمَر عن رجل من قريش قال: قال لنا عمر بن عبد العزيز: فَذَكَره، إلى قوله: "بسُنَّةٍ ماضية". وثانيتهما: عن عبد الرزاق عن معمر قال: أخبرني رجل أنهم كانوا عند عمر بن =
[ ١ / ٥٠٩ ]
وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال عنه مَرة: ما رأيت أحدًا أحسنُ سَوْقًا للحديث منه (١).
وعن عبد الرحمن بن مهدي: سمعت مالك بن أنس يقول: حدَّثَ الزهري يومًا بحديث (٢) فلما قام، قمتُ فأخَذْتُ بعِنان دَابَّته، فاستفهمتُه، قال: تستفهمني؟! ما استفهمت عالمًا قط (٣) ولا رَددْتُ شيئًا على عالم قط. قال: فَجعل عبد الرحمن بن مهدي يعجب، فيقُول (٤): فَذِيك الطِّوال (٥)
_________________
(١) = عبد العزيز فذكر العبارة بتمامها، وفيها: "نظراؤه" بدل "أضرابه"/ ترجمة الزهري من ابن عساكر ١١١. وبمثله أخرجه الفَسَوى من طريق عبد الرازق عن معمر عم رجل من قريش/ المعرفة والتاريخ ١/ ٦٣٨.
(٢) في الجرح والتعديل: "ما رأيت أحد أحسن سَوقًا للحديث -إذا حدث- من الزهري" ٨/ ٧٢. ومن طريق ابن أبي حاتم أخرجه ابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ٩٤، وأخرجه بهذا اللفظ أيضًا ابن عَدِي من طريق آخر/ الكامل ١/ ٧٠، ومن طريق ابن عَدِي أخرجه ابن عساكر كذلك/ ترجمة الزهري ٩٤.
(٣) زاد أحمد في روايته عن ابن مَهدي عبارة "فيه طول"/ ترجمة الزهري/ ٧٧ وفي رواية علي عن ابن مهدي "بحديث طويل، فلم أحفظه". المصدر السابق/ ٧٨، وعليهما يتجه تعجب ابن مهدي في آخر الرواية.
(٤) كلمتا "قط" و"يقول" ليستا في الجرح والتعديل ٨/ ٧٢ ولكنهما في بعض المصادر التي نقلت عنه مثل ترجمة الزهري لابن عساكر/ ٧٦ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٣ وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٧٠.
(٥) كلمتا "قط" و"يقول" ليستا في الجرح والتعديل ٨/ ٧٢ ولكنهما في بعض المصادر التي نقلت عنه مثل ترجمة الزهري لابن عساكر/ ٧٦ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٣ وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٧٠.
(٦) بكسر الطاء المهملة -جمع طويل/ مختار الصحاح- مادة "طول"/ ٤٠١ والمراد: الأحاديث التي طال متنُها، وللإمام الطبراني فيها تصنيف جمع فيه =
[ ١ / ٥١٠ ]
وتِلْك المغازي (١)! وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أحمد بن عبد الرحمن
_________________
(١) = ٦٢ حديثًا، وطبع في آخر المجلد الأخير من معجم الطبراني الكبير بعنوان: "الأحاديث الطوال"، بتحقيق الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي، ويقع الكتاب في ١٣١ صفحة، وألف الشيخ مجد الدين ابن الأثير في شرح الغريب من طوال الأحاديث كتاب "منال الطالب في شرح طوال الغرائب" وهو مطبوع لمركز البحث العلمي التابع لجامعة أم القرى، بتحقيق الصديق العالم الدكتور محمود الطناحي، وفقه الله، ويقع الكتاب في مجلد كبير، ومن مصادره كتاب الطبراني السابق/ انظر مقدمة المحقق/ ص ١٧ وحديث قس بن ساعدة مع تخريج المحقق له/ ص ١٢ أصل وهامش ط أولى.
(٢) رواية ابن مهدي هذه أخرجها بطولها ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل ٨/ ٧٢، ومن طريقه أخرجها ابن عساكر في ترجمة الزهري/ ٧٦، ٧٧، وقد رويت قصة سؤال مالك للزهري من طرق أخرى عن ابن مهدي عنه، وعن آخرين غير ابن مهدي عن مالك، وجُلُّها متفقه على أن المسؤول عنه حديث واحد طويل، سمعه مالك من الزهري في مجلس التحديث، ثم شك في حفظه له، فطلب من الزهري أن يعيده عليه ليتثبت من حفظه له، فرفَضَ الزهري، كما في الرواية المذكورة في الأصل/ انظر المعرفة والتاريخ الفَسَوِي ١/ ٦٢١، ٦٢٢ وترجمة الزهري/ ٧٧ - ٨٣ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٣، والتاريخ الكبير للبخاري ١/ ٢٢١ وفي رواية للزبير بن بكَّار بسنده، عن مالك/ قال: حدَّثنا ابن شهاب أربعين حديثًا فتوهَّمتُ في حديث منها، فانتظرته حتى خرج، ثم سألته -وأَخذْتُ بلجام بغلته- عن الحديث الذي شككتُ فيه، فقال: أوَ لَمْ أحدثْكَهُ؟ قلت: بلى، ولكني تَوهَّمْتُ فيه، فقال: لقد فسَدَت الرواية، خلِّ لجامَ البغلة-، فَخلَّيتُه ومضى/ التمهيد ٦/ ١٥٧ وترجمة الزهري/ ٨٣. ولكن جاء في رواية لابن عساكر بسنده عن أبي زرعة (الدمشقي) بسنده عن مالك أنه سأل الزهري مرتين عن حديثين، وأن واحدًا منهما كان الزهري حدَّث به مُختصرًا، وطلب مالك منه إعادة الحديثين فرفض/ انظر ترجمة الزهري/ ٧٩، =
[ ١ / ٥١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فلعل القصة تعددت. وقول ابن مهدي في الرواية المذكورة في الأصل: "وتلك المغازي" إشارة إلى ما حدَّث به الزهري من مغازي الرسول -ﷺ-، وفيها روايات مطولة كثيرة، فتعجب ابن مهدي من حفظ الزهري لها عن شيوخه من أول مرة يسمعها منهم، وعدم حاجته لطلب إعادتها من أحد منهم، لأن هذا يدل على قوة حافظته بدرجة عجيبة، ويمكن تصور ذلك بمراجعة ما أودعه عبد الرازق منها، في مصنفه من طريق شيخه معمر عن الزهري/ المصنف لعبد الرازق - كتاب المغازي ٥/ ٣١٣ - ٤٩٢، وقد حققها الدكتور سهيل زكار في طبعة مستقلة تبلغ ١٤٢ صفحة، عَدا المقدمة والفهارس وتاريخ الطبع سنة ١٤٠١ هـ بدار الفكر بدمشق. لكن محمد بن عكرمة -قرين الزهري في طلب الحديث- ذكر أن الزهري كان يحضر معهم مجلس الأعرج لسماع الحديث، فربما كان الحديث فيه طول فيأخذ الزهري ورقةً من ورق الأعرج -وكان الأعرج يعمل بكتابة المصاحف- ثم يكتب ذلك الحديث في تلك القطعة ثم يقرؤه ثم يمحوه مكانه، وربما قام بها معه فيقرؤها ثم يمحوها، وفي رواية أنه كان يكتب ثم يتَحفَّظ، فإذا حفظ الحديث مزق الرقعة/ انظر ترجمة الزهري ٦٠ - ٦٢ والتاريخ الكبير للبخاري ٤/ ٥٠ ترجمة ٢٢٨ وخطأ البخاري في تاريخه/ ٩٥ ترجمة ٤٣٤. فهذا يفيد أن الزهري كان يستعين على حفظ الأحاديث الطِّوال بكتابتها عند السماع، ومراجعتها من المكتوب، إلى أن يحفظها تمامًا، بل قرر غير واحد من أقرانه في الطَّلَب أنه كان يطوف معهم على الشيوخ ومعه الألواحُ والصحف، فكانوا يضحكون من ذلك، وكان هو يكتب كل ما يسمع من شيوخه وبذلك أفلح/ ترجمة الزهري من ابن عساكر/ ٥٨ - ٦٠ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٢. وبذلك لا يحتاج فعلًا لطلب الإعادة ممن سمع منه، وهذا يخالف حالة مالك في استعادته له، حيث لم يكن قد كتب عنه كما كان هو يكتب الطوال وغيرها عن =
[ ١ / ٥١٢ ]
- أخي ابن وهب (١) قال: أَنا
_________________
(١) = شيوخه حتى يحفظها، ولو أنه فعل مثل الزهري في الكتابة لما احتاج إلى استعادته الواردة في تلك القصة، وعليه فلا تقدحُ تلك القصة في ضبط مالك ﵀، كما قد يتبادر من ظاهرها، ثم إن ابن عساكر أخرج بسنده عن هشام بن عروة قال: ما حدث ابن شهاب عن أبِي بحديث فيه طول إلا زاد ونقَص/ ترجمة الزهري/ ١٥٧، فهذا يفيد أنه كان في رواية الأحاديث الطوال عن عروة لا يراعي اللفظ المسموع له منه، ولكن يَروِي بالمعنى، ولو كان يحفظ اللفظ لحدَّث به؛ لأنه الأصل، والأولى.
(٢) قوله: "أخي ابن وَهْب" يعود إلى "عبد الرحمن" أما أحمد فهو ابن أخي ابن وهب، انظر تهذيب التهذيب ١/ ٥٤، وقد جاء في الجرح والتعديل "ابن أخي وهب" وهو خطأ والصواب "ابن أخي ابن وهب" انظر المصدر السابق. والرواية المذكورة في الأصل بنصها في الجرح والتعديل ٨/ ٢٧٢. وأخرجها الفَسَوي وأبو نعيم وابن عبد البر وابن عساكر، جميعهم من طريق عبد الله بن صالح عن الليث عن ابن شهاب بلفظ "ما استودعت قلبي شيئًا قط فنسيتُه"/ المعرفة والتاريخ ١/ ٦٢٥ والحلية ٣/ ٣٦٣، ٣٦٤ والتمهيد ٦/ ١١١ وترجمة الزهري/ ١٠٦، ١٠٩. وكذا ذكرها ابن كثير/ البداية والنهاية ٣/ ٣٩٥ والذهبي في السير ٥/ ٣٣٢ وأخرجها البخاري من نفس الطريق بلفظ: ما استودعت حفظي شيئًا فخانني/ التاريخ الكبير ١/ ٢٢١ وستأتي في الأصل. وأخرجها الفَسَوِي أيضًا من طريق زيد بن بشر عن ابن وهب عن الليث عن الزهري، وابن عدي من طريق عبد الملك - بن شعيب عن الليث به. وابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن عمران عن الزهري/ انظر المعرفة والتاريخ ١/ ٦٣٥ والتمهيد ٦/ ١٠٩، ١١٠ والكامل ١/ ٧١ وأخرجها ابن عساكر أيضًا من طريق عبد العزيز بن عمران عن الزهري قال: والله ما استودعت قلبي حفظ شيء قط فنسيتُه، ولا خرج منه/ ترجمة الزهري/ ٧٥؛ لكن هناك رواية أخرى عن الزهري تفيد أنه شك في حفظ حديث واحد، فأزال شكه بالمقارنة بحفظ =
[ ١ / ٥١٣ ]
عمِّي (١) أنا الليث بن سعد، قال: قال ابن شهاب: ما استودَعْتُ قلبي عِلْمًا نَسِيتُه.
وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: بقي ابن شهاب، وما له في الناس نظير (٢).
وروى إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: الزهري ويحيى بن سعيد، أثبت في القاسم بن محمد، من عبد الرحمن بن القاسم، ومن أفلح بن حميد (٣).
وكان يحيى بن سعيد القطان يقول: الزهري، حافظ، كان إذا سمع الشيء عَلِقَه (٤).
_________________
(١) = صاحب له، ولفظ هذه الرواية عن الزهري قال: "ما استَعَدْتُ حديثًا قط، ولا شككت في حديث قط، إلا حديثًا واحدًا، فسألت صاحبي؛ فإذا هو كما حفظت، وفي رواية: فإذا هو ما حفظت/ التمييز لمسلم/ ١٧٧ وترجمة الزهري ٨٤، ٨٥ وشرح العلل لابن رجب ١/ ١٦٦ وتذكرة الحفاظ ١/ ١١١.
(٢) يعني عبد الله بن وهب/ انظر تهذيب التهذيب ١/ ٥٤.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل ٨/ ٧٢، ومن طريقه ابن عساكر/ ترجمة الزهري ١٢٣.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل ٨/ ٧٣، ومن طريقة ابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ١٠٢.
(٥) بفتح أوله وكسر ثانيه، وكل شيء وَقع مَوقِعَهُ فقد عَلِق مَعالِقة/ النهاية ٣/ ٢٨٩ مادة "عَلِق"، فالمعنى أنه ذو حافظة قوية يستقر فيها ما يسمعه، استقرار الشيء في موضعه الأمثل، فيتمكن منه/ انظر شرح العلل لابن رجب ١/ ٢٨ والرواية المذكورة أخرجها ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل ٨/ ٧٣ من طريق أحمد بن سنان عن يحيى بن سعيد القطان، وأخرجها من نفس الطريق بلفظ آخر، =
[ ١ / ٥١٤ ]
وعن مكحول: ما بقى على ظهرها أعلم بِسُنَّة ماضية من ابن شهاب الزهري (١).
وذكر سعيد بن بَشِير عن قتادة: ما بقي على ظهر الأرض إلا اثنان: الزهري، وآخر، فظننا أنه يعني نفسه (٢).
_________________
(١) = استَدَل فيه بحفظ الزهري على ضعف مراسيله، فقال ابن سنان في تلك الرواية: كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء عَلِقُوه/ الجرح والتعديل ١/ ٣٤٦، والمراسيل لابن أبي حاتم/ ٣ وجامع التحصيل/ ٣٣ وشرح العلل لابن رجب ١/ ٢٨٢. ووجه الدلالة: أن الزهري ما دام مشهودًا له بقوة الحفظ، فعدم ذكره لمن يَتَحمل عنه، ليس من باب السهو أو النسيان والغفلة، وإنما ذلك عن قصد منه؛ لأنه يرى ضعف الراوي، أو صغره بالنسبة له، فينزل بسببه إسناده/ انظر شرح العلل ١/ ٢٨٤، ويؤيد ذلك ما جاء عن يحيى نفسه من طريق آخر، قال: مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكُلَّمَا يقدر أن يُسمِّي سمَّى، وإنما يترك من لا يستجيز أو يستحي أن يُسميه/ ترجمة الزهري/ ١٥٧، ١٥٨ وتذكرة الحفاظ ١/ ١١١ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٨ وشرح العلل لابن رجب ١/ ٢٨٤.
(٢) الجرح والتعديل ٨/ ٧٣ والمعرفة والتاريخ ١/ ٦٤١، ٦٤٢ والتمهيد لابن عبد البر ٦/ ١٠٤ وترجمة الزهري/ ١١٤، ١١٩ - ١٢١ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٦ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٩، وفي رواية عنه قال: ابن شهاب أعلم الناس/ التمهيد ٦/ ١٠٣.
(٣) أخرجه الفَسَوِي/ المعرفة والتاريخ ١/ ٦٤٠ وابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل ٨/ ٧٣، والتمهيد ٦/ ١٠٤، ١٥٥ وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ١١٣، ١١٤ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٦ وأخرج أبو زرعة الدمشقي ومن طريقه ابن عساكر، رواية سعيد بن بَشِير عن قتادة بلفظ مقارب للفظ رواية مكحول المذكورة في الأصل/ ترجمة الزهري/ ١١٣. =
[ ١ / ٥١٥ ]
وقال أحمد بن حنبل: سمعت عبد الرحمن بن مهدي عن وُهَيْب قال: سمعت أيوب يقول: ما رأيت أعلم من الزهري، فقال له صخر بن جُوَيْرِيَة: ولا الحسن؟! قال: ما رأيت أحدًا أعلم من الزهري (١).
وقال سفيانُ بن عيينة: سمعت عَمرو بن دينار يقول: ما رأيت أحدًا أَنَصَّ (٢) للحديث من الزهري، ولا رأيت أجود
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق اسماعيل بن أبي الحارث عن أحمد/ الجرح والتعديل ٨/ ٧٣ وأخرجه ابن عساكر من طريق العباس العنبري عن أحمد بن حنبل به/ ترجمة الزهري/ ١١٥، وأخرجه ابن عبد البر من طريق أحمدَ بن زهير عن أحمد به/ التمهيد ٦/ ١٠٦، ١٠٧، وأخرجه ابن عساكر من طريق أحمد أيضًا بلفظ "ما رأيت أحدًا أعلم من الزهري" ومن طريق آخر بلفظ "ما رأيت أعلم من الزهري"/ انظر ترجمة الزهري/ ١١٤، ١١٥. وأخرجه الفَسَوِي والبخاري وابن سعد وابن عبد البر وابن عساكر، جميعهم من طريق عبد الرحمن بن مهدي حدثنا وُهَيْب به/ المعرفة والتاريخ ١/ ٦٣٧ والتاريخ الكبير ١/ ٢٢٠، ٢٢١ وطبقات ابن سعد/ الجزء المحقق/ ١٧٨ والتمهيد ٦/ ١٠٦ وترجمة الزهري/ ١١٦، ومثله في سير النبلاء ٥/ ٣٣٦ ونحوه في شرح العلل لابن رجب ١/ ١٦٦ وأخرجه ابن عساكر من طريق أبي داود، ومن طريق بهز بن أسد، كلاهما عن وُهَيْب، به/ ترجمة الزهري/ ١١٦، ١١٧.
(٢) أي أرفع له وأسند/ النهاية لابن الأثير ٥/ ٦٤، ٦٥ مادة "نصص" وقد جاءت رواية أخرى تؤيد هذا، أخرجها ابن عساكر من طريق أبي سلمة التَّبُوذَكِي، نا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: جالست جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس وابن الزبير فلم أر أحدًا أسند للحديث من الزهري/ ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ٩٨.
[ ١ / ٥١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والنَّص في الأصل: أقصى الشيء وغايته، ونَصَّ الحديثَ إلى فلان، رَفعه إليه، وقال مسكين الدرامي: ومن المجاز: نَصُّ الحديث إلى صاحبه، قال: ونُصَّ الحديث إلى أهله فإن الوثيقة في نَصِّه. انظر النهاية لابن الأثير ٥/ ٦٤، ٦٥ مادة نصص" ومختار الصحاح للرازي، وأساس البلاغة/ نفس المادة". وقد جاءت هذه العبارة من طرق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، مع اختلاف، فأخرجها باللفظ الوارد في الأصل ابن أبي حاتم من طريق ابن الطباع عن سفيان، به/ الجرح والتعديل ٨/ ٧٣، وكذا أخرجها ابن عدي وابن عساكر من طريق سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان به/ الكامل ١/ ٧١، وترجمة الزهري لابن عساكر/ ٩٦. وأخرجها أيضًا ابن عبد البر وابن عساكر من طريق الحُمَيدي عن سفيان به/ التمهيد ٦/ ١١١ وترجمة الزهري/ ٩٦ وكذا في السير للذهبي ٥/ ٣٣٤ من طريق سفيان. وكذا أخرجها ابن عساكر من طريق الزبير بن بكار عن سفيان، به/ ترجمة الزهري ٩٧، ٩٨. لكن أخرجها الفَسَوِي من طريق الحميدي عن سفيان، به بلفظ "أبصرَ بالحديث"/ المعرفة والتاريخ ١/ ٦٣٤ أصل وهامش، وكذا أخرجها ابن عساكر من طريق إبراهيم بن نصر عن سفيان، به/ ترجمة الزهري/ ٩٥، وأخرجها ابن سعد عن سفيان، به بلفظ "أبصر بحديث" الطبقات الجزء المحقق/ ١٧٤. وأوردها ابن رجب عن أحمد بن حنبل أنه قيل لسفيان: قال عمرو بن دينار: ما رأيتَ أحدًا أبصر بالحديث من الزهري؟ قال: نعم/ شرح العلل ١/ ١٦٦. وأخرجها ابن عساكر من طريق محمد بن اسحق المُسَيّبِي، نا سفيان بن عيينة، به بلفظ "آمنَ في الحديث". =
[ ١ / ٥١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد عقب ابن عساكر على ذلك بأن كلتا الروايتين تصحيف، والصواب "أنص" / ترجمة الزهري/ ٩٥. وقد أخرج ابن عبد البر أيضًا رواية التَّبوذَكي السابقة من نفس المصدر الذي أخرجها ابن عساكر منه ولكن بلفظ "أنسق للحديث" بدل "أسند للحديث"/ التمهيد ٦/ ١٠٣، وكذا أوردها ابن رجب من نفس الطريق/ شرح العلل ١/ ١٦٦، وسيأتي ذكر المؤلف لها في الأصل ص ٥٣٣ فلعله تصحيف أيضًا، ولعله تعدد قوله، فمرة قصد السند، ومرة قصد المتن بقوله: "أنسق للحديث" أي أكثر تحريًا وحُسْنَ قراءة لسياقته المأخوذة عن شيوخه، وقد جمع له الأمرين الإمام أحمد فقال: الزهري أحسن الناس حديثًا، وأجود الناس إسنادًا/ السير ٥/ ٣٣٥. وبناء على رواية "أنص" من أن معنى العبارة: أن عمرو بن دينار ما رأى أرفع ولا أسند للحديث من الزهري، يكون هذا مخالفًا لما قدمته في التعليقات السابقة ص ٤٧٧ ت، ٤٧٨ ت من أن الزهري وُصِف بالتدليس وكثرة الإرسال للحديث/ وانظر جامع التحصيل/ ١٠١، ٣٣١، وقال الآجري: عن أبي داود: جميع حديث الزهري كله ألفا حديث ومائتا حديث، النصف منها مسند، وقدر مائتين عن غير الثقات/ تهذيب الكمال ٣/ ١٢٧٠ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٧ / وسير النبلاء ٥/ ٣٢٨، وقد تكلم العلماء في مراسيل الزهري، فبعضهم صححها وأكثرهم على تضعيفها/ انظر ترجمة الزهري/ ١٥٧ - ١٦٠، وجامع التحصيل/ ١٠١، ١٠٢ وشرح العلل لابن رجب ١/ ٢٨٢، ٢٨٤ والتمهيد ٦/ ١١٢. وما روى عن أحمد بن صالح المصري أنه أنكَر على يحيى بن سعيد تضعيف مرسل الزهري، تعقبه ابن رجب بأنه مروى من وجه لا يَثْبُت/ شرح العلل ١/ ٢٨٤. وقال الذهبي: مراسيل الزهري كالمُعضَل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي =
[ ١ / ٥١٨ ]
منه (١)، ما كانت الدنانيرُ والدراهم (٢) عنده إلا بمنزلة البَعْر (٣).
وقال أيضًا -مرةً-: ما رأيت أحدًا أعلم من الزهري، ولقي (٤) رجالًا.
_________________
(١) = لأوضحه، وَلمَا عجز عن وصله، ولو أنه يقول: عن بعض أصحاب النبي -ﷺ- ومَن عَدَّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسَيَّب، وعروة بن الزبير ونحوهما فإنه لم يَدْر ما يقول، نعم مرسله كمرسل قتادة ونحوه/ سير النبلاء ٥/ ٣٣٩. أقول: وقد قال يحيى بن سعيد عن إرسال الزهري وقتادة: هو بمنزلة الريح/ شرح العلل لابن رجب ١/ ٢٨٢ والجرح والتعديل ١/ ٢٤٦. وقد جاءت رواية عن عمرو بلفظ "ما رأيت شيخًا أنَصّ للحديث الجيد من هذا الشيخ" - يعني الزهري/ ترجمة الزهري/ ٩٧، فيمكن حمل الرواية المطلقة على هذه المقيدة، دفعًا للمخالفة، ومطابقة لحال الزهري من الإرسال تارة والإسناد أخرى.
(٢) التمهيد ٦/ ١١١.
(٣) تعددت ألفاظ الروايات عن عمرو بن دينار في هذا، ففي رواية قال ابن دينار: ما رأيت أحدًا أهون عليه الدنيا منه، وما كانت الدنيا بين عينيه إلا بمنزلة البَعْر/ ترجمة الزهري/ ٩٥. وفي رواية أخرى: وما رأيت أحدًا الدينار والدرهم أهون عليه من ابن شهاب، وما كانت الدنانير والدراهم عنده إلا بمنزلة البَعْر/ ترجمة الزهري/ ٩٥. وبقية الروايات بنحو هذا/ انظر ترجمة الزهري/ ٩٥ - ٩٨، والمعرفة والتاريخ ١/ ٦٣٤ وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٧٠ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٤ وحلية الأولياء ٣/ ٣٧١.
(٤) التمهيد ٦/ ١١١.
(٥) بالأصل "وأنقى" وما أثبته هو الواقع في الرواية عند ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل ٨/ ٧٤ وكذا في رواية ابن عساكر من طريقه/ ترجمة الزهري/ ١١٢.
[ ١ / ٥١٩ ]
وعن سفيان: لم يكن أحد (١) أعلم بِسُنَّة منه - يعني الزهري، وحكى سفيان: قال لي أبو بكر الهُذَلي: لقد جالسنا الحسن وابن سيرين، فما رأينا أحدًا أعلم منه - يعني الزهري (٢) / وقال علي بن المديني: لم يكن بالمدينة -بعد كبار التابعين- أعلمُ من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد وبُكَيْر بن عبد الله بن الأشَج (٣).
وروى خالد عن سفيان قال: كان الزهري أعلم أهل المدينة (٤) وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: قلت لإِبراهيم بن موسى: ابن شهاب الزهري، عندك فقيه؟ فقال: نعم فقيه، وجَعل يُفَخِّمُ أَمْرَه (٥) [و] (٦) وسمعت أبي يقول: الزهري أَحب إليَّ من
_________________
(١) في الجرح والتعديل زيادة "في الناس"/الجرح والتعديل ٨/ ٧٤ ومن طريقه ابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ١٣٠ وفي رواية لابن عساكر: "لم يكن في الناس أحدٌ أعلم بالسنة من الزهري"/ ترجمة الزهري/ ١١٧ وأخرجه ابن عبد البر بنحوه/ التمهيد ٦/ ١٠٦.
(٢) الجرح والتعديل ٨/ ٧٤ والمعرفة والتاريخ ١/ ٦٢١ والطبقات الكبرى لابن سعد/ القسم المحقق/ ١٦٧ والتمهيد ٦/ ١٥٥ وترجمة الزهري لابن عساكر/ ١١٨ وسير النبلاء ٥/ ٥٣٦ وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٧١.
(٣) الجرح والتعديل ٨/ ٧٤ ومن طريقه ابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ١٣٤.
(٤) الجرح والتعديل ٨/ ٧٤ ومن طريقه ابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ١٣٠ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٤.
(٥) الجرح والتعديل ٨/ ٧٤ ومن طريقه ابن عساكر/ ١٣٤، ١٣٥.
(٦) ليست بالأصل، وأثبتها ليتصل الكلام.
[ ١ / ٥٢٠ ]
الأعمش (١)، يحتج بحديثه وأثبت أصحاب أنس، الزهري (٢).
سئل أبو زرعة، عن الزهري، وعمرو بن دينار، فقال: الزهري أحفظ الرجُلَين (٣).
قال ابن الحذَّاء: وذكر ابن أخي الزهري عنه، أنه أخذ القرآن في ثمانين ليلة (٤).
وقال الزهري: ما استعدت حديثًا قط (٥)، وما استودِعْت
_________________
(١) كذا في الجرح والتعديل ٨/ ٧٤ وغيره من المصادر التي نقلَتْ عنه، كما ستأتي الإحالة عليها، ولكن أبا القاسم البلخي ذكر الرواية عن الرازي بلفظ "الزهري أحب إليَّ من الأعمش، وكلاهما يحتج بحديثه فيما لم يُدَلِّسا/ قبول الأخبار للبلخي/ ص ٢١٨.
(٢) الجرح والتعديل ٨/ ٧٤ ومن طريقه ابن عساكر/ ١٠٣ والفقرة الأخيرة في شرح العلل لابن رجب ١/ ١٦٧ وفي سير النبلاء للذهبي ٥/ ٣٣٥.
(٣) الجرح والتعديل ٨/ ٧٤ وفي طريقه ابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ١٠٣.
(٤) أخرجه الفَسَوي بإسناده عن ابن أخي الزهري/ المعرفة والتاريخ ١/ ٦٣٣ ومن طريقه أخرجه ابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ٤٩، ٥٥ ثم ذكر الذهبي عن نافع بن أبي نعيم أنه عرض القرآن على الزهري/ سير النبلاء ٥/ ٣٤١.
(٥) أخرجه البخاري عن مالك عنه/ التاريخ الكبير ١/ ٢٢١، وأخرجه أبو زرعة الدمشقي بسنده عن مالك عنه، ومن طريقه ابن عبد البر وابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ٧٩، والتمهيد ٦/ ١٠٧ وتاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤١٠ وأخرجه ابن عساكر أيضًا من طريق آخر عن مالك، به/ ترجمة الزهري/ ٨١، ومن طريق آخر بلفظ: ما استعدت أحدًا قط حديثًا/ ترجمة الزهري/ ٨٣، وأخرجه ابن سعد وأبو نعيم من طريق عبد الرحمن بن اسحق عن الزهري، به/ طبقات ابن سعد/ الجزء المحقق/ ١٦٦ والحلية ٣/ ٣٦٣ ومن طريق ابن سعد أخرجه =
[ ١ / ٥٢١ ]
حفظي شيئًا فخانني (١).
وفيما ذكرناه -قبلُ- في ترجمة الزهري هذه: أنه رأى عبد الله بن عُمر (٢)، قال ابن الحَذَّاء وروى عنه حديثين (٣).
ورَوَى عن عبد الله بن ثَعلبةَ (٤)، مَسَحَ النبيُّ -ﷺ- على رأسه.
_________________
(١) = ابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ٨٥ وأخرجها ابن عساكر عن مَعْمَر عن الزهري بلفظ "ما قُلتُ لأحد قط أَعِدْ عليَّ/ ترجمة الزهري/ ٨٤ وكذا في السير ٥/ ٣٣٣، وقدَّمتُ في التعليق السابق ص ٢١٥ ت، ٥١٣ ت ما يمكن أن يعلل به عدم قول الزهري لأحد من شيوخه: أَعِدْ عليَّ.
(٢) أخرج البخاري هذا بسنده عن الليث عن الزهري بلفظه/ التاريخ الكبير ١/ ٢٢١ وأخرجه غيره من طريق الليث أيضًا وغيره، بألفاظ مقاربة كما تقدم في التعليق السابق ص ٥١١، ٥١٢ ت وانظر المعرفة والتاريخ ١/ ٦٢٥، ٦٣٥ والجرح والتعديل ٨/ ٧٢ والتمهيد ٦/ ١٠٩ - ١١١، وترجمة الزهري لابن عساكر/ ٧٥، ١٠٦، ١٠٩ وحلية الأولياء ٣/ ٣٦٣، ٣٦٤ والكامل لابن عدي ١/ ٧١ وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٧٠ والبداية والنهاية ٩/ ٣٩٥ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٢.
(٣) انظر ص.
(٤) تقدم تحقيق هذه المسألة بأوفى ما تيسر لي، واتضح أنه لم يلق ابن عمر ولم يسمع منه شيئًا/ انظر ص ٤٧٩ ت وما بعدها.
(٥) هو عبد الله بن ثعلبة، ابنُ صُعَير العُذْري، تقدم التعريف به وبيان تلمذة الزهري له في تَعلُّم نسب قريش، وفي رواية الحديث ص ٤٩١ ت ورواية الزهري عنه حديثَ مَسْحِ النبي -ﷺ- على رأسه، أشار إليها الزهري نفسه/ الطبقات الكبرى لابن سعد/ الجزء المحقق/ ١٥٨، وأشار إليها غيره/ انظر ترجمة الزهري/ ٥١. =
[ ١ / ٥٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد أخرجها البخاري - كتاب المغازي - باب منه رقم ٥٣، مُعَلَّقًا مجزومًا به، فقال: وقال الليث: حدَّثني يونس عن ابن شهاب أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير - وكان النبي -ﷺ- قد مسح وجهه عام الفتح/ البخاري مع الفتح ٨/ ٢٢ ح ٤٣٠٠. وقد جاء بلفظ "مَسْحِ الوجه زمن الفتح" في الزهريات للذُّهلى، وفي مسند الشاميين للطبراني، كما عزاه لهما الحافظ في الفتح - كتاب الدعوات - باب الدعاء للصبيان بالبَركة ومَسْحِ رؤوسِهم ١١/ ١٥٢. وذكر الحافظ أيضًا أن البخاري وصل الحديث من الطريق المعلقة، وذلك في التاريخ الصغير له/ انظر الفتح ٨/ ٢٢، وسنده في التاريخ الصغير: حدثنا عبد الله حدثنا الليث، به، بلفظ: مَسَح وَجهَه عامَ الفتح/ التاريخ الصغير ١/ ٢٢٤. كما ذكر أن البخاري وصله أيضًا من طريق آخر عن الزهري، به في كتاب الأدب المفرد له/ انظر هدى الساري/ الفصل الثالث/ ٣٥ والفتح ٨/ ٢٢. وأخرجه البخاري موصولًا أيضًا في كتاب الدعوات/ باب الدعاء للصبيان بالبركة، ومَسْحِ رؤوسهم، ولفظه: "وكان الرسول -ﷺ- مسح عَينيه"/ البخاري مع الفتح ١١/ ١٥١ ح ٦٣٥٦. وأخرجه أبو زرعة الدمشقي موصولًا أيضًا من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، وكان رسول الله -ﷺ- مَسح وجْهَه زمن الفتح/ تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤١٦. وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده من طريق يونس عن الزهري، به، بلفظ "مسح وجهه"/ المسند ٥/ ٤٣٢ ومن طريق الزُّبيدي وشعيب عن الزهري، به، بلفظ "مسح وجهه زمن الفتح"/ المسند ٥/ ٤٣٢ ومن طريق عُقَيل عن الزهري، به بلفظ "مسح على وجهه"، وأدرك أصحاب رسول الله -ﷺ- قال: كانوا ينهوني عن القُبْلَةِ تَخوفًا أن أتقرَّب لأكثر منها (الحديث) / المسند ٥/ ٤٣٢. =
[ ١ / ٥٢٣ ]
ورَوى عن محمود بن الرَّبيع (١) الأنصاري: عَقَل (٢) عن النبي
_________________
(١) = أما المسح على الرأس كما جاء في الأصل: فوجدته في طبقات ابن سعد/ الجزء المحقق ١٥٨ وفي ثقات ابن حِبَّان قال: مسح النبي -ﷺ- رأسه ووجهَهُ يوم الفتح/ الثقات ٣/ ٢٤٦، وذُكِر في الإِصابة بلفظ "عام الفتح" بدل "يوم الفتح" ٢/ ٢٨٥ وفي عمدة القاري "مسح على رأسه ووجهه زمن الفتح" ١٧/ ٢٨٨. وما ذكر من رواية الزهري عن عبد الله بن ثعلبة حديث "مَسْحِ النبِيّ -ﷺ- على رأسه، لا يَعني عدم روايته عنه غير هذا الحديث، بل له عنه رواياتَ أخرى/ انظر تحفة الأشراف ٢/ ١٢٦، ١٢٧ ح ٢٠٣٧، ٤/ ٢٩٧، ٢٩٨ ح ٥٢٠٨ - ٥٢١١ ومسند الإِمام أحمد ٥/ ٤٣١، ٤٣٢.
(٢) بفتح الراء/ عمدة القاري ٣/ ٧٦، الأنصاري الخزرجي، كنيته على الراجح "أبو محمد" وهو من صغار الصحابة، حيث روى الطبراني عنه قوله: توفي رسول الله -ﷺ- وأنا ابن خمس سنين، وهكذا قال الزهري نفسه الذي تتلمذ له، وتبعه الخطيب وغيره، وذكر أبو نعيم أنه توفي سنة ٧٩ هـ وهو ابن ٧٣ سنة، ولكن ذكر ابن حبان أنه توفي سنة ٩٩ هـ وهو ابن ٩٤ سنة، وهو الراجح، لموافقته ما في الصحيح - كما سيأتي أنه عَقَلَ مَجَّة الرسول -ﷺ- في وجهه وهو غلام، وفي رواية: وهو ابن خمس سنين، وقوله هو والزهري -كما تقدم- إن الرسول -ﷺ- تُوفي وهو ابن خمس سنين، وعليه تكون مَجَّة الرسول -ﷺ- في وَجْهِه حصلت في آخر سَنةٍ من حياة الرسول -ﷺ-، وقد قال عنه ابن حبان: "أكثر ما يَرْوِي سمعه من أصحاب النبي -ﷺ-". وقد كثرت الرواية عنه، ورواية الزهري عنه مُخَرِّجة في الصحيحين وغيرهما، كما سيأتي في تخريج حديث المَجَّة/ وانظر الثقات لابن حبان ٣/ ٣٩٧، ٣٩٨ ومعرفة الصحابة لأبي نعيم ٢ / ل ١٨٩ وترجمة الزهري/ ٥١ وفتح الباري ١/ ١٧٢، ١٧٣ والإِصابة ٤/ ٣٦٦ والكفاية للخطيب/ ١٠٦، ١١١ والاستيعاب ٤/ ٤٠٢.
(٣) بفتح العين والقاف، أي حفِظ وعَرف/ الفتح ١/ ١٧٢ وعمدة القاري ٢/ ٧٢ وستأتي رواية البغوي بلفظ "ما أَنس مَجَّةً".
[ ١ / ٥٢٤ ]
-ﷺ- مَجَّةً (١) مَجَّهَا من بئر في دارِهم، [في وَجْهِه] (٢)
_________________
(١) بفتح الميم وتشديد الجيم، من المَج، ومعناه هنا قَذفُ الماء، وإرسالُه من الفم مع نَفْخ، وقيل: لا يسمى مَجًا حتى يكون القذف من بُعْد، والتركيب يدل على رَمْي الشيء بسرعة، وقد فعل النبي -ﷺ- المَج لمحمود إمَّا مُداعبة معه، أو ليبارك عليه به، كما كان ذلك شأنه مع أولاد الصحابة، تأنيسًا لهم، وإكرامًا لآبائهم، ونقل النووي عن بعضهم أنه: لعل النبي -ﷺ- أراد بذلك أن يحفظه محمود فينقله كما وقع، فتحصل له فضيلَةُ نَقْلِ هذا الحديث، وصحةُ صحبته/ انظر مشارق الأنوار للقاضي عياض ١/ ٣٧٤ والنهاية ٤/ ٢٩٧ وشرح النووي على مسلم ٣/ ٣٤٦ مع القسطلاني، وفتح الباري ١٧٢/ ١ وعمدة القاري ٢/ ٧٢.
(٢) ليست بالأصل وأثبتُّها اعتمادًا على أكثر الروايات للحديث كما سيأتي تخريجه/ وانظر ترجمة الزهري/ ٥١، ولم أجد رواية للحديث باللفظ الذي في الأصل، فقد أخرجه البخاري في كتاب الأذان -باب من لم يَرُد السلام على الإِمام، من طريق الزهري أخبرني محمود بن الربيع- وزعم أنه عَقل رسولَ الله -ﷺ- وعَقَل مجة مجها من دلو كان في دارهم/ البخاري مع الفتح ٢/ ٣٢٣ ح ٨٣٩، وأخرجه في كتاب التهجد - باب صلاة النوافل جماعة، من طريق الزهري أخبرني محمود بن الرَّبِيع الأنصاري أنه عَقل رسول الله -ﷺ-، وعَقَل مجة مجها في وجهه من بئر كانت في دارهم/ البخاري مع الفتح ٣/ ٦١ ح ١١٨٦. وأخرجه في الدعوات - باب الدعاء للصبيان بالبركة ومَسْح رؤوسهم، من طريق الزهري، أخبرني محمود بن الربيع - وهو الذي مجَّ رسول الله -ﷺ- في وجهه وهو غلام من بئرهم/ البخاري مع الفتح ١١/ ١٥١ ح ٦٣٥٦. وأخرجه في كتاب الرقائق - باب العمل الذي يُبْتَغَى به وجهُ الله، من طريق الزهري أخبرني محمود بن الربيع - وزعم عمود أنه عقل رسول الله -ﷺ-، قال: وعقل مَجَّة مجَّها من دلو كانت في دارهم/ البخاري مع الفتح ١١/ ٢٤١ ح ٦٤٢٣. وأخرجه أيضًا مسلم - كتاب المساجد - باب الرخصة في التخلف عن الجماعة،=
[ ١ / ٥٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من طريق الزهري عن محمود بن الربيع قال: إني لأعقل مجَّة مجَّها رسول الله -ﷺ- من دلو في دارنا/ مسلم ١/ ٤٥٦ ح ٢٦٥. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب عمل اليوم والليلة - باب ما يقول عند الموت -من طريق الزهري أخبرني محمود بن الربيع- زعم أنه عقل رسول الله -ﷺ- وعَقَل مَجَّة مجَّها من دلو كانت في دارهم/ عمل اليوم والليلة للنسائي/ ٥٩٤، ٥٩٥ ح ١١٠٨. وأخرجه أحمد في مسند محمود بن الربيع من طريق الزهري عن محمود بن الربيع -وقد كان عقل مَجَّة مجَّها رسول الله -ﷺ- في وجهه من دلو من بئر لهم/ المسند ٥/ ٤٢٧ ومن طريق أحمد أخرجه أبو نعيم في المعرفة ٢ / ل ١٨٩ ثم أخرجه أحمد أيضًا في مسند محمود بن لَبِيد، أو ابن ربيع، من طريق ألزهري حدثني محمود بن لَبيد أنه عقل رسول الله -ﷺ- وعقل مجَّة مجَّها النبي -ﷺ-، من دلو كان في دارهم/ المسند ٥/ ٤٢٩، ويبدو أن الصواب الأول؛ لأن ابن لَبِيد وإن كان من صغار الصحابة أيضًا على الراجح، وله رؤية فقط مثل ابن الربيع، إلا أَن ابن عبد البر ذكر أنه أَسَنُّ من ابن الربيع، وغيرُه من علماء الرجال ترجموا لِلرَّجُلَيْن، وذكروا حديث المجَّة لابن الربيع دون ابن لَبيد/ انظر معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢ / ل ١٨٩ والثقات لابن حبان ٣/ ٣٩٧ والاستيعاب ٤/ ٤٠١، ٤٠٢، ٤٠٣ وتجريد الصحابة للذهبي ٢/ ٦٣ والإِصابة ٤/ ٣٦٦، ٣٦٧. وأخرج البغوي الحديث -كما في الإِصابة- من طريق الأوزاعي عن الزهري عن محمود (بن الربيع) قال: ما أنسى مجَّة مجَّها رسول الله -ﷺ- من بئر في دارنا، في وجْهي/ الإِصابة ٤/ ٣٦٦. وأخرجه البخاري كتاب العلم - باب متى يصح سماع الصغير، من طريق أبي مُسْهِر أبي مُسْهِر، حَدَّثني محمد بن حرب حدثني (محمد بن الوليد) الزُّبَيْدِي عن الزهري عن محمود بن الربيع قال: عَقلْت من النبي -ﷺ- مَجَّة مجَّها في وجهي، وأنا ابن خمس سنين من دلو/ البخاري مع الفتح ١/ ١٧٢ ح ٧٧. =
[ ١ / ٥٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومن طريق البخاري أخرجه عياض، وقال: وتابع أبا مسهر على قوله: خمس سنين، ابنُ مَصفى وغيره، وخالفهم غيرهم فقال: أربع/ الإِلماع - باب متى يُستَحب سماع الطالب والصغير/ ٦٢، ٦٣ قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على هذا -يَعني "أربع" بدل "خمس"- صريحًا في شيء من الروايات بعد التتبع التام، إلا إن كان ذلك مأخوذًا من قول صاحب الاستيعاب: إنه (أي محمود) عَقَل المجَّة وهو ابن أربع سنين أو خمس، ثم ذكر أن قول ابن عبد البر هذا لَعلَّ سبَبَه ما ذُكِر من الخلاف في سن محمود، بَين أربع وتسعين -كما تقدم عن ابن حبان- وبين ثلاث وتسعين، كما قال الواقدي، ثم قال: والأول أولى بالاعتماد لصحة إسناده، على أن قول الواقدي يمكن حملُه - على أنه ألْغَى الكسرِ، وجَبره غيره، والله أعلم/ الفتح ١/ ١٧٣. وأخرج أبو نعيم الحديث من طريق محمد بن مُصَفَّى، ثنا محمد بن حرب عن الزُّبَيْدِي عن الزهري عن محمود بن الربيع أنه عقل مَجَّة مجَّها النبي -ﷺ- من دلو معلق في دارهم وهو ابن خمس سنين/ معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢ / ل ١٨٩. وأخرجه ابن عبد البر من رواية أبي مُسهِر وابن مُصَفى قالا: ثنا محمد بن حرب، به، بلفظ: وكان يزعم أنه أدرك النبي -ﷺ- وهو ابن خمس سنين، وزعم أنه عقل مَجَّة مجَّها رسول الله -ﷺ- في وجهه من دلو معلق في بئرهم/ الاستيعاب ٤/ ٤٠٢. وأخرجه النسائي في كتاب العلم -باب متى يصحِ سماع الصغير، فقال: أخبرنا محمد بن مصفى، ثنا محمد بن حرب، به سندًا ومتنًا، إلا أن فيه "معلق في دارهم" بدل "معلق في بئرهم" سنن النسائي الكبرى/ ل ٧٦ وانظر تحفة الأشراف ٨/ ٣٦٤. وأخرجه الخطيب والطبراني من طريق عبد الرحمن بن نَمر اليَحصُبي عن الزهري، به بلفظ مقارب وفي آخره، قال (الزهري): فتوفي رسول الله -ﷺ- وهو ابن خمس سنين. =
[ ١ / ٥٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فتح الباري ١/ ٧٢ والكفاية للخطيب باب ما جاء في صحة سماع الصغير/ ١١١ وذكر الحافظ ابن حجر -وتبعه العَيني- أنه لم ير التقييد بالسن عند تحمل محمود لواقعة المَجَّة النبوية في فيه، لا في الجوامع ولا المسانيد، إلا من طريق الزُّبَيْدِي وابن نَمر كما تقدم/ انظر الفتح ١/ ١٧٢ وعمدة القاري ٢/ ٧٢، وهذا غير مُسَلَّم لهما، فقد أخرج البخاري الحديث كتاب الطهارة -باب استعمال فضل وضوء الناس- من طريق صالح (بن كيسان) عن ابن شهاب قال أخبرني محمود بن الربيع، قال: وهو الذي مَج رسول الله -ﷺ- في وجهه وهو غلام من بئرهم/ البخاري مع الفتح ١/ ٢٩٥ ح ١٨٩. وأخرجه أيضًا بمثله في الدعوات كما تقدم؛ فقولُه: (وهو غلام) تقييد بالسن إجمالًا، حيثُ يطلق (الغلام) على الصبي من حين يولد إلى أن يَبْلُغ/ تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٣/ ٦٢، ثم إن أبا نُعيم بعد أن أخرج حديث التحديد بخمس سنين من طريق الزُّبَيْدي كما تقدم، أَتبعه بقوله: رواه معمر في آخرين، عن الزهري مِثلُه/ معرفة الصحابة ٢ / ل ١٨٩، وذلك صريح في وجود أكثر من رواية فيها التقييد بسن الخامسة من غير الطريقين اللذَيْن ذكرهما ابن حجر، وتبعه على ذلك العيني، وإن كانت عبارة ابن حجر دقيقة حيث قال: "لم أر"، فقَيَّد النفي بما أطلع عليه من المصادر، بخلاف عبارة العيني حيث قال: "ليس في الصحيحين ولا في غيرهما من الجوامع والمسانيد" - إلخ. هذا ويلاحظ تعدد روايات الحديث في مصدر مَجَّة الماء التي مجَّها النبي -ﷺ- في وجه محمود، فجاء بلفظ "من بئرهم" وبلفظ "من بئر في دارهم" وبلفظ "من دلو" وبلفظ "من دلو كانت في دارهم" وبلفظ "من دلو معلق في دارهم" وبلفظ "مِنْ دَلو معلق في بئرهم" وعلى ضوء هذه الأخيرة يجمع بين الروايات السابقة بأن الماء أُخِذ من بئر كانت في البيت بالدلو المعلق فيها، ثم تناوله النبي -ﷺ- من الدَّلو فَمجَّهُ في وجه محمود/ انظر عمدة القاري ٢/ ٧٢ والفتح ١/ ١٧٣.
[ ١ / ٥٢٨ ]
وكان الزهري كريمًا، سخيًا جوادًا (١)، وكان يقول الشعر، ذكره أبو عبيد الله، محمد بن عمران بن موسى (٢) المَرْزُبَاني (٣) في معجم
_________________
(١) انظر وصفَه بذلك وذكر نماذِج من كرَمه وما قيل فيه من شعر في/ ترجمته من تاريخ ابن عساكر/ ١٠٧ فقد أخرج ابن عساكر عن الليث بن بن سعد قال: كان ابن شهاب من أسخى من رأيت، كان يعطي كل من جاء وسأله، حتى إذا لم يَبْق معه شيء يَسْتَسْلِفُ من أصحابه، فيعطونه حتى إذا لم يبق معهم شيء يستسْلِفُ من عَبيده/ ١٠٧، ١٧٠، ١٦٩، ١٦٣، ١٧٢، ١٧٣، ١٧٤، ١٧٥، ١٧٨، والتمهيد ٦/ ١١٠، ١١١ وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٧١ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٥، ٣٣٨، ٣٣٩ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٩، وقد عبر عن وِجْهة نظره في الاستدانة من أجل الكرم أنه بذلك يُتاجر مع ربه بالقليل، فيربح الكثير، وفي ذلك يقول: والله لم أفعل ذلك إلا للتجارة،،أُعطِي القليلَ فأُعْطَى الكثير/ ترجمة الزهري/ ١٧٦، آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم/ ٥٤.
(٢) بالأصل "بن موسى بن عمران" وما أثبته هو الصواب الموافق لمصادر ترجمته الآتية في التعليق التالي.
(٣) بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وفتح الباء المنقوطة بواحدة وفي آخرها النون، نسبة إلى "المَرْزُبَان" وهو فارسي معرب، ومعناه الفارس الشجاع المُقَدَّم على القوم دون المَلِكْ، ويُقال أيضًا للرئيس من العجم "مَرْزُبَان"/ لسان العرب مادة "رزب" ولكنه هنا اسم لجد المنتسب إليه، ومنهم أبو عبيد الله هذا، وهو محمد بن عمران بن موسى بن عُبيد، الكاتب المعروف بالمَرْزُبَاني من أهل بغداد، وأصلُه من خُراسَان، ولد في جمادى الآخرة سنة ٢٩٧ هـ على ما ذكر ابن النديم -وهو ممن شاهده وعاصره- وذكر غيره أن مولده سنة ٢٩٦ هـ، وتوفي في شوال سنة ٣٧٨ هـ على ما ذكر ابن النديم أو سنة ٣٨٤ هـ على ما ذكر غيره، وقد رَوى عن أبي القاسم البَغَوي وأبي بكر بن دُرَيد، وغيرهما، ورَوى عنه أبو عبد الله الصَّيْمَري، والحسن بن علي الجوهري وغيرُهما، وكان صاحب أخبار، ورواية للأداب، وقد وُصِفَ بأن أكثر مرْوِيَّاته كانت بالإجازة، ولكن كان =
[ ١ / ٥٢٩ ]
الشعراء -له- (١) وقال: وهو القائل لعبد الله بنَ عبدِ الملك بن مروان:
أقولُ لعبد الله لَمَّا (٢) لقيتُه يَسيرُ بِأعْلَى الرَّقَّتَينِ (٣) مُشَرِّقا
_________________
(١) = يؤديها بلفظ "أخبرنا" دون تقييد بالإِجازة مع أن "أخبرنا" من الألفاظ المصطلح على أنها تستعمل مطلقة في السماع، فَعدَمُ تقييدها يؤدي إلى اختلاط المسموع بالمُجاز/ انظر التدريب ١/ ٩، ١٠ وفتح الباري ١/ ١٤٤، ١٤٥، ونسب إلى المَرزُبَاني أيضًا شُرْبُ النِّبِيذِ والاعتزال، والتشيع والكذب، وأنه ليس بثقة، ولكن ابن النديم يقول عنه: آخر من رَأيْنا من الأحبار بين المصنفين، راويةٌ صادقُ اللهجة، واسع المعرفة بالروايات، كثيرُ السماع، والخطيبُ البغدادي -وهو من تلاميذ تلاميذه- يقول: ليس حالُ أبي عبيد الله عندنا بالكذب، وأكثر ما عِيبَ به المَذْهَب، وروايته عن إجازات الشيوخ له من غير تبيين الإجازة، فالله أعلم، وقال أحمد العتيقي: كان مذهبُه التشيع والاعتزال، وكان ثقة في الحديث. وكان حسن التصنيف وله مؤلفات في الشعر، وتراجم الشعراء والغَزل والنوادر والأخلاق، وأخبار المعتزلة، وقد أفاض ابن النديم في سَرْد مؤلفاته وبيان موضوع كل كتاب، وعَددِ أوراقه، مما يدل على، دراية واطلاع فِعْلِيِّ عليها، ومن مؤلفاته المطبوعة "معجم الشعراء" الذي ذكره المؤلف في الأصل، وقد تَرْجَم فيه للزهري باختصار، وذكر له البيتين الآتي ذكرهما في الأصل، وبيتين بعدهما، والكتاب مطبوع أكثر من طبعة في مجلد متوسط الحجم، ومنها -طبعة- عيسى الحلبي بمصر سنة ١٩٦٠ م. وانظر فيما ترجَمتُ له به/ الفهرست لابن النديم ١٩٠ - ١٩٢ وتاريخ بغداد ٣/ ١٣٥، ١٣٦ والأنساب للسمعاني ١٢/ ١٨٨ - ١٩٠ ولسان الميزان ٥/ ٣٢٦، ٣٢٧.
(٢) بالأصل "وله" والصواب ما أثبته لاستقامة المعنى عليه.
(٣) كذا جاء في معجم المرزباني/ ٤١٣ وجاء في التمهيد "يوم" ٦/ ١١٢.
(٤) كذا في معجم المرزُباني/ ٤١٣ وجاء في التمهيد "وقد شد أحلاس المطي" بدل "يسير بأعلا الرقتين"/ التمهيد ٦/ ١١٢ والرَّقتَينْ: بفتح أوله وثانيه =
[ ١ / ٥٣٠ ]
تَبَغَّ (١) خَبايا الأرض وادع مليكَها (٢) لعلك يومًا أن تُجَاب وتُرزَقا (٣)
في أبيات ذكرها (٤).
_________________
(١) = وتشديده، تثنية "الرَّقة"، وهي تطلق على عدة مواضع ومدن، وأشهرها بلدة على طرف الفرات بينها وبين حَرَّان ثلاث مراحل، وتعد في بلاد الجزيرة، لأنها من جانب الفرات الشرقي، قال ياقوت: وأصله كل أرض إلى جنب واد ينبسط عليها الماء، وقال السمعاني: وإنما سميت الرَّقَّة لأنها على شط الفرات، وكل أرض تكون على الشط تُسمى الرَّقة، قال في المراصد: وكان بالجانب الغربي مدينة أخرى تُعرَف بِرَقَّة واسط، بها قَصْران لهشام بن عبد الملك، على طريق رُصافة الشام، وأسفل من الرَّقة بفرسخ وقال السمعاني: الرَّقة بلدتان: الرَّقة والرَّافِقة، والرقة خَرِبت، والتي يقال لها الرَّقة الساعة هي الرافِقة، وقال ياقوت: الرَّافِقة بلد متصل البناء بالرَّقة، وهي على ضفة الفرات، وبينها ثلاثمائة ذراع، وقد بناها المنصور سنة ١٥٥ هـ ولها أسواق ورُيُض بينها وبين الرَّقَّة، وذكر أَن الرقة خربت وأصبح اسمها يطلق على الرافقة هذه المجاورة لها، وهي بلدة كثيرة الخير/ انظر معجم البلدان لياقوت ٣/ ١٥، ٥٧، ٥٩ ومراصد الاطلاع ٢/ ٦٢٥، ٦٢٦ والأنساب للسمعاني ٦/ ١٥٦ - مع تصرف بالاختصار، وقال ياقوت في وجه تثنية الرقة: وأظنهم ثنوا الرقة، كما قالوا: العِرَاقان، للبصرة والكوفة/ معجم البلدان ٣/ ٥٧.
(٢) كذا بالمعجم للمرزباني وجاء في التمهيد "تَتَبَّع" ومعنى "تَبَغَّ" اطلب، ويقال تَبغَّيتُ الشي طلبته/ مختار الصحاح/ مادة "بغى" / ٥٩.
(٣) في معجم المرزباني: "وارجُ مليكنا"/ ٤١٣ ط القدسي.
(٤) في التمهيد: "فتُرزَقا".
(٥) انظر: معجم الشعراء للمَرزُباني/ ٤١٣ والموجود بيتان فقط بعد هذين البيتين.
[ ١ / ٥٣١ ]
وغيرُه يقول: الشعر لِعَمْران بن أبي حُدَير (١) أنشَدَهُ الزهري، مُتمثِّلًا (٢).
وقال موسى بن عبد العزيز: كان ابن شهاب إذا أبى (٣) أحدٌ من أصحاب الحديث أن يأكل طعامه، حَلفَ أن لا يُحَدِّثَه عشرة أيام.
وقال مالك: ما رأيت (٤) أحدًا فقيهًا إلا واحدًا، قيل: [وقال مَرَّة] (٥): ابن شهاب.
وقال عمرو بن دينار: جالست ابن عمر، وابن عباس
_________________
(١) بضم الحاء وفتح الدال المهملة وسكون التحتيَّة، فراء/ المغنى ٧٣.
(٢) وقال ابن عبد البر: إن هذين البيتين وما ذُكِر بعدهما -كما في المعجم- إنَّما هم لابن شهاب، خاطب بهم أخاه عبد الله، وقد رُوِي أنه قالهما لعبد الله بن عبد الملك بن مروان/ التمهيد ٦/ ١١٢ / ١١٣.
(٣) بالأصل "أتي" وما أثبته من التمهيد ٦/ ١١١ وترجمة الزهري/ ١٧٧ وهو الصواب.
(٤) كذا في التمهيد من طريق أحمد بن صالح عن مُطرف عن مالك ٦/ ١١٢ وفي رواية محمد بن سعد عن مُطرف قال: "ما أَدرَكَتْ"/ طبقات ابن سعد ٢/ ٣٨٨ والقسم المحقق ١٦٧، ومن طريقه ابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ١٢٤.
(٥) بالأصل "قيل مرة وقال" وما أثبته أوضح؛ على أن الذي في المصادر: "فقلت: مَن هو؟ قال: ابن شهاب"/ طبقات ابن سعد والتمهيد وترجمة الزهري/ المواضع السابقة. وهذه العبارة لا تدُل على تعدد قول مالك، بخلاف عبارة الأصل فهي تفيد تعدد قوله؛ فَمَرةٌ قال: ما رأيت أحدًا فقيهًا إلا ابن شهاب، ومرة قال: ما رأيت أحدًا فقيهًا إلا واحدًا، فلما سئل عن تحديده قال: ابن شهاب.
[ ١ / ٥٣٢ ]
وابن الزبير، وجابرًا، فلم أَرَ [أحدًا] (١) أنسَقَ (٢) للحديث من الزهري.
وقال الأوزاعي: ما دَاهنَ (٣) ابن شهاب مَلِكًا من الملوك
_________________
(١) ليست بالأصل وأثبتها من مصادر الترجمة/ ترجمة الزهري ٩٨ والتمهيد ٦/ ١٠٣ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٤ وشرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ١٦٦.
(٢) كذا جاء لفظ الرواية عند ابن عبد البر والذهبي وابن رجب، ثلاثتهم من طريق موسى بن إسماعيل المِنْقَري التبُوذَكِي/ التمهيد ٦/ ١٠٣ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٥ وشرح العلل ١/ ١٦٦، وجاءت عند ابن عساكر من طريق التبُوذَكي نفسه بلفظ "أسند"/ ترجمة الزهري/ ٩٨ وتقدَّم أن معنى "أسند" أكثرُ رفْعًا للحديث، بينما "أنسق" تعود لتَحِّري إيراد المتن بسوقه الذي تلقاه به وجَوْدة القراءة، كما قال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت أحدًا أحسن سَوْقًا للحديث إذا حدث من الزهري/ الترجمة/ ٩٤، وقد تقدم توجيه ذلك بتعدد قول عَمرو فيه، وذِكْر روايات أخرى عنه من غير طريق التبُوذَكي/ ص ٥١٦ - ٥١٨ ت، وقال ابن حبان: إنه كان أحسن أهل زمانه سَوْقًا لِمتون الأخبار/ الثقات ٥/ ٣٤٩.
(٣) كذا في التمهيد ٦/ ١٠٣ والذي في تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤١٠ والمعرفة والتاريخ للفَسَوِي ١/ ٦٣٩ وفي ترجمة الزهري/ ١٦١ "ادَّهن. لِمَلِك" وكلِّ من "داهن" و"ادهن" يطلقان مجازًا بمعنى: لَايَن وصانَع/ أساس البلاغة/ مادة "دهن"/ ٢٠٠. وهذه الشهادة المطلقة من الإِمام الأوزاعي تلميذ الزهري ومعاصره، تَردُّ قول القِلَّة من القُدامى والمُحْدَثِين الذين انتقدوا الزهري تصريحًا أو تلميحًا، بصحبته لأمراء وخلفاء الأمويين، والسيْرِ في رِكابهم، وتولي بعض الوظائف العامة والخاصة تحت إمرتهم. فمع توثيق مكحول له وثنائِه عليه، نجده يقول عنه "أَيُّ رجُل هو، لولا أنه أَفْسد نفسَهُ بصحبة الملوك/ المعرفة والتاريخ ١/ ٦٤٢ وترجمة الزهري/ ١٦٠ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٩.
[ ١ / ٥٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال رجُل ليحيى بن معين: الأعمش مثل الزهري؟ فقال: برِئْتُ من الأعمش أن يكون مثلَ الزهري، الزهري يرى العَرض والإِجازة -يعني يُجيز التحمل للحديث بهما ثم الأداء- وكان يَعمل لبني أُمية، وذكر الأعمش فمدَحَه، فقال: فقيرُ صبور، مُجانِبٌ السُلْطان / معرفة علوم الحديث للحاكم/ ٥٤. وقال عمر بن رُدَيْح: كنت مع ابن شهاب الزهري نَمشِي، فرآني عَمْرو بن عُبَيد، فَلَقِينَي بعدُ، فقال: مالَكَ ولمِنْدِيل الأمراء؟ يعني ابن شهاب/ ترجمة الزهري/ ١٦٢. وسيأتي في تعليقي على بقية ترجمة الزهري نقد أبي حازم سلمة بن دينار له بنحو هذا أيضًا، وانظر تفصيله في ترجمة سلمة من الحلية لأبي نعيم ٣/ ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٣٧، ٢٤٦ - ٢٤٩. وممن انتقد الزهري حديثًا المستشرق "جولد تسيهر" وأشياعه؛ فذكروا أن الزهريَّ ارتضى الانضمام لحاشية أمراء بني أمية، وخاصة صديقه عبد الملك بن مروان، كما تولى منصب القضاء لبعضهم، وبذلك أثَّروا عليه، فغض الطرف عن مفاسدهم، واستغلُّوه في وضع بعض الأحاديث على الرسول -ﷺ-/ انظر السنة ومكانتها في التشريع للدكتور مصطفى السباعي - فصل "السنة مع المستشرقين"/ ٢٩٨ - ٣٠٢، ٣٠٦ - ٣١٠، ٣١٢، ٣١٣، ٣٢٠، ٣٢٧ - ٣٢٩. وقد تصدى الدكتور السباعي -﵀- للرد على ذلك ودحضه جملة وتفصيلًا/ المصدر السابق/ ٣٠٦، ٣١٠، ٣١٢، ٣١٣ - ٣٣٠. وتعتبر شهادة الأوزاعي جوابًا جامعًا أيضًا؛ لأن ما وجهه هؤلاء وأولئك، وأمثالُهم من انتقادات للزهري، تعود في جملتها إلى مبدأ المُدَاهَنة والمُلَاينة لهؤلاء الحكام، وهذا ما نفاه الأوزاعي تمامًا عن الزهري، ويؤيد ذلك ما ثبت للزهري من مواقفَ مشهودة مع أكثرَ مِنْ خليفة وأمير أُموي على امتداد صلته بهم، ومخالطته لهم. فمن ذلك موقفه مع الوليد بن عبد الملك، حين قال له: ما حديث يحدثُنا به أهل
[ ١ / ٥٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الشام؟ قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: يحدثُونَنَا أن الله إذا استرعى عَبْدًا رَعيَّته كتب له الحسنات، ولم يكتبْ له السيئات، قال الزهري: باطل يا أمير المؤمنين ثم بين له وجه بطلانه، بمعارضته لقوله تعالى لداود ﵇: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ / الآية ٢٦ من سورة ص، قال الزهري: فهذا وعَيدٌ يا أمير المؤمنين لنَبِيٍّ خليفة، فما ظنُّكَ بخليفة غيرِ نَبِي؟ قال الوليد: إن الناس لَيُغوُونَنا عن ديننا/ العقد الفريد لابن عبد ربه ١/ ٦٠ والسنة ومكانتها في التشريع/ ٣٢٠. أما هِشام بن عبد الملك؛ فمن مواقف الزهري معه، أن هشامًا قرأ قولَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية. إلى قوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ / سورة النور آية ١١. ثم قال لسليمان بن يَسار: من الذي تَولى كِبرَهُ منهم؟ فقال له: عبد الله بن أبَيِّ بن سلول، فقال له: كذبْتَ، هو علي بن أبي طالب، قال سليمان: أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل ابن شهاب، فقال (هِشام): يا ابن شهاب، من الذي تَولى كِبرَه منهم؟ فقال له: عبد الله بن أُبَيِّ (بن سلول المنافق)، فقال له: كذبْتَ، هو علي بن أبي طالب، فقال له: أنا أكذِبُ؟ لا أبا لَك، فوالله لو نادَى منادٍ من السماء؛ إن الله أحَلَّ الكذِبَ ما كَذبْتُ؛ حدثني عروة بن الزبير، وسعيدُ بن المسيِّب وعبيد الله بن عبد الله وعَلْقمة بن وقاص؛ كُلُّهم عن عائشة: أن الذي تَولَّى كِبَرهَ منهم: عبد الله بن أُبَيِّ، فلم يَزَل القوم يُغْروُن به، فقال له هشام: ارحل، فوالله ما كان ينبغي لنا أن نَحْمِل عن مثلك، فقال له ابن شهاب: ولِمَ ذاك؟ أنا ما أغتصبتُك على نفسي، أو أنت اغتصبْتَني على نَفسيِ، فَخَلِّ عني، فقال له: لا، ولكنك استدَنت ألْفَي ألْف، فقال: قد علمتَ، وأبوكَ قبلكَ، أنِّي ما استدنتُ هذا المال عليك، ولا على أَبيك، فقال هشام: إنا إنْ نُهيِّج الشيخ، يَهِمُّ الشيخ، فأمر فقضى عنه من دينه ألفَ ألف، =
[ ١ / ٥٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فأُخبِر بذلك، فقال: الحمد لله الذي هذا هو من عنده/ ترجمة الزهري/ ١٦٢، ١٦٣ وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٣٩، ٣٤٥ والدر المنثور للسيوطي ٥/ ٣٢، ٣٣، وفتح الباري ٨/ ٤٤٠، ٤٤١ ط مصطفى الحلبي. وقد أخرج البخاري رواية الزهري عن عائشة أن الذي تولى كِبرَه عبد الله بن أُبَيِّ، وذلك في أثناء حديث - كتاب المغازي - باب حديث الإِفك ٨/ ٤٣٦، ١٣٧ وكتاب التفسير - سورة النور، باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ١٠/ ٦٨، ٧٨ البخاري مع الفتح ط مصطفى الحلبي. وأخرج البخاري وأبو نعيم من طريقين مختلفين عن الزهري: أن هذا الموقف كان له مع الوليد بن عبد الملك، وفي روايتهما اختصار، وزيادة؛ فلم يذكرا تكذيب الوليد للزهري، بل سمع جوابه وسكت عليه، وفي رواية البخاري زيادة عن عاثشة بلفظ: إن عليا -﵁- كان مُسَلِّمًا في شأنها/ البخاري - كتاب المغازي حديث الإِفْك ٨/ ٤٤٠، ٤٤١ مع الفتح ط مصطفى الحلبي، وحلية الأولياء ٣/ ٣٦٩، وفي رواية للبخاري وغيره "مسيئًا" بدل "مسَلِّمًا"، وذلك لقوله للرسول -ﷺ- لما استشاره في الأمر: لم يُضَيِّق اللهُ عليك، والنساء سِواها كثير، ونحو ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وكأن بعض منَ لا خَيْر فيه من الناصبة، تَقرَّب إلى بني أُميةَ بهذه الكِذْبة -يعني كون الذي تَولى كِبرهُ هو علي -﵁- فَحرَّفوا قول عائشة إلى غير وجهه لِعلْمِهم بانحرافهم عن علي، فظنوا صِحتها، حتى بَيَّن الزهري للوليد أن الحق خلاف ذلك، فجزاه الله تعالى خيرًا/ فتح الباري ٨/ ٤١١، وعزا السيوطي رواية البخاري السابقة إلى ابن المُنذِر والطبراني والبيهقي في الدلائل وابن مَرْدَوْيه/ الدر المنثور ٥/ ٣٢. وساق ابن حجر رواية ابن مَرْدَويْه: أن الزهري قال: كُنت عِند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي وهو يقرأ سورة النور -مُستلقِيًا- فلما بلغ هذه الآية: =
[ ١ / ٥٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ جَلَس، ثم قال: يا أبا بَكْرة من تولى كِبرَه منهم؟ أليس علي بن أبي طالب؟ قال: فقلتُ في نفسي، ماذا أقول؟ لئن قلت: لا، لقد خَشيتُ أن ألْقيَ منه شَرًّا، ولئن قلتُ: نَعم، لقد جئتُ بأمر عظيم، قلتُ في نَفسي، لقد عَوَّدني الله على الصدق خَيرًا، قلت: لا، قال: فضرَبَ بقَضيبه على السرير ثم قال: فَمَن فَمَن؟، حتى ردَّد ذلك مِرارًا، قلت: لكن عَبدَ الله بن أُبَيَّ/ الفتح ٨/ ٤٤٠، ٤٤١. ويفهم من كلام ابن حجر أن هذا الموقف تعدد من الزهري، مرةً مع الوليد، ومرةً مع هشام/ الفتح ٨/ ٤٤١، وعليه يتضح امتداد صمود الزهري، وثباتُه على الحق مهما توالى الأمراء على خِلافِه. وعندما جعل هشامٌ وَلدَه أبا شاكر أَميرًا على الحج، وأمر الزهري بصحبته في ذلك، ذهب معه، وصار يُوجِّهه خلال الرحلة إلى أَعمال الخير العامة، حيث أشار عليه بأن يَصْنع إِلى أَهل المدينةِ خيرًا، وحضَّه على ذلك، فاستجاب أبو شاكر وأقام بالمدينة المنورة نصف شهر، وقسم الخُمس على أهل الديوان، وفعل أمورًا حَسَنة/ الطبقات الكبرى لابن سعد/ القسم المحقق/ ١٦٤. وكان الزهري في أول أمْرِه عندما يُحدِّث لا يترك أحدًا يكتب بين يديه ما يُحدِّث به، تفضيلًا منه لحفظ الصدر، فَلما طلب منه هشام أن يكتب بنفسه بعض مروياته لأبناء هشام، امتنع، وطلب إليه أن يُرسل كاتبًا من عنده، يَحضُر مجلسَ تحديث الزهري لعامة طلابه فيكتب لهم ما يُحدِّث به، فأرسل هشام كاتبًا، وقيل كاتبين، ومكثا سنةً يكتبان عنه/ حلية الأولياء ٣/ ٣٦١ ترجمة الزهري ٨٧، ٨٨ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٣ والمعرفة والتاريخ ١/ ٦٣٢. ولما طلب هشام أيضًا منه إِملاء الحديث على أَولاده، أملى عليهم أربعمائة =
[ ١ / ٥٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حديث، وكتبها لهم عنه كاتب، فلما خرج الزهري من عند هشام دخل المسجد، فاستند إلى عمود من عُمُدِه، ثم نادى: يا طَلبة الحديث، فلما اجتمعوا إليه قال: إني كنت منعتكم أمرًا بذلْتُه لأمير المؤمنين آنفًا، هَلُمُّ فاكتبوا، قال: فكتب عنه الناس من يَومئذ/ ترجمة الزهري ٩٠، ٩١. وجاء عنه في ذلك أيضًا أنه قال: كنا نَكْره الكِتاب، حتى أكرهَنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأيت أن لا أمنعه مُسْلِمًا/ طبقات ابن سعد/ القسم المحقق ١٦٩ والمعرفة والتاريخ ١/ ٦٤١، وترجمة الزهري ٦٢/ ٩٣ وحلية الأولياء ٣/ ٣٦٣، وفي رواية قال: كنا لا نَرى الكتابَ شيئًا، فأَكرَهَتْنا عليه الأمراء، فأحْبَبْنا أن نُواسِيَ بين الناس/ المعرفة والتاربخ ١/ ٦٣٣، فأين هذا من تحريف "جولد تسيهر" بأن عبارة الزهري: "إن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة أحاديث"؟، وهل مثل هذه المواقف تدل على أن الزهري كان مستعدًا لتحقيق رغبات الحكام في ذلك كما زعم هذا المستشرق وأمثاله؟ / انظر السنة ومكانتها في التشريع/ ٣٠٠. أما ما رواه يعقوب الفسوي قال: حدثني سعيد بن عُفَيرنا حفص بن عمران بن (الرسام) عن السري بن يحيى عن ابن شهاب أن عبد الملك بن مروان قال له: يا بن شهاب، أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل ابن أبي طالب؟ قلت: نعم، قال: هَلُمَّ، فقمت من وراء الناس، حتى أتيت خلف القُبة -أي التي كان يجلس فيها عبد الملك- وحَوَّل وجهه فأحنى عليَّ، فقال: ما كان؟ قال: فقلت: لم يُرْفَعْ حجر في بيت المقدس إلا وُجِد تحته دم، قال: فقال: لم يبق أحدٌ يعلم هذا غيري وغيرك، فلا يُسْمَعَنَّ منك. قال: فما تحدثتُ به حتى تُوفي/ المعرفة والتاريخ ١/ ٦٢٩، ٦٣٠ وترجمة الزهري/ ٣٤، ٣٥، وبالتأمل في هذه الرواية نجد أن في سندها حفص بن عمران وقد قال عنه الذهبي: انه لا يعرفه، وأقره الحافظ ابن حجر؛ مع أن الحاكم رَوَى عنه في المستدرك/ انظر لسان الميزان ٢/ ٣٣٠ ويمكن حَمْلُ استجابة الزهري لطلب عبد الملك في الكِتمان، على أنه كان يرى في اذاعة ذلك احياءًا لإثارة الفتن والاختلاف على أمير اجتمع عليه أمر المسلمين، وفي هذا من المفسدة ما لا يوازيه كتمانُ هذا الخبر كُلِّيَّةً أو إلى حين، =
[ ١ / ٥٣٨ ]
-قط- إذا دَخَل عليه، ولا أدْرَكَتْ خلافةُ هِشام أحدًا من التابعين أَفقهَ منه.
وقال ابراهيم بن [سعد] (١) عن أبيه: ما جَمع
_________________
(١) = بدليل أنه لم يستمر على الكتمان، بل رواه فيما بعد ذلك عند رؤيته أَمْنَ المفسدة، ووصل إلينا كما ترى. على أن هناك رواية أخرى بسند رجالُه ثقات، رواها ابن سعد فقال: أخبرنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن معمر قال: أولُ ما عُرِف الزهري، أنه كان في مجلس عبد الملك بن مروان، فسألهم عبد الملك، فقال: من منكم يعلم ما صنَعَتْ أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين؟ قال: فلم يكن عند أحد منهم من ذلك علم، فقال الزهري: بلغني أنه لم يُقْلَبْ منها يومَئذ حجر إلا وُجِد تحته دمُ عَبيط، قال: فَعُرِف -أي الزهري- من يومئذ/ الطبقات/ القسم المحقق/ ١٦٣، وهذه الرواية تفيد أن السؤال كان عما حدث يوم مقتل الحسين بن علي، لا يوم مقتل علي، كما تفيد أن الزهري روى الخبر على مسامع الحاضرين جميعًا، فعُرِف به، ولم يَطْلُب إليه عبدُ الملك كتمانَه. وعلى هذا فليس علي هذا الموقف على أي من الروايتين مطعن في الزهري كما ترى. ولذا فإن الذهبي لما ذكر قول مكحول السابق: إن الزهري أفسد نفسه بصحبة الملوك، تعقبه بقوله: قلت: بعضُ من لا يُعْتَد به لم يأخذ عن الزهري؛ لكونه كان مُداخلًا للخلفاء، ولئن فعل ذلك فهو الثَبْت الحجة، وأين مثل الزهري ﵀؟ / سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٣٩.
(٢) بالأصل (ربيعة) والتصويب من المصادر/ طبقات ابن سعد - القسم المحقق/ ١٦٦، ١٦٧ وترجمة الزهري لابن عساكر/ ١٠٩، ١١٠ والتمهيد ٦/ ١٥٥ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٥ وتهذيب الكمال ١/ ٥٤، وهو: ابراهيم بن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، القرشي، الزهري، أبو إسحاق، وَالِد يعقوب بن إبراهيم، قال ابن حجر: ثقة حجة، تُكُلِّم فيه بلا قادح/ تقريب التهذيب ١/ ٣٥ ترجمة ٢٠٢. =
[ ١ / ٥٣٩ ]
أحد (١) بعد رسول الله -ﷺ- ما جمع ابن شهاب. وفي رواية: ما وَعَى (٢).
قال أبو عمر: كان من علماء التابعين، وفقهائهم، مُقدَّمًا (٣) في الحفظ والإِتقان والرواية، والاتساع، إمامًا جليلًا من أئمة الدين.
وقد وقع في ترجمته من غرائب الجَرْح ما أنا ذاكِرُه:
_________________
(١) كذا في التمهيد ٦/ ١٠٥ وفي الطبقات لابن سعد/ القسم المحقق/ ١٦٧ وعند ابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ١١٠ بلفظ (ما أرى أحدًا) وفي السير للذهبي ٥/ ٣٣٥: (ما رؤي أحد) والمراد بقوله: (بعد رسول الله -ﷺ-) أي بعد عصره ﵊. وقد جاء عن الزهري نفسه، وعن تلميذيه: عراك بن مالك، والليث بن سعد ما يوضح معنى تلك الرواية والتي بعدها؛ بأنه قد تتلمذ على أئمة عصره في الفقه والقرآن والحديث والسيرة والتاريخ والأنساب، فجمع علمهم إلى علمه، فصار أعلمهم وصار إذا تحدث في علم من ذلك يرى سامعه أنه لا يُحسن إلا هو، من قوة إلمامه به/ ترجمة الزهري/ ٦٦، ١٠٦، ١٤٤، ١٤٦. وحلية الأولياء ٣/ ٣٦١، والتمهيد ٦/ ١٠٨.
(٢) ذكر هذه الرواية من طريق ابراهيم بن سعد أيضًا عن أبيه، ابن عساكر، ولفظها عنده: (ما وعي العلم أحد بعد رسول الله -ﷺ- ما وعاه ابن شهاب) ترجمة الزهري/ ١١٠. وذكرها أيضًا من طريقه ابن عبد البر بلفظ: "ما وعي أحد من العلم بعد رسول الله -ﷺ- ما وعاه ابن شهاب) / التمهيد ٦/ ١٠٥.
(٣) في التمهيد: (مقدم) على الاستئناف، وكذا قوله: في بقية النص "إمامًا جليلًا" جاء في التمهيد: "إمام جَليل"/ التمهيد ٦/ ١٠١، ١٠٢.
[ ١ / ٥٤٠ ]
فذكر البَلْخِي (١) في كتابه، في مَعْرِفةِ الرِّجَال (٢):
_________________
(١) بفتح الباء الموحدة، وسكون اللام، وفي آخرها الخاء المعجمة، نسبة إلى بلد من بلاد خُراسانُ يقال لها بَلْح، وقد تكون نسبة إلى جد المنتسب إليه/ اللباب ١/ ١٧٢، والمراد بالبَلْخِي هنا: عبدُ الله بن أحمد بن محمود البَلْخي، أبو القاسم، الكَعْبي، من كبار المعتزلة، وصفهُ الذهبي بأنه كان داعية إلى الاعتزال، وقال ابن حَزْم: انتهت إليه رياستُهم، وقال جعفر المُسْتَغْفِري: إنه لا يستجيزُ الرواية عنه، وذكر أن عبد المؤمن بن خلف الواسطي كان يُكَفِّره، وذكر ابن النديم أنه نُسب إليه الطائفة البلخية، وقيل عُرِف أتباعُه باسم الكَعْبِية، وقال الاصطخري: ما رأيت أجْدَل منه، إما أبو حَيان التوحيدي فإنه أثنى على علمه ودرايته، فكان هذا مما يُطْعَن به على التوحيدي، وقد صنف البَلْخي كُتبًا كثيرة في علم الكلام، واعتمد عليها غَيرُه مِنْ بعدِه، كما صنف كتاب "قبول الأخبار ومعرفة الرجال" الذي نَقل عنه المؤلف هنا، كما سَيجِيء، وذكر المستَغْفري أنه ولد سنة ٢٧٣ هـ وتُوفِي سنة ٣١٩ هـ/ لسان الميزان لابن حجر ٣/ ٢٥٥، ٢٥٦، وتاريخ بغداد ٩/ ٣٨٤ وتاريخ التراث العربي للدكتور فؤاد سزكين ٢/ ٤٠٧، ٤٠٨ ط المصرية.
(٢) اسم الكتاب كما في صفحة عنوانه "قَبول الأخبار ومعرفة الرجال" وتوجد منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم ١٤ مصطلح م، تقع في ١١٠ ورقة من القطع الصغير، وباطَّلاعي عليها وجدتُها نسخة قيمة إلا أن الصفحة الأولى من المقدمة تآكَل أسفلُها فذهب منه ثلاثة سطور، كما تقطع السطر العلوي من عدة أوراق منها في الأثناء، بسبب التجليد، وأحسن وصف رأيته لمضمون الكتاب إجمالًا ما جاء في لسان الميزان/ الموضع السابق، وانظر فهرس مصطلح الحديث بدار الكتب المصرية/ ٢٧٣ ومما جاء عن هذا الكتاب في اللسان: أنه اشتمل على الغضِّ من أكابر المحدثين، وتتبَّع مثالبَهم، سواء كان ذلك عن صحة أم لا، وسواء كان ذلك قادحًا أم غير قادح/ اللسان ٣/ ٢٥٥، ولذا فإنه كان الأولى بالمؤلف عدم ذكر ما أورده البَلْخِي هذا في شأن الزهري بعد أن استفاض لديه توثيق جمهور النقاد له، واتفاقهم على ذلك ومن بينهم من نقل البَلْخِيُّ عنهم وهذا ما سلكه غير المؤلف ممن ترجم للزهري، فلم أجد من عَرَّج على ما ذكر البلْخي =
[ ١ / ٥٤١ ]
قال يحيى (١): [مرسَل] (٢) الزهري ليس بشيء (٣)، وقال ابن المَدِيني:
_________________
(١) = من طَعن في عدالة الزهري، كما لم أجد من شارك المؤلف في النقل عن كتاب البَلْخي في ترجمة الزهري، وهذا هو الأولى، بعد أن عُرِفَ تعصب مؤلفه ضد المحدِّثين والرواة، ثم إن الشارح لم يُعْن بتعقب ما أورده البَلْخي بالحواب عنه، منعًا لرواجه على غير الخبر، بل اكتفى بقولته المجملة: "إن هذا من غرائب الجرح" وهذا لا يكفي في تقديري، وسأحاول الجواب بإيجاز عما نقله المؤلف، ليتضح الحق ويبرأ الزهري من هذا التجريح، إن شاء الله ويبقى ثقة كما شهد له الجمهور بذلك.
(٢) هو ابنَ معين كما في المراسيل لابن أبي حاتم/ ٣ وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ١٥٩، وشرح العلل لابن رجب ١/ ٢٨٤.
(٣) بالأصل "وقد سئل عن" وما أثبته من كتاب البلخي/ ص ٩٠ وتؤيده المصادر السابقة/ نفس المواضع المحال عليها.
(٤) ولا يعتبر هذا مَطْعنًا في الزهري، فقد ذكر غير واحد من النقاد أن الزهري وغيرَه من الحُفاظ قد يشيرون بالإرسال إلى ضعف الراوي الذي لم يُصرِّحوا به، فيكون ارسالهم بيانًا ضمنيًا لدرجة الحديث الذي يرسلونه. قال ابن رجب في السبب الرابع لتفاوت مراتب المرسل: الرابع: أن الحافظ إذا روى عن ثقة لا يكاد يترك اسمه؛ بل يُسَمِّيه، فإذا ترك اسم الراوي دل إبهامُه على أنه غير مَرْضي، وقد كان يفعل ذلك الثوري وغيره كثيرًا، يُكْنُون عن الضعيف ولا يُسمونه، بل يقولون: عن رَجُل، وهذا معنى قول القطان: "لو كان فيه إسنادُ لصاح به" يعني لو كان أخذه عن ثقة لسماه، وأعلن باسمه. وخرَّج البيهقي من طريق أبي قدامة السرخسي قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: مرسل الزهري شرُّ من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكُلّما يقدرُ أن يُسَمِّي سَمَّى، وانما يتركُ من لا يستجيز أن يُسميه/ شرح العلل ١/ ٢٨٤. وروى ابن أبي حاتم عن أحمد بن سِنان الواسطي قال: كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسالَ الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هوَ بمنزلةِ الريح، ويقول: هؤلاء =
[ ١ / ٥٤٢ ]
قال سفيان بن حبيب: ثنا أبو جَعفر الخَطمي (١): أن الزهري قتل
_________________
(١) = قوم حفاظ، كانوا إذا سمعوا الشيء عَلِقُوه/ المراسيل لابن أبي حاتم/ ٣ وشرح العلل ١/ ٢٨٢ وجامع التحصيل للعلائي/ ٣٣، وتقدم في الأصل وصف يحيى بن سعيد أيضًا للزهري وحده بذلك/ ص ٥١٤. وقد روى الشافعي حديث الزهري في الضحك في الصلاة مرسلًا، ثم رواه مسندًا من رواية الزهري عن سليمان بن أرقم -وهو متروك، كما في الكاشف ١/ ٣٩٠ - وقال الشافعي: فلم نَقْبل هذا؛ لأنه مُرسل/ الرسالة للشافعي/ ٢٠٢ ط. مصطفى الحلبي ثم قال: وابن شهاب عندنا إمام، ولكن ابن أرقم وَاهٍ / جامع التحصيل/ ٤١ وانظر الرسالة/ الموضع السابق، وقال أيضًا: يقولون إنَّا نُحابِي ولو حابينا أحدًا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري عندنا ليس بشيء، وذلكَ أنَّا نجدُه يَرْوِي عن سليمان بن أرقم/ جامع التحصيل/ ٤١ ومناقب الشافعي لابن أبي حاتم الرازي/ ٨٢ ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ١/ ٨٢. فنبه الشافعي على أن رَدَّ مُرسل الزهري لا يقدح في إمامته، وجَعل علة الرد راجعةً إلى ضعف من أسند الزهريُّ المرسلَ عنه. ومما يؤيد هذا ما ثبت عن عمر بن عبد العزيز من الحث على تلقي ما أسنده الزهري، حيث قال سليمان بن حبيب المحاربي: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما أتاك به الزهري بسنده فاشدُد يديك به/ تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤١١ ومن طريقه ابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ٩٩، ومن مسانيده أيضًا ما عده العلماء من أصح الأسانيد/ ترجمة الزهري من ابن عساكر/ ١٠١ ومعرفة علوم الحديث للحاكم - النوع الثامن عشر/ ٥٣ - ٥٥.
(٢) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة، وفي آخرها ميم، نسبة إلى بَطْن من الأنصار وهم بنو خَطْمة بن جُشم بن مالك/ اللباب ١/ ٤٥٣ وأبو جعفر هذا هو عُمير بن يزيد بن عُمير بن حبيب الأنصاري، أبو جعفر الخَطْمِي، ثقة/ الكاشف ٢/ ٣٥٣ وتهذيب التهذيب ٨/ ١٥١.
[ ١ / ٥٤٣ ]
رَجُلًا، فَحدَّثْتُ بذلك ابن عُيينة فقال: إِيْهًا (١)، تَولَّى السِّعَايةَ (٢) فَعزَّر (٣) رجُلًا فمات (٤)،
_________________
(١) كذا الأصل، والذي في كتاب البلخي "إنما"/ ص ٩٠، والمعنى يستقيم على كل منهما؛ فأبقيت ما في الأصل، وهو بكسر الهمزة ونصب الهاء منونةً، وتطلق هذه اللفظةُ ويراد بها الأمر بالكف عن الشيء والسكوت عنه، ويُراد بها التصديق والرضا بالشيء/ اللسان مادة "أيَه" ١٧/ ٣٦٦، ٣٦٧ وهَدْي الساري ١/ ١١٠ ط مصطفى الحلبي، وذكْر العبارة هنا في معرض الجرح يدل على أن المراد بها، هو تصديق سفيان للقائل.
(٢) في كتاب البَلْخِي/ ٩٠ "ولي السِّعَاية" والسعاية لها معان، والمراد بها هنا العمل في جمع الزكاة، وأخذها من الأغنياء وتوزيعها في الفقراء، وبه سُمي عامل الزكاة: الساعي/ اللسان لابن منظور - مادة سعى ١٩/ ١٠٨، ١٠٩ وقد ذكر الزهري نفسُه تَولِّيه هذا العمل وإعدادَه له عُدَّته، وذلك فيما أخرجه ابن عبد البر بسنده عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشُون قال: سمعت ابن شهاب يقول: ما كتبت شيئًا قط يعني من الأحاديث -ولقد وَليتُ الصدقة، فأَتيتُ سالَم بن عبد الله، فأخْرَجَ إليَّ كتاب الصدقة فقرأه عليَّ فحفظتُه، وأتيتُ إلى أبي بكر بن حزم فقرأ عليَّ كتابَ العُقول فحفظتُه/ التمهيد ٦/ ١٠٨، ١٠٩. وهذا يفيد عنايته بتأهيل نفسه بالإلمام بالأحكام الشرعية المطلوبة لتلك الوظيفة، والالتزام في عمله بذلك.
(٣) "عَزّر" من العَزْر والتعزير، وأصله التأديب والمنع، والمراد به هنا الضرب دون الحد الشرعي، وذلك لمنع الجاني من المعاودة، ورَدْعِه عن المعصية/ اللسان مادة "عزر" ٦/ ٢٣٧ والتعريفات للجرجاني/ ٣٤ ط تونس.
(٤) ما قدمته عن حرص الزهري على معرفة الأحكام الشرعية المطلوبة في تلك الوظيفة يدل على التزامه بمراعاتها، وبالتالي لا يتجاوزها عن قَصد، وعليه فموت هذا الرجل، إن ثبت حدُوثه، لا يُطعَن به في الزهري، لعدم ثبوت قصده لذلك، ثم إن ابن عبد البر قد حكى عن ابن معين نسبةَ هذه الواقعة إلى =
[ ١ / ٥٤٤ ]
قال: ولم يَرْو لعَلِيّ [فضيلةٌ] (١) قَط.
_________________
(١) = الزهري أيضًا، وعدَّ ابن عبد البر ذلك مما أُنكِر على ابن معين/ جامع بيان العلم - باب حُكْم قول العلماء بَعضِهم في بعض ٢/ ١٩٦، فينسحب الإنكار على غير ابن معين أيضًا.
(٢) بالأصل "حديثًا" وما أثبته من كتاب البَلْخي/ ٩٥، وعلى كُلِّ فهذا الأمر يَردُّه الواقع. فبالنسبة للرواية، نجد الزهري روى كثيرًا من أحاديث الإمام علي -﵁-، وأخرجها عنه أصحابُ دواوين السُّنةِ الأصلية المشهورة/ انظر مثلًا تحفة الأشراف للمزي/ ٨ الأحاديث ذات الأرقام ١٠١٧٩، ١٠٢٤٦، ١٠٢٦٣، ١٠٣٣٢؛ بل قرر النسائي أن من أحسن الأسانيد: الزهري عن علي بن حسين، عن حسين بن علي، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله -ﷺ-/ ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ١٠١، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أصح الأسانيد كلها: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي/ معرفة علوم الحديث للحاكم - النوع الثامن عشر/ ص ٥٣. وبالنسبة للفضائل، فمما رواه الزهري في فضل علي -﵁- ما أخرجه النسائي قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى عن الحارث بن مسكين - قراءة عليه وأنا أسمع، واللفظ له، عن ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخُدري قال: بينما نحن عند رسول الله -ﷺ- وهو يَقْسِم قَسْمًا، أتاه ذو الخُوْيصِرة -وهو رجلُ من تميم- فقال: يا رسول الله، اعدل؛ فقال رسول الله -ﷺ- ومن يعدل إذا لم أعْدِل؟ لقد خِبتُ وخسرتُ إن لم أعْدِل، قال عمر: ائذن لي فيه، أضرب عنقه، قال دَعْه، فإن له أصحابًا يَحقِر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامَه مع صيامه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مُروق السهم من الرميَّة (الحديث) وفيه: آيتُهم رجلٌ أسود، إحدى عَضُدَيْه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تَدردَر، يخرجون، على خير فرقة من الناس، قال أبو سعيد: فأشْهَدُ أني سمعت من رسول الله -ﷺ- وأشهدُ أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قاتلهم وأنا معه، =
[ ١ / ٥٤٥ ]
وكان مروانيًّا (١) وحَدَّث الوليدَ بنَ عَبدِ [الملك] (٢) عن قَبيصة بنِ
_________________
(١) = فأمَر بذلك الرجل فالتُمِس فَوُجِد، فَأُتي به حتى نظرتُ إليه على النعت الذي نعت به رسولُ الله -ﷺ-/ وقد أخرج النسائي الحديث في كتاب خصائص علي -﵁-، من سننه الكبرى، وبَوَّب عليه بقوله: ذكر ما خُص به أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، من قتال المارقين"/ الخصائص المطبوع/ ٧٨، ٧٩، أقول: ودلالة الحديث على فضيلة علي -﵁- ومنقَبتُه واضحة. وروى أبو زرعة الدمشقي في تاريخه قال: حدثني الحكم بن نافع قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: كان علي بن الحسين من أفضل أهل بيته وأفقَهِهم، وأحسنهم طاعة، وأحبهم إلى مروان بن الحكم، وابنِه عبد الملك ١/ ٤١٣، فهذا أيضًا من ثنائه الواضح على ذرية علي -﵁-.
(٢) لعل المراد بذلك أنه كان يميل إلى بني مروان بن الحكم من الأموين، وقد تقدم أنه لازم عبدَ الملك وبعضَ أولاده، وقد عُرِف أبناءُ مروان وذريته بالمروانيِّين، كما جاء على لسان عمر بن عبد العزيز وهو في الخلافة حيث قال يومًا لحاجبه: لا يدخلن عليَّ اليوم إلا مروانيّ، فلما اجتمعوا عنده حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا بني مروان، إنكم قد أُعطيتم حَظًا وشرفًا وأموالًا، إني لأحسب شطر أموال هذه الأمة أو ثلثه في أيديكم، فسكتوا / الحلية ٥/ ٢٧٣ وفي الأنساب المتفقة لابن القيسراني: المرواني منسوب إلى مروان بن الحكم/ ١٤٨.
(٣) بالأصل "عبد الله" وما أثبته من كتاب البَلْخي/ ص ٩٠ والمعنى: حدَّث الزهريُّ الوليدَ بالحديث الآتي فقال: عن قَبِيصة إلخ، ويؤيد ذلك رواية الحديث الآتية، قريبًا. والوليد بن عبد الملك، هو الخليفة الأموي، ولي الخلافة بعهد من أبيه، وذلك في شوال سنة ٨٦ هـ، ومع اتصافه بالجور والتَجَبر، فإنه أقام الجهاد، وفُتِحَتْ في خلافته الفتوحات العديدة، وعُمِلَتْ الإِصلاحات الكبيرة، وتوفي في نصف جمادى الآخرة سنة ٩٦ هـ/ تاريخ الخلفاء للسيوطي/ ٣٥٥ - ٣٥٧.
[ ١ / ٥٤٦ ]
ذُؤَيب (١) عن المغيرة بن شعبة/ أنه قال: إن النبي -ﷺ- قال: لا تُناشِدوا الخُلفاء [بالله] (٢).
فبلغ ذلك سعيدَ بنِ المُسَيِّب، فقال ما نَرغَبُ عن ذكره (٣). ثم
_________________
(١) ابن حَلْحَلَة الخزاعي، المدني، أبو سعيد، ويقال أبو إسحاق، وُلد عام الفتح، وروى عن جماعة منهم المغيرة بن شعبة، وروى عنه جماعة، منهم الزهري، وكان قبيصة على خاتم عبد الملك بن مروان، وآثر الناس عنده - وهو الذي أدخل الزهري على عبد الملك ليروي له حديث عمر بن الخطاب في حكم أمهات الأولاد، وذلك في سنة ٨٢ هـ، فحدثه به، وقد أُعجِب عبد الملك بعلمه، وقال له: ما مات رجل ترك مثلك، وأمر أن يكون من صحابته الملازمين لمجلسه/ ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ١٢ - ٣٦، ٦٦ - ٧٢. وكان قبيصة عالمًا ثقة، ويقال إنه رأى النبي -ﷺ-، وتُوفي في خلافة عبد الملك بن مروان، مع خلاف في سنة وفاته ما بين ٨٦ - ٩٦ هـ/ تهذيب التهذيب ٨/ ٣٤٦ - ٣٤٧ والكاشف ٢/ ٣٩٦.
(٢) ليست بالأصل وأثبتُها من كتاب البَلْخي/ ص ٩٠، وليست أيضًا في رواية الحديث الآتي تخريجها، والتناشُد من النشيد وهورفع الصوت، ويقال للسائل والطالب والمُستحلِفِ: نَاشِدٌ، لرفع صوته عادة بذلك، ومعنى "لا تُناشِدُوا الخلفاء بالله"، أي لا تسألوهم أو تطلبوا إليهم، بالله، أو لا تقسموا عليهم، أو تستحلفوهم به/ اللسان ٤/ ٤٣١، ٤٣٢، والنهاية مادة "نشد" فيهما وهدي الساري ١/ ٢١٤ ط مصطفى الحلبي.
(٣) قوله: "فقال ما نرغب عن ذكره" من كلام المؤلف كَنى بها عن العبارة التي ذكر البلخي أنَّ ابنَ المُسيِّب قالها عن الزهري، ونَصُّها في كتاب البَلْخي أن ابن المُسيِّب قال: "عَلَى ابن شهاب لعنةُ الله"، أما سمع أخا خُزاعة" إلخ/ ص ٩٠، وإني أستغفر الله من حكايتها، وإن كان في كتب الجرح والتعديل ما يماثلها من حكايات الخصوم والطاعنين التي تصور مدى جَرْأتهم وتجاوزهم الحد في الجَرح. ثُم إن في ذكر نص العبارة منعًا لذهن السامع من أن يذهب في تقدير ما أبهمه المؤلف من قول ابن المسيِّب لأبعد وأكثر من هذا، والله المستعان وهو من وراء القصد.
[ ١ / ٥٤٧ ]
قال: أمَا سَمِعَ أخا خُزاعةَ (١) يقول:
يا ربِّ (٢) إني ناشِدٌ (٣) محمدًا؟!
_________________
(١) هو عمرو بن سالم بن حصين بن سالم بن كلثوم الخزاعي، رجح ابن حجر كونه صحابيًا/ الإِصابة ٤/ ٦٣٠ - ٦٣٢، والشطر الآتي في الأصل هو مطلع قصيدة خاطب بها عمرو رسول الله -ﷺ- مُسْتَنْصِرًا به، وقيل: إن القائل عَمرو بنُ كُلثوم الخزاعي، وجَمع الحافظ ابنُ حجر بين القولَين بأنه يُحتمل أن يكون هذا هو الأول منسوبًا إلى جده الأعلا/ الإِصابة/ الموضع السابق، وجرى في الفتح على أنه عمرو بن سالم/ كتاب المغازي - باب فتح مكة ٩/ ٦٠، ٦١ ط مصطفى الحلبي، وهكذا ذكر الواقدي في المغازي ٢/ ٧٨٨، ٧٨٩ وابن هشام في السيرة/ قسم ٢/ ٣٩٤ وابن عبد البر في الاستيعاب ٣/ ١١٧٥. ومناسبة البيت مع بقية القصيدة، أنه لما عقد الرسول -ﷺ- صُلحَ الحديبية المعروف مع قريش، كان من شروط الصلح وضعُ الحرب بين الفريقين عشرُ سنوات، وأن من أراد الدخول في عهد أي من الطرفين دخل فيه، فدخلَتْ خُزاعة في عهد رسول الله -ﷺ-، ودخلت قبيلة بني بكر في عهد قريش، ثم حدث أن نقضت قريش العهد وساعدت بني بكر على قتال خزاعة والنيل منهم، فركب عمرو بن سالم مع وفد من خزاعة إلى المدينة، ووقف عمرو بالمسجد عند رسول الله -ﷺ-، وقال القصيدة التي مطلعها هذا البيت، مُستنصرًا بها رسول الله -ﷺ-، على قريش وبني بكر، فأجابه الرسول -ﷺ- بقوله: نُصرْتَ يا عمرو بن سالم، وكان ذلك من أسباب وجوب فتح مكة في العام الثامن للهجرة/ المغازي للواقدي ٢/ ٧٨٠ - ٧٩١ والسيرة لابن هشام/ قسم ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٥ والإصابة ٤/ ٦٣٠ - ٦٣٢.
(٢) كذا في السيرة لابن هشام/ القسم الثامن/ ٣٩٤ والاستيعاب لابن عبد البر ٣/ ١١٧٥ وفي المغازي للواقدي ٢/ ٧٨٩ والإِصابة ٤/ ٦٣١: (اللهم). والشطر الثاني للبيت: حِلفَ أبينا وأبيه الأتْلَدا/ الإِصابة ٤/ ٦٣١.
(٣) والمعنى: أني طالب من محمد -ﷺ- النصرة بمقتضى الحِلْف المبرم بيننا من قبل، كما صرح به عمرو نفسه حيث قال: جئت بسرح مستنصرًا من مكة إلى المدينة/ الإِصابة ٤/ ٦٣١ وانظر المغازي للواقدي ٢/ ٧٨٨، ٧٨٩.
[ ١ / ٥٤٨ ]
قال ابن المسيب: فيناشَد النبي، ولا يناشَد الوليد [بن عبد الملك] (١)؟! وقَدِم على عمر بن عبد العزيز فأخرجه من عَسكره،
_________________
(١) ليست بالأصل وأثبتها من كتاب البَلخي/ ص ٩٠ ولم أجدها في رواية الحديث التي وقفت عليها، فقد أخرجه أبو بكر محمد بن الحسن بن دُريد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال: حدثني أبو عبد الرحمن المُذحجي قال: حدثنا معاوية الصِّدفي قال: قلت لسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: إن ابن شهاب الزهري حدث الوليد بن عبد الملك عن قبيصة بن ذؤيب عن المغيرة بن شعبة أن النبي -ﷺ- قال: لا ينبغي للخليفة أن يُناشَد، فذكرت ذلك لسعد، فقال: على ابن شهاب لعنة الله وعلى قبيصة لعنة الله، وعلى الوليد لعنة الله، أما سمع قول الخزاعي: يارب إني ناشِدٌ محمدًا.؟ فيناشَد رسول الله -ﷺ- ولا يناشَد الوليد؟! / المجتنى لابن دريد/ ٢٩، ٣٠. أقول: ولم أجد من أخرج هذا الحديث غير ابن دُريد، وقوله: "فذكرتُ ذلك لسعد" لعله تحرف عن (سعيد) يعني ابن المسيب، كما جاء عند البلخي، ويَبعُد أن يُراد به (سعد بن إبراهيم) المذكور قبل ذلك، لأنه هو الذي وجه الصِّدفي إليه الحديث من أوله. وهذا الحديث في سنده "الحسن" شيخ ابن دريد، وأبو عبد الرحمن المُذحِجي، لم أقف لهما على ترجمة، وفيه ثلاثة ضعفاء وهم:
(٢) ابن دُريد الذي أخرجه فهو محمد بن الحسن بن دُريد، إمام في الأدب الحافظ له، ولكن ضعفه غير واحد من جهة عدالته، قال مَسلمةُ بن قاسم: لم يكن ثقة عند جميعهم، وكان خليعًا/ انظر لسان الميزان ٥/ ١٣٢ - ١٣٤.
(٣) معاوية بن يحيى الصِّدفَي: ضعفه الجمهور من جهة حفظه، وقال الساجي: ضعيف الحديث جدًّا، وكان اشترى كتابًا للزهري من السوق، فروى عن الزهري/ تهذيب التهذيب ١٠/ ٢١٩، ٢٢٠. أقول: ولم يُصرح في روايته هذه بما يدل على اتصال روايته عن الزهري، فيحتمل انقطاعها.
(٤) يعقوب بن محمد الزهري: ضعفه الأكثرون من جهة حفظه/ تهذيب
[ ١ / ٥٤٩ ]
من أجل هذا الحديث، وَمِنْ نَقصِه (١) عليًّا.
قال ابن المديني: سمعت يحيى (٢) يقول: حديث يحيى بن أَبي كَثِير، أحسن من حديث الزهري (٣).
_________________
(١) = التهذيب ١١/ ٣٩١ - ٣٩٧، فالحديث بهذا الإِسناد ضعيف جدًّا على الأقل؛ وبالتالي لا يُعتَد بما في آخره من القدح في الزهري ومَن ذُكِر معه، وأكرر الاستغفار من حكايته.
(٢) في البلخي ص ٩٠ ولِتَنقُّصِه عليًا، وقال بعده: "وكان عُمر كافًا عنه" وقد تقدم في الأصل وفي التعليق عليه بالهامش، ثناءُ عمر بن عبد العزيز على الزهري ثناء بالغًا، وروايته عنه، وحَثُّه رواة الحديث على الأخذ عنه، ورواية الزهري لمناقب علي، ومعارضته لهشام بن عبد الملك في أن عليًا -﵁- هو المراد في آية: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ كل ذلك وغيره مما لم نُرِد الإطالة بذكره، يدْفَع تلك الفِرية ويبطلُها.
(٣) هو ابن سعيد القطان/ انظر ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ١٣٤ وشرح العلل لابن رجب ١/ ١٦٧ وتهذيب التهذيب ١١/ ٢٦٨، ٢٦٩.
(٤) كذا النص في كتاب البلخي ص ٩٠ والذي في المصادر السابقة، أن القائل هو شعبة، ويحيى القطان راو عنه ذلك فقط، ففي شرح العلل: وذكر ابن المديني أنه سمع يحيى بن سعيد يقول: قال شعبة: حديث يحيى بن أبي كثير أحسن من حديث الزهري، وروى عبد الرحمن بن الحكم بن بَشير قال: كان شعبة يقدم يحيى بن أبي كثير على الزهري/ شرح العلل ١/ ١٦٧ وفي تهذيب التهذيب: وقال القطان: سمعت شعبة يقول: يحيى أحسن حديثًا من الزهري/ ١١/ ٢٦٨، ٢٦٩، ومما يؤيد أن الصواب نسبة القول لشعبة، ما جاء في ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر، فقد روى بسنده عن ابن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يذكر عن شعبة قال: يحيى بن أبي كثير أحسن حديثًا من الزهري قال: وقال علي: ما لِشُعبة وحديث الزهري؟ لو لقي شعبة الزهري؟! ما رأيت مثل الزهري في زمانه، ولو قُلت في غير زمانه، لو كان رجل =
[ ١ / ٥٥٠ ]
وسمعْتُ شيخنا الحافظَ، أبا الفتح، محمدَ بنَ عَلي القُشَيري (١) يقول: ذُكِر للزهري: أن رجلًا -يعني سلمَةَ بن دينار-[أبو حازم] (٢) يروي عن سهل بن سعد، فقال: عن أبي حازم هذا:
_________________
(١) = يريد أن يضع الحديث، (ما) كان يحسن أن يجيء به أحسن مما كان يجيء به الزهري/ ترجمة الزهري ١٣٤، فنلاحظ أن ابن المديني وهو الراوي لهذا القول، قد وجّه تعقبه عليه لشعبة لا ليحيى القطان، فهذا يدل على أن القائل شعبة، ويحيى راو عنه فقط، وهذا التعقب من ابن المديني كاف في الرد على قول شعبة هذا بتقديم ابن أبي كثير على الزهري، لا سيما أن ابن أبي كثير أحد تلامذة الزهري، ويمكن أن يضاف لذلك أيضًا، أن قول شعبة - لو سلمنا به، فإنه يعتبر من المفاضلة بين الثقات، وهو لا يعد طعنًا في أي واحد من المُفاضَل بينهم، وإنما يؤخذ به في ترجيح رواية بعضهم على بعض عند التعارض، وعدم إمكان الجمع، وفي ذلك يقول الإمام أحمد: يحيى -يعني ابن أبي كثير، من أثبت الناس، إنما يُعَد مع الزهري، ويحيى بن سعيد، وإذا خالفه الزهري، فالقول قول يحيى/ تهذيب التهذيب ١١/ ٢٦٩، ويؤيد ذلك أيضًا أن الحافظ ابن رجب ذكر كُلًّا من الزهري وابن أبي كثير ضمن الحفاظ المُتْقِنين المحتج بهم بالاتفاق، وإن كان لهم خطأ نادر أو قليل، وذكر في ترجمتيهما: المفاضلةُ بينهما من شعبة كما هنا، ومن غيره، دون أن يعتبر ذلك مَطْعنًا في أي منهما/ انظر شرح العلل ١/ ١٥٨ - ١٦٨.
(٢) هو المعروف بابن دقيق العيد، تقدم التعريف به ص ٣٤٥ ت.
(٣) ليست بالأصل، وأثبتها من مصادر الترجمة ليتضح بذكرها بقية الكلام التالي، وقد لُقب أبو حازم هذا بالقاص، لأنه كان يَعظُ الناس ويذَكِّرهُم بمسجد المدينة المنورة، كما وُصِف بأنه كان كثير الحديث، ووثقه كافة العلماء، رَوى عن سهل بن سعد الساعدي، وأيي أمامة بن سهل بن حُنَيف وغيرِهما، ورَوَى عنه الزهري والسفيانان، وغيرهم وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل أربعين، وقيل غير ذلك، وقد حَدَثت بينه وبين الزهري مواقف أنتجَت جفوة بينهما، وتَكلم كل منهما في الآخر، كما يظهر من العبارة التي حكاها المؤلف عن شيخه =
[ ١ / ٥٥١ ]
لا أعرفه، فَذُكِر ذلك لأبي حازم، فقال (١).
_________________
(١) = ابن دقيق العيد، وسأذكر في التعليق التالي على تلك العبارة ما يقتضيه المقام بإذن الله، وانظر/ الكاشف ١/ ٣٨٣، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٤٣، ١٤٤ والثقات لابن حبان ٤/ ٣١٦ وحلية الأولياء لأبي نعيم ٣/ ٢٢٩ وما بعدها. ومن كلام الزهري في أبي حازم أنه مرَّ عليه فسمعه يقول: قال رسول الله -ﷺ- فقال: ما لي أرى أحاديث ليس لها خُطُم ولا أزِمَّة/ الحلية ٣/ ٣٦٥، يعني ليس لها سند؛ لكن ابن حبان ذكر أن الزهري روى عن أبي حازم مع توثيقه على الإبهام، فقال: حدثني من أرضى، عن سهل بن سعد/ الإحسان - الاغتسال ٢/ ٢٤٤.
(٢) هكذا جاءت العبارة في الأصل، ومن الواضح أنه ساقط منها جواب أبي حازم، ويمكن الاستدلال عليه مما جاء في الحلية، فقد قال أبو حازم للزهري في أحد المواقف بينهما: أما إني لو كنتُ غَنِيًا عَرَفْتَني/ الحلية لأبي نعيم ٣/ ٢٣٤. وعمومًا فإن هذه العبارة التي حكاها المؤلف عن شيخه ابن دقيق العيد، أصلُها في ترجمة أبي حازم في الحلية، مع بقية مواقفه من الزهري. ومقصودُ المؤلف بالعبارة ذِكر بعض غرائب الجَرح الموجه للزهري، ويتضح ذلك بما خلاصته: أن أبا حازم هذا كان جارًا للزهري بالمدينة المنورة، ولكنهما اختلفا في الرأي والمَسْلَك، مما أدى إلى وقوع جفوة بينهما، وتَكلُّم كل منهما في الآخر كما قدمت، فأبو حازم جاء عنه التصريح بأن بني أمية مغتصبين للخلافة، وأنه لا يجوز للعلماء أصلًا الدخول في بطانة ولاة الأمور، ولا طلب أعطياتهم أو قبول صِلاتهم، معللًا ذلك بخشية وقوع العلماء في مخالفات شرعية، منها: مجاراة وُلاة الأمر في باطلهم، والرضا بظلمهم للرعية، والتماس الرُّخَص لهم، وغير ذلك مما سيأتي في كلامه. أما الزهري فإن علاقته بأمراء الأموين دلت على أنه كان مُقِرًا بالخلافة لمن تولاها منهم، وأنه يرى جواز الانضمام لبطانة ولاة الأمر وطلب العطاء، والصلة منهم عند الحاجة، وتَولي الوظائف منهم، طالما أن ذلك كله ليس فيه وقوع العاِلم فعلًا فيما عَلل به أبو حازم المنع، وهو عمل المخالفات الشرعية، فالفرق بينهما أَخْذُ أبي حازم بمبدأ الورع، وأَخْذُ الزهري بالجائز، مع عدم الوقوع فِي المحظور، =
[ ١ / ٥٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وكلاهما مسلكان جائزان. ولذا نجد الزهري لمَّا نشأ ووجد نفسه فقيرًا معدَمًا والمدينة كلها في مجاعة عامة، سافر من المدينة إلى الشام طلبًا للرزق، فلما سنحت له الفرصة بالدخول على عبد الملك بن مروان ليروي له حديثًا كان يحتاجه، دخل عليه، وروى له الحديث، ثم تطرق من ذلك إلى شكاية حاجته، وطلب أن يفرض له حقه في العطاء الدائم من بيت مال المسلمين أسوة ببقية أهل بيته من قُريش، كما طلب سداد دين كان عليه، وخادمًا لحاجة أسْرتِه إليه، فاستجاب عبد الملك لذلك كله، وزاد عليه، وخرج قبيصة بن ذُؤيب -أمينُ سِرِّ عبد الملك- فقال للزهري: إن أمير المؤمنين قد أَمر أن تُثْبَت في صحابته، وأن يُجرَى عليك رزقُ الصحابة، وأن تُرفع فريضتك إلى أرفع منها، فالزم باب أمير المؤمنين، .. قال الزهري: ولزِمْت عسكر عبد الملك، وكنت أدخل عليه كثيرًا/ ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر ١٢ / - ٣٥، ٧١ والمعرفة والتاريخ للفَسَوِي ١/ ٦٢٦ - ٦٣٠ وطبقات ابن سعد - القسم المحقق / ١٥٧ - ١٦٢، قال الزهري: وتُوفي عبد الملك بنْ مروان، فلزمتُ الوليدَ بن عبد الملك حتى تُوفي، ثم سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويزيدَ بن عبد الملك، قال الراوي للخبر: فاستقضى يزيدُ بنُ عبد الملك على قضائه الزهري وسليمانَ بنَ حبيب المحاربي، جميعًا - قال (الزهري): ثم لزمتُ هشام بن عبد الملك/ طبقات ابن سعد/ الموضع السابق، وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر ٧١، ٧٢. وفي أيام سليمان بن عبد الملك بَدتْ مظاهر الجفوة بين الزهري وبين أبي حازم، حتى أحس الزهري بأن في كلام أبي حازم تعريضًا به، وشَتْمًا له، فقد أرسل سليمان بن عبد الملك، الزهري إلى أبي حازم بالمدينة يطلب منه الحضور إلى الشام ليكون في صحبة سليمان، فقال له الزهري: أَجِب الأمير، فقال: ما لي إليه حاجة، فإن كان له حاجة فَلْيأتِني/ الثقات لابن حبان ٤/ ٣١٦. وروى أبو نعيم بسنده عن يحيى بن أبي كثير أن سليمان بن عبد الملك دخل المدينة المنورة حاجًّا، وبصحبته الزهري، فسأل سليمان: هل بالمدينة رجل أَدرك =
[ ١ / ٥٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عِدة من الصحابة؟ قالوا: أبو حازم، فأرسل إليه، فأتاه، فلما جاء عاتبةُ سليمان على عدم مجيئه إليه بنفسه، مع أن وجوه الناس أَتوه، وعَدَّ ذلك جفاءً منه، فقال له أبو حازم: ما عَرفْتَني قبل هذا، ولا أنا رأيتُك، فأي جفاء رأيتَ مني؟ فالتفت سليمان إلى الزهري، فقال: أصاب الشيخ وأخطأت أنا، وطلب من سليمان الموعظة، فوعظه موعظة علا منها نَحيبُه واشتد بكاؤه، ثم قال له: يا أبا حازم، هل لك أن تصحَبنا وتصيبَ مِنَا ونُصيبَ منك؟ قال: كلا، قال: ولِمَ؟ قال: إني أخاف أنْ أَرْكن إليكم شيئًا قليلا، فيذيقني الله ضِعفَ الممات، ثم لا يكون لي منه نصير، ثم قال له: يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أَوْتعفيني يا أمير المؤمنين، قال: بل نصيحة تُلقيها إليَّ، قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر، فأخذوه عَنْوة بالسيف، من غير مشورة ولا اجتماع من الناس، وقد قتلوا فيه مَقْتلةً عظيمة، وارتحلوا، فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم، فقال رجل من جلسائه: بئسما قلْتَ، قال أبو حازم: كَذَبْتَ، إن الله تعالى أخذ على العلماء الميثاق لَيبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه، وفي آخر اللقاء قال سليمان: يا أبا حازم، هذه مائة دينار، أَنفِقْها، ولك عندي أمثالها كثير، فرمى بها، وقال: والله ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي؟ ثم قال له: فإن كانت هذه المائة دينار عِوَضًا عما حدَّثْتُك به فالميتة والدمُ ولحم الخنزير -في حال الاضطرار- أحلُّ منه، وإن كان من مال المسلمين فلي فيها شركاء ونظراء، إن وازيتهم، وإلا فلا حاجة لي فيها، إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهُدَى والتقى حيث كان أمراؤهم يأتون إلى علمائهم رغبة في علمهم، فلما نكسوا ونفسوا وسقطوا من عين الله تعالى وآمنوا بالجِبْتِ والطاغوت، كان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم ويشاركونهم في دنْيَاهم، وشَرَكوا معهم في قتلهم، قال ابن شهاب: يا أبا حازم إيَّايَ تعني؟ أَوْ بي تُعرِّض؟ قال: ما إياك اعتمدت، ولكنْ هو ما تسمع. قال سليمان: يا ابن شهاب، تَعْرِفه؟ قال: نعم، جاري منذ ثلاثين سنة، ما كَلَّمتُه كلمة قط، قال أبو حازم: إنك نسيتَ الله فنسيتني، ولو أحببتَ الله تعالى لأحْبَبتني، قال ابن شهاب: يا أبا حازم تَشْتُمني؟ قال سليمان: ما شَتَمَك، ولكن شَتَمتْك نفسك، أَما علمتَ أن للجار على الجار حقًا كحق القرابة؟ فلما ذهب أبو حازم، قال رجل من جلساء سليمان: =
[ ١ / ٥٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يا أمير المؤمنين، تُحب أن يكون الناس كلهم مثل أبي حازم؟ قال: لا،/ الحلية ٣/ ٢٣٤ - ٢٣٧. وأخرج أبو نعيم بسنده عن زمعة بن صالح قال: قال الزهري لسليمان: ألا تسأل أبا حازم ما قال في العلماء؟ قال: وما عَسَيْتُ أن أقول في العلماء إلا خيرًا، إني أدركت العلماء وقد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا، ولم يستغنِ أهلُ الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلما رأوا ذلك قدموا بعلمهم إلى أهل الدنيا، ولم يُنلْهم أهل الدنيا من دنياهم شيئًا، إن هذا -يعني الزهري- وأصحابَه ليسوا علماء، إنما هم رُواة، فقال الزهري: وإنه لجاري، وما علمت أن هذا عنده، قال: صدق، أَمَا إني لو كنتُ غنيًا عرفتني/ الحلية ٣/ ٢٣٣، ٢٣٤. وأخرج أبو نعيم بسند فيه مجهول، أن بعض الأمراء أرسل إلى أبي حازم، فأتاه وعنده الإفريقي والزهري وغيرهما، فقال أبو حازم: إن خير الأمراء من أحب العلماء، وإن شر العلماء من أحب الأمراء، وإنه كان فيما مضى، إذا بعث الأمراء الى العلماء لم يأتوهم، وإذا أعطوهم لم يقبلوا منهم، وإذا سألوهم لم يُرَخِّصوا لهم، وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم، فكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء، فلما رأى ذلك ناس من الناس، قالوا: ما لنا لا نطلب العلم حتى نكون مثل هؤلاء؟ فطلبوا العلم فأتوا الأمراء فحدثوهم، فَرَخَّصوا لهم، وأعطوهم فقبلوا منهم، فَجَرِئَتْ الأمراء على العلماء، وجَرِئَتْ العلماء على الأمراء/ الحلية ٣/ ٢٤٣، ٢٤٤. وروى أبو نعيم بسند فيه مقال، عن الذيال بن عباد قال: كتب أبو حازم الى الزهري وساق رسالة طويلة في أزيد من ثلاث صفحات، ومع أنه قال له فيها: لا تحسبن أني أردت توبيخك أو تَعْيِيرك وتَعنيفِك، ولكني أردت أن تُنْعِش ما فات من رأيك، وترد عليك ما عَزُب، عنك من حلمك، وشهد له فيها بغزارة العلم وجودة الفقه في الدين والفهم للسنة، مع هذا كله، فإنه وجه إليه عبارات قاسية، فقال: ولا تحسبَن الله راضيًا منك بالتعزير، ولا قابلًا منك التقصير، اعلم أن أدق ما ارتكبتَ، وأعظمَ ما احْتَقَبْت أن أَنِسْتَ للظالم، =
[ ١ / ٥٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وسهَّلْتَ له طريق الغَي بدُنُوِّكَ حين أُدْنِيت، وإجابتك حين دُعِيت، فما أخلقك أن تبوء (بإثمك) غدًا مع الجَرَمَة وأن تُسأل عما أردت بإغْضاءِك عن ظُلْم الظلَمة جعلوك قُطْبًا تدور رَحى باطلهم عليك، وجسرًا يعبرون بك إلى بلائهم، وسُلَّمًا الى ضلالتهم، وداعيًا إلى غَيِّهم، سالكًا سبيلهم، ما لَكَ لا تَنْتَبِه من نعستك، وتَستقِيل من عَثْرتِك فتقول: والله ما قمتُ لله مقامًا واحدًا أُحْيِي له فيه دينًا، ولا أُميتُ له فيه باطلًا أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغيرة؟ نحتسب عند الله مُصِيبَتَنا ونشكو اليه بَثَّنا وما نرى منك، ونحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته/ الحلية ٣/ ٢٤٦ - ٢٤٩. ويلاحظ جَلِيًا أن تلك الرسالة قد اشتملت على التجريح والنقد الموجَّهَيْن صراحة من أبي حازم للزهري، ولكنه قد جاء في سندها أن أحد رجال الإسناد وهو هارون بن حميد الدهكي قال: حدثنا الفضل بن عنبسة عن رجل قد سماه -أُراه عبد الحميد بن سليمان-/ الحلية ٣/ ٢٤٦، فيكون تحديد هذا الراوي غير مجزوم به، وهذا يجعل السند ضعيفًا، وعليه تكون الرسالة بهذا الإسناد ضعيفة، ولو قلنا إن في بقية الروايات السابقة ما يصلح شاهدًا مقويًا لها، فيحتج بمضمونها فإنه يمكن الجواب عن مضمونها ومضمون الشواهد المقوية لها، وذلك من غير وجه: أولًا: أن هذه الانتقادات الموجهة للزهري من أبي حازم يعارضُها تعديل الجمهور للزهري تعديلًا كاملًا مطلقًا، كما تقدم في كلام المؤلف ونقوله في الأصل، فيكون الراجح ما عليه الجمهور، وقول أبي حازم يعتبر مرجوحًا لا يُعوَّل عليه. ثانيًا: أن انتقاد أبي حازم للزهري متركز في صحبته للحكام الفاسدين في نظر أبي حازم، ومجاراتهم في مفاسدهم، وهذا مردود بما تقدم من شهادة الأوزاعي تلميذ الزهري ومعاصِرُه بأنه ما داهَن قط ملكًا دخل عليه، وبما تقدم من رده على هشام والوليد بشدة في قولهما: إن عليًا ﵁ هو المقصود بقوله تعالى: "والذي تولى كِبَره منهم له عذاب أليم". =
[ ١ / ٥٥٦ ]
وأبو الوليد المكي الذي رَوَى عن (١) الشافعي، اسمه: موسى، ويُعرفُ بالجارُودِي (٢) وكأنها نسبة إلى أبيه، فإنه ابن أبي الجارود (٣).
[قوله: بغائط]: (٤) والأصل في الغائط، المُطْمَئِنُّ (٥) من الأرض، كانوا يَنْتَابُونه (٦). لقضاء الحاجة، ثم كَنَوا به عن الخارج (٧).
_________________
(١) = ثالثًا: أنه طالما ثبت حدوث جَفوة وعَداء بين الجارح والمجروح، وأن الجرح صدر بناء على اختلاف في الاجتهاد، فلا يلزم المقولَ فيه ما قال الجارح، ولا يُقْبلُ الجَرح، وهذا متحقق بالنسبة لأبي حازم مع الزهري كما تقدم، فلا يقبل قول كل منهما في الآخر/ انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر - باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض ٢/ ١٨٥ - ٢٠٠ وقاعدة السبكي في الجرح والتعديل ٩ - ٣٠ ولسان الميزان ١/ ١٦ وقواعد في علوم الحديث للتهانَوِي/ ١٩٦، ١٩٧.
(٢) بالأصل "عنه" وما أثبته هو المطابق لما في ترجمة أبي الوليد، أنه روى عن الشافعي ﵁/ تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٣٩.
(٣) بفتح الجيم وضم الراء، وفي آخرها الدال المهملة- نِسْبة إلى الجارود، وهو اسم لبعض أجداد المنتَسِب إليه/ اللباب ١/ ٢٤٩ والأنساب المتفقة، لابن القيسراني/ ٢٨.
(٤) المكي الفقيه، روى عن ابن عيينة والشافعي والبُوَيْطِي وغيرهم، وروى عنه الترمذي، والربيع بن سليمان المرادي وغيرهما، وذكره ابن حبان في الثقات/ تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٣٩ واعتمد الذهبي توثيقه/ الكاشف ٣/ ١٨٢.
(٥) ليست بالأصل وأثبتها من عندي ليتضح السياق.
(٦) أي المنخفض/ لسان العرب/ مادة طمن ١٣٨/ ١٧.
(٧) أي يأتونه مرة بعد مرة/ لسان العرب/ مادة "نوب".
(٨) من قوله: "والأصل"، إلى هنا، هذه عبارة الخطابي مع تصرف يسير وتناقلها عنه شراح الحديث معزوة إليه، وفي بقيتها يقول: إن ذلك كراهية لذكره بخاص =
[ ١ / ٥٥٧ ]
"والشام": إقليم مشهور، يُذكَّر ويُؤنَّث، ويقال بالهمزة (١) وبغير همز (٢) وأما "شَأم" بفتح الهمزة (٣) فأباه أكثرهم، إلا في النّسب، وقيل سُميت الشام، بـ "سام" بن نوح، وذلك أنه أولُ من نَزَلَها (٤) فجُعِلَت "السين" شينًا لتغيير (٥) اللفظ الأعجمي، وقيل سُميت بذلك، لكثرة
_________________
(١) = اسمه، ومن عادات العرب التعفف في ألفاظها، واستعمال الكناية في كلامها، وصون الألسنة عما تُصان الأبصار والأسماع عنه/ معالم السنن مع مختصر سنن أبي داود ١/ ١٩ وانظر النهاية لابن الأثير/ مادة "غوط" ولسان العرب نفس المادة، وتحفة الأحوذي ١/ ٥٢ وعمدة القاري ٢/ ٢٥٨ كتاب الضوء - باب لا تُستَقْبَل القبلة بغائط/ ط مصطفى الحلبي، وشرح السنة للبغوي ١/ ٣٥٧.
(٢) مع سكونها/ معجم البلدان ٣/ ٣١١.
(٣) قال ياقوت: من غير الهمز: كذا يزعم اللغويون/ معجم البلدان ٣/ ٣١١.
(٤) مع المد/ انظر معجم البلدان ٣/ ٣١١ ومراصد الاطلاع ٢/ ٧٧٥ وذكر كلاهما أنها جاءت هكذا بهمزة ممدودة في شعر عربي قديم، وذكر ياقوت منه ثلاثة أمثلة، وأجاب صاحب المراصد بقوله: لعله لضرورة الشعر، وقال ياقوت: وما جاء من ضرورة الشعر فمحمول على أنه اقتصر من النسبة على ذكر البلد/ مُعجم البلدان ٣/ ٣١٢ وكذا في اللسان مادة "شأم".
(٥) نسب ياقوت هذا القول لبعض أهل الأثر وذكر منهم: الشرقي/ معجم البلدان ٣/ ٣١٢، وقد مشى على هذا مِنْ بَعْد ياقوت، صاحب مراصد الاطلاع ٢/ ٧٧٥، ولكن أبا عبيد البكري -وهو متقدم عنهما، وعليه اعتمد ياقوت كثيرًا- قد تعقب هذا القول، فقال: ولم يَدْخُلْها سام بن نوح قط، كما قال بعض الناس: إنه أول من اختطها، فَسُمِّيت به/ معجم ما استعجم لأبي عبيد البكري - بتحقيق الأستاذ مصطفى السقا ٣/ ٧٧٣.
(٦) بالأصل "تعبير" وما أثبته من معجم البلدان ٣/ ٣١٢.
[ ١ / ٥٥٨ ]
قُراها، وتَداني بَعْضِها من بعض، فشبهت بـ "الشامات" (١) وقيل: باب الكعبة مُستَقْبَل المطلع، فمن قابل طلوع الشمس، كانت اليمن عن يمينه، والشام عن يده الشُّومَى (٢) وقيل: هو مأخوذ من اليد الشُّومَى (٣) أو من الشُّؤْم (٤).
"والمراحيض" جَمع مِرْحاض، قال ابن سِيدَه: والمِرْحضَةُ، والمِرْحَاضُ: المغتَسَل، والمِرْحاض: موضع الخلاء، وهو منه، والمِرْحاض: خشبةُ يُضرَب بها الثوبُ إذا غُسِل، والرُّحضَاء: العَرق، والرُّحضاء: الحُمَّى بِعرَق (٥).
_________________
(١) جمع "شامَة" وهي الخال في الجسد/ لسان العرب مادة "شام" وذكر هذا القول ياقوت/ معجم البلدان ٣/ ٣١٢ وقال أبو عبيد البكري: قيل: إنه سُمي بشامات هناك حُمْر وسُود/ معجم ما استعجم ٣/ ٧٧٣.
(٢) أشار لهذا القول صاحب اللسان/ مادة "شأم" والحافظ ابن حجر في هدى الساري ١/ ١٥٦ ط مصطفى الحلبي، ولكن ياقوتًا تعقب هذا القول بأنه فاسد، لأن القِبْلةَ لا شامة لها ولا يَمين، لأنها مَقصِد من كل وجه، يَمْنَة لِقَوم، وشامة لآخرين/ معجم البلدان ٣/ ٣١٢.
(٣) أي اليُسرى/ معجم البلدان ٣/ ٣١٢.
(٤) معجم البلدان ٣/ ٣١٢، وقد علق ياقوت على الأقوال المذكورة بأنها حسنة، ما عدا القول بشأمة الكعبة، فعدَّهُ فاسدًا كما تقدم في التعليق السابق، وانظر معجم البلدان ٣/ ٣١٢.
(٥) المحكم ٣/ ٨٩ نهر/ ٢ ونحوه في اللسان عن الأزهري/ اللسان، مادة "رَحَض" وذكر الأزهري أيضًا وغيره ممن شرح الحديث، أن المراد بالمراحيض في هذا الحديث المواضع التي بنيت للغائط، أي مواضع الاغتسال/ اللسان مادة "رحض"، وانظر عارضة الأحوذي ١/ ٢٤ ومعالم السنن للخطابي ١/ ٢٠ وشرح السنة للبغوي ١/ ٣٥٩.
[ ١ / ٥٥٩ ]
وفي الحديث دليل على منع في استقبال القبلة واستدبارها، وقد اختلف العلماء في ذلك:
١ - فمنهم من منع ذلك مطلقًا، أخذًا بظاهر هذا الحديث، وبما رَوى مسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ- قال: إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدْبِرْها (١) وبما رَوى مسلم -أيضًا- من حديث سلمان الفارسي قال: أَجَلْ إنه نهانا أن يَسْتَنْجِي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة (٢). وبما رَوى الإمام أحمد، وابن ماجه، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء (٣) الزُّبَيدي (٤) -وهو آخر من مات من الصحابة بمصر (٥) - لا يبولَنَّ أحدكم مستقبِلَ القبلة (٦) وحديثَ معْقِل: أن
_________________
(١) صحيح مسلم كتاب الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٢٤ ح ٢٦٥.
(٢) بالأصل رواية الحديث هكذا "انتهانا أن نستقبل القبلة وأن يَسْتَنْجِي أحدُنا بيمينه" وما أثبته إحدى روايتي مسلم لحديث سلمان، والثانية لفظها: "أَجَلْ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين"، وبذلك نجد أن اللفظ الذي ذكره الشارح غير مطابق للفظ روايتي الحديث في مسلم، كما أن الصريح في الاستدلال للمسألة، الرواية الثانية التي لم يذكرها، مع أنها المذكورة أولًا في صحيح مسلم/ انظر مسلم كتاب الطهارة باب الاستطابة ١/ ٢٢٣، ٢٢٤ ح ٢٦٢ بروايتيه.
(٣) بفتح الجيم وسكون الزاي، بعدها همزة/ التقريب ١/ ٤٠٧.
(٤) بضم الزاي/ المصدر السابق.
(٥) وذلك سنة ست وثمانين، على الأصح/ تقريب التهذيب ٢/ ٤٠٧ والإصابة ٤/ ٤٦ ط النهضة.
(٦) تقدم تخريج الحديث، وبيان صحته ص ٤٥٢ ت.
[ ١ / ٥٦٠ ]
النبيﷺ- نهى أن نَستَقبِل القِبلَتين ببول أو غائط. وقد تقدمت الإشارة إلى هذه الأحاديث (١).
وإليه ذهب أبو أيوب (٢) وممن نَحَى هذا المنحَى: مُجاهد بن
_________________
(١) وتقدم تخريجُها ص ٤٥٣ ت وما بعدها.
(٢) فقد أخرج البيهقي عنه موقوفًا: لا تَستقبِلُوا القِبلَة لغائط ولا بول، ولا تَستدْبِرُوها/ سنن البيهقي - كتاب الطهارة - جِماع أبواب الاستطابة ١/ ٩١. وفي آخر حديثه في النهي العام عن الاستقبال والاستدبار للقبلة قال: فَقدِمْنا الشامَ، فوجدنا مراحيض بُنِيَتْ قِبَل القِبْلَة، فننحرف عنها ونستغفر الله تَعالى - البخاري - كتاب الصلاة - باب قِبْلة أَهل المدينة والشام ١/ ١٠٣ ومسلم - كتاب الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٢٤ ح ٥٩. والشافعي في اختلاف الحديث - باب استقبال القِبْلة للغائط والبول ٧/ ٢٦٩ بهامش كتاب الأم. ومن طريقه البيهقي في معرفة السُّنن والآثار - باب الاستطابة ١/ ٢٦٣. والبيهقي في السنن - كتاب الطهارة - جماع أبواب الاستطابة ١/ ٩١. وروى مالك بسنده عن رافع بن إسحق أنه سمع أبا أيوب الأنصاري -وهو بمصر- يقول: والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس؟ -يعني المراحيض- وقال رسول الله -ﷺ-: إذا ذهب أحدكم الغائط أو البول، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بِفَرْجه/ الموطأ -كتاب القِبلة- باب النهي عن استقبال القبلة والإنسان على حاجته/ ١٣٧ ح ١ ط الشعب. وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي عن مالك به/ معرفة السنن والآثار - باب الاستطابة ١/ ٢٦٤. وأخرجه النسائي من طريق مالك، به، لكن بدون ذكر الفَرْج - سنن النسائي =
[ ١ / ٥٦١ ]
جَبر (١)، وإبراهيم بن يزيد
_________________
(١) = الصغرى - كتاب الطهارة - باب النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة/ ٥ ط لاهور - وقال السيوطي: قوله: وهو بمصر، في رواية الصحيحين: فَقدِمْنا الشام، قال الشيخ ولي الدين العراقي في شرحِ أبي داود: ولا تَنافيَ بين الروايتين؟ فيمكن أنه وقع له هذا في البَلَديْن معًا، قَدِم كُلًّا منهما فَرأى مراحيضهما إلى القبلة/ التعليقات السلفية على سنن النسائي بهامشها/ ص ٥، وانظر في ذِكْر رأي أبي أيوب/ المحلى ١/ ٢٥٨ والتمهيد ١/ ٣٠٤ والمجموع للنووي ٢/ ٨١ وعمدة القاري ٢/ ٢٦١ وفح الباري ١/ ٢٥٦ ط مصطفى الحلبي.
(٢) بالأصل "جُبَيْر" مُصغر، مع ضبط الجيم بالضم، والصواب أنه مكبَّر كما أَثبتُّه من الخُلاصة/ ٣٦٩ والتقريب ٢/ ٢٢٩ وضَبَطه فيه بالحروف، فقال: بضم الجيم وإسكان المُوحَّدة. وقوله هذا أخرجه ابن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد، قال: كان يكره أن يستقبل القبلة ببول، ونقل المحقق عن نسخة أخرى "القِبْلتين" بدل "القبلة"/ مصنف ابن أبي سيبة - كتاب الطهارة - باب في استقبال القبلة بالغائط والبول ١/ ١٥٠ أصل وهامش. وعلى رواية "القبلتين" مشى ابنُ حَزم، فنسب إلى مجاهد أنه كان يَكرهُ أن يُستقبلَ القبلتان بالفروج. المُحلى - كتاب الطهارة مسألة ١٤٦ - ١/ ٢٥٩، ونَسب إليه ابن عبد البر القول بكراهة استدبار إحدى القبلتين أو استقبالها بغائط أو بول/ التمهيد ١/ ٣٠٥. ونسب النووي إليه القولَ بحرمة استقبال القبلة أو استدبارها مطلقًا/ المجموع ٢/ ٨١. ونَسب العَيْني إليه القولَ بعدم جواز ذلك/ عمدة القاري ٢/ ٢٦٠ ط مصطفى الحلبي.
[ ١ / ٥٦٢ ]
النَّخَعِي (١) وسفيان/ بنُ سعيد الثوري (٢) وأهل الكوفة (٣) وأبو ثَوْر (٤)
_________________
(١) أخرج ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير بن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يَكرهُون أن يستقبلوا بغائط أو بول، أو يستدبروها، ولكن عن يمينها أو يسارها/ مصنف ابن أبي شيبة - كتاب الطهارات - باب استقبال القبلة بالغائط أو البول ١/ ١٥٠، ١٥١. ونسب إليه ذلك ابن حَزْم/ المحلَّى ١/ ٢٥٨ والعيني/ عمدة القاري ٢/ ٢٦١ ط مصطفى الحلبي. ونسب إليه النووي القولَ بحرمة الاستقبال والاستدبار للقبلة/ المجموع ٢/ ٨١. ونسب إليه ابن عبد البر القولَ بكراهة استقبال أو استدبار إحدى القبلتين ببول أو غائط/ التمهيد ١/ ٣٠٥ وسيأتي ذكر المؤلف له على أنه قول مستقل في المسألة.
(٢) نسب إليه القول بعدم جواز ذلك ابن حزم/ المحلَّى ١/ ٢٥٨ والعيني/ عمدة القاري ٢/ ٢٦١ وابن قدامة/ المغْنِي ١/ ٢٦١ وابن عبد البر/ التمهيد ١/ ٣٠٩. ونسب إليه النووي القولَ بالحرمة/ المجموع ٢/ ٨١.
(٣) يعني أبا حنيفة ومن تبعه، وقد نسب ابن عبد البر والحازمي إلى الكوفيين القول بعدم الجواز/ التمهيد ١/ ٣٠٩ والاعتبار/ ٣٨، وكذا نسبه العيني وابن قدامة الى أبي حنيفة/ العمدة ٢/ ٢٦١، والمغني ١/ ١٦٢، ونسب إليه ابن حزم القولَ بالمنْع/ المُحلَّى ١/ ٢٥٩ ونسب النووي إليه القول بالحرمة/ المجموع ٢/ ٨١ وقال ابن حجر إنه المشهور عن أبي حنيفة/ فتح الباري ١/ ٢٥٩ ط مصطفى الحلبي.
(٤) هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان، الكَلْبي، البغدادي و"أبو ثور" لقبه، وهو صاحب الإمام الشافعي، وروى عنه وعن سفيان الثوري وغيرهما، وروى عنه مسلم =
[ ١ / ٥٦٣ ]
وأحمد - في إحدى الروايتين عنه (١) - وقالوا: إنما كان المنع لِحُرْمة
_________________
(١) = خارج الصحيح، وأبو داود وابن ماجه وغيرهم، وثقه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم، ووصفه ابن عبد البر بحسن النظر، مع شذوذه عن الجمهور بمخالفتهم في بعض الأراء، وعده ابن عبد البر أيضًا وغيره أنه من أئمة الفقهاء، وقال ابن السبكي: كان الفقه أغلبَ عليه من الحديث، وذكر الخطيب وغيره أنه كان أولًا يتفقه بالرأي، ويذهب إلى قول أهل العراق، حتى قَدِم الشافعيُّ بغداد فاختلف إليه، ورجع عن الرأي إلى الحديث، وتُوفي في صفر سنة ٢٤٠ هـ/ طبقات الشافعية لابن السبكي ٢/ ٧٤ - ٨٠ وتهذيب التهذيب ١/ ١١٨، ١١٩. وقد نسب إليه ابنُ حزم القولَ بعدم جواز استقبال القبلة أو استدبارها مطلقًا/ المحلى ١/ ٢٥٨ وكذا العَيْني/ عمدة القاري ٢/ ٢٦١ ط مصطفى الحلبي، وابن عبد البر/ التمهيد ١/ ٣٠٩، ونسب إليه النووي وابن حجر القول بحرمة ذلك/ المجموع ٢/ ٨١ وفتح الباري ١/ ٢٥٦.
(٢) نسب ابن عبد البر لأحمدَ القولَ بعدم الجواز/ التمهيد ١/ ٣٠٩ ومِنْ بَعْدِه الحازمي/ الاعتبار/ ٣٨ وكذا العيني/ العمدة ٢/ ٢٦١. وذكر ابن قدامة أن هذه إحدى الروايتين عن أحمد/ المُغْني ١/ ١٦٢، وذكر النووي أن القولَ بحرمة الاستقبال والاستدبار مطلقًا رواية عن أحمد/ المجموع ٢/ ٨١ وقال ابن حجر: إنه المشهور عن أحمد/ فتح الباري ١/ ٢٥٦؛ ولكن في الإفصاح لابن هُبَيْرَة ١/ ٧٦ أن الرواية الثانية هي المشهورة، وقال ابن قدامة إنها الصحيح، وهي أنه يجوز الاستقبال والاستدبار للقبلة في البنيان فقط دون القضاء/ المُغْني ١/ ١٦٢ وسيأتي في الأصل الإشارة لتلك الرواية، وممن اختار القول بالمنع ورجَّحه على غيره: ابنُ حزم، وابنُ العربي، والشوكاني، والمبارَكفُورِي، وأجابوا عما يُخالِف ذلك من الأقوال بما يَرونَه كافيًا في رَدِّها/ انظر المحلَّى ١/ ٢٥٨ - ٢٦٦ وعارضة الأحوذِي ١/ ٢٧ ونيل الأوطار ١/ ٩٤ - ٩٦، ١٠١ وتحفة الأحْوذِي ١/ ٥٨، ٥٩ / ولكن ستأتي إشارة المؤلف إلى ترجيح =
[ ١ / ٥٦٤ ]
القِبْلَة، وهذا المعنى موجود في البنيان والصحراء؛ ولأنه لو كان الحائلُ كافيًا، لجاز في الصحراء (١)، لأن بيننا وبين الكعبة جبالًا وأودية، وغير ذلك من أنواع الحائل (٢) وتَعلِيلُ ذلك باحترام الفِنَاء، ظاهر؛ لأنه معنى مناسب، وَرَد الحُكْم على وَفْقهِ فيكونُ عِلَّة لَهُ (٣).
وأقوى من هذا في التعليل بذلك (٤)، ما رُوي من حديث
_________________
(١) = الرأي الثالث مما أورده في الأصل، وهو المعتمد عند المحققين كما سيأتي ذكره في التعليق عليه. ومما ردُّوا به هذا القول بالمنع المطلق: أن فيه تعطيلًا لبعض الأحاديث الصالحة للحجةِ واسقاطًا لها، وهي أحاديث الترخيص الآتي ذكرها في الباب التالي لهذا، وما في معناها/ وانظر معالم السنن للخطابي ١/ ٢٠.
(٢) بالأصل "ولأن"، ولا يستقيم المعنى عليه، وما أثبته من شرح النووي لصحيح مسلم - كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٣/ ١٥٤ ط المطبعة المصرية، وفي المجموع للنووي أيضًا "فإن" ٢/ ٨١.
(٣) من قول المؤلف: وقالوا: إنما كان المنع إلى هنا، هو نص عبارة النووي في شرح مسلم/ الموضع السابق، ونص عبارته في المجموع أيضًا، مع تصرف يسير، ونحوه في عمدة القاري ٢/ ٢٦١ وذكر النووي: أن هذا هو التعليل الصحيح، كما حَكَى عن ثلاثة غيرِه من أئمة الشافعية: أنه هو المعتمد، وذكر أن الترخيص في البنيان لأجل المشقة، ويبقى عند انعدامها أيضًا، لأن الرخصة تَرِدُ لسبب ثم تَعُم كقصر الصلاة/ المجموع ٢/ ٨١، ٨٢.
(٤) من قول المؤلف: "وتعليل ذلك" إلى هنا، هو كلام شيخه ابن دقيق العيد، مع تصرف يسير جدًّا / انظر إحكام الأحكام لابن دقيق العيد، شرح عمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي ١/ ٥٣.
(٥) عبارة ابن دقيق العيد: "في الدلالة على هذا التعليل" / إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ١/ ٥٣.
[ ١ / ٥٦٥ ]
سُراقة بن مالك، عن رسول الله -ﷺ-: إِذا أتى أحدُكم البُراز فلْيكرِم قبلة الله -﷿-، ولا تستقبلوا القبلة (١).
وهذا ظاهر قوي في التعليل (٢).
_________________
(١) عزاه السيوطي إلى الطبري في تهذيبه، وإلى حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله، كلاهما عن سراقة بن مالك، وقال: ضُعِّف يعني الحديث/ الكنز - الطهارة - النهي عن استقبال القبلة في الخلاء ٩/ ٣٦١ ح ٢٦٤٦٤ (الأقوال) وعزاه أيضًا إلى عبد الرزاق، ولم يتكلم عنه/ الكنز - الطهارة/ من الأفعال ٩/ ٥١١ ح ٧٢٠١. وقال في نصب الراية: أخرجه أبو جعفر الطبري في تهذيب الآثار عن سماك بن الفضل عن (أبي) رِشدِين الجَنَدي عن سراقة بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-: إذا أتى أحدُكم الغائطَ فليكرم قبلة الله ﷿ فلا يستقبل القبلة، وأخرج (الطبري) أيضًا عن عمرو بن جميع عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -ﷺ- من جلس يبول قُبالة القبلة فذكر فتحرَّف عنها إجلالًا لها، لم يقم من مجلسه حتى يُغفَر له/ نصب الراية - الصلاة حديث ٩٩ جـ ٢/ ١٠٣. أقول: وفي سند الرواية الأولى أبو رِشْدِين، وهو زياد، أبو رشدين الجَنَدي، ذكره مسلم في الكني ١/ ٣٢٣، باب أبو رِشْدين، وبيض له ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل ٢/ ٥٥٠، فلعل السيوطي ضعف هذه الرواية لجهالة حال أبي رِشدين هذا، وأما الرواية الثانية ففي سندها عمرو بن جميع، وقد وصفه الدارقطني وجماعة: بأنه متروك، وقال البخاري فيه نظر: وقال ابن عدي: كان متهمًا بالوضع، وكذبه ابن معين/ انظر الميزان ٣/ ٢٥١ والكامل ٥/ ١٧٦٤، ١٧٦٥. وعليه فالحديث من طريقه موضوع أو شديد الضعف؛ لكن سيأتي التعليق بعد التالي ذكر رواية بمعناه، من حديث أبي هريرة، صالحة للاحتجاج، وكان الأولى ذكر المؤلف لها، لتظهر قوة هذا التعليل، وهو إكرام القبلة.
(٢) انظر المصدر السابق، وفيه بَعد: "في التعليل" زيادة: "لما ذكرنا".
[ ١ / ٥٦٦ ]
وحديث سُراقة هذا، ذكرِ ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عن حديث رواه أحمد بن ثابت، [فرْخُوَيه] (١) عن عبد الرزاق، عن مَعمر، عن سِمَاك [بن الفضل، عن أبي رشدين الجَنَدِي] (٢) عن سراقة [بن مالك عن النبي -ﷺ-: إذا أَتى أحدُكم الغائط فَلْيكرم قِبلة الله - ﷿- فلا يستقبل القبلة (الحديث)، قال أبي: إن ما يروونه موقوف، وأسنده عبد الرزاق بأخَرة] (٢).
_________________
(١) أثبتها من عند ابن أبي حاتم/ علل الحديث - كتاب الطهارة ١/ ٣٦ /، الجرح وِالتعديل له ٢/ ٥٤٤ وهو أحمد بن ثابت بن عَتْاب الرازي، المعروف بفَرخُويَه، روى عن عبد الرزاق وعمرو بن عثمان الرقي، وغيرهما، وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، ثم روى عن أبي العباس الطهراني قوله: كانوا لا يشكُّون أن فرخويَه كذاب/ الجرح والتعديل/ الموضع السابق، ولسان الميزان ١/ ١٤٣ وعليه فالحديث من طريق "فَرخُويَه" موضوع، وقد أخرجه الدارقطني بمعناه مع زيادة، وذلك من طريق مُبشر بن عبيد -بسنده- عن عائشة قالت: مر سراقة بن مالك المُدلِجي على رسول الله -ﷺ- فسأله عن التغوط، فأمره أن يتنكب القِبلة، ولا يستقبلها، ولا يستدبرها" (الحديث) ثم قال الدارقطني: لم يروه غير مبشر بن عبيد، وهو متروك الحديث/ سنن الدارقطني - كتاب الطهارة ١/ ٥٧٥٥٦، ح ١١، وقال ابن حجر: رماه أحمد بالوضع/ التقريب ٢/ ٢٢٨، وعليه فالحديث بهذا الإسناد، إما شديد الضعف وإما موضوع أيضًا لحال "مبشر" هذا والله أعلم.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، وأثبته من المصدر الذي أشار اليه المؤلف وهو علل الحديث لابن أبي حاتم - كتاب الطهارة ١/ ٣٧، ومن نصب الراية ٢/ ١٠٣، وقوله: بأخَرة، أي أخيرًا، كذا فسرها الرافعي، وضبطها بفتح الخاء المعجمة/ التدوين في أخبار قزوين للرافعي ١/ ١٢، وقال ابن حجر عن الحديث: أخرجه الدارمي، وغيره، وإسناده ضعيف/ التلخيص الحبير ١/ ١٠٥. =
[ ١ / ٥٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أقول: ولم أجده في مَظِنَّتهِ في سنن الدارمي. وكل من الرواية الموقوفة التي أشار ابن أبي حاتم إليها، والمسندة التي نسبها أيضًا لعبد الرزاق، قد أخرجهما الدارقطني في سننه، ومن طريقه البيهقي في المعرفة، وأخرج ابن أبي شيبة الموقوفة فقط؛ ولكن كل هذه الروايات ليست عن سراقة بن مالك، ولا عن عائشة، كالروايتين السابق ذكرهما، وإنما هذه الروايات جميعها من رواية سلمة بن وهرام عن طاوس، ومنها رواية موقوفة عليه، وثلاثة يرفعها هو للرسول -ﷺ- فتكون مرسلة لعدم ذكره الصحابي فيها، ومرفوعة لرفعها للرسول -ﷺ-. وقد رَوى المرسلة المرفوعة عبد الرزاق، ووكيع وعبد الله بن وهب، ثلاثتهم عن زَمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن طاوس عن النبي -ﷺ-، قال: إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله، فلا يستقبلْها ولا يستدبِرْها (الحديث). وأما الموقوفة فرواها سفيان بن عيينة عن سلمة بن وَهرام أنه سمع طاوسًا يقول: نحوه، ولم يرفعه. قال علي بن المديني: قلت لسفيان: أكان زمعة يرفعه؟ قال: نعم، فسألت سلمة عنه فلم يعرفه، يعني لم يرفعه/ سنن الدارقطني - الطهارة ١/ ٥٧ - أحاديث ١٢ - ١٥، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي - باب الاستطابة ١/ ٢٦٧، ٢٦٨، والمصنف لابن أبي شيبة - كتاب الطهارة - باب في استقبال القبلة بالغائط والبول ١/ ١٥١. ولعل هذا ما جعل أبا حاتم يُرجح كون الحديث موقوفًا، حيث قال: "إن ما يروونه موقوف، وأسنده عبد الرزاق بأخَرة، لكن يلاحظ مما تقدم أنه قد شارك عبد الرزاق في رفعه كل من: ابن وهب ووكيع، بل أشار الدارقطني إلى مشاركة غيرهم لهم في رفعه/ سنن الدارقطني ١/ ٥٧. أما الشافعي فقد أورد الحديث معلقًا موقوفًا على طاوس، ثم أعله بالإرسال، =
[ ١ / ٥٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فقال: فإن قيل: فقد روى سلمة بن وهرام عن طاوس: حق على كل مسلم أن يُكرم قبلة الله، أن يستقبلها لغائط أو بول، قيل له: هذا مرسل وأهل الحديث لا يثبتونه. ثم أجاب عنه من وجه آخر فقال: ولو ثبت، كان كحديث أبي أيوب، ثم قال: فإن كان قال طاووس: حق على كل مسلم أن يكرم قبلة الله أن يستقبلها، فإنما سمع -والله أعلم- حديث أبي أيوب عن النبي -ﷺ- فأنزل ذلك على إكرام القبلة، وهي أهل أن تُكرم/ اختلاف الحديث للشافعي، بهامش الأم ٧/ ٢٧١، ٢٧٢، ورواه البيهقي عنه في معرفة السنن والآثار، وأقره ١/ ٢٦٨. ويضاف لما قرره كل من أبي حاتم والشافعي بشأن هذا الحديث: أن مدار روايته المرفوعة، على زمعة بن صالح الجَنَدي، وقد ضعفه الأكثرون/ الكاشف ١/ ٣٢٥، والمغني ١/ ٢٤٠، كلاهما للذهبي، وتهذيب التهذيب ٣/ ٣٣٨، ٣٣٩، وتقريب التهذيب ١/ ٢٦٣، وقد أيده ابن العربي أيضًا بحديث آخر، فذكر أن النبي -ﷺ- علل المنع بحرمة القبلة ثم قال: فَرُوِي أنه -ﷺ- قال: من جلس لبول قُبالة القبلة فذكر فانحرف عنها إجلالًا لها لم يقم من مجلسه حتى يغفر له، أخرجه البزار العارضة ١/ ٢٥، ويلاحظ أنه لم يذكر سند الحديث ولا راويه ولا درجته. وقد أورده السيوطي بنحوه، وعزاه الى الطبري في تهذيب الآثار، عن الحسن مرسل، وعقب عليه بقوله: وفيه كذاب/ جمع الجوامع ١/ ٧٧٠ حرف الميم. وعليه فهذه الروايات لا تنهض وحدها للحجة؛ لكن أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعًا: "مَن لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كتبت له حسنة، ومحي عنه سيئة"، قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح إلّا شيخ الطبراني وشيخ شيخه، وهما ثقتان/ مجمع الزوائد ١/ ٢٠٦، وقرر الألباني تصحيحه/ انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/ ٨٨، ٨٩، ح ١٥٩٨ وصحيح الترغيب والترهيب ١/ ٦٣ ح ١٤٦، وقال السيوطي: حُسِّن/ الكنز ٩/ ٣٦٣.
[ ١ / ٥٦٩ ]
٢ - ومنهم مَن أجاز (١) ذلك مطلقًا في الصحراء، والبنيان.
واحتجوا بحديث ابن عمر الآتي في الباب بعد هذا (٢) وحديث جابر الآتي فيه أيضًا (٣) وقوله فيه: [فرأَيتُه] (٤) قبل أن يُقْبَضَ بعام، يستقبلها، وبحديث عائشة: لما بِلغ رسول الله -ﷺ- قولُ الناس في ذلك، أمر بِمقْعدتِه، فاستقبل بها القَبلِة (٥).
وَرأَوا هذه الأحاديث وما أشبهَها، ناسخةً للأحاديث المتقدمة (٦).
_________________
(١) بالأصل "اختار" ولا يستقيم المعنى عليه، وما أثبته من الصادر التي اعتمد عليها المؤلف، وإن لم يصرح بذلك، مع تطابُق أغلب عباراته لهم، كما قدمت في توثيق بعضها، وانظر عبارة "أجازه مطلقًا" في إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٢٣١ مع حاشية الصنعاني عليه.
(٢) يعني في متن الترمذي، وهو باب الرخصة في الاستقبال والاستدبار ص ٦٢٠.
(٣) ص ٦١٩.
(٤) ليست بالأصل، وأثبتها من روايات الحديث كما سيأتي في الأصل ص ٦١٩.
(٥) سيأتي تخريجُ الحديث في الباب التالي، حيث أشار الترمذي إليه فيه، وتكلم عنه الشارح ص ٦٥٧ وما بعدها.
(٦) ذكر هذا التوجيه الحازمي/ الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار للحازمي/ ٣٨، ٣٩، والشوكاني/ نيل الأوطار ١/ ٩٥، ٩٨، ١٠١ والتمهيد ١/ ٣١٠. وهذا أحَدُ توجيهين للقائِلينْ بالجواز المطلق، والتوجيه الثاني: أن منهم من قال: إن الأخبار في الباب جاءت مختلفة يعني بالجواز والمنع فيجب إيقافُها، وتَرْكُ الأشياء على الإباحةِ التي كانت، حكى ذلك ابنُ المُنذِر/ الاعتبار للحازمي/ ٣٨، وقال في التمهيد: قالوا: لما تعارضت الآثار في هذا الباب لم يجب العمل بشيء منها، لتَهاتُرِها، كالبَيِّنَتَينْ المتعارِضَتَينْ، قالوا: والأصل أن لا حَظْر، =
[ ١ / ٥٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إلَّا ما يَرِدُ به عن الله أو عن رسوله، مما لا مُعارِض له/ التمهيد ١/ ٣١١. ونحوه في الفتح باختصار/ فتح الباري ١/ ٢٥٦ ط الحلبي، وفي المجموع للنووي ٢/ ٨٢. لكن المُحققين من العلماء ردُّوا كِلَا هذين التوجيهين، وبالتالي يُرَدُّ هذا القولَ بالجواز المطلق. فابن عبد البر وابن دقيق العيد اعتبرا القول بنسخ النهي الوارد في حديث أبي أيوب، بحديث جابر ﵄ زَعْمًا/ التمهيد ١/ ٣١١ وإحكام الأحكام ١/ ٥١، ٥٢، وكذا ذكر العيني/ عمدة القاري ٢/ ٢٦٢ وعَدَّهُ ابن خزيمةَ تَوَهُّمًا/ صحيح ابن خزيمة ١/ ٣٤، وقال ابن حجر: والحق أنه (أي حديث جابر) ليس بناسخ لحديث النهي، خلافًا لمن زعمه. فتح الباري ١/ ٢٥٦، ط. الحلبي، وقال العيني: إن دعوى النسخ المذكور ليست بظاهرة، بل هو استدلال ضعيف؛ لأنه لا يُصارُ إليه إلا عند تعذر الجمع، وهو ممكن، كما سيجيء بيانُه إن شاء الله/ عمدة القاري ٢/ ٢٦٢، ٢٦٥، ونحوه في التمهيد ١/ ٣٠٧، ٣١٢، وذكر النووي: أن القول بالنسخ خطأ؛ لإمكان الجمع/ المجموع له ٢/ ٨٣. ثم إن ابن العربي نَفَى معارضةَ حديثِ جابر لحديث أبي أيوب لوجوه أربعة، منها: أن حديث جابر فِعْل، وحديث أبي أيوب قَوْلٌ، ولا معارضة بين القولِ والفِعْل/ عارضة الأحوذِي ١/ ٢٧، وأيَّدهُ ابنُ القَيِّم/ تهذيب سنن أبي داود له ١/ ٢٢ مع مختصر السنن للمنذري، والحافظ ابن حجر/ التلخيص الحبير ١/ ١٠٤، وقال الشوكاني: الأولى في الجواب عنه (أي عن حديث جابر) أنَّ فِعْلَه -ﷺ- لا يعارض القولَ الخاصِ بنَا، كما تقرر في الأصول/ نيل الأوطار ١/ ٩٥، ٩٦، ٩٩. وقال ابن قُدامة في المغني ١/ ١٦٢: إن حديث جابر يَحْتمِل أنه رآه في البنيان أو مستترًا بشيء، والنسخ لا يثبت بالاحتمال. وهناك من ردَّ المعارضة والنسخ بحديث جابر لتضعيفه، كابن حزم/ المُحلَّى =
[ ١ / ٥٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١/ ٢٦٥، وأحمد/ التمهيد ١/ ٣٠٩ وابن عبد البر/ المرجع السابق ١/ ٣١٢ وعُمدة القاري ٢/ ٢٦٢. ولكنه قد أُجِيبَ عن تضعيفه كما سيأتي في الباب التالي، وجُعِلَ الحديثُ بعد ثبوته، محمولًا على أن جابرًا رأى النبي -ﷺ- في بناء ونحوه؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله -ﷺ- لمبالغته في التستر/ التلخيص الحبير ١/ ١٠٤ وفتح الباري ١/ ٢٥٦ ط الحلبي وعمدة القاري ٢/ ٢٦٢ ط الحلبي، وبالتالي أُخِذَ بحديث جابر في جواز الاستقبال في البنيان مع أن لفظه عام. وأما النسخ بحديث ابن عمر فقال ابن العربي: هذا باطل، وعَلَّل ذلك بعدم توافر شروط الناسخ فيه/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٧، وقال ابن حزم، وغيرُه مِنْ بَعدِه: إنه ليس في الحديث بيانُ تأخره عن النهي/ المحلَّى ١/ ٢٦١ ونيل الأوطار ١/ ١٠٠، وحقق الحافظ ابن حجر وُرودَ بعضِ رواياته الصحيحة مقيدةً بأن ابن عمر رأى الرسول -ﷺ- في بنيان/ الفتح ١/ ٢٥٨، فلا يَنْسخُ النهيَ العام/ نيل الأوطار ١/ ٩٨، ٩٩. وذكر ابنُ العربي أَن حديث ابن عمر لا يُعارِض حديث أبي أيوب في النهي، لأربعة أوجه، منها: أنه فِعْلٌ فلا يُعارض القول/ عارضة الأحوذِي ١/ ٢٧ وأقره الشوكاني/ نيل الأوطار ١/ ٩٨، ٩٩، ١٠١ والمباركفُوري/ تحفة الأحوذِي ١/ ٥٩. وأما المعارضةُ والنسخ بحديث عائشة، فمنهم من رده بتضعيفه مرفوعًا، وتصحيح وقفه على عائشة ﵂، وبالتالي لا يُعارِض ولا يَنسخُ النهي المرفوع، وسيأتي ترجيح تصحيحه موقوفًا، وأنه مرفوع حكمًا، ولو سُلِّم تصحيحُ المرفوع؛ فإن لفظَه خاص بالاستقبال فقط، فلا يَنسخُ النهي العام، ثم إن نَصه يُبين أنه كان قبل النهي لا بَعدَه، فكيف ينسخه؟ انظر المحل ١/ ٢٦١، ٢٦٤ أصل وهامش، ونيل الأوطار ١/ ١٠٠، ١٠١ وعمدة القاري ٢/ ٢٦٥، ٢٦٦ وتحفة الأحوذي ١/ ٥٨ وتعليقَ ابنِ القيم على سنن أبي داود ١/ ٢٢، ٢٣ مع مختصر =
[ ١ / ٥٧٢ ]
وهذا يُحكَى عن عروة بنِ الزبير (١) وربيعة بن أبي عبد الرحمن (٢) وأَبِي سليمان داود بن علي الأصبهاني (٣).
_________________
(١) = المنذري للسنن. وقال الحافظ ابن حجر: واعتلُّوا (أي المجيزين مطلقًا) بأن الأحاديث تعارضت، فلْيُرجع إلى أصل الإباحة/ فتح الباري ١/ ٢٥٦. وقال ابن العربي: ولا نسلم أن الأصل الإباحة/ العارضة ١/ ٢٧، وتقدم عنه ردُّ معارضةِ حديثَيْ جابر وابن عمر لحديث أبي أيوب في النهي العام.
(٢) انظر عَزْوه إليه في التمهيد ١/ ٣١١ والمحلى ١/ ٢٥٩ والاعتبار للحازمي/ ٣٨ وشرح مسلم للنووي ٣/ ١٥٤ وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٥٢ وفتح الباري ١/ ٢٥٦ وعمدة القاري ٢/ ٢٦٢ وتحفة الأحْوذِي ١/ ٥٦.
(٣) هو المعروف بربيعة الرأي، مع حفظه للسنة وثقته في الحديث، وشهرته في الفقه؛ لكن قال ابن سعد: كانوا يتَقونَه لموضع الرأي، وقد تُوفي على الصحيح سنة ١٣٦ هـ، وعنه أخذ الإمام مالك وغيره/ تقريب التهذيب ١/ ٢٤٧ والتهذيب ٣/ ٢٥٨، ٢٥٩، وقد حكى عنه القول بهذا الرأي أبو صالح عن الليث عنه/ التمهيد ١/ ٣١١ وانظر عزوه إليه في بقية المصادر المذكورة في التعليق الذي قبل هذا، وفي المجموع للنووي ٢/ ٨١ والمغنى لابن قدامة ١/ ١٦٢ وإحكام الأحكام ١/ ٥٢.
(٤) وهو المعروف بداود الظاهري، إمام أهل الظاهر وفقيههم، كان بصيرًا بصحيح الحديث وسقيمه، وصنف التصانيف، وأودع فيها حديثًا كثيرًا، لكن الرواية عنه عزيزة، وبدعه الإمام أحمد؛ لكونه قال: القرآن مُحدَث، وتوفي في رمضان سنة ٢٧٠ هـ/ تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٢ ترجمة ٥٩٧. وانظر عزو هذا القول اليه في المصادر المذكورة في التعليقين السابقين على هذا التعليق.
[ ١ / ٥٧٣ ]
٣ - ومنهم من أجاز (١) ذلك في البنيان، ورآه (٢) في الصحراء مُحرمًا، وحَمَل حديث ابنَ عمر وجابر، وما في معناهما، على التخصيص لحديث أبي أيوب (٣)، لا على النسخ.
والحمل على التخصيص أولى؛ إذ إعمال الحديثين أولى من إلغاء أحدهما، ولأنه لا يُصار إلى النسخ إلّا إذا تعذر التخصيص، وليس هو هاهنا متعذرًا. قالوا: الرخصة في استقبال القبلة للغائط والبول، في المنازل، والمنع من ذلك في الصحارى (٤)
_________________
(١) بالأصل "اختار" وما أثبته هو الوارد في المصادر التي ذكرت هذا الرأي، كما سيأتي ذكرها بعد.
(٢) بالأصل "ورواه" والصواب ما أثبته لاستقامة المعنى والسياق عليه.
(٣) الأولى أن يقول: لحديث أبي أيوب وما في معناه، كما سيأتي في بقية كلامه، وكما قال أولًا: حديث ابن عمر وجابر وما في معناهما؛ وذلك لأنه قد ثبت في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها أحاديث كثيرة، غير حديث أبي أيوب رواها جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة وابن مسعود، وسهل بن حُنيف وعبد الله بن الحارث بن جَزْء، وسلمان الفارسي، وقد تقدمت إشارة الترمذي في أول الباب لبعضها، وخرّجها الشارح فيما تقدم، كما تقدم تخريجي هناك لأحاديث أخرى عن غير هؤلاء الصحابة، وقد قرر ذلك ابن عبد البر أيضًا/ انظر التمهيد ١/ ٣٠٩، والعيني في عمدة القاري ٢/ ٢٦١ ط الحلبي.
(٤) من قول المؤلف: "قالوا (أي أصحاب هذا القول الثالث): الرخصة في استقبال القبلة" إلى هنا، هو بيان لكيفية التخصيص، فتحمل أحاديث الترخيص على أن المراد بها البنيان والمنازل، حيث ورد التقييد بالبنيان صراحة في بعض ألفاظها، كما قدمت ذكره فتخرُج من عموم أحاديث النهي، ويحمل النهي على الصحارى والفضاء، كما سيشير المؤلف في الأصل قريبًا، وبهذا يحصل إعمال كُل من أدلة الترخيص والنهي، وقد عبر بعض العلماء عن هذا بالجمع بين تلك =
[ ١ / ٥٧٤ ]
وهذا المذهب يروى عن العباس بن عبد المطلب (١) وعبد الله
_________________
(١) = الأحاديث، وبعضهم عبر بالتخصيص، مثل المؤلف، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٣ باب ٤٢، والتخصيص هو طريق للجمع هنا، ومؤدى العبارتين هو إعمال كل من أدلة النهي والترخيص جميعًا على الوجه المذكور، وهذه ميزة جعلت غير واحد من المحققين يرجحون هذا الرأي على بقية الآراء المتعددة في الموضوع، وعزاه الحافظ ابن حجر للجمهور، يعني من الشافعية، كما دل على ذلك ما في المجموع ٢/ ٧٩، وسيأتي نَقلُ المؤلف له ص ٦٠٢ وليس جمهور العلماء عمومًا، كما يُفهم من نيل الأوطار ١/ ٥٤ /، وتحفة الأحوذي ١/ ٥٦، وقال: وهو أعدل الأقوال؛ لإعماله جميع الأدلة/ فتح الباري ١/ ٢٥٦، وقال الخطابي: هو أولى؛ لأن في ذلك جمعًا بين الأخبار المختلفة، واستعمالها على وجوهها كلها/ معالم السنن مع مختصر سنن أبي داود ١/ ٢٠، وقال ابن عبد البر: هوالصحيح عندنا ؛ لأن في ذلك استعمال السنن على وجوهها الممكنة فيها دون رد شيء ثابت منها/ التمهيد ١/ ٣١٢، وذكر النووي أحاديث الترخيص عن ابن عمر وعائشة وجابر، ومروان بن الأصفر عن ابن عمر، ثم قال: فهذه أحاديث صحيحة مصرحة بالجواز في البنيان، وحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم ووردَتْ بالنهي، فيُحمَل على الصحراء، ليُجمعَ بين الأحاديث، ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يُصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها، والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذكره، فوجب المصير إليه/ شرح النووي لصحيح مسلم ٣/ ١٥٤، ١٥٥، وانظر ذكر طريقة الجمع أيضًا في إحكام الأحكام ١/ ٥٢، والتمهيد ١/ ٣٠٧، ٣١٢ واعتمد العيني أيضًا الجمع/ عمدة القاري ٢/ ٢٦٢، ٢٦٥. وذكر ابن قدامة أن هذا القول هو الصحيح وفيه جمع بين الأحاديث فيتعين المصير إليه/ المغنى ١/ ١٦٢، ١٦٣.
(٢) وانظر عزوه إليه في شرح مسلم للنووي ٣/ ١٥٤ والمجموع له ٢/ ٨١ والمغني لابن قدامة ١/ ١٦٢ ونيل الأوطار ١/ ٩٤.
[ ١ / ٥٧٥ ]
ابن عمر (١)
_________________
(١) أخرج ذلك عنه أبو داود والحاكم والبيهقي والدارقطني والحازمي وابن خزيمة، جميعهم من طريق الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن: أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهى عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس/ سنن أبي داود - كتاب الطهارة - باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ١/ ٢٨ مع عون المعبود، وسنن البيهقي كتاب الطهارة - باب الرخصة في استقبال القبلة واستدبارها في الأبنية ١/ ٩٢ - والمستدرك - كتاب الطهارة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري فقد احتج بالحسن بن ذكوان، ولم يخرجاه، وقد أقره الذهبي على ذلك/ المستدرك وبهامشه تلخيص الذهبي/ ١/ ١٥٤، وقال ابن حجر: إن هذا إسناد لا بأس به/ فتح الباري ١/ ٢٥٨ ط الحلبي. وقال الدارقطني عقب إخراج الحديث: هذا صحيح، كلهم ثقات/ سنن الدارقطني - كتاب الطهارة - باب استقبال القبلة في الخلاء ١/ ٥٨، وقال الحازمي: هذا حديث حسن/ الاعتبار للحازمي/ ٤٠، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه - كتاب الطهارة - باب ١٤٤/ ٣٥ ح ٦٠. لكن في سند الحديث عند الجميع "الحسن بن ذكوان" وقد ضعفه غير واحد، تضعيفًا مجملًا، وفسره بعضهم برميه ببدعة القدر، وبعضهم بالتدليس، وبعضهم بوجود بعض مناكير في حديثه/ تهذيب التهذيب ٢/ ٢٧٦، ٢٧٧ وهدى الساري ١/ ١٥٨، ١٥٩ ط الحلبي، والكامل لابن عدي ٢/ ٧٣٠، ٧٣١ ونسخة الظاهرية ل/ ٩٠. ولكنه قد وُثق أيضًا من غير واحد، فقد أخرج له البخاري في صحيحه، حديثًا واحدًا محتجًا به، وذلك في كتاب الرقائق - باب صفة الجنة والنار/ البخاري مع الفتح ١١/ ٤٨١ ح ٦٥٦٦ ط السلفية وهدى الساري ١/ ١٥٨، ١٥٩ ط الحلبي وطبقات المدلسين لابن حجر/ ٨٥. كما أخرج له ابن خزيمة أثر ابن عمر هذا في صحيحه، كما تقدم فيعتبر هذا توثيقًا فعليًا منهما له/ انظرا =
[ ١ / ٥٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الاقترح لابن دقيق العيد/ ٣٢٦، ٣٢٧ ط بغداد. وذكره ابن حيان في الثقات، ولقبه بـ "المعلم"/ الثقات ٦/ ١٦٣، والمعروف بهذا اللقب هو الحسين بن ذكوان/ تهذيب التهذيب ٢/ ٣٣٨، وذكره أيضًا ابن شاهين في الثقات وقال: بصري ثقة، ليس بينه وبين الحسين بن ذكوان قرابة/ الثقات لابن شاهين، بتحقيق الشيخ صبحي السامرائي/ ٥٩. وقال ابن عدي: على أن يحيى القطان وابن المبارك رويا عنه، وناهيك به للحسن بن ذكوان من الجلالة أن يرويا عنه، وأرجو أنه لا بأس به/ الكامل لابن عدي ٢/ ٧٣١ ونسخة الظاهرية ل ٩٠ / وتهذيب التهذيب ٢/ ٢٧٦. وقال الدارقطني عن رواة أثر ابن عمر هذا بما فيهم الحسن: "كلهم ثقات/ السنن للدارقطني ١/ ٥٨ فيكون ذلك توثيقًا له. وبتوثيق هؤلاء الأئمة له قوليًا وفعليًا يندفع جرحه المجمل بأنه ضعيف، أو ليس بالقوي، وبالنسبة للتدليس، فقد ذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة، وهم من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم/ طبقات المدلسين لابن حجر/ ٢٣ ووصَفَ الحسن بأنه مختلف في الاحتجاج به/ طبقات المدلسين/ ٨٥. أما جرحه بأن له بعض أحاديث مناكير فإن ابن عَدِي قد ذكر من أحاديثه المتكلم فيها ستة أحاديث ثم قال: وللحسن ابن ذكوان أحاديث غير ما ذكرت وليس بكثير، وفي بعض ما ذكرت ما لا يرويه غيره/ الكامل/ الموضع السابق، فهذا يفيد قلة مناكيره التي ينفرد بها، وهذا يدل على خفة ضبطه فقط، فينزل بذلك توثيقه إلى مرتبة الحسن لذاته فيما ينفرد به، ما لم يُدلِّسه، ولم يكن مؤيدًا لبدعة القدر التي نُسِبَت إليه، مع ملاحظة أن في نسبتها إليه خِلافًا؛ حيث إن أبا داود لما قال عنه: كان قَدريًا، قال له الآجري: زَعم قوم أنه كان فاضلًا جدًّا، فقال أبو داود: ما بلغني عنه فضل، كان صديقًا لأبي جعفر الخليفة/ سؤالات الآجري لأبي داود/ ٢٦٥ وتهذيب التهذيب ٢/ ٢٧٧، أقول: وكون أبي داود لم يبلغه عنه فضل، لا ينفي ثوت فضله الكبير عند غيره وسلامته من البدعة عند =
[ ١ / ٥٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من أشار الآجري إليهم. وبالتأمل في سند قول ابن عمر الذي معناه في عامة المصادر التي أخرجته والتي قدمت ذكرها، فإننا نجد أن الحسن بن ذكوان قد رواه عن شيخه بالعنعنة، فمَن قَبِل عنعنة أصحاب الطبقة الثالثة من المدلّسين التي ذُكِر فيها الحسن بن ذكوان، قَبِل هذا الأثر، وعليه جرى كل من ابن خزيمة والدارقطني والحاكم حيث حكموا بصحته، وكذا الحازمي حيث حسَّنه. وقد تقدم نقل ذلك عنهم. أما ما نقله صاحب بذل المجهود عن ابن حجر أنه وصف إسناد هذا الأثر في الفتح بالحُسْن فلم أجده فيه، ولكن الموجود في الفتح ١/ ٢٤٧ الطبعة السلفية و١/ ٢٨٥ ط الحلبي قول ابن حجر: رواه أبو داود والحاكم بسند لا بأس به، فلعل هذا مقصود صاحب البذل بالحُسن، وانظر بذل المجهود في حل أبي داود للشيخ خليل أحمد السهارَنْفُوري ١/ ٢٩. وأما من شَرَط لقبول أصحاب هذه الطبقة من المدلّسين أن يصرحوا بالتحديث ونحوه، فإن هذا الأثر يعتبر عندهم ضعيفًا بهذا الإسناد، لأنه يكون منقطعًا بعنعنة الحسن عن شيخه، ولعل مما يؤيد هذا أن الحديث الذي أخرجه البخاري في الصحيح عن الحسن محتجًا به كما تقدم، إذا تأملنا سنده نجد الحسن مصرِّحًا فيه بتحديث شيخه له، وليس معنعنًا، كما في أثر ابن عمر الذي معنا. لكن هناك ما يجبر ضعف إسناده هذا، وذلك هو وجود شاهد صحيح لقول ابن عمر من المرفوع، ومن رواية ابن عمر نفسه، كما سيأتي ذكره قريبًا. وقد عَزا القول المذكور الى ابن عمر كلٌّ من ابن عبد البر/ التمهيد ١/ ٣٠٧، والخطَّابي/ معالم السنن ١/ ٢٠، والبغوي شرح السنة ١/ ٣٥٩، وأورد رواية أبي داود له ابن دقيق العيد/ إحكام الأحكام ١/ ٥٢، والنووي/ شرح مسلم للنووي ٣/ ١٥٤ والمجموع له ٢/ ٨١ وابن حجر/ فتح الباري ١/ ٢٥٨ ط الحلبي، وغير هؤلاء. لكن ابن حزم قال: ورَوينا من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن =
[ ١ / ٥٧٨ ]
والشعبي (١) ومالك بن أنس (٢)
_________________
(١) = نافع عن ابن عمر: أنه كان يكره أن تستقبل القبلتان بالفروج/ المحلى ١/ ٢٥٨ وهذا إسناد ضعيف، لضعف رواية حماد عن أيوب/ انظر شرح العلل ١/ ١٢٨، ٢/ ٦٧٤، ٦٧٥ وتلك الرواية هي الموافقة لِمَا ذهب إليه ابنُ حزم من ترجيح المنع المطلق بالنسبة للكعبة، ولكنه ذكر رواية أخرى عن ابن عمر من طريق شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن نافع عن ابن عمر أنه يجوز استقبال الكعبة واستدبارُها بالبول والغائط/ المحلى ١/ ٢٥٩. وهذا إسناد صحيح؛ غير أن الرواية التي معنا يؤيدها حديث ابن عمر المرفوع الذي صح فيه رؤيته للرسول -ﷺ- يستدبر القبلة عند قضاء الحاجة محجوبًا (كذا؟) عليه بِلَبِن، أوْ في كتيف/ فتح الباري ١/ ٢٢٨ ط الحلبي، وبهذا تترجح رواية ابن عمر التي معنا لموافقتها للمرفوع المقيد بالبناء وما يقوم مقامه من السواتر.
(٢) هو عامر بن شراحيل الشعبي -بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة ثقة مشهور فقيه فاضل، مات بعد المائة، وله نحو ثمانين سنة/ تقريب التهذيب ١/ ٣٨٧ وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٣٨٧ وقوله هذا أخرجه عنه غير واحد كما سيأتي بيانه قريبًا، حيث ذكره المؤلف في الأصل. وذكر قوله بغير إسناد كل من ابن حزم/ المحلي ١/ ٢٥٩ وابن دقيق العيد/ إحكام الأحكام ١/ ٥٣ والخطابي/ معالم السنن ١/ ٢٠، والبغوي/ شرح السنة ١/ ٣٥٩ والنووي/ شرح مسلم للنووي ٣/ ١٥٤ والمجموع له ٢/ ٨١، وغير هؤلاء.
(٣) عزاه لمالك كل من: ابن القاسم/ المدونة ١/ ٧ والخطابي ورجَّحه/ معالم السنن له ١/ ٢٠ والبغوي/ شرح السنة له ١/ ٣٥٩ وابن عبد البر، وقال: إنه الصحيح/ التمهيد ١/ ٣٠٩، ٣١٢، وابن العربي/ عارضة الأحوذي/ ١/ ٢٦ والنووي/ المجموع له ٢/ ٨١ وابن قدامة، وقال: هو الصحيح/ المغني ١/ ١٦٢ وابن حزم، وشدد العبارة في رده/ المحلي ١/ ٢٥٩، ٢٦٦ والصواب ما قرره غيره من الأئمة المذكورين وغيرهم: أنه الصحيح والأولى؛ لما قدمته، =
[ ١ / ٥٧٩ ]
والشافعي (١) وأحمد - في إحدى الروايتين (٢) عنه، واسحق
_________________
(١) = وذكر ابن العربي أنه رُوِي عن مالك تقييد الجواز بالمواضع التي عملت للخلاء ولا يقدر الشخص على الانحراف فيها عن القبلة، أما إذا قدر على الانحراف فلا يجوز/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٤.
(٢) ذكر الشافعي ذلك في جمعه بين حديث ابن عمر بالترخيص، وحديث أبي أيوب بالمنع، فقال: والحال في الصحاري كما حدّث أبو أيوب، وفي البيوت كما حدث ابن عمر، لا أنهما يختلفان/ اختلاف الحديث للشافعي - باب استقبال القبلة للغائط والبول/ بهامش الأم ٧/ ٢٧٢، ورواه البيهقي بسنده إلى الشافعي/ معرفة السنن والآثار للبيهقي - كتاب الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٦٨، ٢٦٩، وعزاه إليه الخطابي/ معالم السنن ١/ ٢٠ وابن حزم المحلي ١/ ٢٥٦ / وابن عبد البر، وقال: إنه الصحيح ١/ ٣٠٩ والبغوي/ شرح السنة له ١/ ٣٥٩ وابن العربي/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٤ وابن قدامة/ المغني/ ١/ ١٦٢ وغير هؤلاء.
(٣) هكذا ذكر النووي في شرح مسلم ٣/ ١٥٤: إن هذه إحدى الروايتين مطلقًا عن أحمد، وذكر صاحب الافصاح: أنها الرواية الثانية المشهورة/ الافصاح لابن هبيرة ١/ ٧٦ فقيد الثنائية بالشهرة، والرواية الأولى عنه هي رواية المنع المطلق للاستقبال والاستدبار كما تقدم. اما ابن الجوزي وابن قدامة فصرحا بأن هاتين الروايتين عن أحمد في الاستدبار والاستقبال في البنيان وما في حكمه من السواتر فقط/ المغنى ١/ ١٦٢ والتحقيق لابن الجوزي ١/ ٦٨، أما حكم الاستقبال والاستدبار عمومًا فعن أحمد فيه رواية ثالثة، وهي التي حكاها عنه الترمذي في هذا الباب: أنه يجوز الاستدبار فقط للكعبة دون الاستقبال، وكذا ذكرها صاحب المغني ١/ ١٦٣ والافصاح ١/ ٧٦. وقد راعى النووي نفسه مجموع الروايات عن أحمد مرة ثانية فقال في المجموع عن القول بالاستقبال والاستدبار في البنيان والسواتر وعدمه في غيرهما: إنه رواية عن أحمد، وذكر الروايتين الأخريين أيضًا/ المجموع للنووي ٢/ ٨١ وانظر المغنى ١/ ١٦٢، ١٦٣ والتمهيد ١/ ٣٠٩، ٣١٠. وراعي مجموع الروايات أيضًا =
[ ١ / ٥٨٠ ]
ابن راهُوْيَهْ (١).
واحتجوا في المنع بحديث أبي أيوب وما في معناه، وفي الإباحة
_________________
(١) = صاحب الافصاح، فوصف الرواية الأولى عن أحمد بأنها إحدى الروايات/ الافصاح ١/ ٧٦ وراعاه أيضًا العيني في العمدة فقال عن القول الذي معنا: إنه لأحمد في رواية/ العمدة ٢/ ٢٦٢، ولم يقيده ابن حجر أيضًا بأنه إحدى الروايتين عن أحمد/ فتح الباري ١/ ٢٥٦. هذا وقد قرر ابن الجوزي أن رواية الجواز في البنيان هذه هي أصح الروايتين فيه عن أحمد/ التحقيق ١/ ٦٨.
(٢) هو إسحق بن ابراهبم بن مخلَد أبو يعقوب الحَنظلي، وعُرف بابن رَاهوَيْه، ومعناه: مَن وُلِدَ في الطريق؛ لأن والده ولد في الطريق، ومذهب أهل النحو والأدب في ضبط رَاهُوَيْه، ونظائره، فتح الواو وما قبلها، وسكون الباء ثم هاء، ومذهب المحدثين سكون الواو، وضم ما قبلها، وفتح الياء، وإسكان الهاء آخره، ومن كتبها "تاءً" فهو خطأ، وللمحدثين في ضبطهم سلف، وإسحق هذا ثقة فقيه مجتهد، كان قرين أحمد بن حنبل، ذكر أبو داود أنه تغير حفظه قبل موته بخمسة أشهر، قال: سمعت منه في تلك الأيام، فَرَميْتُ به، وقال عنه ابن حبان: إنه كان من سادات أهل زمانه فقهًا وعلمًا وحفظًا، وصنف الكتب وفرع على السنن، وذب عنها وقمع من خالفها، وتوفي سنة ٢٣٧ هـ أو سنة ٢٣٨ هـ/ انظر تقريب التهذيب ٤/ ٥١، وتهذيب التهذيب ٦/ ٢١١ - ٢١٩ والثقات لابن حبان ٨/ ١١٥، ١١٦ وتدريب الراوي/ ٢٢٦، ٢٢٨ ط أولى. وقول إسحق هذا نسبه إليه ابن عبد البر/ التمهيد/ ١/ ٣٠٩ والنووي/ شرح مسلم للنووي ٣/ ١٥٤. كما نُسب هذا القول أيضًا لعبد الله بن المبارك/ التمهيد/ ١/ ٣٥٩ ولعبد الله بن عباس/ عمدة القاري ٣/ ٢٦٢ ونيل الأوطار ١/ ٥٤ ولابن المنذر/ المغني ١/ ١٦٢ ولأبي حنيفة/ فتح الباري ١/ ٢٥٦.
[ ١ / ٥٨١ ]
بحديث جابر، وابن عمر (١) وما في معناهما. ومَحْمَل النهي عندهم -حيث وَرد- على حُرمة المصلِّين من الملائكة (٢).-أي في
_________________
(١) سيأتي الحديثان في الباب التالي لهذا، حيث أخرجهما الترمذي فيه.
(٢) كذا ذكر ابن عبد البر عن بعض المالكية/ التمهيد ١/ ٣١٢ وزاد الخطابي/ معالم السنن للخطابي مع مختصر المنذري لسنن أبي داود ١/ ٢٠ والبغوي/ شرح السنة ١/ ٣١٢ والرافعي/ فتح العزيز ١/ ٤٦٠ ذِكْر "الإنس والجن"، واقتصر البيهقي/ السنن الكبرى ١/ ٩٣ والشيرازي والنووي على ذكر الملائكة والجن/ انظر المهذب للشيرازي مع شرحه المجموعٍ للنووي ٢/ ٧٨، ٨٣، ويؤيد ذكر الجميع عموم الرواية الآتية في الأصل قريبًا عن الشعبي حيث قال: لأن الله خلق خلقًا من عباده يصلون في الصحراء الخ. وقول المؤلف إن ذلك "محمل النهي عندهم" يجعل الضمير في "عندهم" يرجع إلى من قدم ذكرهم من القائلين بهذا القول الثالث، وذلك يفيد أن كلهم يعللون النهي بحرمة المصلين لا بحُرمة القبلة، وهذا غير مسلَّم، فالإمام الشافعي قد أقر تعليل النهي بحرمة القبلة/ اختلاف الحديث له، بهامش الأم ٧/ ٢٧١، ٢٧٢. نعم روى هذا التعليل عن الشعبي، كما سيأتي ذكره في الأصل، وعزاه إليه ابن العربي عارضه الأحوذي ١/ ٢٤، والعيني/ عمدة القاري ٢/ ٢٧٧، وعزاه الرافعي والنووي إلى الأصحاب من الشافعية/ فتح العزيز للرافعي ١/ ٤٦٠، ٤٦١ والمجموع ٢/ ٨٣، وعزاه ابن عبد البر إلى بعض أصحابهم - يعني المالكية/ التمهيد ١/ ٣١٢. وذكره دون تحديد قائله كل من الخطابي/ معالم السنن له ١/ ٢٠ والبغوي/ شرح السنة له ١/ ٣٦٢، وابن حزم/ المحلي ١/ ٢٦٦. وقد قدمت أن الراجح والمعتمد هو التعليل بحُرمة القبلة، أما هذا التعليل بحرمة المصلين فقد رده، غير واحد، سواء من جهة المعنى أو من جهة ثبوت روايته عن الشعبي.
[ ١ / ٥٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فابن حزم بعد ذكره هذا التعليل قال: هذا باطل؛ لأن وقوع الغائط كيفما وقع في الصحراء فموضعه لا بد أن يكون قِبلَة لجهة مَّا، وغيرَ قبلةِ لجهة أخرى/ المحلي ١/ ٢٦٦. وقال العيني: هو تعليل في مقابلة النص/ عمدة القاري ٢/ ٢٧٧، يعني: النص على أن النهي لِحُرمة القِبلة، كما سيأتي ذكره عن ابن العربي. وقال ابن العربي: والتعليل بحرمة القبلة أولى بخمسة أوجه: أحدهما: أن الوجه الأول -يعني حرمة المصلين- قاله الشعبي، فلا يلزم الرجوع إليه. الثاني: أنه إخبار عن مغيب، فلا يثبت إلا عن الشارع. الثالث: أنه لو كان لِحُرمة الصلين، لما جاز التغريب والتشريق أيضًا؛ لأن العورة لا تخفي معه أيضًا عن المصلين، وهذا يعرف باختيار المعاينة. الرابع: أن النبي -ﷺ- إنما علل بحرمة القبلة فرُوِي عنه أنه قال: من جلس لبول قبالة القبلة فذكر، فانحرف عنها إجلالًا لها، لم يقم من مجلسه حتى يُغفر له، أخرجه البزار. أقول: وقد قدمت أن لهذا الحديث شاهدًا حسنه السيوطي وصححه غيره ص ٥٦٩ ت. الخامس: أن ظاهر الأحاديث يقتضي أن الحرمة إنما هي للقبلة؛ لقوله -ﷺ- "لا تستقبلوا القبلة" فذكرها يلفظها، فأضاف الاحترام لها/ عارضة الأحوذي/ ١/ ٢٤، ٢٥. وقال النووي: وهو تعليل ضعيف؛ فإنه لو قعد قريبًا من حائط، واستقبله، ووراءه فضاء واسع جاز بلا شك، صرح به إمام الحرمين والبغوي وغيرهما، ويدل عليه ما قدمناه عن ابن عمر: أنه أناخ راحلته، وبال إليها، فهذا يبطل هذا التعليل؛ فإنه لو كان صحيحًا لم يجز في هذه الصورة؛ فإنه مستدبر الفضاء =
[ ١ / ٥٨٣ ]
الصحراء- لا على حُرمة القبلة، وذكروا في ذلك (١) عن عيسى بن أبي عيسى قال: قلت للشعبي: عجبت لقول أبي هريرة -﵁-، ونافع عن ابن عمر، قال: وما قالا؟ قلت: قال أبو هريرة: لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، وقال نافعٍ عن ابن عمر: رأيت النبي -ﷺ-/ ذهب مذهبًا مُواجه القبلة.
قال: أما قول أبي هريرة، ففي الصحراء، إن لله خلقًا من عباده، يصلون في الصحراء، فلا تستقبلوهم، ولا تستبدروهم، وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنَّتن، فإنه لا قبلة لها (٢) وذكر
_________________
(١) = الذي فيه المصلون. ولكن التعليل الصحيح: أن جهة القبلة معظمة، فوجب صيانتها في الصحراء، ورُخص فيها في البناء للمشقة، وهذا التعليل اعتمده القاضي حُسين والبغوي والروياني، وغيرهم، والله أعلم/ المجموع ٢/ ٨٣. أقول سيأتي أيضًا تضعيف إسناد رواية التعليل بحرمة المصلين عن الشعبي عقب تخريجها قريبًا.
(٢) أي في الاستدلال لحمل النهي على ذلك، وتعليله به، كما مر في كلام ابن العربي، والنووي، وانظر إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٥٣.
(٣) أخرجه ابن القاسم في المدونة - باب استقبال القبلة - للبول والغائط ١/ ٧، وابن ماجه في طريقين، ذَكَر المتن مختصرًا من الطريق الأولى، وأحال عليه بنحوه من الطريق الثانية/ سنن ابن ماجه - كتاب الطهارة - باب الرخصة في الاستقبال والاستدبار في الكتيف وإباحته، دون الصحارى ١/ ١١٧ ح ٣٢٣ / وأخرجه الدارقطني في سننه - كتاب الطهارة - باب استقبال القبلة في الخلاء ١/ ٦١ ح ١١ ومن طريقه أخرجه الحازمي في الاعتبار/ كتاب الطهارة - باب النهي عن استقبال القبلة والخلاف فيه/ ٤١. وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى - كتاب الطهارة - باب الرخصة في استقبال القبلة واستدبارها في الأبنية ١/ ٩٣. =
[ ١ / ٥٨٤ ]
الدارقطني: أن عيسى بن أبي عيسى الحَنَّاط، وهو عيسى بن مَيسرة، وهو ضعيف (١)
_________________
(١) = وأخرجه ابن عبد البر/ التمهيد ١/ ٣٠٩. جميعهم من طريق عيسى بن أبي عيسى المذكور، وألفاظهم متقاربة، إلا أن في رواية البيهقي: "إن لله عبادًا، ملائكة وجن، يصلون" "الحديث").
(٢) ذكر الدارقطني ذلك في سننه عقب إخراج أثر الشعبي هذا من طريق عيسى/ سنن الدارقطني/ الموضع السابق، وأخرج قبل هذا حديثًا آخر من طريقه، وقال عقبه: عيسى بن أبي عيسى الحناط ضعيف/ سنن الدارقطني ١/ ٦٠. وسمعه البرقاني يصف عيسى هذا أيضًا بأنه "متروك" سؤالات البَرقاني للدارقطني، بتحقيق الدكتور عبد الرحيم القشقري/ ٥٤ ترجمة ٣٨٧. وقول الدارقطني -كما في الأصل-: إن عيسى بن أبي عيسى، هو عيسى بن ميسرة" فيه رد على من ظنهما اثنين، لتعدد ذكر الأب مرة بالكنية ومرة بالاسم. وقد ذكر البخاري في تاريخه المطبوع باسم الصغير/ ١٢١ ط الهند، وفي الضعفاء الصغير أيضًا ص ٢٢١ ترجمة واحدة لعيسى هذا، وذكر فيها مثل قول الدارقطني السابق؛ لكنه في تاريخه الكبير ٦/ ٤٠٤، ٤٠٥ ذكر ترجمة مستقلة باسم: عيسى بن ميسرة الغفاري، ثم أعقبها بترجمة ثانية مستقلة باسم "عيسى بن أبي عيسى" وقال فيها: وهو عيسى بن ميسرة المديني الحناط "وهذا واضح في تقريره أن الترجمتين لشخص واحد، وإن كان ذكر في الأولى أنه غِفَاري، ويَروِى عن أبي الزناد، وفي الثانية أنه مديني ويروى عن نافع والشعبي. لكن الخطيب البغدادي عد هذا وَهْمًا من البخاري، فقال: وقد وَهِم في فصله بين هذا -يعني عيسى بن أبي عيسى- والذي قبله -يعني عيسى بن ميسرة؛ لأنه رجل واحد مديني يروى عن نافع مولى ابن عمر، وأبى الزناد عبد الله بن ذكوان وسمع من الشعبي بالكوفة الخ/ موضح أوهام الجمع والتفريق/ للخطيب/ الوهم الثامن والأربعون ١/ ١٤٤. =
[ ١ / ٥٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومن قبل الخطيب البغدادي عد ابن أبي حاتم الرازي ذلك أيضًا وَهمًا من البخاري؛ فقد ذكر ترجمتين باسم عيسى بن ميسرة الغفاري، وذكر في أولاهما: أنه هو عيسى بن أبي عيسى الحناط المديني، وذكر في الثانية أنه هو عيسى الحناط، ثم قال: وفرق بينهما محمد بن إسماعيل البخاري، وجعلهما اسمين، وهُما واحد/ الجرح والتعديل ٦/ ٢٨٩، ٢٩٠. والذي يبدو لي -والله أعلم- أن وَهم البخاري ليس فيما ذكره كل من الخطيب وابن أبي حاتم، لأن البخاري مع ذكره ترجمة مستقلة - باسم عيسى بن ميسرة، وأخرى باسم عيسى بن أبي عيسى الحناط قد نبه في الثانية على أن الترجمتين لشخص واحد ويؤيد هذا اقتصاره في كتابيه الآخرين على ذكر ترجمة واحدة له باسم عيسى بن أبي عيسى، وتقريره فيها أنه هو عيسى بن ميسرة المديني، كما قدمت. ولكن وَهم البخاري في التاريخ الكبير: أنه ذكر عقب الترجمتين المذكورتين ترجمة ثالثة باسم "عيسى بن ميسرة بن حيان" وذكر أنه يعد في أهل المدينة، ثم ذكر أنه بروى عن أبي الزناد، وهذا موافق لما ذكره في الترجمة الأولى التي ذكرها باسم عيسى بن ميسرة الغفاري/ انظر التاريخ الكبير ٦/ ٤٠٤ ترجمة ٢٧٩٣، ٤٠٥ ترجمة ٢٧٩٥، ولكن البخاري لم يربط بين هاتين الترجمتين: الثالثة والأولى كما ربط بين الثانية والأولى، فوهَمه إذن في عده من يسمى "عيسى بن ميسرة" ويروى عن أبي الزناد، رجلين، والصواب أنهما واحد، وهو أيضًا الذي يقال له "عيسى بن أبي عيسى الحناط" فصار له عند البخاري ثلاث تراجم، والله أعلم. وقد لقب عيسى هذا بـ "الخياط" بالخاء المعجمة المفتوحة والياء التحتية المشددة، وذلك لاشتغاله بالخياطة، ثم اشتغل ببيع الحِنْطة فلقب بـ "بالحنَّاط" بالحاء المهملة المفتوحة وبعدها نون مشددة، وهذا هو اللقب الذي اشتهر عيسى به، ثم اشتغل ببيع الخَبَط -وهو الوَرق المتساقط من الشجر المستعمل في علف الإبل- ولذا لُقب أيضًا بـ "الخبّاط" بالخاء المعجمة والباء الموحدة المشددة/ انظر تهذيب التهذيب ١/ ٢٢٤، ٢٢٥ ترجمة ٤١٧ والإكمال لابن ماكولا/ ٢٧٥. =
[ ١ / ٥٨٦ ]
وقد عُلل بغير ذلك (١).
٤ - ومذهب رابع: لا يجوز الاستقبال، لا في الصحراء، ولا في البنيان، ويجوز الاستدبار فيهما (٢) وهو أحد القولين عن
_________________
(١) = وعامة النقاد قد ضعفوا عيسى هذا، وقال غير واحد منهم: إنه "متروك" وفسر بعضهم تضعيفه بسوء الحفظ الذي جعل حديثه مضطربًا منكرًا، حتى قال ابن عدي: "وأحاديثه لا يتابَع عليها متنًا، ولا إسنادًا/ انظر تهذيب التهذيب ٨/ ٢٢٤ - ٢٢٦، والضعفاء للعقيلي ١/ ٣٩٣ - ٣٩٣ والكامل لابن عدي ٥/ ١٨٨٦ - ١٨٨٨ وديوان الضعفاء للذهبي/ ٢٤٢ أقول: وبذلك يكون أثر الشعبي هذا ضعيف الإسناد جدًّا لحال عيسى هذا، والله أعلم. وحكم النووي بضعفه فقط/ المجموع ٢/ ٨٣، والأنسب لحال عيسى ما ذكرته؛ لكن ما في هذا الأثر مِنْ حمل النهي على الصحراء، وحمل الترخيص على الكُنُف، له شاهد من قول ابن عمر بسند ضعيف، ومما رواه أيضًا ابن عمر عن النبي -ﷺ- بسند صحيح: أنه رآه مستقبلًا بيت المقدس (محجَّرًا) عليه بلَبن، وفي رواية في كنيف "كما تقدم ذكرى لذلك، وانظر فتح الباري ١/ ٢٤٧ وصحيح ابن حزيمة ١/ ٣٥ / فيُعَوَّل على ذلك بدلًا من أثر الشعبي لشدة ضعفه.
(٢) وهو حُرمة القبلة، مع الجواب عن جواز استقبالها في البنيان، بأنه للضرورة أو المشقة/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٤ والمجموع ٢/ ٨٣ وقد قدمت أن هذا هو التعليل المعتمد/ ص ٥٨٤ ت، وسيأتي نقل المؤلف عن شيخه ابن دقيق العيد ص ٦٠٣، وعن ابن شاس من المالكية ص ٦٠٥ ذكر التعليل بأحد أمرين آخرين؛ وهما: خروج المُسْتَقْذَر، وكشف العورة، وكلاهما يعودان إلى حرمة القبلة، وحرمة المصلي.
(٣) اشار ابن دقيق العيد إلى هذا القول، وعزاه إلى بعض العلماء دون تحديد، وذكر في تعليلهم لذلك أن الاستقبال أزيد في القبح من الاستدبار، على ما يشهد به العُرف، فمنعوا الاستقبال دون الاستدبار/ انظر إحكام الأحكام ١/ ٥٨.
[ ١ / ٥٨٧ ]
أبي حنيفة (١) وأحمد (٢) والمحكى عند الترمذي عن الشافعي. واحتج هؤلاء بحديث سلمان، [أنه] ليس فيه أكثر من قوله: أجل، لقد نهانا رسول الله -ﷺ- أن نستقبل القبلة بغائط أو بول (٣).
_________________
(١) والقول الثاني بمنع الاستقبال والاستدبار مطلقًا، وهو المشهور عنه كما تقدم، فيكون هذا القول خلاف المشهور عنه، وقد عزاه إليه ابن العربي/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٦، والنووي/ شرح مسلم له ٢/ ٢٧٥ مع إرشاد الساري والمجموع ٢/ ٨١ والأبي/ إكمال إكمال المُعلم بشرح صحيح مسلم له ٢/ ٤١، والعيني/ عمدة القاري ٢/ ٢٧٨.
(٢) ذكر هذا الترمذي عنه في صدر الباب ص ٤٥٠ وروى عنه أبو داود منع الاستقبال مطلقًا/ مسائل أبي داود لأحمد/ ٢ باب استقبال القبلة بالبول، ومقتضى ذلك إجازته الاستدبار مطلقًا، وقد صرح بعزو منع الاستقبال مطلقًا، وجواز الاستدبار مطلقًا إلى أحمد في إحدى الروايتين، كل من ابن العربي/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٦ والنووي في شرح مسلم ٢/ ٢٧٥ مع القسطلاني، أما في المجموع فذكر أنها رواية عن أحمد/ المجموع ٢/ ٨١ وذكر ابن هبيرة أن هذه رواية ثالثة/ الافصاح لابن هبيرة ١/ ٧٦ وذلك مراعاة لأن مجموع الروايات عن أحمد في كل من الاستقبال والاستدبار زادت على روايتين، ولذا ذكر أبو عمر بن قدامة أن لأحمد في استدبار الكعبة بالبول والغائط ثلاث روايات: إحداها: الجواز المطلق المذكور ضمن هذا القول، وثانيها: المنع المطلق، وثالثها: الجواز في البنيان والمنع في غيره/ الشرح الكبير له ٢/ ٨٨، ٨٩ ويلاحظ أن الأخيرين قد دخلا ضمن ما تقدم نسبته لأحمد من الأقوال في الأصل.
(٣) تقدم تخريج الحديث ص ٤٥٦ هامش رقم ٣، وقد ذكر النووي والشوكاني استدلال أصحاب هذا القول عمومًا بحديث سلمان هذا/ شرح النووي على مسلم ٢/ ٢٧٠، ٢٧١ مع ارشاد الساري، ونيل الأوطار ١/ ٩٦، ولكن الأبي عزا الاستدلال به إلى أبي حنيفة فقط، وذكر أن وجه الاستدلال قصره على =
[ ١ / ٥٨٨ ]
قلت لم أقف على هذا القول محكيًا عن مذهب الشافعي، في غير كتاب الترمذي، فقد قال الإمام الرافِعي (١) في كتابه في شرح وجيز
_________________
(١) = ما ورد فيه فقط وهو النهي عن الاستقبال المطلق/ شرح الأبي على مسلم ٢/ ٤١، وبالتالي لا يشمل النهي الاستدبار مطلقًا. أما ابن العربي فذكر أن أبا حنيفة أخذ جواز الاستدبار من حديث ابن عمر الآتي في الباب التالي، وهو أنه رأى النبي -ﷺ- على حاجته مستقبل الشام، مستدبر الكعبة، ورآه ناسخًا لحديث النهي، ثم رد ابن العربي ذلك بعدم توفر شروط الناسخ في حديث ابن عمر/ العارضة ١/ ٢٦، ٢٧. ورد هذا القول عمومًا النووي بأن أصحاب هذا القول محجوجون بالأحاديث الصحيحة المصرحة بالنهي عن الاستقبال والاستدبار جميعًا، والله أعلم/ المجموع ٢/ ٨٣ / وشرح مسلم ٢/ ٢٧٢، وقال الشوكاني: إنه مذهب باطل، لأن النهي عن الاستدبار وارد في الأحاديث الصحيحة، وهو زيادة يتعين الأخذ بها/ نيل الأوطار ١/ ٩٦.
(٢) بفتح الراء وكسر الفاء بعد الألف وفي آخرها العين المهملة، قيل إنها نسبة إلى "رافعان" بلدة من بلاد قزوين، ورُدَّ هذا بأنه ليس بنواحي قزوين بلدة بهذا الإسم، وإنما رافعان نسبة عند العجم بمعنى "الرافعي" عند العرب، وقد اشتهر الرافعي عند العجم بـ "الإمام رافعان" أي "الرافعي وذلك نسبة إلى أحد أجداده الأعلين، وهو الصحابي الجليل "رافع بن خَدِيج" ﵁، كما كان الرافعي نفسه يكتبه بخطه، ورجحه العلائي. وهو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل، إمام الدين، أبو القاسم، القزويني الرافعي، الشافعي، كان إمامًا في الفقه والتفسير والحديث والأصول وغيرها، ولُقب بمجتهد زمانه في مذهب الشافعي، وله مؤلفات، منها: شرح الوجيز المذكور في الأصل، وشرح مسند الشافعي وهو كتاب نفيس، والتدوين في ذكر أهل العلم بقزوين وهما مخطوطان حتى الآن، وقد توفي الرافعي بقزوين في ذي القعدة سنة ٦٢٣ هـ، وقيل أول سنة ٦٢٤ هـ/ انظر الأنساب للسمعاني =
[ ١ / ٥٨٩ ]
الغزالي -﵀ (١) - عندما تكلم على آداب قضاء الحاجة.
الثالث: إن (٢) كان في بناء، أو بين يديه ساتر، فالأولى (٣) أنه لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها.
_________________
(١) = ٦/ ٤١ وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، بتحقيق الدكتور عبد العليم خان ٢/ ٩٤ - ٩٨ ومقدمة البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير للرافعي، تأليف سراج الدين ابن الملقن ١/ ١٦ ب - ٢١ أ، وشذرات الذهب لابن العماد ٥/ ١٠٨.
(٢) قد سماه الرافعي في مقدمته "العزيز، شرح الجيز" ولكن بعضًا من العلماء تحرزوا في هذه التسمية، فسموه "الفتح العزيز، شرح الوجيز" أي الذي عز على المتخلفين تحصيل مثله، وعز عند المبرزين قدره، كما أوضح ذلك الرافعي بنفسه، وعلى هذه التسمية جرى ابن الملقن في ترجمته للمؤلف، ولكن غيره سماه "فتح العزيز، شرح الوجيز" وبه طبع الكتاب، ومعناه ما فتح الله العزيز به على المؤلف في شرح كتاب الوجيز. ويعرف أيضًا بالشرح الكبير؛ نظرًا لأن المؤلف اختصره في كتاب باسم "الشرح الصغير"، وعلى ذلك جرى ابن الملقن في تسمية كتابه في تخريج أحاديث وآثار هذا الشرح. كما سبقت الإحالة عليه، وقد وصف غير واحد من العلماء كتاب الرافعي هذا بأنه لم يُصنف في مذهب الشافعي مثله في التحقيقات، وجمع المقاصد والمهمات، وقد طبع هذا الشرح مع المجموع للنووي/ وانظر فيما ذكرته عنه/ مقدمة البدر المنير، لابن الملقن ١/ ٧ ب، ١١ أ، ١٩ ب، ٢٠ أ، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٩٤ - ٩٧ وفتح العزيز للرافعي ١/ ٧٥ أصل وهامش مع المجموع للنووي.
(٣) في المطبوع "إذا"/ فتح العزيز ١/ ٤٥٨.
(٤) في المطبوع "فالأدب"/ فتح العزيز ١/ ٤٥٨ وكذا ذكر النووي في المجموع ٢/ ٧٩، ولكنه عبر بـ "الأولى" في شرح مسلم ٢/ ٢٧٢ مع القسطلاني، وسيأتي نقله عنه في الأصل.
[ ١ / ٥٩٠ ]
وإن (١) كان في الصحراء ولم يستتر بشيء، حَرُم عليه استقبال القبلة واستدبارها، لما روى أنه -ﷺ- قال: لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول؛ ولكن شرقوا، أو غربوا (٢).
وروى أنه -ﷺ- قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط لا يستقبل القبلة (٣).
ولا يحرم ذلك في البناء -وإن كان الخبر مطلقًا- خلافًا لأبي حنيفة، وذلك لما رُوي عن ابن عمر -[﵄] (٤) - قال: رقيتُ السطح مرة، فرأيت رسول الله -ﷺ- جالسًا على لَبِنَتين، مستقبلًا بيت المقدس (٥)، ومن استقبل ببيت المقدس بالمدينة، فقد استدبر الكعبة.
وعن جابر قال: نهانا رسول الله -ﷺ- أن
_________________
(١) في المطبوع "إذا"/ فتح العزيز ١/ ٤٥٨.
(٢) هذا الحديث في المطبوع متأخر عن الذي بعده/ فتح العزيز ١/ ٤٥٩، وهو حديث الباب في الترمذي، وقد تقدم تخريجه ص ٤٥٠ ت، وانظر التلخيص الحبير لابن حجر ١/ ٤٥٩ بهامش فتح العزيز ١/ ٤٥٩.
(٣) تقدم تخريج الحديث ص ٤٥٠ هامش ٨، وانظر التلخيص الحبير/ الموضع السابق.
(٤) زيادة من المطبوع ١/ ٤٥٩.
(٥) إلى هنا لفظ حديث ابن عمر كما سيأتي في الباب التالي، وما بعده من كلام الرافعي، وذكر مثله الخطابي في تعليل النهي عن استقبال بيت المقدس/ معالم السنن ١/ ٢١.
[ ١ / ٥٩١ ]
تستقبل القبلة بفروجنا ثم رأيته -قبل موته بعام- مُستقبل القبلة (١).
٥ - ومذهب خامس: وهو جواز الاستدبار دون الاستقبال، في البنيان خاصة، وهو مروي عن الامام أبي حنيفة (٢).
٦ - ومذهب سادس: وهو تحريم الاستقبال، والاستدبار للقبلتين: الكعبة، وبيت المقدس. نقل عن النخعي (٣)
_________________
(١) سيأتي الحديث في الباب التالي عند الترمذي، وانظر النص من أول قول الرافعي: "الثالث" إلى هنا في فتح العزيز ١/ ٤٥٨ - ٤٦٠، ولم ينبه المؤلف على انتهاء نقله عن الرافعي هنا، ولكنه بعد ذكر بقية الآراء عاد إلى ذكر بقية كلام الرافعي هذا كما سيأتي، وهذا يشعر القارئ بأن بقية الأراء ذكرها الرافعي أيضًا وليس الأمر كذلك كما يعرف من مراجعة كلام الرافعي في موضعه.
(٢) الذي ذكره ابن حجر، والعيني -وهو من الأحناف العارفين بالمذهب- أن هذا القول مروي عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، لا عن أبي حنيفة نفسه، وذكر أن دليل هذا القول هو ظاهر حديث ابن عمر، حيث صرح فيه بأنه رأى النبي -ﷺ- مستدبر الكعبة، مستقبل الشام/ انظر فتح الباري ١/ ٢٤٦ وعمدة القاري ٢/ ٢٧٨، ٢٧٩. وقد نقله الشوكاني عن الفتح، ورده بأن دليله وهو حديث ابن عمر فِعْل للرسول -ﷺ- فلا يعارِض ولا ينسخ النهي العام كما في حديث أبي أيوب وغيرِه/ انظر نيل الأوطار ١/ ٩٦.
(٣) عزاه إلى ابراهيم النخعي، ابن عبد البر/ التمهيد ١/ ٣٠٥ وابن حجر العسقلاني، والعيني، وذكرا أن مستند هذا القول حديث معقل الأسدي السابق ذكره ص ٤٥٣ أصل وت. وانظر الفتح ١/ ٢٤٦ وعمدة القاري ٢/ ٢٧٩، وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا القول من وجهين: أولهما: أن حديث معقل هذا ضعيف؛ لأن في سنده راويًا مجهول الحال -يعني أبا زيد مولى ثعلبة، الراوي له عن معقل، كما تقدم عند تخرجه ص ٤٥٣ ت هامش رقم ٤. =
[ ١ / ٥٩٢ ]
وغيره (١).
_________________
(١) = ثانيهما: على تقدير صحة الحديث، فالمراد به أهل المدينة ومن على سَمْتِها، لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة، فالعلة استدبار الكعبة، لا استقبال بيت المقدس/ فتح الباري ١/ ٢٤٦، ونقل الشوكاني هذين الوجهين عن الفتح وأقرهما/ نيل الأوطار ١/ ٩٦.
(٢) ذكر منهم ابن عبد البر وابن حجر والعيني: "محمد بن سيرين/ التمهيد ١/ ٣٠٥ فتح الباري وعمدة القاري/ الموضعين السابقين، والذي رواه عنه ابن أبي شيبة. كراهة استقبال إحدى القبلتين فقط، دون الاستدبار/ مصنف ابن أبي شيبة - كتاب الطهارات - باب في استقبال القبلة بالغائط والبول ١/ ١٥١. وعزاه ابن عبد البر إلى مجاهد/ التمهيد ١/ ٣٠٥ ونقل الشوكاني عن "البحر" عزوه إلى عطاء والزهري والمنصور بالله/ نيل الأوطار ١/ ٩٦ وعزاه ابن حجر أيضًا إلى بعض الشافعية/ الفتح ١/ ٢٤٦. ولهذا عارض ابن حجر والعيني دعوى الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة، لأن مخالفة هؤلاء تنقض دعوى الإجماع/ انظر فتح الباري ١/ ٢٤٦ وعمدة القاري ٢/ ٢٧٩ وأقر ذلك الشوكاني/ نيل الأوطار ١/ ٩٦. وقد ذكر ابن حجر والعيني والشوكاني أن أصحاب هذا القول استدلوا بحديث معقل الأسدي في النهي عن استقبال القبلتين ببول أو غائط/ الفتح ١/ ٢٤٦ والعمدة ٢/ ٢٧٩ ونيل الأوطار ١/ ٩٦. ثم تعقب ابن حجر وتبعه الشوكاني - القول المذكور بأمرين: أحدهما: أن حديث معقل المستدل له به، ضعيف، ومقتضى ذلك رد هذا القول كلية. وثانيهما: على فرض صحة الحديث فهو خاص بأهل المدينة ومن على سَمْتِها =
[ ١ / ٥٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فقط؛ لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبار الكعبة، والعلة استدبار الكعبة، لا استقبال بيت المقدس/ فتح الباري ١/ ٢٤٦ ونيل الأوطار ١/ ٩٦. أما النووي فذكر عن الأصحاب من الشافعية أنه لا يَحرُم استقبال أو استدبار بيت المقدس لا في بناء، ولا في صحراء، وإنما يكره ذلك، لكونه كان قبلة لنا، وأجابوا عن حديث معقل بأمريين: أحدهما: ما تقدم من تخصيصه بأهل المدينة ومَن على سَمْتها إلخ. والثاني: أن الرسول -ﷺ- نهى عن استقبال بيت المقدس حيث كان قِبْلة، ثم نهى عن الكعبة حين صارت قِبلة فجمعهما الراوي/ المجموع ٢/ ٨٠. ويمكن الجواب عما ذكره ابن حجر ومن تبعه والأصحاب من الشافعية بما يلي:
(٢) إن حديث معقل وإن لم يكن إسناده بذاته جيدًا كما قال النووي، ولا حسنًا كما ذكر غيره، فإن له من الشواهد -كما سيأتي ما يرقيه إلى درجة الحسن لغيره على الأقل/ انظر ٣٩٦، ٣٩٧ والمجموع للنووي ٢/ ٨٠ والتيسير للمناوي شرح الجامع الصغير ٢/ ٤٧٧ وبذلك يمكن الاحتجاج به كغيره من أحاديث النهي، وذلك على التفصيل الآتي ذكره عن النووي.
(٣) أن ما ذكره ابن حجر والأصحاب من تخصيص النهي بالنسبة لبيت المقدس بأهل المدينة وما شابهها. وما ذكره الأصحاب وحدَهُم من أن الجمع بين القبلتين في النهي من تصرف الراوي، هذان الأمران قال عنهما النووي: هذان تأويلان مشهوران للأصحاب، ولكن في كل منهما ضعف. ثم قال: والظاهر المختار أن النهي (يعني عن استقبال القبلتين) وقع في وقت واحد، وأنه عام لكلتيهما في كل مكان، ولكنه في الكعبة نهى تحريم في بعض الأحوال على ما سبق (يعني كما في القول الثالث مما ذكره المؤلف) وفي بيت المقدس: كونُه كان قبلة فبقيت له حُرمة الكعبة، وقد اختار الخطابي هذا التأويل، فإن قيل: =
[ ١ / ٥٩٤ ]
٧ - ومذهب سابع: أن تحريم الاستقبال والاستدبار في ذلك لأهل المدينة وما وراءها، من الشام، والمغرب، لأنهم في التشريق، والتغريب، لا يستقبلون القبلة، ولا يستديرونها (١) وإليه ذهب
_________________
(١) = لم حملتموه في بيت المقدس على التنزيه؛ قلنا للإِجماع، فلا نعلم مَن يَعتدّ به حرمه، والله أعلم/ الجموع ٢/ ٨١. أقول سيأتي تعرض المؤلف مرة ثانية لحكم استقبال القدس واستدبار الكعبة عند قضاء الحاجة، وللاستدلال بحديث معقل هذا على ذلك ص ٦٠٦ فكن ذاكرًا لما تقرر هنا جمعًا لأطراف الموضوع. وجاء عن الإمام أحمد أيضًا أن حديث ابن عمر الآتي في الباب التالي ناسخ للنهي عن استقبال بيت المقدس واستدباره بالغائط والبول وقال: "هذا الذي لا أشك فيه، وليس في نفسي منه شيء، أنه لا بأس به" يعني استقباله واستدباره بالغائط والبول/ التمهيد ١/ ٣٠٩، ٣١٠. ولكن الراجح كما تقدم أن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، وهو أيضًا هنا ممكن، بحمل حديث ابن عمر على الأبنية والسواتر، وحمل مثل هذا النهي على الفضاء، كما تقدم في القول الثالث، ويحمل النهي بالنسبة لبيت المقدس على التنزيه للإِجماع الذي أشار إليه النووي. بقي أن نقول: إن قول الإمام أحمد ﵀ بالنسخ للنهي عن بيت المقدس، دليل على إقراره بثبوت هذا النهي أولًا حتى يوجه إليه النسخ، وهذا يرد قول ابن حزم الآتي: إن النهي عن بيت القدس لم يصح/ انظر ص ٦١٢ ت والمحلى ١/ ٢٥٩.
(٢) ذكر هذا القول أيضًا الحافظ ابن حجر، والبدر العيني وعزياه إلى أحد الشافعية، وهو أبو عوانة، صاحب المُزَني، وذكرا أنه استدل لذلك بعموم قوله -ﷺ- كما في حديث أبي أيوب "ولكن شرقوا أو غربوا" / فتح الباري ١/ ٢٤٦ وعمدة القاري ٢/ ٢٧٩. =
[ ١ / ٥٩٥ ]
البخاري (١).
_________________
(١) = وهذا الاستدلال -فيما يبدو لي- غيرُ مستقيم، وذلك لأمرين: أولهما: أن العموم يقتضي دخول غير أهل المدينة ومن على سَمْتها، حتى لو كان في التشريق أو التغريب، استقبال أو استدبار القبلة، وهذا خلاف الوارد في صدر الحديث نفسه -فضلًا عن غيره- من النهي عن الاستقبال والاستدبار للقبلة. ثانيهما: أن كلا من ابن حجر والعيني ذكرا أن البخاري قد حمل الأمر في "شرقوا أو غربوا" على العموم، وأنه بهذا يُعتبَر قائلًا بعكس هذا القول السابع/ الفتح ١/ ٢٤٦، ٤٩٨ وعمدة القاري ٢/ ٢٧٩، ٤/ ١٢٨، ١٢٩، فكيف يكون العموم دليلًا للقول ولعكسه؟ ولعل هذا ما جعل الشوكاني يقرر أن الاستدلال لهذا القول بعموم "شرقوا أو غربوا" استدلال في غاية الركة والضعف/ نيل الأوطار ١/ ٩٦. فالمناسب في الاستدلال لهذا القول، أن يُحمل عموم قوله "شرقوا أو غربوا" على خصوص المخاطبين بالحديث، وهم أهل المدنية، ويُلْحق بهم من على مِثْل سِمْتهم ممن إذا استقبل المشرق أو المغرب لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها، حتى لا يتناقض هذا مع ما في صدر الحديث من النهي عن الاستقبال والاستدبار للقبلة. وهذا أيضًا ما تأول به الحافظ ابن حجر وغيره، حَمْلَ البخاري "شرقوا أو غربوا" على التعميم كما سيأتي في التعليق التالي لهذا.
(٢) هكذا عزا المؤلف هذا القول للبخاري وقد ترجم البخاري في صحيحه على حديث أبي أيوب الذي معنا فقال: "باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق، ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة" / البخاري مع الفتح ١/ ٤٩٨، فقوله: "ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة" عام، فَيُفهَم منه حملُه "شرقوا أو غربوا" على عمومها، كما قدمت، في حين أن هذا القول يقتضي حمل الأمر على خصوص أهل المدينة ومن على سمتهم، فلا يستقيم هذا مع ظاهر عبارة البخاري، وعليه فلا يعد قائلًا بهذا القول السابع وفد نُوزع البخاري في عبارته، وتصدى غير واحد من شراح صحيحه لتأويلها على معنى غير التعميم لتتفق مع =
[ ١ / ٥٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = باقي الترجمة، وتندفع المنازعة للبخاري، فقال ابن حجر بعد ذكر عبارة البخاري السابقة: وقد نُوزع في ذلك؛ لأنه يحمل الأمر في قوله "شرقوا أو غربوا" على عمومه، وإنما هو مخصوص بالمخاطبين، وهم أهل المدينة، ويلحق بهم من كان على مثل سَمتهم، ممن إذا استقبل المشرق أو المغرب لم يستقبل القبلة، ولم يستدبرها، وأما من كان في المشرق، فقبلته في جهة المغرب، وكذلك عكسه، وهذا معقول لا يخفى مثله على البخاري، فيتعين تأويل كلامه بأن يكون مُراده: "ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة"، أي لأهل الدينة والشام ولعل هذا هو السر في تخصيصه المدينة والشام بالذكر/ فتح الباري ١/ ٤٩٨. وقال ابن التين الصفاقسي: إن البخاري "يريد أن قبلة هؤلاء المسلمين ليست في المشرق منهم، ولا في المغرب، بدليل أن النبي -ﷺ- أباح لهم قضاء الحاجة في جهة المشرق منهم والمغرب، وقال العيني: قلت: معناه: القبلة ما بينهما، ثم أيد ذلك بحديث الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا ما بين الشرق والمغرب قبلة" وبما روى نحوهُ موقوفًا على عدد من الصحابة، ونقل عن البيهقي وغيره أن المراد به أهل المدينة ومن وافقها في القبلة/ عمدة القاري ٤/ ١٢٨. وقال ابن بطال: تفسير هذه الترجمة: يعني وقبلة مشرق الأرض كلها إلا ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من المشرق إلى المغرب، فحكم مشرق الأرض كلها كحكم مشرق أهل المدينة والشام في الأمر بالانحراف عند الغائط؛ لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها، قال: وأما ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من مشرقها إلى مغربها، فلا يجوز لهم استعمال هذا الحديث ولا يصح لهم أن يشرقوا ولا أن يغربوا؛ لأنهم إذا شرقوا استدبروا القبلة، وإذا غربوا استقبلوها، وكذلك من كان موازيًا بمغرب مكة، إن غَرَّب استدبر القبلة، وإن شرق استقبلها، وإنما ينحرف إلى الجنوب أو الشمال، فهذا هو تغريبه وتشريقه، قال: وتقدير الترجمة: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام، والمشرق والمغرب، ليس في التشريق ولا في التغريب، يعني أنهم عند الانحراف للتشريق والتغريب ليسوا مواجهين للقبلة ولا مستدبرين لها/ عمدة القاري ٤/ ١٢٨. =
[ ١ / ٥٩٧ ]
٨ - وبعضهم يشير إلى أن ذلك ممنوع في البنيان إذا كان للمتبرز عنه مَنْدُوحَة (١).
_________________
(١) = أقول: فلعل المؤلف اعتبر البخاري قائلًا بهذا القول السابع، بناء على تأول كلامه بمثل ما تأوله به هؤلاء العلماء. أما البدر العيني فإنه بعد نقل تأويل غيره من الشراح لكلام البخاري بما يتفق مع هذا القول السابع، عاد فقال: "احتج البخاري بعموم هذا الحديث، وسوى بين الصحراء والأبنية، وجعله دليلًا للترجمة التي وضعها"، ثم رتب العيني على ذلك اعتبار قول البخارب موافقًا لقول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين: أنه يمتنع في أي موضع الاستقبال والاستدبار للقبلة في بناء أو فضاء، كما تقدم هذا في القول الأول مما ذكره المؤلف/ انظر عمدة القاري ٤/ ١٢٨، ١٢٩ وتبعه القسطلاني على ذلك/ إرشاد الساري ١/ ٤١٢ مع شرح النووي لمسلم. أقول: فإن كان مرادهما موافقة قول البخاري مع قول أبي حنيفة وأحمد في مجرد التسوية في المنع بين البنيان والفضاء، فهذه جزئية من القولين وباقيهما مختلف كما ترى، وبناءًا على هذا الاختلاف عُد كل منهما قولًا مستقلًا، ثم إن البخاري قد ترجم قبل هذا على حديث أبي أيوب نفسه فقال: "باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء، جدار أو نحوه"/ البخاري مع الفتح ١/ ٢٤٥ فلم يسو بين الصحراء والأبنية، كما ذكر العيني والقسطلاني، بل قال العيني هناك: والصواب أن يقال: إن الحديث عنده عام مخصوص" يعني بغير الأبنية ونحوها/ عمدة القاري ٢/ ٢٧٦، ٢٧٩. وعليه فالأولى حمل كلامه هنا في ترجمة قبلة المدينة والشام وما وافقهما على ما تأوله به غير العيني والقسطلاني من الشراح السابق ذكرهم، بجعله موافقًا للقول السابع، ثم تكون ترجمته السابقة بالتفريق بين الأبنية والصحراء رأيًا آخر له في الموضوع، وفيما يمكن أن يدل عليه الحديث بمفرده، أو مع ملاحظة غيره من الأحاديث التي خرجها في الموضوع، كحديث ابن عمر الآتي في الباب التالي عند الترمذي/ انظر عمدة القاري ٢/ ٢٧٥، ٢٧٦ وفتح الباري ١/ ٢٤٥.
(٢) أي سعة وفسحة/ النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة "ندح" ٥/ ١٣٥.
[ ١ / ٥٩٨ ]
وإن أحوجه البنيان إلى الاستقبال أو عَكْسِه جاز. هذا، أو معناه" (١).
٩ - ومنهم من تَوقَّف (٢).
_________________
(١) ذكر ابن العربي قول ابن عمر والشافعي ومالك بمنع الاستقبال والاستدبار في الصحراء، ثم قال: وروى عن مالك أن ذلك -يعني المنع- في موضع يقدر على الانحراف فيه، فأما المواضع التي قد عُمِلت على ذلك، فلا بأس به/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٤، فلعل هذا مقصود المؤلف بقوله: "وبعضهم يشير" إلخ.
(٢) من قول المؤلف قبل هذا: "و"مذهب خامس" إلى هنا، ليس من كلام الرافعي، ولم ينبه المؤلف على هذا، والمراد هنا التوقف في الأخذ بأي من أحاديث الباب، لتخالفها، منعًا، وترخيصًا، وهذا التوقف يؤول إلى إباحة الاستقبال والاستدبار مطلقًا، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من العلماء، فالحازمي ذكر القول بترخيص الاستقبال والاستدبار مطلقًا، وأتبعه بتفصيل وِجْهة القائلين به فقال: ثم القائلون بالرخصة اختلفوا، فمنهم من قال: الأخبار في هذا الباب جاءت مختلفة فيجب إيقافها، وترك الأشياء على الإباحة التي كانت، حكى ذلك ابن المنذر، ومنهم من قال: الأحاديث الأول التي مر ذكرها -يعني الدالة على المنع- منسوخة/ الاعتبار للحازمي/ ٣٨، ونحو هذا ذكر ابن عبد البر/ التمهيد ١/ ٣١٠، ٣١١. وذكر النووي القول بالجواز مطلقًا، كما تقدم "في القول الثاني في الأصل، ثم قال: "واحتج من أباح مطلقًا بحديثي جابر وعائشة، قالوا: وهما ناسخان للنهي، قالوا: ولأن الأحاديث تعارضت فرجعنا إلى الأصل/ المجموع ٢/ ٨٢ فتح الباري ١/ ٢٤٦. أقول: وقد تقدم رد القول بالنسخ، وقال ابن العربي: لا نُسلم أن الأصل الإِباحة/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٧.
[ ١ / ٥٩٩ ]
وسبب المنع في الصحراء -فيما ذكره الأصحاب- أن الصحراء لا تخلو من مُصَلِّ من ملك، أو جِني، أو إنسي، وربما (١) وقع بصره على عورته.
وأما في الأبنية، فالحُشُوش (٢) لا يحضرها إلا الشياطين، ومن
_________________
(١) = وقال الأبِّي: ومن العلماء من وقف، لتعارض الأحاديث، وليس بينها تعارض؛ فإن حديث عائشة وجابر مُتَكلَّم في سندهما، فلم يبق إلا أحاديث الأم -يعني الأصلية في الباب- والجمع (بينها) بما قال مالك -يعني وغيره من الجواز في الأبنية والمنع في الفضاء كما تقدم- والتعارض والنسخ إنما يكونان عند عدم إمكان الجمع/ شرح مسلم للأبي ٢/ ٤١ مع شرحه أيضًا للسنوسي. وعليه يكون هذا القول بالتوقف، وما يؤول إليه من الإباحة المطلقة، مردودا، ويبقى القول الراجح من هذه الأقوال كما تقدم هو القول الثالث؛ لجمعه بين مختلف أحاديث الباب، وإعمالها، وإمكان الجواب المناسب عما يُنْتَقَدُ به. ثم إن المؤلف مع هذا التوسع لم يستوعب كل الأقوال في الموضوع، فقد ذكر الشوكاني قولًا بأن النهى للتنزيه، فتكون مخالفته بالاستقبال أو الاستدبار مكروهة، وعزاه لبعض أئمة الزيدية ولأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنهم، ولأبي أيوب الأنصاري/ نيل الأوطار ١/ ٩٤، وهذا لم يذكره المؤلف كما ترى.
(٢) في المطبوع من شرح الرافعي "فربما" ١/ ٤٦٥.
(٣) جمع "حش" بفتح الحاء المهملة في أوله، والمراد به الكنيف وموضع قضاء الحاجة، وأصل الحش "البستان" وأُطلِق على الكنيف ونحوِه لأنهم كانوا كثيرًا ما يتغوطون في البساتين/ النهاية لابن الأثير، مادة "حش" ١/ ٣٩٠. وقال الحافظ ابن حجر: كأنه أي الرافعي يشير إلى حديث زيد بن أرقم مرفوعًا: إن هذه الحشوش مُحْتَضَرة، فإذا أتى أحدُكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما/ التلخيص الحبير ١/ ٤٦٤ بهامش المجموع.
[ ١ / ٦٠٠ ]
يصلي يكون خارجًا عنها، فيحول البناء بينه وبين المصلِّي، وليس السببُ مجردَ احترام الكعبة (١).
وقد نُقِل ما ذكروه عن ابن عمر وعن الشعبي (٢) -﵄- انتهى ما ذكره (٣).
وليس فيه التفرقة بين الاستقبال مطلقًا والاستدبار مطلقًا (٤)، وفيه التصريح بالعلة، والتعليل بها لا يناسب هذا المذهب الرابع بوجه (٥).
وقول الرافعي: "إن كان في بناء أو بين يديه ساتر، فالأولى أنه لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها".
_________________
(١) تقدم أن الراجح هو التعليل بحرمة الكعبة، خلافًا لهذا الذي نقله الرافعي عن الأصحاب من الشافعية ص ٥٨٤ ت.
(٢) إن كان المراد بـ (ما ذكروه) نفس القول بالجواز في الأبنية والمنع في الصحراء فمسلَّم/ انظر التمهيد ١/ ٣٠٨ وإن كان المراد ما ذكره الأصحاب من التعليل لمنع الاستقبال في الصحراء، فهذا مروي عن الشعبي وحده، كما تقدم تخريجه عنه ص ٥٨٤ ت، وقد نبه على هذا الحافظ ابن حجر/ التلخيص الحبير ١/ ٤٦٠، ٤٦١ بهامش المجموع وفتح العزيز.
(٣) يعني الرافعي في فتح العزيز، كما تقدم في بداية النقل ص ٥٨٩، ويلاحظ أن المؤلف قد أدخل ذكر الأقوال من الخاص إلى التاسع في أثناء ما نقله عن الرافعي، كما أشرت من قبل، ومن قوله فيما سبق: و"سبب المنع" الى هنا بقية كلام الرافعي الأول.
(٤) يعني كما جاء في هذا القول الرابع الذي عزاه الترمذي إلى الشافعي كما تقدم، لكن فيه التفرقة بين الصحاري بدون ساتر، وبين الأبنية وما في حكمها من السواتر.
(٥) لأنه لم يفرق في المنع بين الصحاري، وبين الأبنية والسواتر، كما أشرت.
[ ١ / ٦٠١ ]
قال الشيخ محيي الدين: قال جماعة من أصحابنا: هو مكروه، ولم يذكر الجمهور الكراهة.
والمختار أنه: إن كان عليه مشقة في تكلُّف (١) التحرف عن القبلة، فلا كراهة، وإن لم تكن مشقة للأولى تجنبُه، للخروج من خلاف العلماء، ولا تطلق عليه الكراهة، للأحاديث الصحيحة [فيه] (٢) والله أعلم.
قوله (٣): "إن كان عليه مشقة فلا كراهة"، يقتضي ثبوت الكراهة حيث لا مشقة، ثم قوله: "وإن لم تكن مشقة فالأولى تجنبه" لا يقتضي ثبوت الكراهة حيث لا مشقة، ليفرق بين أولوية الفعل، وثبوت الكراهة في الترك، لا سيما وقد أتبع التجنب المطلوب، كونَه مسببًا عن الخروج من خلاف العلماء. وربما يقتضي ذلك [أن] (٤) لا كراهة عنده لذاته فتأمَّلْه.
_________________
(١) بالأصل "تكليف" وما أثبته من شرح النووي على مسلم ٢/ ٢٧٢ مع القسطلاني.
(٢) ليست بالأصل وأثبتها من شرح النووي على مسلم/ الموضع السابق، وقد حدد في المجموع أن القائل بالكراهة صراحة هو "المتولى" وأن إمام الحرمين قال: الأدب أن يَتَوقَّى الاستقبالَ والاستدبار، ثم قرر النووي: أن المختار عدم الكراهة كما هنا، وأن الأدب والأفضل الميلُ عن القبلة إذا أمكن بلا مشقة/ المجموع ٢/ ٧٩.
(٣) يعني قول الشيخ محيي الدين (النووي) كما تقدم ذكره له.
(٤) ليست بالأصل وتوضيح المعنى يَقْتضَيها.
[ ١ / ٦٠٢ ]
والحديث دلّ على المنع من استقبال القبلة لغائط أو بول (١).
قال شيخنا الإِمام أبو الفتح القُشيري -يرحمه الله-: هذه الحالة تتضمن أمرين:
أحدهما: خروج الخارج المُستقذَر (٢)، والثاني: كشف العورة.
فمن الناس من قال: المنع للخارج؛ لمناسبته لتعظيم القبلة عنده (٣).
_________________
(١) والمنع من استدبارها أيضًا كما هو ظاهر لفظه، وقد قرره شيخ المؤلف ابن دقيق العيد الذي سيأتي النقل عنه/ انظر إحكام الأحكام له ١/ ٥١؛ إلا أن المؤلف اقتصر على ذكر المنع من الاستقبال؛ لأنه هو الذي علق به شيخه أيضًا ما سيأتي في الأصل من بيان محل علة النهي عن الاستقبال للقبلة في حالة قضاء الحاجة.
(٢) عبارة الأبي "النجس"/ شرح الأبي على مسلم ٢/ ٤٢ وهو أظهر في المنع، وكذا عبر ابن حجر والعيني "بمواجهة القبلة بالنجاسة"/ الفتح ١/ ٢٤٦ والعمدة ٢٥/ ٢٧٩.
(٣) في أكثر من طبعة من الإِحكام "عنه" أي عن الخارج المستقذر/ انظر الإحكام ١/ ٤٧ ط الشعب، نشر عالم الفكر بمصر وص ١٥ من الطبعة الهندية، وقد أيد ابن حجر هذا بما في بعض روايات حديث أبي أيوب وغيره من تقييد النهي عن الاستقبال والاستدبار بالبول والغائط، وبحديث جابر بلفظ "كان رسول الله -ﷺ- ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء" فدل ذلك على اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة، لإِكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة/ الفتح ١/ ٢٤٦، أقول: لكن حديث جابر نهى عن الاستدبار أيضًا بذلك، مع عدم وجود المواجهة.
[ ١ / ٦٠٣ ]
ومنهم من قال: المنع لكشف العورة (١).
وينبني على هذا الخلافِ، الخلافُ (٢)، في جواز الوطء مُسقبَل القبلة، مع كشف العورة؛ فمن عَلل بالخارج، أباحه، إذ لا خارج (٣)، ومَن عَلل بالعورة منعه (٤). انتهى ما قاله (٥).
وهو حَسن، لو كان المعلِّل بكشف العورة موافِقًا له على الحكم الذي أشار إليه؛ لكن ليس كذلك؛ فقد قال الشيخ محيي الدين
_________________
(١) قال ابن حجر: وكان قائله تمسك برواية في الموطأ "لا تستقبلوا القبلة بفروجكم"، ولكنها محمولة على المعنى الأول، أي حال قضاء الحاجة، جمعًا بين الروايتين، والله أعلم/ فتح الباري ١/ ٢٤٦، والموطأ - كتاب القبلة - باب النهي عن استقبال القبلة والإنسان يريد حاجته ٤/ ٨٥ مع أوجز المسالك، ولفظ الرواية "بفرجه". قال الكاندَهْلَوِي: الأوجه عندي، أن زيادة "بفرجه" ليست للإشارة إلى مثار النهي ليُحتاج إلى الجمع بين الروايات، بل إشارة إلى أن المعتبر هاهنا الاستقبال بالفرج، بخلاف الصلاة، فإن المعتبر فيها الاستقبال بالصدر، فلو استقبل القبلة بصدره، وحول ذكره عنها وبال لم يُكره، بخلاف عكسه، فالمعتبر الاستقبال بالفرج/ انظر أوجز المسالك للكاندهْلَوِي ٤/ ٨٦.
(٢) في الإحكام "خلافهم"/ انظر الموضع السابق في الطبعتين، ولكن الناسخ للأصل وضع فوق ما فيه علامة "صح" هكذا، للإشارة إلى تأكده منها في الأصل الذي نقل عنه.
(٣) عبارة الأُبي "لعدم ظهور الخارج" وهو الصواب، لأن الوطء من لوازمه خروج المنى، وإن لم يكن ظاهرًا خارج الفرج/ شرح الأُبي على مسلم ٢/ ٤١.
(٤) وكذا غيره مما تظهر فيه العورة كالختان، والأستحداد/ انظر الفتح ١/ ٢٤٦ وأوجز المسالك ٤/ ٨٥.
(٥) إحكام الأحكام ١/ ٤٧.
[ ١ / ٦٠٤ ]
-﵀-: يجوز الجماع في الصحراء، والبنيان مستقبلَ القبلة (١)، هذا مذهبنا، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد، وداود [الظاهري] (٢) واختلف فيه أصحاب مالك: فجوزه ابن القاسم، وكرهه ابنُ حبيب.
والصواب: الجواز، فإن التحريم إنما يَثبُت بالشرع، ولم يرد فيه نهي، والله أعلم (٣).
وكذلك/ أيضًا قالوا (٤): إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارَها، حالة خروج البول والغائط، ثم أراد الاستقبال، أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز (٥).
فهؤلاء المبيحون للوطء هم المعللون بكشف العورة، كما حكى الرافعي عنهم (٦)، فلا يَحْسُن أن يُورَد هذا نقلًا، ولكن يَحسن أن يُورَد إلزامًا في المسألتين.
وأما ما حكاه الشيخ محيي الدين، من مذهب مالك، فيحتاج إلى تنقيح: قال ابن شاس (٧): وفي جواز الاستقبال والاستدبار -مع
_________________
(١) في شرح النووي المطبوع "مستقبل القبلة" فقدمة، حيث ذُكِرت بعد كلمة "الجماع" ٢/ ٢٧٢ مع القسطلاني.
(٢) ليست بالأصل، وأثبتها من شرح النووي/ الموضع السابق.
(٣) شرح النووي على مسلم/ الموضع السابق.
(٤) أي الشافعية/ انظر شرح النووي على مسلم/ الموضع السابق.
(٥) المصدر السابق.
(٦) انظر ص ٦٠٠ أصل.
(٧) انظر الأُبي ٢/ ٤١.
[ ١ / ٦٠٥ ]
وجود الساتر -وإن لم تكن مراحيض- ومَنعِهما روايتان، سببهما: هل النهي لحُرمة المصلِّين، أو لِحَق أو لحق القبلة؟
وهل ينزل الوطء منزلة قضاء الحاجة، أو يجوز مطلقًا، مستقبلًا ومستدبرًا؛ قولان، مثارهما: هل النهي للعورة، فيستويان؛ أو للخَارج، فيفترقان؟ وحكى ابن سابق عن ابن حبيب: أنه لا يجوز في صحراء، ولا بنيان.
وهذا هو المسلك الذي سلكه شيخنا القشيري -رحمه الله تعالى (١) -؛ ولكنه أطلق في موضع التقييد، وفيما حكاه النووي عن ابن حبيب: الكراهة (٢)، وابن شاس، يحكي عن ابن سابق عنه عدم الجواز.
وفي الأحاديث السابقة في الباب، حديث مَعقِل: "أن النبي -ﷺ- نهي أن نَستقبِل القبلتين" (٣).
قيل: أراد "بالقبلتين: الكعبة وبيت المقدس" (٤).
_________________
(١) في كلامه السابق نقل المؤلف له.
(٢) المجموع ٢/ ٨٠.
(٣) تقدم الحديث وتخريجه وبيانُ ضعف إسناده، لجهالة حال راويه عن مَعقِل، كلما سيأتي في كلام المؤلف بعد سطور؛ لكن سيأتي قريبًا أيضًا ذكره شاهدًا له من حديث عمرو العجلاني، كما أني سأذكر متابعًا لهذا الشاهد في التعليق عليه، ثم أذكر شاهدًا آخر، وأبين أن الحديث بمجموع الطرق يكون حسنًا على الأقل، فيُحتَج به في النهي عن استقبال القبلتين؛ على التفصيل الذي اختاره النووي كما قدمته ص ٥٩٥ ت.
(٤) ذكر ذلك الخطابي/ معالم/ السنن ١/ ٢٠.
[ ١ / ٦٠٦ ]
ويُحتَمل أن يكون احترام البيت المقدس (١)، إذ كان قبلة لنا مَرة (٢). أو يكون ذلك من أجل استدبار الكعبة؛ لأن من استقبله بالمدينة استدبر الكعبة (٣).
وقد قال أصحابنا (٤): لا يَحرم استقبال بيت المقدس، ولا استدباره بالبول والغائط؛ لكن يكره.
فلو ثبت الحديث (٥) طولبوا بالفَرق على التأويل الأول (٦)؛ لكن
_________________
(١) كذا الأصل، وعبارة الخطابي: "هذا يحتمل أن يكون على معنى الاحترام لبيت المقدس الخ"، المعالم/ الموضع السابق، وهي أوضح، ويظهر منها مدى اعتماد المؤلف عليه وإن لم يصرح.
(٢) فبقيت له حُرمة الكعبة، كذا زاده النووي، وأقر هذا التأويل وذكر اختيار الخطابي له/ المجموع ٢/ ٨١.
(٣) من قوله: "أو يكون ذلك " إلى هنا هي عبارة الخطابي مع تصرف يسير/ المعالم ١/ ٢١. وقد قال النووي عن هذا التأويل: إن فيه ضعفًا/ المجموع ٢/ ٨١.
(٤) يعني من الشافعية، والعبارة إلى قوله: "لكن يكره" في شرح النووي على مسلم، مع اختلاف يسير/ شرح النووي على مسلم ٢/ ٢٧٢ وذكرها مع تفصيل أكثر في المجموع ٢/ ٨٠.
(٥) هذا وما بعده ليس من كلام النووي، ولكنه من كلام المؤلف، وسيأتي تقرير ثبوت الحديث، وصلاحيته للحجة كما أشرت قبل قليل.
(٦) وهو أن سبب النهي عن استقبال بيت المقدس كونُه كان قبلة لنا، فبقيت له حرمة الكعبة، فيقال للأصحاب؛ ما الفرق إذَن بينه وبين الكعبة، حتى جعلتم استقبالَها مُحرَّمًا في بعض الأحوال، واستقبال بيت المقدس مكروهًا فقط؟. وقد أجاب النووي عن ذلك كما قدمته ص ٥٩٥ ت بإجماع من يعتد به على هذا التفريق في الحكم بين استقبالهما، وانظر المجموع ٢/ ٨١.
[ ١ / ٦٠٧ ]
في إسناده أبو زيد، مولى بَني ثعلبة، راويه (١) عَن مَعقل، ولا نَعرف له حالًا.
وفي معناه ما ذكره ابن عدي من حديث عَمرو بنُ [أبي عَمرو] (٢) العَجَلاني، ومداره أيضًا على: عبد الله بن نافع
_________________
(١) بالأصل "رواية" والمعنى مستقيم على ما أثبته.
(٢) ليست بالأصل وأثبتها من مصادر الترجمة الآتي ذكرها، وهو عَمرو بن أبي عَمرو الأنصاري ثم العَجلاني -بفتح العين المهملة وسكون الجيم، وبنون-، نسبة إلى عَجلان بن زَيد الأنصاري، يكنى بأبي عبد الرحمن، وقيل عبد الله، وقد ذكره ابن أبي عاصم في الصحابة الأنصاريين، وذكر تصريحه بالسماع من النبي -ﷺ- لحديث النهي عن استقبال القبلتين عند قضاء الحاجة، وكذا ذكر في الصحابة غيرُ واحد من بعد ابن أبي عاصم، ولم أجد من ذكر اسم والد عمرو هذا، وقد قال الحافظ ابن حجر: إنه جرت عادة ابن مَندة إذا لم يُسَمَّ والد الصحابي يَكْنيه باسم ولده، وقد ذكر له أبو نعيم ترجمتين: أُولاهما باسم: عمرو بن أبي عمرو العَجلاني، والثانية باسم: عمرو العجلاني الأنصاري، وذكر فيها نفس الحديث الذي ذكره في الأولى لإثبات الصحبة، وبنفس الإسناد/ معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢ / ل ٨٥، ٩٤، ولذا نبه ابن الأثير والذهبي على أنهما ترجمتين لشخص واحد/ أسد الغابة ٤/ ١٢١، ١٢٢ وتجريد أسماء الصحابة للذهبي ١/ ٤١٣، ٤١٤ وانظر الإصابة ٣/ ٨ مع الاستيعاب أيضًا ٢/ ٥٤٢ والمعجم الكبير للطبراني ١٧/ ١٢ والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم ل ٢٢٦ والمغنى للفتني/ ١٨٤. وقد تقدم ذكر المؤلف لهذا الحديث ضمن ما ورد في الباب مما لم يذكره الترمذي، وذكرت هناك تخريجه من الكامل لابن عدي الذي عزاه إليه المؤلف ص ٤٥٧، ٤٥٨، وأضيف هنا: أن ابن عدي قد أخرج هذا الحديث في ترجمة عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، ضمن أحاديثه المنتقدة من روايته عن أبيه، وسياق إسناده: قال ابن عدي: حدثنا عبد الرحمن بن ابراهيم، [دُحَيم] ثنا ابن أبي فُديَك =
[ ١ / ٦٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حدثني عبد الله بن نافع، مولى ابن عمر -﵄- عن أبيه أن عبد الرحمن بن عمرو العَجلاني حدث ابن عمر عن أبيه أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يُستقبلَ [شيء] من القبلتين بالغائط والبول/ الكامل ٤/ ١٤٨١ - ١٤٨٣. وقد اقتصر المؤلف هنا وفيما تقدم في صدر الباب على عزو الحديث إلى ابن عدي، في حين أنه مخرج في عدة مصادر أخرى، وبعضها أولى في التخريج منه، بدلًا من الكامل لابن عدي، مثل مسند أحمد، ومعجم الطبراني الكبير. كما سيأتي ذكره. وقد أخرجه ابن أبي عاصم بنفس إسناد ابن عدي المتقدم ومتنه/ الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم ل/ ٢٢٦. وأخرجه الطبراني من طريق عبد الرحمن بن ابراهيم الملقب "بدُحَيم" الدمشقي، وهي طريق ابن عدي، وابن أبي عاصم السابقة، ومن طريق أحمد بن صالح، كلاهما عن ابن أبي فُدَيك، به؛ إلا أنه قال: "عبد الله بن عمرو العَجلاني" بدل "عبد الرحمن بن عمرو" الوارد عند ابن عدي وابن أبي عاصم/ المعجم الكبير للطبراني ١٢/ ١٧، ولهذا اختلف في كنية "عمرو العجلاني" كما قدمت، ولم أقف على ترجمة باسم عبد الله، أو عبد الرحمن بن عمرو العجلاني، في المصادر التعددة التي راجعتها؛ لكن مَن تكلم على سند الحديث اقتصر على إعلاله بعبد الله بن نافع فقط، كابن عدي فيما تقدم، والهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٠٥. ومن طريقَي الطبراني أخرجه أبو نعيم/ معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢ / ل ٨٥، كما أخرجه أيضًا من طريق ابن أبي عاصم/ المصدر السابق ٢ / ل ٩٤. ومدار الحديث عند هؤلاء جميعًا على عبد الله بن نافع، وجمهور النقاد على تضعيفه وما ذُكر في تفسير تضعيفه يرجع إلى اختلال في ضبطه، وخاصة فيما رواه عن أبيه -كالحديث الذي معنا-، ولهذا قال ابن عدي بعد سرد الأقوال فيه: وهو ممن يُكتَب حديثه، وإن كان غيرُه يخالفه فيه/ الكامل ٤/ ١٣٨٣ وقال ابن حبان: كان يخطئ ولا يَعلم، فلا يحتج بأخباره التي لم يوافِق فيها الثقات/ تهذيب =
[ ١ / ٦٠٩ ]
وهو ضعيفٌ عندهم (١).
_________________
(١) = التهذيب ٦/ ٣٥ ترجمة ١٠٠، وانظر الكاشف ٢/ ١٣٧ ترجمة ٣٠٥٥ وديوان الضعفاء/ ١٧٩ والتقريب ١/ ٤٥٦، وعليه فحديث عبد الله هذا مما ينجبر ضعفه بمتابع أو شاهد مثله أو فوقه. أقول: ومع أن مدار الحديث عند من ذَكَرْتُ من المخرجين على "عبد الله بن نافع" فإنه لم ينفرد به كما سأوضحه في التعليق التالي.
(٢) اعتبر المؤلف الحديث الذي ذكرته في التعليق السابق، من طريق عبد الله بن نافع المذكور شاهدًا لحديث معقل المتقدم ذكره له في الأصل؛ ولكنه لم يُرقِّه بهذا الشاهد لدرجة الحسن لغيره؛ بل تركه على حالة الضعف وعدم الاحتجاج به كما ترى. وهذا غير مُسلَّم له، لما يأتي: أولًا: على فرض تسليم قوله بأن مدَار الشاهد على عبد الله بن نافع، فإنه مع ضعفه يصلح حديثه للاعتبار به كما قدمت، وحديث معقل ضعيف؛ لجهالة حال أحد رواته كما سبق ذكر المؤلف له؛ فيمكن أن يترقى بهذا الشاهد المروى عن طريق عبد الله بن نافع، ويصبح الحديث بمجموع الطريقتين حسنًا لغيره، وذلك كما قرره ابن حجر والسيوطي وغيرهما: أن ما كان ضعفه لجهالة حال الراوي ينجبر بمجيئه من وجه آخر ولو كان مساويًا في الضعف للأول، ويترقى لدرجة الحسن لغيره/ انظر تدريب الراوي/ ١/ ١٧٧ وألفية السيوطي وشرحها للترمسي/ ٣٢ والنكت الوفية/ للبقاعي/ ٦٥ ب. ثانيًا: قول المؤلف: إن مدار الحديث الشاهد على عبد الله بن نافع غير مُسَلَّم له؛ فقد تابعه عليه أيوب السختياني، وغيره، كما قرر ذلك أبو نعيم؛ حيث أخرج الحديث كما قدمت من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه، ثم قال: رواه جماعة عن أيوب عن نافع، قال: سمعت رجلًا يحدث ابن عمر عن أبيه، نحوه/ معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢ / ل ٨٥، وأقر ذلك ابن الأثير أيضًا/ انظر أسد الغابة ٤/ ١٢٢. =
[ ١ / ٦١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهكذا أخرجه أحمد، فقال: حدثنا اسماعيل أنا أيوب عن نافع عن رجل من الأنصار عن أبيه أن رسول الله -ﷺ- نهى أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط/ مسند أحمد ٥/ ٤٣٠. وقد أفاد ما تقدم عن أبي نعيم وابن الأثير أن هذه رواية للحديث نفسه، وإن أُبْهمَ فيها اسم الراوي عن نافع، وكذا اسم أبيه الذي هو صحابي الحديث، في حين ظنهما الهيثمي حديثين، فذكر رواية أحمد، وقال: إن فيها رجلًا لم يُسَم -يعني غير الصحابي؛ فإن إبهامه لا يضر-، ثم ذكر عَقِبَه الحديث من عند الطبراني كما قدمته مصرحًا فيه بمن لم يُسَم عند أحمد، وهو عبد الله، وأبوه عمرو العَجلاني صحابي الحديث/ انظر مجمع الزوائد ١/ ٢٠٥. وطالما عُرِف المبهم من طريق آخر فلا ضرر من إبهامه في سند أحمد، ولا يضر أيضًا عدم ذكر ابن عمر في سند أحمد، لكونه ليس من سلسلة السند. وقد ذكر ابن الأثير الاسناد كما عند أحمد وأبي نعيم، ثم قال: ورواه عاصم بن هلال عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، والأول أصح/ أسد الغابة ٤/ ١٢٢. أقول: وبرواية أيوب هذه للحديث عن نافع، يثبت أن عبد الله بن نافع لم ينفرد به عن أبيه، ويثبُت أيضًا أن مدار الحديث ليس عليه وَحدَه، فقد تابعهُ أيوب متابعة تامة، وأيوب هو ابن أبي تَميمة السَّخْتياني، ثقة ثَبْت حُجة من أثبت أصحاب نافع/ انظر التقريب ١/ ٨٩ وتهذيب الكمال ١/ ١٣٣، ١٣٤ وبمتابعته يتحقق لعبد الله بن نافع ما قرره ابن حبان فيما سبق من أنه يحتج من حديثه بما وافقه عليه الثقات. أما إسماعيل، شيخ الإِمام أحمد في هذا الحديث، والراوي له عن أيوب، فهو: إسماعيل بن إبراهيم بنَ مقسم المعروف بابنُ عُلَيّة، ثقة حافظ، من الثامنة/ انظر التقريب ١/ ٦٥، ٦٦ وتهذيب الكمال ١/ ٩٥، ٩٦. وأما عبد الله، أو عبد الرحمن بن عمرو العَجْلاني، الذي أُبهِم عند أحمد وسُمِّي عند غيره كما تقدم، فلم أقف له على ترجمته كما ذكرت من قبل، ولولا هذ الكان الحديث بإسناد أحمد هذا صحيحًا لذاته؛ لكنه مع هذا يعتبر أقوى من طريق =
[ ١ / ٦١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عبد الله بن نافع التي اقتصر المؤلف على الاستشهاد بها لحديث معقل، وبمجموع الطريقين إلى جانب طريق الحديث عن مَعْقل يتقوى تحسينه، كما تقدم. وله أيضًا شاهد آخر موقوف على ابن عمر، أخرجه ابن حزم من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السَّخْتياني، عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره أن تستقبل القبلتان بالفروج،/ المحلى ١/ ٢٥٩ وهذا الأثر فيه ضعف، لأنه من رواية حماد بن سلمة عن أيوب وهو السّخْتياني. وقد ضُعفَ حماد في روايته عن أيوب/ انظر شرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ١٢٨، ٢/ ٦٧٤، ٦٧٥. وقد قال ابن حزم عقب أثر ابن عمر هذا: لا نرى ذلك في بيت المقدس؛ لأن النهي عن ذلك لم يصح/ المُحَلى ١/ ٢٥٩، والذي يَبدُو لي أن ابن عمر لم يقل بكراهة استقبال القبلتين عند الحاجة عن اجتهاد منه؛ لأنه تقدم في حديث عمرو العَجلاني أن ولده قد حدث به ابن عمر كما قرر ذلك نافع نفسه، وهو الراوي للموقوف عن ابن عمر، فقد قال: نافع: سمعت عبد الرحمن بن عمرو العَجلاني حدث ابن عمر عن أبيه أنه سمع رسول الله -ﷺ- ينهي أن يُسَتْقبلَ شيء من القبلتين بغائط أو بول/ الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم/ ل ٢٢٦. فكأن قول ابن عمر الذي أخرجه ابن حزم في حكم المرفوع، وهو مع ضعف سنده -كما أشرت- يصفح شاهدًا لحديثي معقل وعمرو العَجلاني، وبمجموع ذلك يكون حديث كل منهما حسنًا لغيره، وصالحًا للاحتجاج به. وذلك على التفصيل الذي اختاره النووي كما قدمت ذكره ص ٥٩٥ ت ونحوه في التيسير شرح الجامع الصغير للمناوي ٢/ ٤٧٧. هذا وقد ورد حديث عمرو العَجْلاني المذكور. بلفظ النهي عن استقبال "القبلة" بدل "القبلتين"، فقد رواه هكذا عن مالك عن نافع سائرُ رواة الموطأ غير يحيى بن يحيى، ومن طريق مالك رواه الشافعي ثم الطحاوي ثم البيهقي، وإسناده عندهم؛ مالك عن نافع عن رجل من الأنصار عن أبيه، كما سبق في تخريجي لتلك الرواية ص ٤٥٨ ت. وهكذا أوردها ابن الأثير من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه عن عبد الرحمن بن عمرو العَجلاني عن أبيه/ أسد الغابة ٤/ ١٢٢. =
[ ١ / ٦١٢ ]
وقوله: "ولكن شَرِّقوا أَو غَرِّبوا": محمول على محلِّ يكون التشريق والتغريب فيه مخالفًا لاستقبال القبلة واستدبارها، كالمدينة التي هي مسكن رسول الله -ﷺ- وما في معناها من البلاد (١) فلا يدخل تحته ما كانت القبلة فيه إلى المشرق [أو المغرب] (٢).
وقول أبي أيوب: فننحرِفُ عنها، ونستغفر الله. دليل على أنه
_________________
(١) = وأوردها ابن عبد البر مقتصرًا على ذكر عبد الرحمن عن أبيه، به/ الاستيعاب ٤/ ٥٤٢ مع الإصابة. وكذا ذكرها أبو زرعة ابن العراقي: عن نافع أن رجلًا من الأنصار أخبره عن أبيه، به وذكر أن الرجل هو عَمرو العَجلاني/ المستفاد من مبهمات المتن والإسناد لأبي زرعة ابن العراقي، بتصحيح وتعليق الشيخ حماد الأنصاري/ ١٥، والصواب أن الرجل هو "عبد الرحمن بن عَمرو العَجلاني" كما في الروايات السابقة، ولعل هذا من خطأ الطباعة أو النسخ. وعمومًا فهذه الرواية لا تعكر على رواية "القِبْلتَين" التي معنا؛ لإمكان سماع العَجلاني للنهي من الرسول -ﷺ- مرة عن القِبلة ومَرة عن القِبلتين.
(٢) كالشام واليمَن/ عمدة القاري ٢/ ٢٧٧ والمغرب/ شرح الأبي على صحيح مسلم ٢/ ٤٣.
(٣) ليست بالأصل وأثبتها من المصدر الذي اعتمد عليه المؤلف، وإن لم يصرح به وهو إحكام الأحكام لابن دقيق العيد، فالنص من أول "قوله: ولكن شرقوا " إلى هنا موجود فيه حرفيًا ١/ ٤٨. ذكر الخطابي والمازري أن من كانت قبلتُه إلى الشرق أو الغرب فلا يُشرِّق، ولا يُغَرِّب، قال الأبي: لأنهم لو فعلوا صادفوا القبلة، فينحرف هؤلاء إلى الجنوب أو الشمال/ معالم السنن ١/ ٢٠ وشرح الأبي على مسلم ٢/ ٤٣.
[ ١ / ٦١٣ ]
لم يبلُغْه حديث ابن عمر وما في معناه (١)، أو لم يره مُخَصِّصا، وحمل ما رواه على العموم (٢).
_________________
(١) كحديث جابر وعائشة وغيرهما مما سيأتي في الباب التالي، وقد جزم الشافعي وابن عبد البر أبا أيوب لم يَبْلُغه حديث ابن عمر، فقال الشافعي: وسمع أبو أيوب الأنصاري النهي من رسول الله -ﷺ- ولم يعلم ما علم ابن عمر من استقباله -ﷺ- بيتَ المقدس لحاجته، فخاف المأثم في أن يجلس على مرحاض مستقبل الكعبة، وتَحرَّف لئلا يستقبل الكعبة، وهكذا يجب عليه إذا لم يعرف غيره، ثم قال: وهذا يدل على أن خاص العلم لا يوجد إلا عند القليل، وقلما يعم علم الخاص/ اختلاف الحديث للشافعي، بهامش الأم ٧/ ٢٧٠، ٢٧١. وقال ابن عبد البر نحو هذا، مع التصريح بحمل أبي أيوب لهذا النهي عن الاستقبال والاستدبار على العموم، وأنه هكذا يجب على كل من بلغه شيء أن يستعمله على عمومه حتى يثبت عنده ما يخصصه، أو ينسخه/ التمهيد ١/ ٣٠٤. أما الحافظ ابن حجر فلم يجزم بعدم بلوغ حديث ابن عمر أبا أيوب، فقال: كأنه لم يبلغه حديث التخصيص (يعني حديث ابن عمر؛ لدلالته على تخصيص الجواز بالأبنية) / انظر فتح الباري ١/ ٢٤٥، وعدم الجزم بأن أبا أيوب بلغه هذا، يفتح المجال للتوجيه الثاني لِمَا ذهب إليه أبو أيوب، والمذكور بعد هذا في الأصل.
(٢) ذكر حَمْل أبي أيوب الحديث الذي سمعه من الرسول -ﷺ- على العموم/ ابن عبد البر كما قدمتُ، وابنُ دقيق العيد؛ إذ قال: إن حَمْلَه على الصحارى مخالفُ لما حَمَلَه عليه أبو أيوب من العموم؛ فإنه قال: "فأتينا الشام فوجدنا مراحيضَ قد بُنيَتْ قِبَل القبلة، فَنَنْحَرِف عنها" فرأى النهي عامًا/ إحكام الأحكام/ ١/ ٤٦، ٤٨. ولكن القائلين بحَمْلِه على الصحراء جمعًا بين أحاديث النهي، وأحاديث الترخيص، أجاب الشافعيةُ منهم عن قول أبي أيوب هذا بوجهين: أولهما: أنه شك في عموم النهي فاحتاط بالاستغفار. =
[ ١ / ٦١٤ ]
وفي معنى الاستغفار في هذا الحل، أقوال رأيتها عن العلماء:
١ - فمنهم من يقول المراد نستغفر الله لباني الكنيف على هذه الصفة (١) الممنوعة [عنده] (٢) / وإنما حملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لم يَفعل ممنوعًا؛ فلا يَحتاج إلى الاستغفار (٣).
٢ - ومنهم من يقول: إنما استغفر لنفسه (٤)، قال شيخنا القشيري -﵀-: ولعل ذلك لأنه [استقبل واستدبر] (٥) بسبب
_________________
(١) = ثانيهما: أن هذا مذهَبُه ولم ينقله عن النبي -ﷺ- صريحًا، وقد خالفه فيه غيره من الصحابة/ المجموع ٢/ ٨٢. وقد استنبط ابن دقيق العيد من قول أبي أيوب هذا حُكمًا أُصوليًا هامًا فقال: "وفيه دليل على أن للعموم صيغةً عند العرب وأهل الشرع، على خلاف ما ذهب إليه بعض الأصوليين" وتوسع في تقرير ذلك ومناقشة بعضِ مَن أولُعَ مِن معاصريه بجوانب من الموضوع/ انظر إحكام الأحكام ١/ ٤٨، ٤٩.
(٢) في إحكام الأحكام المنقول عنه هذا القول نصًا "الصورة" ١/ ٤٩، ٥٠، ولكن في نيل الأوطار كما في الأصل، ولعله نقل عن المؤلف.
(٣) ليست بالأصل وأثبتها من الإحكام ١/ ٥٠ والنيل ١/ ٥٧ وأضاف ابن العربي قائلًا: فإن الاستغفار للمذنبين سنة/ العارضة ١/ ٢٥.
(٤) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٥٠.
(٥) وقرر ابن دقيق العيد: أن هذا القولَ هو الأقرب/ انظر المصدر السابق، وهذا ترجيح له عنده على بقية الآراء؛ ولكن المؤلف حذف هذا الترجيح من كلام شيخه، دون أن يذكر بديلًا عنه أوْرَدًا له.
(٦) ليست بالأصل وأثبتها من المصدر السابق/ نفس الموضع، واقتصر ابن العربي على ذكر الاستقبال فقط/ العارضة ١/ ٢٥.
[ ١ / ٦١٥ ]
موافقته [لمقتضى] (١) البناء (٢) غلطًا أو سهوًا، فيتذكر، فينحرف ويستغفر الله.
قال: فإن قلت: فالغائط أو الساهي لم يفعل إثمًا، فلا حاجة به (٣) إلى الاستغفار.
قلت: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى، قد يفعلون [مثل] (٤) هذا، بناء على نسبتهم التقصيرَ لأنفسهم [في عدم] (٥) التحفظ ابتداء.
٣ - وقيل: يستغفر الله من ذنوبه؛ فإن الذنب يذكر بالذنب (٦).
٤ - وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: يستغفر الله من
_________________
(١) ليست بالأصل، وأثبتها من إحكام الأحكام ١/ ٥٠.
(٢) في الطبعة الهندية للاحكام "النهي" ص ١٧، وما في الأصل موافق للطبعات الأخرى، والمعنى مستقيم عليه.
(٣) في الإحكام ١/ ٥٠، "فالغالط والساهي لم يفعلا إثمًا فلا حاجة بهما" وما في الأصل يستقيم عليه المعنى أيضًا فأبقيته.
(٤) ليست بالأصل وأثبتها من الإحكام ١/ ٥٠.
(٥) بالأصل "مع التحفظ" وما أثبته من الإحكام ١/ ٥٠ ط عالم الفكر، ص ١٧ ط الهند، وهو المستقيم عليه المعنى.
(٦) ذكر هذا ابن العربي/ العارضة ١/ ٢٥.
[ ١ / ٦١٦ ]
الاستقبال الأول (١).
فإن أراد القاضي أبو بكر بـ "الاستقبال الأول" قبل أن تُتخَذ الكُنُف، فلم يكن النهي بلغهم، وأيضًا فأبو أيوب، لا يرى الأحاديث المعارضة لروايته ناسخة، ولا مُخصِّصة، فالأول وغيره عنده سواء.
وإن كان يريد "بالأول" أول الدخول، فليس في الحديث ما يدل على أنه كان أول دخوله جالسًا لقضاء الحاجة نحو القبلة، ثم انصرف عنها.
وإن كان يشير إلى ما قد يقع من ذلك على سبيل الغلط أو السهو، فكان ينبغي أن يبينه. انتهى ما ألفيته في ذلك عن سلف (٢).
وكلهم جعلوا بين الانحراف والاستغفار رابطة.
_________________
(١) الذي في العارضة بدون كلمة "الأول" ١/ ٢٥ كما أشرت لذلك قريبًا، وبذلك لا يتوجه ما بناه المؤلف على تلك اللفظة من المناقشات لابن العربي كما هو مذكور عقب هذا. ولكن يبدو أن كلمة "الأول" هذه وُجدَت في نسخة العارضة التي اعتمد عليها المؤلف حتى لفتت انتباهه للمناقشة لابن العربي في مراده بها، كما سيأتي.
(٢) مما ذكره السابقون على المؤلف ولم يذكره: "أن أبا أيوب شك في عموم النهي فاحتاط بالاستغفار"/ المجموع للنووي/ ٢/ ٨٢.
[ ١ / ٦١٧ ]
٥ - ولو قِيل بأنه (١) أخبر عن أمرين لا تعلق لأحدهما بالآخر، لم يكن به بأس، أخبَر عن الانحراف، لِمعتَقده بقاء الحكم في الكنيف وغيره، وعن الاستغفار المسنون الذي ورد عنه عليه [الصلاة و] السلام: أنه "كان إذا خرج من الخلاء قال: غُفرانك" (٢).
انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني
وأوله: (باب ما جاء من الرخصة في ذلك) وانظر الفهارس في نهاية الجزء الثاني
_________________
(١) يعني أبا أيوب.
(٢) تقدم الحديث في الباب الذي قبل هذا، وتخريجه ص ٤٢٠، ٤٢١ أصل وت.
[ ١ / ٦١٨ ]
تأليف
أبي الْفَتْح مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن سيد النَّاس الْيَعْمرِي الْمُتَوفَّى سنة ٧٣٤ هـ
دراسة وَتَحْقِيق وَتَعْلِيق
الدكتور أَحْمد مَعبد عَبد الْكَرِيم
أستاذ مُسَاعد بكليّة أصُول الدّين قِسم السّنة وعلومها
الْجُزْء الثَّاني
[ ١ / ٦١١ ]