حدثنا محمدُ بنُ بَشّار، ومحمدُ بن المثَنَّى، قالا: ثَنا وَهْبُ بنُ جَرِير، ثنا أَبِي، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله، قال: نَهى النبي -ﷺ- أن تُسْتَقْبَلَ (٢) القِبلةُ ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام، يَستقِبلُها.
وفي الباب عن أبي قَتادَةَ، وعائشةَ، وعَمَّار [بن ياسر] (٣).
قال [أبو عيسى] (٤): وحديثُ جابر في هذا الباب، حديثٌ حسنُ غَريب.
وقد رَوى هذا الحديثَ، ابنُ لَهيعةَ عن أبي الزُّبَير، عن جابر، عن أَبي قَتادة، أنه رأى النبي -ﷺ- يَبُول مُستَقْبلَ القبلة، قال (٥): أنا بذلك قُتيبةُ، قال: ثنا ابنُ لَهيعَة.
_________________
(١) ليست بالأصل وأثبتها من ط شاكر وغيرِها.
(٢) في ط شاكر وغيرها "نَستَقْبِل" بالبناء للفاعل، وما بالأصل مطابق للنسخة التركية.
(٣) ليست بالأصل وأثبتها من ط شاكر وغيرها.
(٤) ليست بالأصل وأثبتها من ط شاكر وغيرها.
(٥) أي الترمذي.
[ ٢ / ٦١٩ ]
وحديث جابر، عن النبي -ﷺ- أصحُّ من حديث ابنِ لَهيعة. وابنُ لَهيعَة ضعيف عند أهل الحديث؛ ضعفه يحيى بنُ سعيد القطان، وغيره [مِنْ قِبَلِ حفظه] (١).
حدثنا هَنَّاد، ثنا عَبَدةُ [بنُ سليمانَ] (٢)، عَن عُبيدِ الله بنِ عمَر، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان (٣)، ابن عمر، قال: رَقِيتُ يومًا على بيت حَفصةَ/، فرأيت النبي -ﷺ- على حاجته، مُستقبل [الشام] (٤) مُستَدْبِر الكعبة.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
[الكلام عليه]
[التخريج والصناعة الحديثية]:
أما حديث ابنِ عمر: فمخرَّج في الكتب الستة (٥).
_________________
(١) ليست بالأصل وأثبتها من ط شاكر وغيرها، وهي غير موجودة في بعض النسخ، مثل المطبوعة مع العارضة ١/ ١٢٦، وإثباتها مهم؛ لكونه انتقد أيضًا بما يتعلق بالعدالة، كما سيأتي في ص ٧٩٣ ت.
(٢) من ط شاكر.
(٣) بالأصل "حَيان" بالياء المثناة من تحت. وكذا في الموضع التالي، وما أثبته موافق لما في التركية وط شاكر وغيرها، وكذا ضَبَطه في التقريب فقال: بفتح الهملة وتشديد الموحدة/ تقريب التهذيب ٢/ ٢١٦.
(٤) بالأصل "مستقبل القبلة ثم" وما أثبته من ط شاكر والنسخة التركية وتؤيده مصادر تخريج الحديث كما سيأتي، وتحفة الأشراف ٦/ ٢٩٦ ح ٨٥٥٢.
(٥) يعني بما فيهم الترمذي، ولذا كان الأولى أن يقول: في بقية الستة؛ لأن تخريج الترمذي له قد عُلِم من صدر الباب، والواقع أن هذا الحديث قد تعددت مصادر =
[ ٢ / ٦٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تخريجه، غير الستة، وخاصة من اشترط الصحة، وتعددت أيضًا طرُقُه عن ابن عمر، مع تعدد الألفاظ ومعارضةِ بعضِها لبعض؛ ولكن مقصود المؤلف من ذلك هو الرواية الموافقة لرواية الترمذي، ومن العلماء من صحح بعض المُتعارِض من ألفاظه، اعتمادًا على النظر في الإسناد، دون بيان وجه للجمع بين المتن ومُعارِضِه، ومنهم من رجح أحد المتعارِضَيْن، لاتفاق أكثر الثقات عليه. ومنهم من عَدَّ المُعارِضَ من مقلوب المتن، فأعله بذلك وإن صح سنده، ومن العلماء من لم يتعرض لشيء من ذلك، ومنهم الشارح هنا كما ترى، مع أهمية ذلك وتعلقه المباشر بحديث الباب، وبالأحكام المستفادة منه من جهة، ومن جهة أخرى أن روايات الحديث المخرجة في الكتب الستة التي أحال عليها المؤلف، بعضُها يعارض رواية الترمذي، مع كونها عن ابن عمر أيضًا. لهذا رأيت التوسع في تخريج طرقِ الحديث وألفاظِه من بقية الكتب الستة وغيرها وتحقيقَ القولِ فيها بقدر الإمكان، منعًا لِلبْس عندما يطلق حديث ابن عمر في موضوع هذا الباب، وفي بقية شرح المؤلف له كما سيأتي. وخلاصة ذلك أني وجدت الحديثَ قد رواه عن ابن عمر أربعةُ وهم: نافِعٌ مولاه، ورافعُ بن حُنَين أبو المغيرة، والشعبي، وواسع بن حَبّان. وعن هؤلاء الأربعة تعددت طرق الحديث، واختلفت مراتبُها، وألفاظُها. فقد جاء من الطرق الثلاثة الأول: أن ابن عُمر رأى الرسول -ﷺ- على خَلائِه مُستقْبِلَ القبلةَ. وهذا يستلزم حُكمًا آخر وهو استدبار الرسول -ﷺ- حينذاك - لبيت المقدِس بالشام؛ وذلك لأن مَن استقبلَ القِبلةَ وهو بالمدينة المنورة يكون مُستدْبِرَ الشام، بما فيها بيت المقدس. وسيأتي التصريح بذلك في بعض الروايات. أما طريقُ واسع بن حَبَّان فقد جاء الحديث من بعض وجوهها بمثل الرواية الأولى أو بمعناها أو بنحوها. وجاء من أكثرِ وجوهها وأصحها: أن ابن عمر رأى الرسول -ﷺ- يقضي حاجته مُستدبِر القبلة، مستقبل الشام، حيث بيت المقدس.=
[ ٢ / ٦٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وجاء من بعض وجوهها أيضًا "مستقبلَ القبلة أو بيت المقدس" على الشك من بعض الرواة. ولكن أكثرَ الثقاتِ -كما سيأتي- يتفقون على رواية "مستدبر القبلة" وما هو بمعناها أو بنحوها. وتفصيل ذلك كما يلي: أما طريق نافع فأخرجها ابن ماجه وتلميذه أبو الحسن بن سلمة -الطهارة- باب الرخصة في (استقبال القبلة) في الكنيف وإباحتِه، دون الصحاري - وذلك من طريقين عن عُبيد الله بن موسى عن عيسى الحَناط عن نافع عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله -ﷺ- في كنيفه مستقبل القبلة" وفي آخر الحديث عند ابن ماجه وتلميذِه، زيادة، وقد أورد أبو الحسن بن سلمة روايته هذه عقب رواية شيخه في السنن، وساق إسناده بها، وأحال بالمتن على رواية شيخه، فذكر أنه نحوها/ سنن ابن ماجه ١/ ١١٧ ح ٣٢٣. ولكن البوصيري في الزوائد ذكر الرواية بسندها ومتنها كاملًا عقب رواية ابن ماجه، وحكم على إسناد كل من ابن ماجه وتلميذه بالضعف: لوجود عيسى الحناط في كليهما/ مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه -الطهارة- باب الرخصة في استقبال القبلة بالبول والغائط ١/ ٤٧ بتصحيح الكشناوي. وقد تقدم في تعليقي على الباب السابق ص ٥٨٥ ت - ٥٨٧ ت التعريف بعيسى الحناط وبيان أن أكثر العلماء وصفوه بما يدل على شدة ضعفه، لا ضعفه فقط، كما ذكر البوصيري، وعليه يكون الحديث من طريقه شديد الضعف، لا ضعيفًا فقط. هذا وتجدر الإشارة إلى أن أبا الحسن بن سلمة قد ذكر خلال روايته للسنن عن ابن ماجه أحاديثَ مُتعددة يرويها عن غير ابن ماجه، مثل حديثنا هذا. ولكن الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي تارة يدخل هذه الأحاديث ضمن عدد أحاديث سنن ابن ماجه، فيعطيها رقمًا متسلسلًا مثل أحاديث الأصل، وتارة يهمل =
[ ٢ / ٦٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ترقيمها/ انظر سنن ابن ماجه - بتصحيح محمد فؤاد عبد الباقي ١ / ح/ ٣٢١، ٣٢٣، ٣٢٤ و٢ / ح/ ٢٧٢٢. وأيضًا الحافظ البوصيري، تارة يُدخِل بعض هذه الزوائد ضمن زوائد ابن ماجه على الكتب الستة، دون تنبيه ولا تمييز، وتارة ينبه/ انظر مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، للبوصيري ١/ ٤٦، ٤٧ وقارِنْه بالسنن ط فؤاد عبد الباقي ١/ ١٦، ١٧. أما الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي فقد أدخل جميع زيادات أبي الحسن، هذه ضمن الترقيم المسلسل لسنن ابن ماجه، وضِمْن فهارس ألفاظه، دون تمييز، بل إنه علق على أحد الأحاديث الزائدة بقوله: هذا الحديث بخط أحمد بن أيوب -حسبما يظهر- وهو على هامش الأصل، لكنه من مرويات ابن قدامة، وعليه علامة "صح"، لذلك أدخلناه في الكتاب/ انظر سنن ابن ماجه بتحقيق وترقيم وفهرسة د. الأعظمي ٢/ ٩٩ ح ٢٦٥٣، وانظر أيضًا ج ١ / ح ٧٣، ٢١٧، ٢١٨، ٢٢٧، ج ٢ / ح ٢٧٥٥، وقد أدخل الحديث الأخير ضمن ما عنونه صراحة بقوله "المعجم المفهرس لألفاظ سنن ابن ماجه". انظر ج ٣/ ٣٥٩ كلمة "سدس". ونعم إنه ذكر في مقدمة التحقيق أن عدد أحاديث السنن: أربعة آلاف وثلاثمائة وسبع وتسعون حديثًا، بما فيها من زيادات القطان -يعني أبا الحسن- لأنه يقال له القطان أيضًا، ١/ ١٩؛ لكن هذه الإشارة المُجملة غير كافية، وإدخال هذه الزوائد في الترقيم العام لأحاديث السنن وفي فهارسه المعجمية دون تمييز لا وجه له؛ لكون تلك الأحاديث ليست من رواية ابن ماجه قطعًا، وطالما أن الدكتور قد رجح الاعتماد في التحقيق على رواية واحدة للسنن، بحجة تجنب اختلاط روايات السنن نفسها عن ابن ماجه/ مقدمة التحقيق ١/ ٢٠ ط ثانية، فمن باب أولى كان يجب عليه فصل هذه الزوائد في الترقيم والفهارس، تجنبًا لما هو واقع فعلًا من اختلاطها بأحاديث السنن، وهي ليست منها. =
[ ٢ / ٦٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ذلك الاختلاط الذي يقع للقارئ العادي، بل وللمخرجين للأحاديث من تلك السنن، حتى من بعض ذوي الخبرة بعلم الحديث، كما سيأتي بعض أمثلته قريبًا في التعليق على أحاديث هذا الباب. كما نرجو أن يتنبه الدكتور لاستبعاد هذه الزوائد من حساباته الرقمية والإحصائية لأحاديث سنن ابن ماجه التي أودعها في حاسبه الآلي، حتى لا ينتهي الأمر بمن يعتمد على نتائج عمله إلى تقويل ابن ماجه من أحاديث الرسول -ﷺ- ما لم يقله، وإن كان الدكتور لا يقصد ذلك قطعًا، ولا يقبله. وهذا من باب النصيحة والمشورة التي رحب بها غير مرة في طبعته هذه مثلما في ج ٣/ ١٠، ١٢، والله من وراء القصد. وأعود لمواصلة تخريج الحديث، فأقول: إن الدارقطني قد أخرجه من طريق موسى بن داود عن حاتم بن إسماعيل عن عيسى بن أبي عيسى الحَنَّاط عن نافع عن ابن عمر قال: "رأيت النبي -ﷺ- ذهب مذهبًا مواجه القِبْلَة" وفي آخره زيادة، ثم قال الدارقطني عقبه: عيسى بن أبي عيسى هو الحنَّاط، وهو عيسى بن ميسرة، وهو ضعيف/ سنن الدارقطني - الطهارة - باب استقبال القبلة في الخلاء ١/ ٦١ ح ١١، وإذا كان الدارقطني وصف عيسى هنا بالضعف فقط؛ فإنه قال عنه مرة أخرى: إنه "متروك"/ سؤالات البرقاني للدارقطني/ ٥٤ ترجمة ٣٨٧. وهذا يقتضي شدة ضعفه كما قدمت. وأخرجه البيهقي من طريق يعقوب بن كعب الحلبي عن حاتم بن إسماعيل، به بلفظ "دخلت بيتَ حفصة فَحانَت مِني التفاتة، فرأيت كنيف رسول الله -ﷺ- مستقبلَ القبلة وفي آخره زيادة، ثم قال البيهقي: "وهكذا رواه موسى بن داود وغيره عن حاتم بن إسماعيل". (يعني وحاتم يرويه عن عيسى، به)، ثم ذكر البيهقي تضعيف عيسى كما تقدم في كلام الدارقطني/ سنن البيهقي الكبرى - الطهارة - جماع أبواب الاستطابة - باب الرخصة في ذلك في الأبنية ١/ ١٩٣. وأخرج ابن عبد البر رواية عيسى أيضًا ولَقَّبَه بالخياط، وذلك من طريق عبيد الله بن موسى عن عيسى الخياط عن نافع عن ابن عمر قال: "رأيت =
[ ٢ / ٦٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رسول الله -ﷺ- في كنيفه مستقبل القبلة" وفي آخره زيادة/ التمهيد ١/ ٣٠٨، ومع وجود عيسى في سنده فلم يعلق عليه ابن عبد البر بشيء، ولعله اكتفى بما قرره في المبحث نفسه، وقبل ذكر عيسى بصفحتين: أن أَثْبَتَ روايات حديث ابن عمر رواية "مستدبِرَ القبلة" كما سيأتي، وانظر التمهيد ١/ ٣٠٦. وعلى أي حال فإن عيسى لم ينفرد بالحديث، فقد تابعه عليه يحيى بن أبي كثير الطائي، وذلك فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق أيوب بن عُتْبة عن يحيى بن أبي كثير عن نافع عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله -ﷺ- يتخلَّى على لَبِنتين مستقبل القبلة/ المسند ٢/ ٩٩. وأخرجه أبو أُمية الطرسوسي، عن أحمد بن يونس عن أيوب، به، بلفظ: رأيت رسول الله -ﷺ- يبرُز بين لبنتين وهو مستقبل القبلة، وهو (أي ابن عمر) على ظهر بيت، قال أيوب: كأنه فجئه/ مسند عبد الله بن عمر، رواية أبي أمية الطرسوسي/ ٣٩ ح ٦٤. وأخرجه ابن عدي أيضًا في الكامل في ترجمة أيوب ضمن أحاديثه المعلولة، وذلك من طريقين: إحداهما عن علي بن ثابت الجَزَري عن أيوب به، بلفظ: "رأيت رسول الله -ﷺ- جالسًا للغائط وللبول على حجرين أو لَبِنتين مستقبلًا القبلة، وذكر أن لفظ الحديث من الطريق الأخرى نحو هذا/ الكامل ١/ ٣٤٥ من الطبعة الأولى. وأيوب بن عُتبة قد ضعفه الأكثرون، وفسر بعضُهم الضعف بسوء الحفظ/ انظر الكامل ١/ ٣٤٣ - ٣٤٦ وتهذيب التهذيب ١/ ٤٠٨ - ٤١٠. وأما يحيى بن أبي كثير الطائي، فهو ثقة ثبت؛ ولكنه يُرسل ويُدَلِّس، وتدليسه مُحتمل/ التقريب ٢/ ٣٥٦، والتهذيب ١/ ٢٦٨١ - ٢٧٠ وطبقات المدلسين لابن حجر/ ٣٦ بتصحيح د. القريوتي. =
[ ٢ / ٦٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعلى هذا يكون الحديث من هذا الطريق ضعيفًا، لضعف أيوب، ولا ينجبر ضعفه بطريق عيسى السابقة، لشدة ضعفها كما تقدم. أما رواية الشعبي عن ابن عمر فأخرجها الدارقطني من طريق عمر بن شبيب عن عيسى الحناط عن الشعبي عن ابن عمر قال: أتيت النبي -ﷺ- في حاجة، فلما دخلت عليه فإذا النبي -ﷺ- في الحَرَج على لبنتين مستقبل القبلة، ثم ذكر تضعيف عيسى كما تقدم/ سنن الدارقطني - الطهارة - باب استقبال القبلة في الخلاء ١/ ٦١ و"الحَرَج" هو المكان/ التعليق المغني على سنن الدارقطني ١/ ٦٠ أو المكان الشديد الضيق/ المعجم الوسيط، مادة "حرج". وذكر ابن عبد البر رواية الشعبي أيضًا من طريق عُبَيد الله بن موسى عن عيسى بن أبي عيسى الخَياط عن الشعبي عن ابن عمر قال: حانت مني التفاتة، فرأيت النبي - عليه (الصلاة و) السلام في كنيفه مستقبل القبلة/ التمهيد ١/ ٣٠٨. ومدار رواية الشعبي هذه كما ترى على عيسى الخياط، فتكون شديدة الضعف، لِمَا تقدم من شدة ضعف عيسى. وبذلك لا ينجبر بها ضعف طريق نافع السابقة. وأما رواية رافع بن حُنَين أبي المغيرة عن ابن عمر، فقد أخرجها الإمام أحمد، من طُرق عن فُلَيح بن سليمان عن عبد الله بن عكرمة عن رافع بن حنين أبي المغيرة عن ابن عمر أنه رأى لرسول الله -ﷺ- مذهبًا مواجه القبلة/ مسند أحمد ٢/ ٩٧، ٩٩. وأخرجه الدولابي عن النسائي عن محمد بن رافع عن (سُريج) بن النعمان قال حدثنا فُلَيح بن سليمان، به، بنحو رواية أحمد السابقة/ الكنى للدولابي ٢/ ١٢٦ ترجمة أبي المغيرة. =
[ ٢ / ٦٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه البخاري في تاريخه الكبير من طريق يونس بن عمد قال حدثنا فُلَيح، به، بلفظ رواية أحمد مع ذكر "النبي" بدل "الرسول"،/ التاريخ الكبير للبخاري ٣/ ٣٠٧، ترجمة "رافع، أبو المغيرة". وطريق البخاري المذكورة هي إحدى طرق الحديث عند أحمد، وعلى أساسها حكم الشيخ أحمد شاكر -﵀- بصحة الحديث/ انظر تعليقه على مسند أحمد ٨/ ٦٩ - ٧٠ ح ٥٧١٥، مع أن في هذه الطريق وفي بقية الطرق فُلَيحًا بن سليمان، وهو مُختلَف فيه، وقد رجح الشيخ أحمد شاكر توثيقه، وبالتالي صحح الحديث، وفليح قد احتج به الشيخان، لكن ضعفَه عدد من الأئمة، وترجم له البخاري في تاريخه الكبير ٧/ ١٣٣ ترجمة ٦٠١ وفي تاريخه الصغير/ ١٨٨ ط الهند، ولم يَذكُر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الحافظ ابن حجر: إن البخاري لم يعتمد عليه -يعني في الصحيح- اعتماده على مالك وابن عُيينة وأضرابُهما، وإنما أخرج له أحاديث أكثرُها في المناقب، وبعضها في الرقائق، وأخرج له مسلم حديثًا واحدًا، وهو حديث الإفك/ هدي الساري/ ٤٣٥ ط السلفية، ثم إنه لخص حاله بقوله: صدوق كثير الخطأ/ التقريب ٢/ ١١٤، واعتمد الذهبي قول المضعفين له/ الكاشف ٢/ ٣٨٧ وديوان الضعفاء / ٢٥٠ كلاهما للذهبي وانظر تهذيب التهذيب ٨/ ٣٠٤، ٣٠٥، وقد وثقه ابن عدي في بعض مروياته عن نافع عن ابن عمر، وعن بعض الشيوخ من أهل المدينة مثل: أبي النضر، وغيره، ثم قال: وهو عندي لا بأس به/ الكامل لابن عدي ٦/ ٢٠٥٥، ٢٠٥٦، وقال الدارقطني: يختلفون فيه، ولا بأس به/ الميزان ٣/ ٣٦٥، ٣٦٦. أقول: فلعل قول ابن عدي والدارقطني هو الأنسب لحال فُلَيح، ويكون الشيخان قد انتقيا من حديثه ما هو تام التوثيق فيه عندهما، ويلاحظ أنهما قد أخرجا حديث ابن عمر هذا من غير طريق فليح كما سيأتي، مع أن فليحًا قد رواه كما نرى عن بعض ثقات المدنيين، وهو عبد الله بن عكرمة بن عبد الرحمن المخزومي المدني/ تعجيل المنفعة لابن حجر ٢٢٩. =
[ ٢ / ٦٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعمومًا فعلى ما قدمته من الأنسب في حال فُليح، وهو أنه لا بأس به، يكون هذا الإسناد حسنًا لذاته فقط، وليس صحيحًا كما قرر الشيخ أحمد شاكر، بل إنه لو سُلمت صحة الإسناد من هذا الطريق، أو من غيره كما سيأتي، فإن متن هذا الحديث وما هو بمعناه يعتبر معلولًا، لمعارضته بما اتفق أكثر الثقات من رواة الحديث عليه، وهو أن ابن عمر رأى الرسول -ﷺ- على حاجته مستدبر القبلة، لا مستقبلها كما في هذه الرواية وما بمعناها أو بنحوها. ولا يتأتى الجمع بين الروايتين الا على القول بتعدد الواقعة، بمعنى أن يكون ابن عمر رأى الرسول -ﷺ- على خلائه مرتين: إحداهما: مستقبل القبلة، والأخرى: مستدبرها، وهذا ما لم نجده في مختلف روايات الحديث؛ بل الذي جاء في بعضها يدل على عكس ذلك، وهو عدم تكرر رؤية ابن عمر للرسول -ﷺ- وهو على هذه الحالة، مثل قول ابن عمر في الروايات المتقدمة: "حانت مني التفاتة" وقول أحد رواة الحديث وهو أيوب بن عتبة -كما تقدم-: إن ابن عمر "كأنه فجئه". وفي رواية سعيد بن منصور في سننه، قال ابن عمر: ظهرت على إجَّار في بيت حفصة في ساعة لم أكن أظن أحدًا يخرج فيها " (الحديث)، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي ٤/ ٢٣٤، وجمع الجوامع في الحديث للسيوطي ٢/ ٥٠٦ ط الأولى، وسيأتي نحوه أيضًا في رواية الدارقطني. وقد أقر هذا شُرَّاحُ الحديث، ومنهم الشارح هنا كما سيأتي في الأصل، وكذا غيرهم، كما سيأتي في التعليق، فاهتموا جميعًا بالتأكيد على أن رؤية ابن عمر للرسول -ﷺ- على هذه الحالة لم تكن مقصودة له ابتداء؛ لأنها حالة لا يليق تتبع الرسول فيها، حيث يُمكن معرفةُ حكمها وهيئتها الشرعيين بسؤاله -ﷺ- أو سؤال أهل بيته وخَدَمِه، ولكنها كانت مصادفة أتيحت لابن عمر فانتهزها في استفادة الحكم الشرعي مباشرة/ انظر فتح الباري ١/ ٢٤٧ ونيل الأوطار ١/ ٩٩ ط المنيرية، والمعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر للزركشي بتحقيق الشيخ حمدي السلفي/ ١٧٢. =
[ ٢ / ٦٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وحيث لم يمكن الجمع بوجه معتبر فتترجح رواية أكثر الثقات وهي الاستدبار،، على رواية "الاستقبال" ولو كان بعض أسانيدها حسنًا أو صحيحًا، ولو تعددت طرقها ومخارجها عن ابن عمر كما تقدم، وتكون معلولة بمخالفة أكثر الثقات لها كما سيجيء، وعليه فلا يُسلَّم تحسين هذا المتن، ولا تصحيح غيره له من طريق أخرى. وأما طريق واسع بن حَبَّان فيروي الحديث بها عنه ابن أخيه: محمد بن يحيى بن حَبَّان، وهو ثقة فقيه/ التقريب ٢/ ٢١٦ والتهذيب ٩/ ٥٥٧ - ٥٠٨. وعن محمد تعدد الرواة للحديث، وتفرع الإسناد، واختلفت ألفاظ المتن؛ فبعضهم رواه بلفظ الاستقبال أو التوجه للقبلة، وأكثرهم رواه بلفظ "استدبارها"، وبعضهم رواه على الشك بين الاستقبال والاستدبار، وتفصيل ذلك كما يلي: فممن رواه عن محمد: يحيى بن سعيد الأنصاري، وعن يحيى تعدد الرواة، بطرقهم: فرواه عنه مالك في الموطأ، بلفظ: أن عبد الله بن عمر قال: "لقد ارتقَيْتُ على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله -ﷺ- على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته، وذلك في أثناء حديث/ الموطأ - كتاب القبلة - باب الرخصة في استقبال القبلة لبول أو غائط ١/ ١٩٣، ١٩٤ ح ٣. وكما قدمتُ أن روايات استقبال القبلة تستلزم حكمًا آخر وهو استدبار الرسول -ﷺ- لبيت المقدس بالشام، فإن رواية مالك هذه وما بمعناها تستلزم العكس وهو استقباله -ﷺ- حالتئذ لبيت المقدس، وإن لم يُصَرح به في مثل هذه الرواية، فقد صرح به في غيرها كما سيأتي. وعن مالك أخرج الشافعي الرواية بلفظها/ الرسالة ٢٩٢، ٢٩٣، بتحقيق الشيخ شاكر، واختلاف الحديث - باب استقبال القبلة للغائط والبول/ ٢٢٦ ط مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت. =
[ ٢ / ٦٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعنه أيضًا أخرجه البخاري بنحوها - الوضوء - باب من تبرز على لَبنَتَيْن/ البخاري مع الفتح ١/ ٢٤٦، ٢٤٧ ح ١٤٥. وكذا أخرجه أبو داود في سننه/ الطهارة - باب الرخصة في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة/ السنن مع بذل المجهود ١/ ٢٩ - ٣١. وأخرجها كذلك النسائي في سننه الصغرى دون ذكر الزيادات التي وردت عند السابقين - الطهارة - باب الرخصة في (الاستقبال) في البيوت/ السنن مع حاشيتي السيوطي والسندي ١/ ٢٣، ٢٤. وأخرجها كذلك ابن حبان في صحيحه، مع ذكر الريادة التي في أوله فقط/ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، لابن بَلبان الفارسي ٢/ ٤٩٨ ح ١٤٠٨. ومن طريق الشافعي والقعنبي، كلاهما عن مالك به أخرجها البيهقي في سننه الكبرى مع الزيادة التي في أوله فقط - الطهارة - باب الرخصة في ذلك في الأبنية ١/ ٩٢. ومن طريق أبي مصعب عن مالك، به أخرجها البغوي في شرح السنة - الطهارة - باب أدب الخلاء ١/ ٣٦٠ ح ١٧٦. ومن طريق ابن وهب عن مالك أخرجها الطحاوي/ شرح معاني الآثار - كتاب الكراهة - باب استقبال القبلة بالفروج للغائط والبول ٤/ ٢٣٣. ومن طريق الشافعي عن مالك أخرجها الحازمي في الاعتبار - الطهارة - باب النهي عن استقبال القبلة والخلاف فيه/ ٤٠. وقد تابع مالكًا يزيد بن هارون وسليمان بن بلال وأنس بن عياض، والأوزاعي، وهُشَيم بن بَشِير، وعبد الوهاب الثقفي، وجميعهم ثقات أثبات، إلا أن عبد الوهاب اختلط قبل موته بثلاث أو أربع سنوات، ولكن ابن المديني قال: ليس في الدنيا كتاب عن يحيى-يعني بن سعيد الأنصاري- أصح من كتاب =
[ ٢ / ٦٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عبد الوهاب، وكل كتاب عن يحيى فهو عليه كَلٌّ/ تهذيب التهذيب ٦/ ٤٤٩ - ٤٥٠، أقول: وروايته هنا عن يحيى بن سعيد الأنصاري، مع موافقة المذكورين له كما سيأتي، وأيضًا قال الذهبي: إنه ما حدث في زمن اختلاطه/ الميزان ٢/ ٦٨٠، ٦٨١، وانظر فتح المغيث للسخاوي مبحث المختلطين من الثقات ٣/ ٣٤٠، والكواكب النيرات لابن الكيال/ ٣١٤ - ٣١٩. أما يزيد بن هارون فأخرج البخاري روايته عن يعقوب بن إبراهيم عن يزيد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى، به بلفظ: لقد ظهرت ذات يوم على ظهر بيتنا، فرأيت رسول الله -ﷺ- قاعدًا على لَبِنَتَيْن مستقبل بيت المقدس. الوضوء - باب التبرز في البيوت ١/ ٢٥٥ ح ١٤٩ مع الفتح. وعن يزيد بن هارون، به أخرجه الدارمي بنحوه - سنن الدارمي - الطهارة - باب الرخصة في استقبال القبلة ١/ ١٣٦ ح ٦٧٣. وأخرجه أحمد في المسند عن يزيد، به بلفظ/ المسند ٢/ ٤١. وأخرج ابن المنذر الحديث من طريق يزيد، به، بنحوه/ الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، لابن المنذر - تحقيق د. أبو حماد صغير ١/ ٣٢٧ ح ٢٦٢. وأخرجه البيهقي في السنن من طريق يزيد، به، بلفظ: أن ابن عمر قال: لقد رَقِيتُ ذات يوم على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله -ﷺ- قاعدًا على لبنتين لحاجته، مستقبل الشام مستدبر القبلة - سنن البيهقي الكبرى - الطهارة - باب الرخصة في الأبنية ١/ ٩٢. واشتمال تلك الرواية على ذكر استقبال الشام واستدبار القبلة معًا، يدل على أن عدم ورودهما معًا في روايات أخرى كما تقدم وكما سيأتي، إنما ذلك من باب الاكتفاء فقط، لأن مِن لازِمِ استقبالِ الشام بالمدينة استدبارَ القبلة كما ذكرتُ من قبل، وذكر ابن حجر والعيني، أن ذِكْرَها في الروايات الأخرى من باب التأكيد والتصريح/ الفتح ١/ ٢٥٠ والعمدة =
[ ٢ / ٦٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٢/ ٢٨٦، ويدل هذا أيضًا على أن قول الحافظ ابن حجر: "ولم يقع في رواية يحيى: مستدبر القبلة" يصدُق على رواية البخاري وما يماثلها، ولا يعتبرُ نفيًا لوقوعها في رواية يحيى مطلقًا، بدليل رواية البيهقي هذه، وكان الأولى تقييد الحافظ صراحة لنفي الوقوع، برواية الصحيح كما فعل العيني، أو تنبيهه على رواية البيهقي هذه/ انظر الفتح ١/ ٢٥٠ والعمدة ٢/ ٢٨٧. وأخرج أبو يعلي الموصلي الحديث فقال: حدثنا زهير، ثنا يزيد، به، بلفظ: ولقد صعدت يومًا على بيتنا فرأيت رسول الله -ﷺ- على حاجته -شَكَّ أبو يعلي- مستقبلَ بيت المقدس، وفي أول الحديث قصة/ مسند أبي يعلي/ ق ٢٦٤،/ وطالما تحدد أن الشك وقع من أبي يعلي في اللفظ الذي تلقاه عن شيخه زهير، فلا يقدحُ ذلك في أصل الحديث عمن فوقه. وقد أخرج الإسماعيلي في مستخرجه على صحيح البخاري عن أبي يعلي رواية له من طريق آخر-كما سيأتي- خالية من شكه هذا ولفظها "مستدبر القبلة مستقبل الشام" فتكون هي المعتمدة، وهي موافقة لبقية الروايات عن يزيد بن هارون ومَن تابعه في الصحيح وغيره. وستأتي رواية أخرى ليزيد مشاركًا للأوزاعي أيضًا. وأما سليمان بن بلال، فأخرج مسلم روايته في الصحيح من طريقه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، به، بلفظ: "ولقد رَقِيت على ظهر بيت، فرأيت رسول الله -ﷺ- قاعدًا على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس لحاجته" وفي أوله قصة - الطهارة - باب الاستطابة ٢٢٤/ ١، ٢٢٥ ح ٦١. وأما أنس بن عياض فأخرج روايته الطحاوي من طريقه عن يحيى بن سعيد، وأحال بباقي الإسناد والمتن على رواية مالك السابقة، حيث كان أخرجها قبل رواية أنس/ شرح معاني الآثار - الكراهة - باب استقبال القبلة بالفروج للغائط والبول ٤/ ٢٣٤. =
[ ٢ / ٦٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما الأوزاعي فأخرج ابن ماجه من طريق يزيد بن هارون والأوزاعي، كلاهما عن يحيى بن سعيد، به. بلفظ: "ولقد ظهرت ذات يوم من الأيام على ظهر بيتنا فرأيت رسول الله -ﷺ- قاعدًا على لَبِنتين مستقبل بيت المقدس" وفي أوله زيادة، وقال ابن ماحه عَقِبه: هذا حديث يزيد بن هارون/ سنن ابن ماجه - الطهارة - باب الرخصة في ذلك في الكنيف، وإباحته، دون الصحارى/ ١/ ١١٦ ح ٣٢٢، ومعنى قوله: "هذا حديث يزيد بن هارون" أن روايته عن يحيى باللفظ المذكور، وأن رواية الأوزاعي عن يحيى بلفظ آخر؛ ولكنها موافقة لرواية يزيد في المعنى، فجمعهما ابن ماجه معًا في السياق. وأما هُشَيم فأخرج الدارقطني روايته من طريق الحسن بن عرفة، نا هُشَيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، به، بلفظ: ظهرت على إجَّار على بيت حفصة في ساعة لم أظن أحدًا يخرج في تلك الساعة، فاطلَعْتُ فإذا أنا برسول الله -ﷺ- على لبنَتين مستقبل بيت المقدس/ سنن الدارقطني - الطهارة - باب استقبال القبلة، في الخلاء ١/ ٦١ ح ١٢. وأخرجه الطحاوي من طريق سعيد بن منصور أنا هُشيم، به، بنحوه/ شرح معاني الآثار - الكراهة ٤/ ٢٣٤. وأخرجه البغوي وابن عبد البر من طريقين، إحداهما طريق هُشَيم عن يحيى بن سعيد، به، بلفظ: "فرأيت رسول الله -ﷺ- جالسًا على حاجته مستقبلًا بيت المقدس، مستدبر الكعبة"، وقال البغوي عقب ذكر الحديث من الطريقين: هذا حديث صحيح/ شرح السنة - الطهارة - باب أدب الخلاء ١/ ٣٦١ ح ١٧٧ والتمهيد ١/ ٣٠٦. وأخرجه ابن خُزيمة من طرق -سيأتي باقيها- وإحداها طريق هُشَيم عن يحيى ابن سعيد، به، بنحو الرواية السابقة، مع تقديم استدبار القبلة على استقبال بيت المقدس/ صحيح ابن خزيمة - الوضوء باب ٤٤/ ١ / ٣٤، ٣٥ ح ٥٩. وأما عبد الوهاب الثقفي - فأخرج ابن خزيمة الحديث من طرق كما أشرت، ومنها =
[ ٢ / ٦٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = طريق عبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد، به، بنحو الرواية السابقة/ صحيح ابن خزيمة/ الموضع السابق. وهناك رواية للحديث عن يحيى بن سعيد أيضًا، ولكنها تخالف ما اتفق هؤلاء السبعة على روايته عنه، فقد أخرج ابن عبد البر عن شيخين له، أحدهما عبد الوارث بن سفيان بسنده إلى مُسدَّد قال: حدثنا حفص بن غِياث عن يحيى بن سعيد، به، بلفظ: أن ابن عمر قال: "رأيت النبي -ﷺ- قاعدًا على لبنتين يقضي حاجته متوجهًا نحو القبلة أو بيت المقدس/ التمهيد ١/ ٣٠٥. وتلك الرواية كرواية أبي يعلي الموصلي السابقة، تفيد شك الراوي بين الاستقبال للقبلة والاستدبار لها، وقد ذكر ابن عبد البر أن لفظة "أو بيت المقدس" والتي أفادت الشك، قد جاءت في رواية شيخه عبد الوارث وحدَه، أما شيخه الآخر سعيد بن نصر فقد روى له الحديثَ بسند آخر إلى أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث عن يحيى بن سعيد، به، بلفظ "متوجهًا نحو القبلة" فقط بدون لفظة "أو بيت المقدس"/ التمهيد/ الموضع السابق. ويبدو أن تلك الرواية التي بدون عبارة الشك هي المعتمدة من طريق حفص هذه، فقد أخرجها ابن أبي شيبة في مُصنفه عن حفص بن غِياث، به، بلفظ: "متوجهًا نحو القبلة" فقط. وهكذا أخرجها ابن عبد البر بنحوها عن شيخه عبد الوارث نفسه، وذلك بعد روايته السابقة، التي تفيد الشك، ومن طريق آخر كما سيأتي/ وانظر التمهيد ١/ ٣٠٦. ومن التخريج السابق يتضح لنا: أن روايتي ابن أبي شيبة وابن عبد البر بلفظ: "التوجه نحو القبلة"، وأن مدارهما عندهما على حفص بن غياث عن يحيى بن سعيد. وحفص ثقة مأمون فقيه، لكن تغير حفظه قليلًا بآخِرِه، وعدَّه ابن حجر من الطبقة الأولى من المدلسين، فتدليسه نادر غير قادح فيه/ تقريب التهذيب =
[ ٢ / ٦٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١/ ١٨٩ وتهذيب التهذيب / ٢/ ٤١٥ - ٤١٨ وطبقات المدلسين/ ٢٥ بتحقيق د. البنداري وآخر. وقد خالفت رواية حفص هنا ما اتفق عليه الثقات السبعة السابق ذكر رواياتهم، والمشاركون في رواية الحديث عن يحيى بن سعيد، به، حيث اتفقوا على أن ابن عمر رأى الرسول -ﷺ- يقضي حاجته مستدبرًا القبلة، لا متوجهًا نحوها، وبذلك تكون روايته معارضة لروايتهم، وتَقدَم بيانُ عدم إمكان الجمع بين الروايتين، فتترجح إذن رواية أكثر الثقات التي بلفظ استدبار القبلة، وتعد رواية حفص التي بلفظ "التوجه نحو القبلة" شاذة أو معلولة، وإن اتصل سند ابن أبي شيبة بها برواية الثقات. وسيأتي أيضًا بعض الروايات من بعض الطرق الأخرى عن يحيى بن سعيد، مع موافقتها لرواية أكثر الثقات المذكورة. هذا وقد روى الحديث عن محمد بن يحيى بن حَبَّان أيضًا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب، فشارك بذلك يحيى بن سعيد الأنصاري في روايته عن محمد بن يحيى/ وكما تعدد رواة الحديث، وتعددت رواياته عن يحيى الأنصاري، على النحو السابق، فقد تعددت الرواية والرواة أيضًا عن عبيد الله بن عمر، وبعض الرواة رَوى الحديثَ عن يحيى وعُبيد الله وغَيرِهما مجتمعين في سياق واحد، وبعضهم روى عنهما متفرقين، كما سنشير إليه. فممن رواه عن عبَيدِ الله: أنسُ بنُ عِياض، ومحمدُ بن بِشر العبدي، وعبدة بن سليمان الكلابي، وعقبة بن خالد، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الرزاق الصنعاني، ويحيى بن سعيد القطان، وسبعتهم ثقات. فرواية أنس بن عياض أخرجها البخاري من طريق أنس عن عُبَيدِ الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن واسِع عن ابن عُمر قال: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي فرأيت رسول الله -ﷺ- يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام/ الوضوء - باب التبرز في البيوت/ البخاري مع الفتح ١/ ٢٥٠ ح ١٤٨. =
[ ٢ / ٦٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه من طريق أنس، به، بلفظ: ارتقيت فوق بيت حفصة فرأيت النبي -ﷺ- .. والباقي سواء - فرض الخمس - باب ما جاء في بيوت أزواج النبي -ﷺ-/ البخاري مع الفتح ٦/ ٢١٠ ح ٣١٠٢. وقد تقدمت رواية أنس للحديث عن يحيى بن سعيد، بنحو روايته هذه عن عبيد الله، فاتفقت روايته عنهما. وأما رواية محمد بن بِشْر فأخرجها مسلم من طريق محمد، عن عبيد الله بن عمر، به، بلفظ: رَقِيتُ على بيت أختي حفصة فرأيت رسول الله -ﷺ- قاعدًا لحاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة - الطهارة - باب الاستطابة/ صحيح مسلم ١/ ٢٢٥ ح ٦٢. وأما رواية عَبدة فأخرجها الترمذي كما في الأصل، وقال: حسن صحيح، ولفظها مُقارِب لرواية مسلم السابقة. وأخرجها كذلك أحمد في المسند، عنه، به، بنحو رواية مسلم أيضًا/ المسند ٢/ ١٢. وأما رواية عَقبةَ بن خالد فأخرجها ابنُ الجارودِ، من طريق عقبةَ عن عُبَيد الله، به، بلفظ: "رَقِيت فوق بيت حفصة -﵂-، فرأيت رسول الله -ﷺ- يقضي الحاجة مستقبل بيت المقدس مستدبر الكعبة/ المنتقى - الطهارة - باب كراهية استقبال القبلة للغائط والبول والاستنجاء/ ٢٠، ٢١ ح ٣٠. وأما رواية عبد الأعلى، فقد أخرج ابن خُزَيمة الحديث منها عن عبيد الله، به، مع طرق أخرى، كما أشرت من قبل، وجَمَع الطرقَ جميعًا على محمد بن يحيى بن حَبَّان عن عمه واسع بن حبان عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ابنة عمر، فصعدت على ظهر البيت، فأشرفت على النبي -ﷺ- وهو على خلائه مستدبر القبلة متوجهًا نحو الشام، ثم قال: هذا لفظ حديث عبد الأعلى، ثم بَيَّن ورود مخالفة لهذا اللفظ من أحد الرواة في الطرق الأخرى وهو أبو هشام المخزومي، كما سيأتي/ وانظر صحيح ابن خزيمة - الطهارة - باب ٤٤/ ١ / ٣٤، ٣٥ ح ٥٩، =
[ ٢ / ٦٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومعنى ذلك أن باقي رواة الحديث من الطرق التي ذكرها ما عدا المخزومي هذا، كلهم روايتهم متفقة مع رواية عبد الأعلى المتقدمة، في المعنى، وإن اختلفت ألفاظ روايتهم عنه. وأما رواية عبد الرزاق، فقد عزاها السيوطي إلى مصنفه،/ الجامع الكبير للسيوطي - ٢/ ٤٨٧ ط الأولى، ولكني لم أجدها في الطبعة الحالية من مصنف عبد الرزاق، لكونها ناقصة من الأول، حيث تبدأ بباب غسل الذراعين، وقد أخرجه الطبراني من طريق عبد الرزاق عن (عبيد) الله بن عمر، به، بلفظ: "ارتقيت فوق سطح فرأيت رسول الله -ﷺ- وهو في بيت حفصة يضرب الخلاء بين لَبِنَتَين، وهو متوجه نحو بيت المقدس/ المعجم الكبير للطبراني ١٢/ ٣٤٩ ح ١٣٣١٢، وهذه الرواية بمعنى الروايات المتقدمة؛ لأن التوجه نحو بيت المقدس بالمدينة يستلزم استدبار القِبلة، كما ذكرت من قبل. وأما رواية يحيى بن سعيد القطان، فأخرجها ابن خزيمة، عنه، عن عبيد الله، به، مع الطرق الأخرى التي روى الحديث منها، كما مر، ولم يسق ابن خزيمة لفظ رواية يحيى هذه، ولكن ساق لفظ رواية عبد الأعلى؛ مع الإشارة كما قدمت إلى موافقة بقية الرواة له في المعنى، ما عدا راوٍ واحد وهو أبو هشام المخزومي كما سيأتي ذكره، وعليه تكون رواية القطان بمعنى رواية عبد الأعلى المتقدمة، وانظر صحيح ابن خزيمة - الطهارة - باب ٤٤ ج ١/ ٣٤، ٤٥ ح ٥٩. وأخرج الدارقطني رواية يحيى بن سعيد القطان كذلك من طريق زياد بن أخزم، ثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله، به، بلفظ أنه -ﷺ- كان "يقضي حاجته مستدبر الكعبة مستقبل الشام". ومن طريق أبي موسى، وحفص بن عمرو، كلاهما عن يحيى (عن) عبيد الله، به، بلفظ: "أنه -ﷺ- كان على حاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة/ العلل للدارقطني ٤ ل ٦٩، والروايتان بمعنى واحد مع التقديم والتأخير في كل منهما عن الأخرى، كما نرى، وقد أخرجهما الدارقطني عقب استعراضه لاختلاف الرواة في هذا الحديث، كما سيأتي ولم يتعقبهما بشيء، وذلك يدل على اعتماده لهما. =
[ ٢ / ٦٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرج أحمد أيضًا رواية يحيى القطان، عن عبيد الله، به، بلفظ: "رقيت يومًا على بيت حفصة فرأيت رسول الله -ﷺ- على حاجته مستدبر البيت مستقبل الشام/ المسند ٢/ ١٣. وأخرجها البغوي وابن عبد البر ضمن طريقيهما السابق تخريج أحدهما، وهذا هو الثاني، وهو عن يحيى القطان عن عبيد الله، به، ولفظه كما تقدم "مستقبلًا بيت المقدس مستدبر الكعبة" وفيه كما نرى تقديم وتأخير عن رواية أحمد المتقدمة، ولكن المعنى واحد، وقال البغوي عقبه: هذا حديث صحيح/ شرح السنة - الطهارة - باب أدب الخلاء ١/ ٣٦١ ح ١٧٧، والتمهيد ١/ ٣٠٦. وبهذا التخريج الموسع لطرق الحديث وتتبعها يتضح لنا أن الثقات السبعة الذين تابع بعضهم بعضًا على رواية الحديث عن عبيد الله بن عمر، قد اتفقوا باللفظ أو بالمعنى، على أن ابن عمر رأى النبي -ﷺ- على حاجته مستدبر القبلة، لا مستقبلها، وبهذا يتفقون مع رواية أكثر الثقات أيضًا عن يحيى بن سعيد الأنصاري، كما تقدم؛ بل مَر بنا أن أنس بن عياض روى الحديث عن كل منهما بنحو ما رواه عن الآخر. ولهذا فإن ابن عبد البر ذكر رواية مالك للحديث عن يحيى بن سعيد، وذكر غيرها مما وافقها أو خالفها، من الروايات المتقدمة والآتية، ثم ذكر روايته السابقة عن هُشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وعن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، كلاهما عن محمد بن يحيى، به. ثم أعقب ذلك بقوله: هذه الرواية فيها موافقة لما قاله مالك من استقبال بيت المقدس، -يعني من جواز استقباله حَال قضاء الحاجة-. ثم قال: وهذا إن شاء الله أثبت الروايات في حديث ابن عمر، وأيَّد ذلك بمتابعة عبد الوهاب الثقفي وسليمان بن بلال، لمالك على روايته كما تقدم، ثم نقل عن الروزي قوله: رواية يحيى القطان عن عُبَيد الله بن عُمر في هذا الحديث تشهد لما قاله مالك والثقفي، وسليمان بن بلال، في ذكر بيت المقدس خاصة/ التمهيد =
[ ٢ / ٦٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١/ ٣٠٦، ٣٠٧، يعني في رخصة استقباله تبعًا لاستدبار القبلة، كما مر. وسيأتي أيضًا عن الدارقطني وغيره ما يؤيد ترجيح رواية استدبار القبلة واستقبال بيت المقدس، عند قضاء الحاجة. وممن رَوَى هذا الحديث عن محمد بن يحيى بن حَبَّان أيضًا، محمدُ بنُ عَجلان، وقد أخرج ابنُ خُزَيمة الحديث من طريقه ضمن طرقه السابق تخريج بَعْضِها، ومنها طريق ابن عَجْلاَن هذا، حيث أخرجه عن شيخه أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البَرْقي، ثنا ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب أخبرني ابن عجلان، به، ولم يَسق لفظَه؛ ولكن أشار -كما قدمت- إلى أن روايته بمعنى رواية عبد الأعلى السابق ذكرها، بلفظ: "مستدبر القبلة، متوجهًا نحو الشام"/ صحيح ابن خزيمة - الطهارة - باب ٤٤ ج ١/ ٣٤، ٣٥ ح ٥٩. وهذا الإسناد إلى يحيى بن أيوب رجاله ثقات. فأحمدُ بنُ عبد الله بن عبد الرحيم البَرقي، ثقة،/ تذكرة الحفاظ ١/ ٥٧٠. وابنُ أبي مريم، هو سعيدُ بنُ الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجُمَحِي -بالولاء- ثقة ثبت/ التقريب ١/ ٢٩٣. ويحيى بنُ أَيوب، هو الغَافقي المِصري، صدوق ربما أخطأ/ التقريب ٢/ ٣٤٣ وانظر التهذيب ١١/ ١٨٦، ١٨٧. وأما محمدُ بنُ عَجلان المدني، فهو صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة/ تقريب التهذيب ٢/ ١٩٠، وصرح ابنُ حجرِ بتحسين حديثه لذاته/ فيض القدير للمناوي ١/ ٢٨٠، والفتوحات الربانية على الأذكار النووية، لمحمد بن عجلان/ ١/ ٢٩١ - باب ما يقول إذا استيقظ من منامه؛ ثم إن حديثنا هذا ليس عن أبي هريرة الذي انتُقدت روايات ابن عجلان عنه. وقد أخرج الطحاوي الحديث عن شيخه إبراهيم بن أبي داود، ثنا ابنُ أَبي مريم قال: ثنا يحيى بن أيوب، به، لكن بلفظ: أن ابن عمر قال: يتحدث الناس عن رسول الله -ﷺ- في الغائط، بحديث، وقد اطلعت يومًا، =
[ ٢ / ٦٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورسول الله -ﷺ- على ظهر بيت (كذا؟ ولعله خطأ طباعي) يقضي حاجته، محجوبًا عليه بلَبِن، فرأيته مستقبل القبلة/ شرح معاني الآثار - الكراهة - باب استقبال القبلة بالفروج للغائط والبول ٤/ ٢٣٤، وقد صحح الطحاوي الحديث، وذلك ضمن حكمه العام على ما أخرجه في هذا الباب من الأحاديث المتعارضة، فبعد محاولته الجمع بينها قال: فلما كان حكم هذه الآثار كذلك، كان أَولى بنا أن نُصححها كلها/ شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٦. وإسناد الطحاوي بالحديث المذكور إلى يحيى بن أيوب، رجاله ثقات أيضًا. فإبراهيم بن أبي داود، هو ابن سليمان بن داود، ثقة حافظ/ تراجم الأحبار من رجال شرح معاني الآثار، لمحمد أيوب المظاهري ١/ ١، ٢. وابن أبي مريم تقدم أنه ثقة. ولكن يُلاحَظ أن تلك الرواية مخالفة لرواية ابن خزيمة كما ترى، حيث تفيدُ عكسَها، وبذلك يكون، كل من ابن أبي داود، وأحمد البَرقي -مع ثقتهما- قد اختلفا في لفظ الحديث عن شيخهما ابن أبي مريم، والجمع بين لفظيهما غيرُ ممكن كما قدمت؛ لكن يمكن ترجيح رواية البَرقي لموافقتها لرواية أكثر الثقات، وهي استدبار القبلة، كما تقدم. وعليه تكون رواية ابن أبي داود شاذة. وأخرج ابن عبد البر عن شيخه عبد الوارث -الذي قدمت ذكر روايته للحديث بلفظ الشك-، أخرج روايته للحديث أيضًا قال: ثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث، قال: حدثني محمدُ بن عَجلان، به، بلفظ رواية الطحاوي السابقة، إلا أن فيها: "اطلعت يومًا على ظهر بيت ورسول الله -ﷺ- على حاجته". بدلًا من "اطلعت يومًا، ورسول -ﷺ- ظهر بيت"، التي جاءت في رواية الطحاوي، ولعل ما في كتاب الطحاوي خطأ ناسخ أو طابع/ انظر التمهيد ١/ ٣٠٦، وقارن بالموضع السابق في شرح معاني الآثار. وعلى كل فإن تلك الرواية وإن كانت من طريق الليث -وهو ثقة إمام- عن =
[ ٢ / ٦٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = محمد بن عجلان، إلا أن في إسنادها عبد الله بن صالح، قال الذهبي وغيره: إنه كان كاتب الليث على أمواله وضياعه، وخلاصة حاله -كما قال ابن حجر وغَيرُه-: أنه صدوق، كثير الغلط، ثَبْت في كتابه غالبًا، وقد انتقى البخاري ما أخرجه عنه في صحيحه، ولم يخرج عنه هذا الحديث/ وانظر التقريب ١/ ٤٢٣ والكاشف ٢/ ٩٦ والميزان ٢/ ٤٤٠ - ٤٤٥، وهدي الساري الفصل التاسع، من طُعِن فيه من رجال البخاري/ ٤١٣ - ٤١٥. وعلى ذلك تكون تلك الرواية ضعيفة الإسناد، لحال عبد الله بن صالح هذا، وبذلك لا تعارض الرواية السابق ترجيحها عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان، به، بلفظ "لاستدبار". وقد ذكر الزركشى رواية ابن حبان الآتية قريبًا بلفظ: "مستقبل القبلة مستدبر الشام"، وعَقَّب عْليها بقوله: لكن تَوقفَ الشيخُ أبو الفتح القُشَيرِي في صحته، لأن الحديث -يعني أصلَه- واحد، ومَخرجَه واحد، والمَخْرَجُ من جهة محمد بن يحيى بن حَبَّان عن عمه واسع بن حَبَّان عن ابن عمر، ورواه عن محمد بن يحيى: يحيى بنُ سعيد، وعبيد الله بن عمر، فذكرا "الاستدبار" دون "الاستقبال". رواه كذلك عن يحيى-يعني ابن سعيد الأنصاري- مالكُ بنُ أنس، وسفيان، وحماد، وعَبدُ الوهاب الثقفي، فقد اتفق الحافظان: يحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمر على "الاستدبار واجتمع من ذكرناه عن يحيى بن سعيد على ذلك. وخالف محمدُ بنُ عَجلان، فرواه عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن واسع بن حبَّان عن ابن عمر، وقال: "مستقبل القبلة". فهذا حديث واحد، اختُلِفَ فيه على رجل واحد، والذي قاله -أي قولُه- إنما هو واحد، إما "الاستقبال" أو "الاستدبار"، فوجب الترجيح، ويحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر، متقدمان في الخلاف على ابن عَجلان عندهم، فوجب أن يكون الحكم لهما، ولا يثبت الاستقبال/ المعتبر للزركشي/ ١٧١. أقول: وما نقله الزركشي هنا عن القُشَيري، وهو ابن دقيق العيد من التوقف في صحة رواية ابن حِبان التي بلفظ الاستقبال، مُسَلَّم له، لما سيأتي ذكره عند تخريج =
[ ٢ / ٦٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رواية ابن حِبَان هذه، وكذلك ما قرره الزركشي من وجوب ترجيح رواية "الاستدبار" من طريق يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر، على رواية "الاستقبال" من طريق ابن عَجلان، مُسَلَّم أيضًا له، لكن ينبغي التنبه إلى أن رواية ابن حبان التي تعقبها الزركشي بهذا، ليست من رواية ابن عَجْلان، كما ستأتي، وأيضًا فإن الرواية عن ابن عَجْلان، ليست بلفظ "مستقبل القبلة" فقط، كما ذكر، ولكن روى عنه "الاستدبار" أيضًا، كما تقدم ذكره وترجيحه، وسيأتي إرجاع الدارقطني اختلاف رواية ابن عجلان إلى الرواة عنه. وقد رَوى الحديث أيضًا، وُهَيبَ بنُ خالد، عن كل من يحيى بن سعيد الأنصاري، وعُبيد الله بن عمر، وإسماعيل بن أمية -ثلاثتهم- عن محمد بن يحيى بن حبان، به،. ووُهَيْب، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلًا بآخره/ التقريب ٢/ ٣٣٩ والتهذيب ١١/ ١٦٩، ١٧٠. وقد اختلف لفظ رواية الحديث عنه: فرواه عنه المغيرةُ بنُ سلمة، أبو هشام المخزومي، وهو ثقة ثبت/ التقريب ٢/ ٢٦٩. وأخرج ذلك ابن خزيمة في صحيحه، ضمن طرقه السابق تخريج الحديث منها، ومنها هذا الطريق، فقال: وحدثنا محمد بن عبد الله (المَخَرَّمي) -وتحرف إلى "المخزومي" في المطبوع- ثنا أبو هشام -يعني المخزومي- ثنا وُهَيب، به، أن ابن عمر أشرف على النبي -ﷺ- وهو على خلائه - مستقبل القبلة. وذكر ابن خزيمة أن هذا لفظ خبر أبي هشام المخزومي/ صحيح ابن خزيمة - الطهارة - باب ٤٤ ج ١/ ٣٤، ٣٥ ح ٥٩. أقول: ورواية ابن خزيمة بهذا اللفظ تَستلزِم استدبارَ الشام، كما سيأتي التصريح بذلك في رواية الطحاوي وابن حبان من نفس طريق "وُهَيب". أما باقي من روى ابنُ خزيمة الحديثَ من طرقهم -وهم الأكثر- فإن روايتهم تخالف رواية "وهيب" هذه التي رواها عنه "أبو هشام المخزومي"، مع أن =
[ ٢ / ٦٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = معظمهم يلتقي مع أبي هشام في يحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمرو، وكلهم يلتقون معه فيمن فوقهما وهو محمد بن يحيى بن حَبَّان. وقد أشار ابن خزيمة إلى أن من عَدا "أبا هشام" من هؤلاء، روايتهم بلفظ "مستدبر القبلة متوجهًا نحو الشام" أو بمعناه/ انظر صحيح ابن خزيمة الموضع السابق، وهذه الرواية كما ترى مخالفة لرواية أبي هشام التي بلفظ: استقبال القبلة، كما تقدم، ومع هذا فإن ابنَ خزيمة لم يتعقب رواية أَبي هشام هذه بشيء، بل بوب على الروايتين بما يدل على احتجاجه بهما معًا، أعني رواية "استقبال القبلة" وراية "استدبارها"/ انظر صحيح ابن خزيمة - الطهارة - ترجمة الباب ٤٤ ج ١/ ٣٤. ومثل هذا سلك الطحاوي/ شرح معاني الآثار - الكراهة - باب استقبال القبلة بالفروج للغائط ٤/ ٢٣٥، وكذا ابن حبان - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٢/ ٤٩٦ - ٤٩٨. مع أن المخالفةَ بين الروايتين واضحة، والجمْعَ بينهما غيرُ متحقق -كما مر- لعدم تحقق تعدد الواقعة، بل إن الطحاوي لما أراد الجمع بين رواية الاستقبال هذه من طريق ابن عمر، وبَين رواية ذلك من طريق أبي قتادة، الآتية بعد قليل، لما أراد الطحاوي هذا، لم يَسَعْه إلا إشراكهما معًا في رؤية واحدة، فقال: (إن أبا قتادة) قد يكون رآه -ﷺ- حيث رآه ابن عمر، فيكون معنى حديثه وحديث ابن عمر سواء/ شرح معاني الآثار الموضع السابق. أقول: ومع أن الطحاوي لَو بنى الجمعَ بين هذين الحديثين على احتمال تعدد الواقعة بناء على تعدد الصحابي، لكان احتمالًا أقرب؛ لكنه لم يتجه لهذا الاحتمال مع وجاهته، فمن باب أولى يكون جمعه هو أو غيره بين روايتي الاستقبال والاستدبار من طريق ابن عمر وحده، دون تحقق تعدد الواقعة أمر غير مستقيم، وقد مر قول الزركشي بوجوب ترجيح الاستدبار، في حديث ابن عمر، وسيأتي نحوه عن غيره. وقد رَوَى الحديثَ بلفظ "الاستقبال" عن وُهَيْب أيضًا، ابراهيمُ بن الحجَّاج، =
[ ٢ / ٦٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = السامي -بالسين المهملة- وهو ثقة يَهم قليلًا، توفي سنة ٢٣٣ هـ/ التقريب ١/ ٣٣ والتهذيب ١/ ١١٣. وقد أخرج روايته الطحاوي فقال: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا ابراهيم بن الحجاج، قال: ثنا وهيب عن اسماعيل بن أمية، ويحيى بن سعيد، وعبيد الله بن (عمرو) عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن عمه واسع بن حبان عن ابن عمر، قال: رَقِيت فوق بيت حفصة فإذا أنا بالنبي -ﷺ- جالس على مقعدته مستقبل القبلة، مستدبر الشام/ شرح معاني الآثار، الموضع السابق. وهكذا أخرجه ابن حِبَان في صحيحه، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج (السامي)، به سندًا ومتنًا/ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان/ الموضع السابق، حديث/ ١٤٠٥. وبهذا يكون أحمد بن داود -شيخ الطحاوي- قد تابعِ الحسنَ بنَ سفيان -شيخَ ابن حبان- متابعة تامة على رواية الحديث سندًا ومتنًا، كما ترى، وأحمد بن داود هذا، هو السدوسي أبو عبد الله، المكي، نزيل مصر وثقه ابن يونس وغيره، وقد أكثر الطحاوي الرواية عنه، وكانت وفاته بمصر سنة ٢٨٢ هـ/ تراجم الأحبار، من رجال شرح معاني الآثار، -للطبيب العالم محمد أيوب المظاهري ١/ ١٨. وكذا يعتبر الطحاوي متابِعًا لابن حبان في روايته الحديث عن شيخ شيخه إبراهيم ابن الحجاج، به، سندًا ومتنًا. وأيضًا يعتبر أبو هشام المخزومي - في طريق ابن خزيمة السابقة، وابراهيم بن الحجاج - في طريق ابن حبان - قد تابع كل منهما الآخر على روايته، متابعة تامة، مع اتفاقهما -كما ترى- على لفظ الفقرة الأولى، ومِنْ لازِمها الفقرةُ، الثانية وهي "مستدبر الشام" كما تقدم بيانه. ومع توفر هذه المتابعات على رواية "استقبال القبلة" واتصاف المتابعين بالثقة -وإن تفاوتوا فيها- تظل الرواية المعارضة وهي رواية "استدبار القبلة" -وما بمعناها- هي المتفَقُ عليها من أكثر الثقاتِ الأثبات، فتكون هي الراجحة، وتعد رواية كل من الطحاوي وابن خزيمة وابن حبان، المخالفةُ لها مرجوحة، وسيأتي إعلالُها بأنها من مقلوب المتن، فتكون خطأ. =
[ ٢ / ٦٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لكن هناك نقطة تَستلْفِت الانتباه، وهي أن مَن وَجَدْتُهم تصدوا لرواية الاستقبال هذه بالإعلال يقتصرون على عزوها لابن حِبَان، ومنهم من أشرك معه شيخَه الحسنَ بنَ سفيان، صاحب المسند الكبير/ تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٠٣، ٧٠٤، وذلك مع السكوت عن روايات بقية المخرّجين، السابقين واللاحقين، الموافقين لابن حبان وشيخه، سواء في المتن والسند معًا، أو في المتن فقط الذي هو موضع الانقلاب. فالزركشي -كما تقدم اقتصر على عزو الرواية لابن حبان، ثم تصدى لإعلالها من غير الطريق التي أخرجها منه ابن حبان. والحافظ ابن حجر قال: حديث ابن عمر "رَقيِتُ السطح مرة فرأيت النبي -ﷺ- جالسًا على لَبِنتين مستقبلًا بيت المقدس" وله طرق، ووقع في رواية لابن حبان "مستقبل القبلة، مستدبر الشام"، ثم قال: وهي خطأ، تعد من قسم المقلوب في المتن/ التلخيص الحبير - الطهارة - باب الاستنجاء ١/ ١٠٤ / ح ١٢٧. وفي نكته علي ابن الصلاح والعراقي قال في نوع المقلوب: ومن ذلك -يعني مقلوبَ المتن-: ما وقع في صحيح ابن حبان: "مستقبل الكعبة، مستدبر الشام" / النكت ٢/ ٨٨٣ بتحقيق د. ربيع بن هادي. وهذا الاقتصار على العزو لابن حبان يُوهِم انفراده بذلك، كما يوهم أن الروايات التي أخرجها غيره بمعنى روايته، أو بلفظ الفقرة الأولى فقط وهي الاستقبال، لا يشملها النقد. والواقع بخلاف ذلك؛ فالتخريج السابق يفيد تعدد من سبق ابن حبان لتخريج الحديث بسنده ومتنه، أو ببعضه أو بمعناه، ومنهم من صححه أيضًا قبله، كشيخه ابن خزيمة. ومن ناحية قلب المتن، فإن تعريف المقلوب منطبق على جميعها، وحالُ طرقها يؤيد الحكم بقلب المروي بها. وذلك أن السخاوي قد عَرَّف القلب بأنه: إعطاء أحد الشيئين ما اشتهر للآخر، =
[ ٢ / ٦٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعرفه ابن الجزري بأنه: الذي يكون على وجه، فينقلب بعض لفظه على الراوي، فيتغير معناه، وربما العكس/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٧٧. فعلى أي من التعريفين يعتبر القلب حاصلًا في الموافِق تمامًا لرواية ابن حبان، كرواية الطحاوي، أولى الفقرة التي اقتُصِر عليها، كما في رواية ابن خزيمة وابن أبي شيبة وغيرهما، ويلْزَم عليها حصول القلب أيضًا في الفقرة الأخرى وهي: "مستدبر الشام"، لتلازمهما في المعنى، وإن لم يُصرِّح بها، كما مر بيانه. وبالرجوع إلى ما تقدم تخريجه من طرق الرواية بلفظ "مستقبل القبلة" أو بنحوها، أو بمعناها، نجد أن بعضها ضعيف: كطريق أيوب بن عتبة عن يحيى بن أبي كثير عن نافع عن ابن عمر، وبعضُها شديد الضعف: كالطرق التي فيها عيسى الحناط، والباقي يعتبر مرجوحًا، وإن كان رجال إسناده محتجًا بهم، وذلك لمخالفة أكثر الثقات لهم، وقد قال الحافظ ابن حجر: إن كل مقلوب لا يخرج عن كونه مُعللًا، أو شاذًا/ النكت لابن حجر ٢/ ٨٧٤. وعلى هذا فإن الصواب تعميمُ الحكم بأن روايات هذا الحديث بلفظ استقبال القبلة، كُلها مقلوبةُ المتن على بعض رواتها، إما لضعف الضبط أو لِوَهْم الثقة فيهم، وسواء في ذلك ما ذُكِر فيه كل مِنْ فَقرتَي "استقبال القبلة واستدبار الشام" كما عند الطحاوي وابن حبان، أو ما كان مقتصرًا على ذكر الفقرة الأولى بلفظها أو بنحوها أو بمعناها كبقية المصادر، وخاصة من اشترط الصحة كابن خزيمة. وهناك ملاحظة أُخرى على ما ذكره الحافظ ابنُ حجَر وهي عدمُ تصريحِه بتحديد من وقع منه القلب في رواية ابن حبان التي ذكرها، وهذا مهم لترتفع العهدة عن باقي الرواة. وقد نقل الشوكاني ومِن بَعدِه الشيخ أحمد شاكر، قولَ الحافظ السابق عن هذا الحديث، وأقرَّاه/ نيل الأوطار ١/ ٩٨ المنيرية وهامش المحلي، لابن حزم بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ١/ ٢٥٩. أما تلميذ ابن حجر وهو السخاوي، فإنه قال في نوع المقلوب: ومن أمثلته =
[ ٢ / ٦٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = -يعني مقلوبَ المتن- ما رواه البخاري من طريق عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن واسع بن حَبَّان عن ابن عمر، قال: ارتقيت فوق بيت حفصة فرأيت رسول الله -ﷺ- يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام، فرواه ابن حبان كما في نسخة صحيحة معتمدة، قديمة جدًّا، من طريق وُهَيب عن عبيد الله بن (عمر) وغيره عن محمد بن يحيى، بلفظ "مستقبل القبلة، مستدبر الشام" رواه عن الحسن ابن سفيان عن ابراهيم بن الحجاج (السامي) عن وهَيب، وهو مقلوب، وقد رَواه الإسماعيلي في مُستخرجه -يعني على صحيح البخاري- عن أبي يعلي عن إبراهيم، فقال: "مستدبرَ القبلة مستقبل الشام" كالجادة. وعَقب على ذلك بقوله: فانحصر -يعني إيقاع القلب- في الحَسنِ بنِ سفيان، أو ابن حبان/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٧٨. وبهذا نجد أن أبا يعلي في طريق الإسماعيلي، والحسنَ بنَ سفيان في طريق ابن حِبان، قد اشتركا في رواية الحديث عن شيخ واحد، وهو ابراهيم السامي، ولكن اختلف لفظ روايتيهما، كما ترى، واتفقت رواية أبي يعلي مع رواية أكثر الثقات المعتمدة، ولهذا وصفها السخاوي بأنها كالجادة، يعني كرواية معظم الثقات؛ لأن الجادَّة تطلق على معظم الطريق ووسطه وما وَضَح منه/ اللسان/ مادة "جد" ٥/ ٨٠ واعتبر الرواية الأخرى المخالفة لها مقلوية. ونحن نوافق السخاوي على القول بانقلاب هذا المتن، بل وانقلاب ما هو بنحوه وبمعناه، كما تقدم، لكن نرد عليه الآتي: أولًا: اقتصارُه كسابِقِيه على وصف رواية ابن حبان وحدَها بالقلْب دون باقي روايات الحديث التي خرجها غيره، وفيها متابعة تامة أو ناقصة لروايته، أو فيها موافقة للمعنى، كما مرَّ بيانه. ثانيًا: حصرُه مسؤولية قلب هذا المتن في: الحسن بن سفيان، أو تلميذه ابن حبان، وهذا مما زاده على ما تقدم من كلام شيخه ابن حجر، وكلام غيره الآتي قريبًا عن هذا الحديث. =
[ ٢ / ٦٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ويبدو لي أن هذا الحصر غير مُسَلَّم للسخاوي، وذلك لما يأتي:
(٢) أن ابنَ سفيان وتلميذَه ابن حبان لم ينفردا برواية الحديث، سواء بالنسبة لهذا الطريق أو بالنسبة لغيره. فبالنسبة لهذا الطريق نجد أن ابنَ خزيمة -وهو من شيوخ ابن حبان- قد خرج الحديث كما قدمت، فهو مشارك لتلميذه، وسابق عليه في تخريج تلك الرواية نفسها بشطرها الأول، ودلالتُه على الثاني، مع وجود المتابعة التامة عليها بين السامي والمخزومي في طريقيهما كما تقدم، حيث اجتمعا على رواية هذا الحديث عن وُهَيبِ بن خالد، وبذلك صار مَخْرج الحديث الأعلى إليهما واحدًا، عليه مدار الحديث عندهما، واللفظ أيضًا واحد. وأيضًا أخرج الحديثَ أبو جعفر الطحاوي عن شيخه أحمد بن داود قال: ثنا إبراهيم بن الحجاج، قال: ثنا وهيب به، سندًا ومتنًا، كما عند ابن حبان، وقد صحح الطحاوي الحديث كذلك ضمن حكمه العام بصحة ما أخرجه في الباب كما قدمت. والطحاوي متوفي سنة ٣٢١ هـ، فهو أسبقُ في تخريجِ الحديث وتصحيحِه من ابن حبان بسنين متعددة، ويعتبر متابعًا لابن حبان في شيخ شيخه، وهو إبراهيم بن الحجاج السامي، فكيف ينسب القلب لابن حبان دون الطحاوي مثلًا؟. كما يعتبر أحمد بن داود، شيخُ الطحاوي، متابعًا متابعة تامة للحسن بن سفيان، في رواية الحديث بلفظه عن إبراهيم بن الحجاج، فكيف ينسب القلب إلى الحسن دون مُشارِكَه ابن داود مثلًا؟. وأيضًا أبو هشام المخزومي في طريق ابن خزيمة المتقدمة، قد تابع الحسن على رواية الحديث بنفس شطره الأول عن شيخ شيخه، وهو وُهَيب بن خالد، فكيف ينسب قلب الحديث بشطريه إلى الحسن وهو دُون وُهيب بِدرجة؟، حيث يوجد بينهما إبراهيم السامي، شيخ الحسن. وقد صرح ابن خزيمة أيضًا -كما تقدم- بنسبة الشّطْر الأول المقلوب إلى رواية أبي هشام المخزومي. =
[ ٢ / ٦٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ويتبع ذلك الشّطر الثاني أيضًا، وإن لم يُصرِّح به لتلازمهما كما مر. أما بالنسبة للطرق الأخرى ومخرجيها فإن ابن أبي شيبة مثلًا أقدمُ كثيرًا من ابن حبان، ومن الحسن بن سفيان، وقد أخرج الشّطر الأول من الحديث بنحو اللفظ المقلوب، وذلك عن حفص بن غياث عن يحيى بن سعيد، به، فَمنَ الذي أوقع هذا القلب مع اختلاف طريقه؟ وسَبْق رواته ومخَرِّجِه عن كل من ابن حبان وشيخِه ابن سفيان.
(٢) أنه إذا كان حصر القلب في رواية ابن سفيان أو رواية ابن حبان سببهُ مخالفة روايتهما لرواية أبي يعلي الموافقة لرواية أكثر الثقات، مع كون شيخ أبي يعلي وابن سفيان واحد، وهو إبراهيم السامي، فإن مثل هذا الخلاف قد وقع في بعض طرق الحديث أيضًا ممن هم فوق ابن سفيان وأبي يعلي، حتى رواة الحديث عن ابن عمر نفسه، كما تقدم في التخريج، وكما سيأتي تقرير غير واحد من الأئمة له. ومع هذا التعدد والاختلاف في الطرق والمخارج لتلك الرواية المخالفة لجمهور الثقات لا يسوغ حصر قلَبها في راو أو طريق معين، دون قرينة جازمة أو دليل صريح، وكلاهما غيرُ متحقَّق بالنسبة لابن سفيان أو تلميذه ابن حبان. ولعل هذا ما جعل الحافظ ابن حجر يقتصر على ذكر القلب فقط دون تحديد من وقع منه. ومِنْ قَبلِ ابنِ حجر، اعتنى الدارقطنيُّ وابنُ عبد البر ببيان اختلاف طرق وروايات هذا الحديث؛ ولكن لم يتصديا لنحو ما تصدى له السخاوي من الحصر، بل لم يَصِفا شيئًا من روايات الحديث بالقلب، وإنما اعتنيا بعرض وجوه الاختلاف -على نحو ما قدمته خلال التخريج- وانتهيا إلى اعتماد رواية أكثر الثقات، وهي "استدباره -ﷺ- القبلة، واستقباله بيت المقدس عند قضاء الحاجة". فالإمام الدارقطني لما سئل عن هذا الحديث من رواية واسع بن حَبَّان عن =
[ ٢ / ٦٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن عمر: رأيت رسول الله -ﷺ- على لَبِنتَين مستقبل بيت المقدس لحاجته، فقال: يرويه محمد بن يحيى بن حَبَّان، واخْتُلِفَ عنه؛ فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري، واخْتُلِفَ عنه؛ فرواه سُلَيم بن كثير عن يحيى عن نافع عن ابن عمر، وَوهِم فيه. ورواه مالك بن أنس، والثوري، ومحمدُ بن جعفر بن أبي كثير، والأوزاعي، وحماد بن سلمة، وزهير وأنس بن عياض وعبد الوهاب - (يعني الثقفي) - وحفص بن غِيَاث، وهُشَيم، ويَزيدُ بن هارون، عن يحيى (يعني الأنصاري) عن محمد بن يحيى بن حَبّان عن عمه واسع بن حَبّان عن ابن عمر. ورواه عُبَيد الله بن عمر، واخْتُلِفَ عنه؛ فرواه يحيى بن سعيد القطان، وأنس بن عياض، وعباد بن عباد، وعَبدة بنُ سليمان، ومحمدُ بن بشر العبدي، ووُهَيْب بن خالد عن عُبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن عمه واسع بن حبان. ورواه الثوري عن عبيد الله عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن عمر، ولم يذكر "واسعًا". ورواه اسماعيل بن أمية وعبد الله (كذا؟) بن عمر العُمَري عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن عمه، عن ابن عمر. ورواه محمد بن عَجْلان، واختُلِفَ عنه، فرواه الليث بن سعد عن ابن عَجلان عن محمد بن يحيى عن عمه واسع عن ابن عمر. ورواه يحيى بن أيوب عن ابن عَجْلان عن محمد بن يحيى عن ابن عمر، ولم يذكر "واسعًا"، والصحيح قول من ذكر فيه "واسعًا"/ العلل للدارقطني ٤ / ل ٦٩. أقول: وقد مر في التخريج رواية الطحاوي وابن خزيمة للحديث من طريق يحيى بن أيوب أخبرني ابن عَجلان عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن =
[ ٢ / ٦٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حَبَّان عن ابن عمر، فذكرا فيه واسعا/ انظر صحيح ابن خزيمة ١/ ٣٥، وشرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٤. لكن بقية الاختلافات الأخرى في متن الحديث على الرواة الذين ذكرهم الدارقطني لم يصرح بترجيح شيء منها؛ لكنه خَتم استعراضه لتلك الاختلافات بروايته للحديث بلفظ الرواية الراجحة وهي رواية "الاستدبار" وذلك من طرق، عن يحيى بن سعيد القطان عن عبد الله عن محمد بن يحيى عن عمه عن ابن عمر، كما تقدم، ولم يتعقبها بشيء، وهذا يشير إلى ترجيح تلك الرواية عنده على رواية الاستقبال المخالفة لها. أما ابن عبد البر فقال: وفي حديث يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن عمه واسع بن حَبَّان عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن ناسًا يقولون: إذا قَعَدْت لحاجتك فلا تستقبل القبلة، ولا بيتَ المقدس. ثم أعقب ذلك بذكر اختلاف روايات الحديث، فقال: وقد اختُلِفَ في متن هذا الحديث على يحيى بن سعيد/ التمهيد ١/ ٣٠٥، ثم ساق ما تقدم تخريجه من عنده من روايات الحديث بطرقها عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وبعضُها بلفظ: التوجه للقبلة، وبعضُها بلفظ: استدبارها. كما ذكر أيضًا بعض الروايات من طريق عُبَيد الله بن عمر، ومن طريق محمد بن عَجلان مع الإشارة الى اختلاف رواتهما عنهما في اللفظ بين الاستقبال والاستدبار، وأنهى ذلك بأن أثبت روايات هذا الحديث ما جاء فيها: أن ابن عمر رأى الرسول -ﷺ- على حاجته مستقبل بيت المقدس، مستدبر الكعبة، أو ما هو بمعنى ذلك، مؤيدًا هذا باتفاق أكثر الثقات عليه، كما قدمتُ نقلَه عنه، وانظر التمهيد ١/ ٣٠٥ - ٣٠٧. وهذا الترجيح منه لتلك الرواية وما بمعناها واعتبارُها أثبت الروايات يفيد تضعيفه للروايات الأخرى المخالفة، وهي:
(٢) ما جاء بلفظ "مستقبل القبلة ومستدبر الشام" أو بلفظ الشطر الأول فقط، أو بنحوه، أو بمعناه، لاستلزامه الثاني. =
[ ٢ / ٦٥١ ]
أما حديث جابر: فعند أبي داود (١)
_________________
(١) = ٢ - ما جاء بالشك من الراوي بين "مستقبل القبلة" أو "مستقبل بيت المقدس". وهذا يلتقي مع ما تقدم من ظهور الضعف أو شدته في بعض طرق هاتين الروايتين، أو اتصاف المتن بالشذوذ والقلب، ويلتقي أيضًا مع مَا تقدم عن الدارقطني والزركشي من اعتماد رواية استقبال القبلة وترجيحها. النتيجة: فتكون النتيجة العامة لكل ما تقدم عن هذا الحديث ما يلي:
(٢) أن السخاوي لم يُصِب في حصر مسؤولية قلب متن رواية: مستقبل القبلة، في ابن حبان أو شيخِه الحسنِ بن سفيان.
(٣) أن حديث ابن عمر بمختلف طرقه، له ألفاظ ثلاثة: أحدها: مستقبل بيت المقدس مستدبر الكعبة، وما هو بنحو ذلك أو بمعناه، وهذا أثبت الروايات عن ابن عمر، لصحته، سندًا ومتنًا، واتفاق أكثر الثقات عليه. وثانيها: ما كان بعكس هذا. وثالثها: ما كان بالشك بين الأول والثاني. وهذان الأخيران مردودان؛ إما من جهة السند والمتن معًا، وإما من جهة المتن فقط، وإن صح السند أو حَسُن؛ لكن هذا الرد لا يمنع من ثبوت جواز استقبال القبلة في البنيان والسواتر، بغير حديث ابن عمر من الأدلة، كحديث جابر الذي رواه الترمذي في هذا الباب، وغيرِه مما سيأتي، وانظر الفتح ١/ ٢٤٥.
(٤) في الطهارة - باب كراهية استقبال القبلة - عن محمد بن بشار - بسنده عن محمد بن إسحاق يُحدِّث عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله، قال: نهى نبي الله أن نَستَقْبِل القِبلَة ببول، فرأيته قبل أن يُقبَض بعام يستقبلُها - سنن أبي داود مع البذل ١/ ٣١ - ٣٤. وإسناد أبي داود هو إسناد الترمذي، إلا أن الترمذي قَرَن محمدَ بنَ بشَّار بمحمدِ بنِ المُثنى، ولفظ المتن واحد. =
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وابن ماجه (١) أيضًا.
_________________
(١) الطهارة - باب الرخصة في ذلك في الكنيف، وإباحته دون الصحارى - بإسناد أبي داود، ولفظِه، مع ذكر "الرسول" بدل "النبي" -ﷺ- سنن ابن ماجه ١/ ١١٧ ح ٣٢٥. وأخرجه ابنُ خُزَيمةَ في صحيحه - الطهارة - باب ٤٣ - ص طريق مُحمدِ بن بشار، به بلفظ ابن ماجه - صحيح ابن خزيمة ١/ ٣٤ ح ٥٨. وأخرجه الحازمي، بسنده عن حماد النَّرسي -بدل ابن بشار- وباقي الإسناد واللفظ سواء/ الاعتبار - الطهارة - بابُ النهي عن استقبال القبلة والاختلافِ فيه/ ٣٩. وأخرجه ابنُ حبان في صحيحه من طريق عمرو الناقد حدثنا يعقوب بن ابراهيم قال: حدثنا أبي عن ابن اسحاق، قال: حدثني أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله -ﷺ- ينهانا أن نستقبلَ القبلة أو نستدبرَها بفروجنا إذا أَهْرَقْنا الماء، قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة/ الإحسان - الطهارة ٢/ ٤٩٧. وأخرجه الطحاوي عن علي بن مَعْبِد عن يعقوب، به بنحوه - شرح معاني الآثار - كتاب الكراهة - باب استقبال القبلة بالفروج للغائط والبول ٤/ ٢٣٤. وأخرجه الحاكم في المستدرك - الطهارة - باب النهي عن البول مستقبل القبلة والرخصة فيه - من طريق محمد بن رافع عن يعقوب، به بنحو لفظ ابن حبان، ولكن لم يذكر قوله "بعام"، وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي/ المستدرك ومعه تلخيصه للذهبي ١/ ١٥٤. لكن تَعقّبَ العينيُّ الحاكم بأن مدار الحديث على أبان بن صالح ولم يخرج له مسلم شيئًا، ثم ذكر تصحيح البخاري له فيما نقله الترمذي عنه/ عمدة القاري ٢/ ٢٧٨. ومعنى هذا أن العيني أقر صحة الحديث، ورد على الحاكم قولَه: إنه على شرط مسلم، ودَلَّل لذلك بأن أبان لم يُخرِجْ له مُسلم في صحيحه شيئًا، وهذا صحيح، كما نص عليه المِزِّي في تهذيب الكمال ١/ ٤٧، وكذا لم يُذكر في ترجمته رمز مسلم =
[ ٢ / ٦٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في تهذيب التهذيب ١/ ٩٤، ٩٥ ولا التقريب ١/ ٣٠ ولا الخلاصة/ ١٥؛ لكن جاء في الكاشف وضع علامة الكتب الستة عليه ١/ ٧٤، فلعل هذا يفسر إقرار الذهبي للحاكم على أن الحديث على شرط مسلم، فيكون قَدْ سَها -﵀- في الموضعين. ثم إن الحديث انفرد بروايته محمد بن إسحاق عن أبان، في مختلف طرقه المتقدمة، وقد أقر الذهبي أيضًا تصحيح الحديث، ولكن الذي رجحه في غالب كتبه في التراجم أن ابن إسحق حَسن الحديثِ في غير ما يَشِذُّ به وما يدلسه/ انظر سير النبلاء ٧/ ٤١، والكاشف ٣/ ١٩، والميزان ٣/ ٤٧٥، وهذا ما رجحه غير واحد أيضًا كما سيأتي قريبًا. وعن الحاكم أخرجه البيهقي في السنن الكبرى - الطهارة - باب الرخصة في ذلك في الأبنية ١/ ١٩٢. وأخرجه ابن الجارود في المنتقى - كتاب الطهارة - باب كراهية استقبال القبلة للغائط والبول والاستنجاء، وذلك عن أبي الأزهر، أحمدَ بن أبي الأزهر عن بعقوب، به بنحو رواية ابن حبان/ المنتقى/ ٢١ ح ٣١. وأخرجه أحمد عن يعقوب، به بنحو رواية ابن حبان/ المسند ٣/ ٣٦٠. وأخرجه الدارقطني في السنن - الطهارة - باب استقبال القبلة في الخلاء، من طريق أبي الأزهر، عن يعقوب، به بنحو رواية ابن حبان، ومن طريق محمد بن شوكر عن يعقوب، به، وفي روايته و"أن نَستقِبل القبلة أو (نَستدبرَها) "، وقال الدارقطني عقب الحديث من طريقه: "كلهم ثقات"/ السنن ١/ ٥٨، ٥٩ ح ٢. وعن الدارقطني، من طريق أبي الأزهر، أخرجه الحازمي/ الاعتبار/ الموضع السابق. وعنه من طريق ابن شوكر، أخرجه البيهقي في السنن/ الموضع السابق. وقد انتقد بعض العلماء هذا الحديث من جهة سنده ومتنه، ودفَع بعضُ آخر =
[ ٢ / ٦٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ما انتَقِد به، وسيأتي في الأصل جانب من ذلك، ولكني سأجمل هنا خلاصة ما انتقد به الحديث مع الجواب عنه، ثم أحيل ما سيأتي عليه: فابن حزم قال: وأما حديث جابر فإنه رواية أبان بن صالح، وليس بالمشهور، وأيضًا فليس فيه بيان أن استقباله القبلة -﵇- كان بعد نهيه، ولو كان ذلك لقال جابر: ثم رأيته/ المحلي- الطهارة ١/ ٢٦٥. وأما ابن عبد البر فقد عزا إلى الإمام أحمد أنه رد حديث جابر وضعفه/ التمهيد ١/ ٣٠٩، ثم قال من جانبه هو: وليس حديث جابر بصحيح عنه، فَيعرَّج عليه؛ لأن أبان بن صالح الذي يرويه ضعيف، وقد رواه ابن لَهيعة عن أبي الزبير عن جابر عن قتادة عن النبي -عليه (الصلاة و) السلام- على خلافِ رواية أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر، وهو حديث لا يحتج بمثله/ التمهيد ١/ ٣١٢. وقال ابن العربي: أما حديث جابر ففيه تَكلُّم/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٦. وأما ابنُ مفوز فاعل الحديث بأنه قد انفرد به محمد بن إسحق وقال: وليس هو ممن يُحتَج به في الأحكام، وأقره على ذلك الشيخ ابن القيم/ تهذيب سنن أبي داود له ١/ ٢٢ مع مختصر السنن للمنذري، والمعالم للخطابي. وعزا الحافظ ابن حجر إلى النووي: أنه توقف في الحكم على هذا الحديث لعنعنة ابن إسحاق/ التلخيص الحبير ١/ ١٠٤. والجواب عن تلك الانتقادات يتلخص في الآتي: ذَكَر غير واحد من العلماء أن قولَ ابن حزم: "إن أبان ليس بمشهور" يعتبر حكمًا منه بجهالة أبان، وغلطوه في ذلك، كما غلطوا ابن عبد البر في وصفه أبان بالضعف، وقال ابن حجر: وهذه غفلة منهما وخطأ تَوارَدا عليه: فلم يضعف أبان هذا أحد قبلهما، ثم اعتمد -كغيره- توثيق جمع من الأئمة له، كابن معين والعِجْلي وأبي زرعة، وأبي حاتم الرازيَّان، وغيرهم/ انظر تهذيب التهذيب ١/ ٩٤، ٩٥ والتقريب ١/ ٣٠، والتلخيص الحبير ١/ ١٠٤ والخلاصة للخزرجي/ ١٥، وتهذيب السنن/ لابن القيم ١/ ٢٢، وعمدة القاري =
[ ٢ / ٦٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٢/ ٢٧٨ وسيأتي قول المؤلف بشأنه: إن أقصى ما ينفرد به أن يكون حسنًا. وقول ابن حزم بأنه لو كان الاستقبال بعد نهيه -ﷺ- عن ذلك لقال جابر: "ثم رأيته"، فالجواب عنه بأنه قد ورد الحديث بهذا في عدة مصادر كما تقدم في التخريج، وكذلك الرواية بلفظ "فرأيته" كما ذكرها ابن حزم نفسه تفيد الترتيب والتعقيب، فتدل بذلك على أن الاستقبال كان عقب النهي، والتعقيبُ في كل مقام بحسبه، ولو تراخى، وعلى كل حال فالبعدِية التي طلبها تُستَفاد من رواية "فرأيته" التي ذكرها، والرواية بلفظ "ثم" قد تحققت، فاندفع انتقاده. وأما ما ذكره ابنُ عبدِ البر من أن رواية الحديث عن جابر مرفوعًا، يعارضُها روايتُه من طريق ابن لَهيعة عن جابر عن قتادة مرفوعًا، فجواب ذلك ما ذكره الترمذي في هذا الباب عقب ذكر حديث قتادة، حيث رجح رواية جابر، وسيأتي أيضًا نقل المؤلف عنه: أن حديث قتادة غيرُ محفوظ. وأما ما ذكره ابن عبد البر مِن رَد الإمامِ أحمدَ وتضعيفِه للحديث، فهو كما ترى غير مُبَيَّن السبب. ولذا أجاب العيني عن هذا بأنه: إنْ كان المراد أنَّ أحمد قد رد العمل بالحديث فمحْتَمَل، وإن كان المراد رده من ناحية الصناعة الحديثية، فغير مُسَلَّم: لثبوته في مسنده، لم يضرب عليه كعادته فيما ليس بصحيح عنده، أو مردود، على ما بينه الحافظ أبو موسى المديني في خصائص مسنده/ عمدة القاري ٢/ ٢٧٨، يعني مسند أحمد. أقول: وما ذكره العيني من أن رد العمل بالحديث محتمل، سيأتي ترجيحُ خلافِه، وهو العمل به. وأما ما نقله الشيخ ابن القيم عن ابنُ مَفوز من تضعيف الحديث بوجود ابن إسحاق في إسناده، فيُجاب عنه بما تقدم ص ٦٥٤ من أن الراجح في حال ابن إسحاق أنه حسن الحديث في غير ما شذَّ به، أو دَلَّسه، وهذا الحديث ليس كذلك: لوجود ما يشهد له، كحديث عاثشة وغيرِه، كما أشار إليه الترمذي، =
[ ٢ / ٦٥٦ ]
وحديث عائشة: رواه الإمامُ أحمد (١)
_________________
(١) = وسيأتي تخريجُه، كما سيأتي أيضًا جزم المؤلف بتحسين حديث ابن إسحاق، وسنشير هناك لمصادر ترجمة ابن إسحاق التي تضمنت الأقوال في شأنه، وترجيح ما ذكرته هنا. وأما قول ابن حجر: إن النووي توقف في الحديث لعنعنة ابن إسحاق، فلم أقف على مصدره فيه، والموجود عن النووي في كتابيه المجموع/ ٢/ ٨٢، وشرح مسلم ١/ ٢٧١ مع القسطلاني، هو الجزم بتحسين هذا الحديث، وكلا الكتابين من أشهر كتبه، كما أنه قد جاء في أكثر من طريق للحديث تصريح محمد بن إسحاق بالتحديث كما مر في التخريج، فزالت خشية التدليس. وبذلك كله اندفعت عن هذا الحديث تلك الانتقادات، وأصبح حكم الترمذي وغيرِه بأنه حسن هو الصواب، وعلى هذا استدل به كل من القائلين بنسخ النهي عن الاستقبال، والقائلين بتخصيصه بحالة الفضاء وانعدام الساتر، وعليه فيحمل حديث جابر هذا وما في معناه على إجازة الاستقبال في الأنبية وما قام مقامها من السواتر، وتقدم أن هذا هو الراجح لما فيه من إعمال أدلة النهي والجواز معًا، بخلاف النسخ/ وانظر الفتح ١/ ٢٤٥، ٢٤٦ وشرح معاني الآثار للطحاوي ٤/ ٢٣٣، ٢٣٤، ٢٣٦.
(٢) أخرجه أحمد من عدة طرق، وبألفاظ أحدها مقارب لما سيذكره المؤلف في الأصل، وذلك من طريق أبي كامل حدثنا حماد عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت أن عِراكَ بِنَ مالك حدَّث عن عُمر بن عبد العزيز أن عائشة (كذا في المطبوع؟) قالت: ذكِر لرسول الله -ﷺ- أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم، فقال: أَوَقَدْ فعلوها؟. حَوَّلُوا مقعدي قِبَل القبلة/ المسند ٦/ ٢٢٧. بالتأمل في هذا الإسناد نجد فيه الحديث من رواية عِراك عن عمر بن عبد العزيز عن عائشة، وهذا خلاف ما جاء في باقي طرق الحديث الآتية عند أحمدَ وغيرِه، من عدم وجود عمر بين عِراك وعائشة، كما أن عُمر قد وُلد سنة ٦١ هـ، أي بعد وفاة عائشة بأكثر من عامين، حيث توفيت ﵂ سنة ٥٨ هـ، فلعل كلمة =
[ ٢ / ٦٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "عن" المذكورة قبل "عمر بن عبد العزيز" محرفة، وصوابها "عند" كما في باقي روايات الحديث، ويضاف لذلك انتقاداتٌ أخرى لِسَند هذا الحديث، حتى من الإمام أحمدَ نفسِه كما سيأتي بعد نهاية التخريج. وأخرجه من طريق وكيع ثنا حماد بن سَلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلْت، عن عِراك عن عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ- قد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القبلة ٦/ ١٣٧. وأخرجه من طريق بهز (يعني ابنَ أسد) عن حماد، به بنحوه/ المسند ٦/ ٢١٩. وأخرجه من طريق عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا خالد عن رَجُل عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما استقبلت القبلة بفرجى منذ كذا وكذا، فَحدث عِراك بنُ مالك عن عائشة أن النبي -ﷺ- أمر بخلائه أن يُستَقبَل به القِبلة، لمَّا بلغه أن الناس يكرهون ذلك/ المسند ٦/ ١٨٣. وأخرجه من طريق علي بن عاصم، قال خالد الحذاء: أخبرني، عن خالد بن أبي الصلت، أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، وعنده عِراكُ بنُ مالك، فقال عراك: حدثتني عائشة (الحديث) بنحو الرواية السابقة مع تقديم وتأخير/ المسند/ ٦/ ١٨٢. ومن طريق أحمد هذه أخرجه المزي في تهذيب الكمال، في ترجمة خالد بن أبي الصلت ١/ ٣٥٦. وفي هذه الطريق -كما ترى- تصريح عِراك بتحديث عائشة له، وكذلك سيأتي في رواية الدارقطني والبخاري في تاريخه؛ ولكن الإمام أحمد والبخاريَّ نَفَيا ذلك، وأقرهما غيرهما كما سيأتي. وأخرج أحمد الحديث أيضًا من طريق يزيد (بن هارون) عن حماد عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت، قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا الرجلَ يجلس على الخلاء، فيستقبلُ القبلة، فكرهوا ذلك، فحدَّث عن (كذا؟) عِراكِ بن مالك عن عائشة أن ذلك ذُكِر عند النبي -ﷺ- فقال: أَوَقَدْ فَعلُوها؟ =
[ ٢ / ٦٥٨ ]
وابن ماجه (١) ولفظُه: عن عِرَاك، عن عائشة قالت: ذُكِر
_________________
(١) = حولوا مَقعدي إلى القِبلة/ المسند ٦/ ٢٣٩. ويلاحظ في هذا الطريق وجود واسطة بين خالد بن أبي الصلت وبين عِراك، وهو عمر بن عبد العزيز، وسيأتي قول البخاري: إن رواية ابن أبي الصلت عن عمر بن عبد العزيز، مُرسَلَة، يعني منقطعة، ثم نناقش ذلك بالمشيئة، وأيضًا ستأتي رواية أخرى بلفظ هذه، من طريق يزيد عن حماد، وفيها ذِكْر عروة بَيْن عِراك بن مالك وبين عائشة.
(٢) أخرجه ابن ماجه - الطهارة - باب الرخصة في ذلك في الكنيف - وذلك من طريق وكيع عن حماد، به بنحو رواية أحمد السابقة عن وكيع وفيها "أُرَاهُم قد فعلوها" / سنن ابن ماجه ١/ ١١٧ ح ٣٢٤. وأخرجه تلميذ ابن ماجه، أبو الحسن القطان من زوائده على روايته لسنن ابن ماجه، عَقِب الحديث السابق، وذلك من طريق عبد العزيز بن المغيرة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، وأحال بباقي السند وبالمتن على رواية ابن ماجه السابقة فقال: "مْثِلُه"/ سنن ابن ماجه/ الموضع السابق. هذا وقد عزا الشيخ أحمد شاكر -﵀- تلك الرواية الثانية إلى ابن ماجه/ هامش المُحلَّى ١/ ٢٦٢، وتبعه على ذلك صاحب فتح المُلَهِم بشرح صحيح مسلم ١/ ٣١٧ الشيخ شَبير أحمد العثماني، وهذا خطأ من عاِلمَين بالحديث لا يخفى محلهما، وبسببه نبهت في تعليق سابق على خطورة عدم تمييز الطابِعِين والمحقق لسنن ابن ماجه لتلك الزوائد، وإدخالها ضِمْنَ الترقيم المسلسل لأحاديث السنن، ولفهارس أحاديثها، ولعل هذا المثال العملي من الخطأ في العزو وبتسلْسُلِه ينبهان لضرورة تمييز هذه الزوائد في أي طبعة جديدة لسنن ابن ماجه، وقد أحسن الشيخ الألباني صُنْعًا فعزا هذا الحديث إلى أبي الحسن القطان في زياداته على ابن ماجه/ سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ٣٥٥، وهو الصواب المطابق للواقع، وستأتي مخارج أخرى للحديث، مع تحقيق درجته، قريبًا. =
[ ٢ / ٦٥٩ ]
لرسول (١) الله -ﷺ- أن ناسًا يكرهون أن يَستقبِلوا القبلة بفروجهم، فقال: أَوَقَدْ فَعلوا (٢)!؟ حَولوا مقعدتي، قِبَل القِبلَة (٣).
_________________
(١) بالأصل "رسول" ولا يستقيم المعنى عليه، وما أثبته من الرواية الأولى التي قدمتُ تخريجها من عند الإمام أحمد؛ لأنها أقرب الروايات في عامة لفظها لِلَّفْظ الذي ذكره المؤلف هنا.
(٢) كذا الأصل "فعلوا" وهكذا. ذكره البوصيري في زوائد ابن ماجه ١/ ٤٧؛ لكن طبعات ابن ماجه الموجودة حاليًا وخاصة التي بتحقيق د. الأعظمي ١/ ٦٥ ح ٣٢٩، وكذا روايات مسند أحمد التي جاء فيها هذا اللفظ، كلُّها فيها جاء هكذا "فعلوها" بالهاء بعدها ألف.
(٣) عزا المؤلف الحديث بهذا اللفظ لابن ماجه وأحمد، ومقتضى هذا أن يكون عندهما بهذا اللفظ أو بنحوه، والواقع ليس كذلك، فبين هذا اللفظ ولفظ ابن ماجه عِدةُ اختلافات، ونقصٌ، وزيادةٌ، كما أشرتُ لبعضها في التعليقين السابقين، ويَقرُب منه عند أحمد رواية واحدة كما قدمت. ثم إن الحديث قد أخرجه غير أحمد وابن ماجه -آخرون، وهو حديث مختلَف في حاله، فالتوسع في تخريجه وبيانُ حاله مطلوب، وقد أشار المؤلف في الأصل لبعض ما قيل فيه كما سيأتي قريبًا كلامه في الأصل، ومجمل ما يتعلق باستكمال تخريجه وبيان حاله كما يلي: فقد أخرجه الطيالسي في مسنده عن حماد بن سلمة، به، بنحو رواية أحمد التي أخرجها عن علي بن عاصم عن حماد، به، لكن بدون تصريح عِراك بسماع عائشة وبدون الزيادة التي عن عمر بن عبد العزيز في أوله/ منحة المعبود ١/ ٤٦، وفي متن الحديث سقط في المطبوع من المسند، والمنحة، وكذا في بعض نسخه الخطية التي راجعتها. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه -الطهارة باب من رخَّص في استقبال القبلة بالخلاء- وذلك عن (عبد الوهاب) الثقفي عن خالد (الحذاء) عن رجل عن =
[ ٢ / ٦٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عِراك عن عائشة بنحو رواية أحمد السابقة؛ لكن بدون الزيادة التي عن عمر بن عبد العزيز في أوله أيضًا - وكذا ليس فيه تصريح عِراك بسماع عائشة. وأخرجه أيضًا عقب تلك الرواية، وذلك من طريق وكيع عن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك عن عائشة، به كرواية أحمد السابقة أيضًا بدون ذكر الزيادة التي عن عُمر بن عبد العزيز، وبدون سماع عِراك، ولفظ تلك الرواية: قال رسول الله -ﷺ-: استقبلوا بمقعدي إلى القبلة/ مصنف ابن أبي شيبة ١ / ل ٧٦ من النسخة الخطية بالمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، أما ما جاء بالمطبوعة بلفظ "استقبلوا بمقاعدكم إلى القبلة" ومن سقط (خالد الحذاء) فهو خطأ طِباعي فاحش، ولم يَذكر الطابع تصويبًا له، وسبب الفحش أنه أسقط من السند راويًا، وغَيَّر معنى الحديث من كونه فِعْلًا لهُ -ﷺ- إلى كونه قولًا بلفظ الأمر العام لغيره كما ترى، وهذا خلاف ما جاءت به كل الروايات لهذا الحديث، وخصوصًا رواية غير ابن أبي شيبة له مِنْ نَفْس الطريق، كرواية الإمام أحمد السابقة، وغيرها. فقد أخرجه ابن عبد البر من طريق ابن أبي شيبة عن وكيع، به بلفظ "استقبلوا بمقعدي القبلة/ التمهيد ١/ ٣١٠، ٣١١. وأخرجه ابنُ المنذِر من طريق حجاج -يعني بن منهِال- عن حماد، به، بنحو رواية أحمد السابقة، وفيه "قال عراك بن مالك: قالَت عائشة"/ الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، لابن المنذر - الطهارة - ذكر النهي عن استقبال القِبلة واستدبارها بالغائط والبول ١/ ٣٢٦ ح ٢٦١. وأخرجه الطحاوي عن ربيع المؤذن قال: ثنا أسد -يعني بن موسى- قال ثنا حماد بنُ سلَمة، به، بنحو رواية أحمد السابقة، وفيها أيضًا: فقال عِراك بن مالك: قالت عائشة"/ شرح معاني الآثار - كتاب الكراهة باب استقبال القبلة بالفروج للغائط والبول ٤/ ٢٣٤. ثم أخرج الطحاوي عن علي بن شيبة قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا =
[ ٢ / ٦٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فذكروا الرجل يجلس على الخلاء فيستقبل القبلة، فكرهوا ذلك فَحدث عِراك بن مالك عن عروة بن الزبير عن عائشة أن ذلك ذُكِر عند رسول الله -ﷺ- فقال: أوَقَدْ فعلوها؟ حولوا مقعدتي إلى القبلة/ شرح معاني الآثار للطحاوي - الموضع السابق. ورواية الطحاوي الثانية -كما ترى- فيها ذكره عروة بن الزبير "بين عِراكَ وبَين عائشة، وقد أخرجها الطحاوي عن شيخه علي بن شيبة عن يزيد بن هارون عن حماد، به. وعَليُّ هذا هو ابن شيبة بن الصلت، أبو الحسن السدوسي، جاء في ترجمته أنه سكَن بغداد مدة، ثم انتقل إلى مصر، فسكنها، وحدث بها عن يزيد بن هارون -كما في هذا الإسناد- وعن غيره. وقد عمى قبل موته بيسير، وتوفي سنة ٢٧٢ هـ، ولم أجد في توثيقه إلا قول الخطيب: روى عنه عبد العزيز بن أحمد الغافقي، وغيره من المصريين أحاديث مستقيمة. أقول: فيمكنُ دخُول رواياتِ الطحاوي عنه في هذه الإشارة، خاصة أنه جاء في ترجمته: أن الطحاوي قد أكثر الرواية عنه/ تراجم الأحبار ٣/ ٥ وتاريخ بغداد ١١/ ٤٣٦، ٤٣٧. وقد خالَف الإمامُ أحمدُ عَليًا هذا في رواية الحديث الذي معنا عن يزيد بن هارون، كما تقدم تخريج روايته، فدم يُذكَر في رواية أحمد "عروة بن الزبير" بَين عِراك وبَين عائشة. وبناء على ما تقدم من حال "عَلِي بن شيبة"، فإن الإمام أحمد أوثقُ منه، فتكون روايته الخالية من ذكره "عروة" هي الراجحة. وأيضًا فإن ما تقدم وما سيأتي من روايات الحديث المرفوعة من غير طريق يزيد عن حماد، ومن غير طريق حماد، كُلَّها خالية من ذكره "عروة"، وعليه يكون ذكره في رواية عَلي هذه شاذًا، =
[ ٢ / ٦٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والراجح ذِكرُه في الرواية الموقوفة على عائشة. كما سيأتي، وأما الرواية المرفوعة فالراجح أنها من رواية عِرَاك عن عائشة، منقطعًا. كما سيأتي تفصيله عَقِب استكمال التخريج. وقد أخرج البيهقي الحديث - في السنن الكبرى - الطهارة - باب الرخصة في ذلك في الأبنية - وذلك من طريق علي بن عاصم، به، بلفظ رواية أحمد المتقدمة عن علي بن عاصم. ثم قال البيهقي عَقِبهُ: تابَعهُ -يعني تابع علي بن عاصم- حمادُ بنُ سلمة عن خالد الحذاء، في إقامة إسناده، ورواه عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحَذاء عن رجل عن عِراك عن عائشة، ورواه أبو عوانة وغيرُه، عن خالد الحذاء عن عِراك عن عائشة/ السنن الكبرى ١/ ٩٢، ٩٣. أقول: وقول البيهقي: إن حمادًا تابع عَلِيَّ بنَ عاصم عن خالد الحذاء في إقامة إسناد الحديث، يفيد أمرين: أحدهما: أن رواية كل من عبد الوهاب الثقفي، ورواية أبي عوانة ومن وافقه، كلاهما، غير مستقيم الإسناد، وبالتأمل في هاتين الروايتين، وفي كلام العلماء عنهما، نجدهُما كذلك فعلًا، وذلك لأن رواية عبد الوهاب في سندها مُبهم، وإن كانت رواية غيره تدل على أن هذا المبهم هو ابن أبي الصلت المصرح به في رواية حماد، وغيره كما سيأتي توضيحه؛ إلا أن هذا السند وحدَه من غير مراعاة للطرق الأخرى يعتبر ضعيفًا لذاته. وأيضًا ستأتي رواية أخرى مخالفة لرواية عبد الوهاب هذه، حيث يرويها وُهَيْب عن خالد عن رجل عن عِراك عن عَمرة عن عائشة، به، مرفوعًا، وستأتي رواية كذلك لعبد الوهاب عن خالد الحَذَّاء عن عِراك بن مالك به، وهي منقطعة، كما سيأتي. وأما ما رواه أبو عوانة ومن وافقه، فسيأتي بيان الدارقطني وغيرُه لعلَّتها. الأمر الثاني المستفادُ من كلام البيهقي؛ أن الحديث من طريق علي بن عاصم مستقيمُ الإسناد، وأن حمادًا تابعه على ذلك أيضًا. =
[ ٢ / ٦٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ولكن عَليَّ بن عاصم المذكور قال فيه الذهبي: حافظ مشهور، ضعفوه/ المغني في الضعفاء ٥/ ٤٢، واقتصر في الكاشف على قوله: ضعفوه/ الكاشف ٢/ ٢٨٨ وقال ابن حجر في التقريب: صدوق، يخطيء ويصر، ورُمي بالتشيع/ التقريب ٢/ ٣٩. ومجمل أقوال الأئمة فيه قريبة من ذلك/ انظر تهذيب التهذيب ٧/ ٣٤٤ - ٣٤٦. وعليه يكون الحديث من طريقه ضعيفًا. أما حَمادُ بنُ سَلَمة، فهو ثقة عابد، وقد تغير حفظه بآخره/ التقريب ١/ ١٩٧. فبمتابعته لعلي يتقوى الحديث، ويمكن ترقيه بمجموع طريقيهما لدرجة الصحيح لغيره، ولعل هذا مقصود البيهقي وغيره ممن صحح الحديث أو حسنه كما سيأتي؛ ولكن هذا لا يتم إلا إذا سَلِم باقي السند بطريقيه من الانتقادات الأخرى التي تقدح فيه، كما سنفصله بعد قليل. ومتابعة حماد، ورواية عبد الوهاب اللتان أشار إليهما البيهقي، قد تقدم تخريجهما من عند الإمام أحمدَ وغيره. أما رواية أبي عوانة التي أشار إليها البيهقي أيضًا فأخرجها الدارقطني من طريق أبي عَوانة عن خالد الحذاء عن عِراك بنِ مالك عن عائشة، مرفوعًا بلفظ: "فأمر النبي -ﷺ- بموضع خلائه أن يُستقبَل به القبلة" وقال الدارقطني عقبهُ: "بين خالد وعراك، خالدُ بن أبي الصلت"/ سنن الدارقطني ١/ ٥٩، يعني وهُو لم يُذكر هنا في رواية أبي عوانة هذه، فتكون منقطعة، وسيأتي أيضًا قول العلائي: إن عدم ذكر ابن أبي الصلت، وَهْم من بعض الرواة عن الحذاء. ثم أخرج الدارقطني الحديث من طريق القاسم بن مطيب عن خالد الحذاء قال: كانوا عند عمر بن عبد العزيز فقال: ما استقبلتُ القبلة بغائط مذ كنت رَجُلًا -وعِراك بنُ مالك عنده- فقال عراك: قالت عائشة: بَلغَ رسول الله -ﷺ- أن قومًا يكرهونه، فأمر بمقعدته فَحُوِّلَت إلى القِبلة. وقال الدارقطني عَقبهُ: وهذا مِثلُه، يعني مثلَ رواية عوانة لسابقة في عدم ذكر خالد بن أبي الصلت في إسناده. =
[ ٢ / ٦٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثم قال الدارقطني: تابعه يحيى بن مطر عن خالد، وأخرج متابعة يحيى هذا للقاسم، وذلك من طريق يحيى عن خالد الحذاء عن عِراك بنِ مالك عن عائشة قالت: سمع رسول الله -ﷺ- بقوم يكرهون أن يستقبلوا القبلة بغائط أو بول، فحول مقعدته إلى القبلة. وقال الدارقطني عقبه: هذا القول أصح. السنن ١/ ٥٩. ولم يتضح لي مراده بقوله: هذا القول أصح، إلا بمعنى أن رواية الحديث بلفظ الحكاية لفعل الرسول -ﷺ- فقط -كما في تلك الرواية- أرجح من روايته بلفظ قوله: "حَوِّلُوا مقعدتي" ونحوه، كالروايات القولية المتقدمة والآتية. ثم أشار الدارقطني إلى مخالفة إسناد الرواة الثلاثة المتقدمين لإسناد غيرهم ممن شاركهم في رواية الحديث عن خالد الحَذَّاء، فقال: هكذا رواه أبو عوانة والقاسم بن مُطَيب، ويحيى بن مطر: عن خالد الحَذَّاء عن عِراك. ورواه علي بن عاصم وحمادُ بن سلمة،: عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك، وتابعُهما عبدُ الوهاب الثقفي؛ إلا أنه قال: عن رجل/ السنن ١/ ٥٩. ثم ساق الدارقطني رواية كل من: علي بن عاصم وحماد، وعبد الوهاب. أما رواية علي فأخرجها من طريقه خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصَّلَت عن عِراك بن مالك قال: حدثتني عائشة قالت: لما بَلغَ رسول الله -ﷺ- قول الناس في ذلك أمر بمقعدته فاستقبل بها القبلة. وقال الدارقطني عقب تلك الرواية: هذا أضبط إسناد، وزاد فيه "خالد بن أبي الصلت" وهو الصواب/ سنن الدارقطني ١/ ٦٠. أما رواية حماد فأخرجها من طريقين عنه، إحداهما عن وكيع عن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك بن مالك عن عائشة، بمثل رواية علي بن عاصم المتقدمة. ثانيهما: عن يحبى بن إسحاق عن حماد بن سلمة عن خالد الحَذَّاء عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك بن مالك عن عائشة قالت: خرج النبي -ﷺ- وهم يذكرون كراهية استقبال القبلة بالفروج فقال النبي -ﷺ- قد فعلوها؟ حولوا =
[ ٢ / ٦٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مقعدتي إلى القبلة، قال الدارقطني: وهذا مِثلُه/ السنن ١/ ٦٠. يعني مثل رواية وكيع. ثم أخرج رواية عبد الوهاب الثقفي عن خالد عن رجل عن عِراك عن عائشة، مرفوعًا بنحو رواية ابن أبي شيبة المتقدمة/ السنن ١/ ٦ ح ٨. وما قرره الدارقطني من أن أضبط إسناد لهذا الحديث، هو رواية علي بن عاصم عن خالد الحَذَّاء عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك حدَّثتني عائشة، به، مرفوعًا، هذا يلتقي مع قول البيهقي السابق: إن هذا إسناد مستقيم، مع متابعة حماد لِعَلي على هذا، وقد قَدمتُ أن استقامة هذا الإسناد ومُتابعِه لا يتمان إلا بعد انتفاء بَاقي الانتقادات الموجهة إليه وإلى متابعاته، وانتقاء الانتقادات غيرُ متحقق كما سيجيء. وقد أخرج أبو بكر الباغَنْدِي الحديث عن جعفر الطيالسي ثنا يحيى بن معين ثنا عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحَذاء عن عِراك بنِ مالك عن عائشة أن النبي -ﷺ- أمر بخلائه أن يُستقَبل به القبلة، وأن الناس يكرهون ذلك/، مسند عمر بن عبد العزيز، للباغندي/ ص ٢١٦ - ص ٢١٩ ح ٩٩، وفي هذه الرواية ما قرره الدارقطني فيما تقدم من الانقطاع بين خالد الحذاء وبين عِراك. وأخرج الحازمي الحديث من طريق الدارقطني بسنده عن علي بن عاصم، به، كما تقدم ثم قال: تابعه -يعني تابع عليًا- حمادُ بنُ سلمة وعبد الله بن المبارك، ثم قال: وفي هذا الحديث كلام كثير أشرت إلى بعضه في مُسند المهذب/ الاعتبار - الطهارة - باب النهي عن استقبال القبلة والاختلاف فيه/ ٣٩. أقول: ومتابعة حماد قد تقدم تخريجها من عدة مصادر؛ لكني لم أقف على متابعة ابن المبارك التي أشار إليها الحازمي، كما لم أقف على كتابه "مسند المهذب" وهو في تخريج أحاديث المهذب، في الفقه الشافعي لأبي إسحاق الشيرازي، وذَكر الذهبي أن الحازمي لم يُتم هذا الكتاب/ تذكرة الحفاظ ٤/ ٣٦٣، ١٣٦٤. وما أشار إليه الحازمي من الكلام الكثير لا هذا الحديث، قد تقدم بعضُه خلال =
[ ٢ / ٦٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تخريجه، وكذا سبق كلام البيهقي والدارقطني عنه، وسيأتي ذكر الشارح في الأصل بعض الكلام عنه، ولكني سأجمل القول فيه هنا عقب تخريج طرقه السابقة ليكتمل بيان حال الحديث في موضع واحد، ثم أحيل عليه ما سيأتي في الأصل بإذن الله. وقد جاء في العلل للدارقطني: أنه سُئل عن حديث عِراك بن مالك عن عائشة أن النبي -ﷺ- ذُكِر له أن ناسًا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال رسول الله -ﷺ-: استقبلوا بمقعدي القبلة، فقال الدارقطني: يَرويه خالد الحَذَّاء، واختُلِف عنه:- فرواه حماد بن سلمة، وهُشيم وخالد الواسطي، وخالد بن يحيى السدوسي وعلي بن عاصم، عن خالد الحذاء عن (ابن) أبي الصلت عن عِراك بن مالك -لم يَذكُر بينهما أحدًا- والصحيح قول حماد بن سلمة ومَن تَابَعه/ العلل للدارقطني ٥ / ل ٩٥ مسند عائشة. وقول الدارقطني هذا يلتقي مع ما تقدم عنه من أن أضبط إسناد للحديث هو طريق عَلي بن عاصم وحماد بن سلمة، كلاهما عن خالد الحَذَّاء عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك عن عائشة، مرفوعًا، وكذا قَولُ البيهقي أيضًا: إن عليًا وحمادًا قد أقاما إسناد الحديث، وبهذا آخذ من صحح الحديث أو حَسَّنه مرفوعًا كما سيأتي. لكن العلماء قد انتقدوا طريق حماد هذه ومَن تابعهُ، وذلك من عدة وجوه، على النحو التالي: لَمَّا ذكر البيهقي ما تقدم من كون إسناد الحديث مستقيمًا من طريق عَلي وحَمَّاد، تعقبه ابن التركماني بإعلال البخاري لرواية حماد المشار إليها، وترجيح رواية الحديث من طريق آخر، موقوفًا على عائشة/ الجوهر النقي بهامش السنن الكبرى ١/ ٩٢، ٩٣، ويتجه هذا التعقيب أيضًا إلى كلام الدارقطني المتقدم؛ لالتقائه مع كلام البيهقي، وسيأتي تفصيل إعلال البخاري لرواية حماد هذه، وترجيحه. أما رواية علي بن عاصم فتقدم مِنْ بيان حاله ما يقتضي أن روايته بمفردها ضعيفة كما قدمت. =
[ ٢ / ٦٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثم إن ابن حزم بعد أن ذكر الحديث عن عائشة مرفوعًا قال: إنه ساقط، وعلل سقوطه بأمرين: أولهما: إن في إسناده خالد بن أبي الصلت، وقال ابن حزم فيه: وهو مجهول لا يُدرَي من هو؟ ثانيهما: إن عبد الرازق الصنعاني أخطأ في إسناده، فرواه عن خالد الحذاء عن كثير بن الصلت، وخالد لم يُدرِك كثير بن الصلت/ المحلى - الطهارة ١/ ٢٦٠ - ٢٦٤، أقول: وهذه الرواية لم أقف عليها، لا في مصنف عبد الرازق في مَظِنَّتها ولا في غيره من المصنفات المتعددة التي يلاحِظ القاريءُ تخريجي للحديث منها. وقد نقل وَليُّ الدين ابن العراقي قولَ ابن حزم بعدم إدراك خالد لكثير بن الصلت وأقره/ تحفة التحصيل/ لولي الدين ابن العراقي ق ١٦٢ أ. وقال ابن المنذر: ودفع أبو ثور حديث عائشة بأن قال: خالد بن أبي الصلت ليس بمعروف الأوسط ١/ ٣٢٦. ويمكن الجواب عن رواية عبد الرازق بوجود الطرق الأخرى للحديث غير تلك التي عزاها ابن حزم إلى عبد الرزاق. وأما قول ابن حزم: إن خالد بن أبي الصلت مجهول، ومثله قول أبي ثور، فهذا مردود عليه بأنه قد عَرَفه ووثقه غيرهما، ومنهم من شاهده وخالطه، مثل تلميذه سفيان بن حُسين حيث قال: كنا نأتي خالد بن أبي الصلت - وكان عينًا لعمر بن عبد العزيز بواسِط وكان له هيئة، فأتيناه، يومًا وقد مَرِض، وإذا تحته شَاذّ كُونيَّة خَلِقة من متاع رَث فقلنا له في ذلك، فقال: إنكم كنتم تأتون وأنا في حال دُنيا، فكنت في هيئة الدنيا، وإنكم الآن أتيتموني وأنا في حال الآخرة، فَأنا على تلك الحال/ تاريخ واسط لأسلم بن سهل، المعروف ببحشل/ ١٤١. أقول: فهذا الكلام من تلميذ خالد، شهادة عينية على عدالته، وكذا اتخاذ عمر بن عبد العزيز له عَينًا يدل على أنه عنده عَدْل مؤتمن موثَّق في دينه ومروءته، =
[ ٢ / ٦٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أما في جانب الرواية، فقد قال عنه ابنُ مُفَوز: هو مشهور بالرواية، معروف بحمل العلم، وأيضًا فإنه قد رَوى عن غير واحد، منهم عمر بن عبد العزيز، وروى عنه كذلك غير واحد منهم سفيان بن حُسين وقد تقدم قوله: كُنا نأتي خالد بن الصلت، فهذا يدل على تعدد مَن كان يتردد عليه من طلاب العلم وغيرهم، وقد ذكره ابن حِبان في الثقات/ تهذيب التهذيب ٣/ ٩٧، ٩٨ والتمهيد ١/ ٣١١ وأيضًا سيأتي عن الإمام أحمد وصف الحديث من طريقه بأن مَخرجَه حَسن، وإن كان غير متصل الإسناد/ التمهيد ١/ ٣٠٩، ٣١٠ وشرح العلل لابن رجب ١/ ٣١١، ٣١٢، المَخْرَج هم رواة الحديث عمومًا؛ أو مَن عليه مدار الإسناد منهم، ولما كان مدار الإسناد المذكور على خالد هذا، فيعتبر قول أحمد هذا مقويًا لحاله أيضًا، وما جاء في تهذيب التهذيب ٣/ ٩٨ عنه. أنه قال: ليس معروفًا، فهو متجه إلى اتصال الإسناد بسماع عِراك من عائشة، يعني أن هذا الاتصال ليس معروفًا، ويؤيد ذلك ما نُقل عقب هذه العبارة من قول ابراهيم بن الحارث: أنكر أحمد قول من قال: عراك سمعتُ عائشة الخ/ التهذيب/ الموضع السابق؛ ولهذا فإن ابنَ المنذر نقل قول أحمد هذا بتحسين مَخرج الحديث في معارضة القول بجهالة ابن أبي الصلت، فبعد ذكره لقول أبي ثور: إن أبا الصلت ليس بمعروف، قال: وقال أحمد بن حنبل: أما من ذهب إلى حديث عائشة فإن مخَرجَهُ حَسن، ثم قال: غَيرُ أحمد: خالد معروف، قد روى عنه خالد الحذاء، والمبارك بن فضالة وواصل مولى أبي عُيينة/ الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، لأبي بكر بن المنذر - بتحقيق د. أبو حماد صغير ١/ ٣٢٦. أما الذهبي فإنه ذكر في الميزان توثيق ابن حبان له، ثم قال: وما علمت أحدًا تعرض إلى لِينه/ الميزان ١/ ٦٣٢ وحزم في الكاشف بأنه ثقة ١/ ٢٧٠؛ لكن قال في المجرد لرجال ابن ماجه: إنه "وُثَق"/ ق ٣٠ وهذه عبارة تشير إلى وجود قول آخر بتضعيفه، فلعل الذهبي وقف على ذلك بعد قوله السابق في الميزان. وقد ذكر ابن حجر أن عبد الحق الإِشلبيلي قال عن خالد هذا إنه: ضعيف/ تهذيب التهذيب ٣/ ٩٨، ثم قال ابن حجر عنه في التقريب: مقبول ٤/ ٢١١، وهذا يفيد عِنده ضعف الموصوف بهذا، ما لم يتابعه غيره/ انظر تقريب التهذيب =
[ ٢ / ٦٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١/ ٥، وقد تبع الحافِظَ في ذلك صاحب تراجم الأحبار من رجال شرح معاني الآثار ١/ ٣٩٩. وبالتأمل فيما قدمته عن خالد هذا من كلام تلميذه سفيان بن حسين، واعتماد عمر بن عبد العزيز عليه في تعرف أحوال الرعية ونحوها، ثم تحسين الإمام أحمد لمَخرجَ الحديث عمومًا، واعتماد ابن المنذر لذلك، ثم نقله عن غير أحمد القول "بدفع الجهالة" لتعدد الرواة عنه، ثم توثيق ابن حبان والذهبي له، مع شهرته بالرواية تحملًا وأداء، كل ذلك إذا وضعناه في مقابل التضعيف المُجْمَل من ابن عبد الحق، نجد أن الأنسب لحال خالد بن أبي الصلت أنه في مرتبة من يعد حديثه حسنًا لذاته. لكن توثيق خالد ورد جهالته، لم يمنع من إعلال حديثه هذا من بعض النواحي الأخرى؛ فالذهبي مع توثيقه لخالد -كما تقدم- قال في نفس ترجمته عن الحديث: لكن الخبر منكر، وفصَّل أكثر، فقال: تفرد به -أي عن خالد بن الصلت- به خالد الحَذّاء، وهذا حديث منكر، وتارة رواه الحذاء عن عِراك، مدلَّسًا، وتارة يقول: عن خالد عن رجل عن عِراك/ الميزان/ ١/ ٦٣٢. وذكر العلائي أن رواية الحديث عن خالد الحذاء "عن عراك، وَهْمُ من بعض الرواة عنه؛ لأن بينهما خالد بن أبي الصلت، وهو صاحب القصة مع عمر بن عبد العزيز، وقول عراك -يعني للحديث- حينئذ/ تحفة التحصيل ق ١٦٢ أ. وسيأتي عن أحمد أيضًا أنه مع تحسين مَخرجَ الحديث أعله بالإرسال. وقد تقدم قول الدارقطني أيضًا: إن خالد بن أبي الصلت بَيْن خالد الحذاء وبَين عِراك، وتقدم أيضًا في بعض طرق الحديث عن حماد بن سلمة عند أحمد، وجود عمر بن عبد العزيز بين خالد بن أبي الصَّلْت وبَيْن عِراك/ انظر مسند أحمد ٦/ ٢٣٩. وبهذا كله وبغيره مما سيأتي يتضح أن في سند الحديث اختلافًا بالقطع والوصل، =
[ ٢ / ٦٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حتى حكم البخاري باضطراب سنده مرفوعًا، كما سيأتي. وما قرره العلائي من أن خالد بن أبي الصلت هو صاحب القصة، إشارةٌ إلى ما تقدم في التخريج لروايات الحديث من اجتماع خالد بن أبي الصلت مع عِراك بن مالك في مجلس عمر بن عبد العزيز، وتحديث عِراك للحاضرين في المجلس بالحديث المذكور، ومنهم خالد بن أبي الصلت. لكن البخاري قرر أن رواية خالد بن أبي الصلت هذا عن كُل من عِراك وعمر بن عبد العزيز صاحب المجلس المذكور تعتبر مرسلة -يعني منقطعة-، ويَعتبر أن الروايات المتقدمة في التخريج، والتي جاء فيها قصة مجلس عمر بن عبد العزيز الذي جمعه هو وخالد بن أبي الصلت وعِراك بن مالك وتحديثه حينئذ بهذا الحديث مرفوعًا، تعد روايات مضطربة الإسناد، وأن الصواب هو رواية الحديث بإسناد آخر عن عائشة موقوفًا عليها. فقد قال في تاريخه الكبير: خالد بن أبي الصلت، عامل عمر بن عبد العزيز، عن عمر بن عبد العزيز، وعراك بن مالك، مرسل. ثم قال: قال موسى [يعني بن اسماعيل]: حدثنا حماد عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصَّلْت: كُنّا عند عمر بن عبد العزيز، فقال عِراك بن مالك: سمعت عائشة، قال النبي -ﷺ-: حَولوا مقعدي إلى القبلة -بفَرجه. وقال موسى: حدثنا وُهَيبٌ عن خالد عن رجل، أن عِراكًا حدث عن عَمرة، عن عائشة عن النبي -ﷺ- ثم قال: وقال ابن (بكر): حدثني بكر -يعني ابن مُضر- عن جعفر بن ربيعة عن عِراك عن عروة أن عائشة كانت تنكر قولهم: لا تستقبل القبلة، وهذا أصح/ التاريخ الكبير ٣/ ١٥٥، ١٥٦، وقد نقل غيرُ واحد من العلماء ذلك عن البخاري وأقروه/ انظر تحفة الأشراف ١١/ ٤٨٨ وتهذيب الكمال ١/ ٣٥٦، ٣٥٧ وتهذيب التهذيب ٣/ ٩٧، ٩٨ والجوهر النقي في الرد على البيهقي لابن التركماني - بذيل السنن الكبرى ١/ ٩٢، ٩٣. =
[ ٢ / ٦٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ويلاحظ على ما ذكره البخاري من رواية وُهَيب عن خالد (يعني الحذاء) عن رجل، أنها تخالف ما تقدم ذكره من رواية عبد الوهاب الثقفي عن خالد عن رجل، أيضًا، حيث نجد في رواية وهَيب ذكر "عمرة" بين عِراك وبين عائشة، ولا نجد واسطة بينهما في رواية عبد الوهاب، وبذلك تكون الرواية عن الحَذّاء قد اختلَفتَ بذكر الواسطة وعدم ذكرها، وهذا من مظاهر الاضطراب في إسناد الرواية المرفوعة، كما وصفه البخاري بذلك فيما سيأتي. فقد أخرج الترمذي الحديث في علله الكبير عن علي بن خَشرم عن عيسى بن يونس عن أبي عبد الله عن خالد الحذاء عن عِراك بن مالك عن عائشة بنحوه مرفوعًا، ثم قال: ورواه حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك بن مالك، قالت عائشة، به مرفوعًا، مع ذكر قصة اجتماع خالد بن أبي الصلت وعِراك بن مالك حين حدَّث بهذا الحديث في مجلس عمر بن عبد العزيز، ثم قال الترمذي: فسألت محمدًا [يعني البخاري] عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولُها/ ترتيب علل الترمذي الكبير، لأبي طالب القاضي/ ل ٣. ومجموع كلامَيْ البخاري والترمذي يفيد تضعيف روايات الحديث المرفوعة، لاضطراب طرقها اتصالًا، وانقطاعًا، واعتماد روايته موقوفًا على عائشة للسلامة من ذلك. والذي يبدو أن الاضطراب بالاتصال، والانقطاع ليس شاملًا لرواية خالد بن أبي الصلت عن عِراك كما هو مقتضى وصف البخاري لها فيما تقدم بالإرسال، ثم بالاضطراب، وإنما الاضطراب والإرسال في رواية عِراك عن عائشة، وذلك لأن الرواية الأولى مما ذكره البخاري في تاريخه جاء فيها خالد بن أبي الصلت بين خالد الحذاء وبين عِراك، والرواية الثانية فيها خالد، وهو الحذاء عن رجل عن عراك، فتحمل الثانية على الأولى، ويكون الرجل المبهم في الثانية هو خالد بن أبي الصلت المصرح به في الأولى، ويؤيده قول الدارقطني والعلائي فيما تقدم: إن الذي بين خالد الحَذّاء وعِراك، هو خالد بن أبي الصَّلْت. =
[ ٢ / ٦٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وكذلك الإمام أحمد -وهو ممن يتمسك في اتصال السند بثبوت السماع- لم ينف اتصال رواية خالد بن أبي الصلت عن عراك، وإنما نفى اتصال رواية عِراك عن عائشة، فقال: إنما هو عراك عن عروة عن عائشة، ولم يسمع عراك منها/ تهذيب التهذيب ٣/ ٩٨، فقوله: إنما هو عِراك عن عروة عن عائشة، يعني موقوفًا، كما مر عن البخاري، وكما سيأتي عن غيره، وبذلك اعتبر الإمام أحمد رواية الحديث عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عائشة مرفوعًا، منقطعة في موضع واحد بين عراك وبين عائشة فقط. ثم إن ما تقدم عن البخاري يفيد موافقته لأحمد على عدم الاتصال بين عراك وبين عائشة؛ لأنه أورد رواية حماد بن سلمة المصرح فيها بسماع عِراك من عائشة، ضمن روايات الحديث المعلولة، وأيضًا الإمام أحمد قد نفى سماع عِراك منها، مع تخريجه في المسند -كما تقدم- للرواية المصرح فيها بسماعه منها، وذلك من طريق علي بن عاصم، وقد أجاب أحمد عن ذلك في حوار له مع تلميذه ابن هانئ الأثرم، وذلك لما ذكر هذا الحديث من طريق خالد بن أبي الصلت عن عِرَاك بن مالك عن عائشة عن النبي -ﷺ-، به قال الأثرم: قال أحمد بن حنبل: أحسن ما في الرخصة حديث عائشة، وإن كان مرسَلا، فإن مَخرَجَه حسن، قال ابن هانئ: قلت له: فإن عِراكًا يرويه مرَة، ويقول: سمعت عائشة، قال ابن هانئ: فأنكره، وقال: عِراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ما لَه ولِعَائشة؟، إنما يروى عن عروة عنها، هذا -يعني ذِكْرَ السماع- خطأ، ثم لم يكتف الإمام أحمد بذلك، بل قال لابن هانئ: من روى هذا؟ -يعني سماعَ عِراك منها- قال ابن هانئ: قلت: حمادُ بن سلمة عن خالد الحذاء. فقال أحمد: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه: "سمعْتُ"، وقال غير واحد أيضًا: عن حماد بن سلمة، ليس فيه: "سَمعْتُ"، وقد نقل ابن أبي حاتم وغيره هذا الحوار بين ابن هانئ وشيخه أحمد، وأقره معظمهم، ومَن عارَضَة سيأتي الجواب عنه/ انظر المراسيل ١٦٢، ١٦٣ وانظر شرح العلل لابن رجب ١/ ٣٦٧ - ٣٧٢، وتهذيب التهذيب ٣/ ٩٨ ونصب الراية - الصلاة - باب =
[ ٢ / ٦٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٢/ ١٠٦ حديث ٩٩ والتمهيد ١/ ٣٠٩، ٣١٠. وبالتأمل في كلام الإمام أحمد هذا نجده قد ضعف الحديث بما أراد غيره تصحيحه به، وذلك أن خلاصة ما تقدم من كلام الدارقطني والبيهقي والحازمي: أن رواية الحديث من طريق حماد بن سلمة متصلة برواية الثقات، وإن تفاوتت درجة توثيقهم - ثم اعتبروا مَن شارك حمادًا في رواية الحديث بسنده المتقدم، متابعين له على وصل رواية عِراك عن عائشة، وبذلك يتجه الحكم بصحة الإسناد أو حسنه مرفوعًا، عند من قال به. أما الإمام أحمد فيخالفهم في كلا الأمرين، حيث يقرر لابن هانئ أن مَن شاركوا حمادًا في رواية الحديث، ليس كلهم، ولا أكثرهم متابعين له في الواقع؛ بل كثير منهم خالفوه بعدم ذكرهم لما ذكره هو من سماع عِراك لعائشة، الذي هو محل النزاع، وهو النص الصريح في اتصال السند؛ بل ولم يذكروا ما يقوم مقامه، كالتحديث أو الإخبار، وبالتالي يكون ذكر حماد للسماع هو وبعض المشاركين له في الرواية مرجوحًا؛ لمخالفة الكثيرين له، هذا ما يُفهم من قول الإمام أحمد السابق: "رواه غيرُ واحد -[يعني غيرَ حماد]- عن خالد الحذاء، ليس فيه "سَمِعْت" يعني بين عِراك وعائشة، وقبل ذلك قال عن السماع من طريق حماد: هذا خطأ. ثم أضاف الإمام أحمد أمرًا آخر تضعف به رواية حماد في حَدِّ ذاتها، وهو أن الرواة عن حماد قد اختلفوا عليه، فبعضهم ذكر السماع المتنازع فيه، وغير واحد لم يذكروه، فكأن من ذكره من الرواة عنه، قد شَذَّ بذكره، لمخالفة الكثيرين له، هذا ما يُفهم قول الإمام أحمد: وقال غير واحد أيضًا: عن حماد بن سلمة، ليس فيه: "سَمِعْت"، يعني بين عراك وعائشة، كما تقدم. أقول: ومن يراجع ما أسلفت في تخريج الحديث، يجد مصداق كلام الإمام أحمد -﵀-، فقد وقفتُ على رواية ثلاثةٍ ممن تابعوا حمادًا -غيرِ علي بن عاصم- وهؤلاء الثلاثة هم: =
[ ٢ / ٦٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١ - عبد العزيز بن المغيرة المِنْقَري، وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: صدوق، لا بأس به، وأقره ابن حجر/ تهذيب التهذيب ٦/ ٢٠٣، والتقريب ١/ ٥١٣، وروايته تقدم تخريجها من زوائد أبي الحسن بن سلمة على روايته لسنن ابن ماجه.
(٢) عبد الوهاب الثقفي، وتقدم أنه ثقة تَغيَّر قبل وفاته بثلاث أو أربع سنوات، فَحُجب عن الرواية ص ٦٣٠ ورواية عبد الوهاب تقدم تخريجها من مسند أحمد ومصنف ابن أبي شيبة وغيرهما.
(٣) أبو عبد الله -ولم أهتد لمعرفة اسمه- وقد تقدم تخريجُ روايته من علل الترمذي الكبير. ولم يَذكر أيٌّ من هؤلاء الثلاثة ما ذَكره حماد بن سلمة من سماع عِراك من عائشة، ولا ما يقوم مقامه في إفادة الاتصال. أما رواة الحديث عن حماد فيما تقدم تخريجه فعددهم تسعة، وهم: أبو كامل الجَحْدري ووكيع بن الجراح، وبَهز بن أسد، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، وحجاج بن المنْهال، وأسد بن موسى، ويحيى بن إسحق، وموسى بن إسماعيل. ولم يُذكَر سماع عِراك من عائشة إلا في رواية موسى بن اسماعيل فقط، وقد أتبعها البخاري برواية أخرى لموسى نَفْسِه عن غير حماد، وفيها ذكر "عَمْرة" بين عِراك وعائشة، كما تقدم، فاختلَفَتْ روايته كما ترى، وقد ضَعَّف البخاري كِلْتا الروايتين بالاضطراب كما تقدم، وقد خالف موسى الأكثرون المشاركون له في رواية الحديث عن حماد، كما ترى، حيث لم يذكروا ما ذكره من سماع عراك لعائشة، وبالتالي يُعد ذِكْرة للسماع شاذًا؛ لمخالفة الأكثرين له. وأيضًا تقدم أن رواية يزيدَ بنِ هارون قد اختلِفَ عليه فيها، فرواها عَليٌّ بن شيبة عن يزيد عن حماد، وفيها ذكر "عروة" بين عراك وبين عائشة، ورواها الإمام أحمد عن يزيد عن حماد، بدون ذكر "عروة"، وتقدم أن رواية أحمد هي الراجحة. =
[ ٢ / ٦٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وبمقتضى تلك المخالفة في ذكر سماع عِراك لعائشة، سواء ممن شاركوا حمادًا في رواية الحديث عن الحذاء، أو ممن رووه عن حماد نفسِه، رجَّح الإمام أحمد انقطاع إسناد الحديث مرفوعًا على الاتصال والسماع، واعتبر ذِكْرَ السماع خطأ ممن ذكره، ويؤيده ما تقدم عن البخاري وما سيأتي عن غيره. ولا ينافي هذا ما جاء عن أحمد نفسِه في صدر كلامه السابق، من أن "الحديث من طريق خالد بن أبي الصلت عن عِراك عن عائشة مرفوعًا، "هو أحسن ما رُوِي في الرخصة -وإن كان مُرسلًا- فإن مَخرجَه حسن"، وذلك لأنه قد أبقاه على انقطاعه، وقَصر التحسين على حال رواته فقط كما هو واضح من تقييده الحُسْن بالمَخْرَج، وهُم الرواة، أو مَن عليه مدار الحديث منهم -كما تقدم. وقد ذكر ابن رجب أن الإمام أحمد يعنى بالإرسال: أن عِراكًا لم يسمع من عائشة، ثم أراد ابن رجب توجيه تحسين أحمد للحديث، فقال: فلعله حَسَّنه؛ لأن عِراكًا قد عُرِف أنه يَروى حديث عائشة عن عروة عنها/ شرح العلل ١/ ٣١٢. أقول: قول ابن رجب: "لَعله حسنه الخ" يُشير إلى عدم جَزمه بذلك، ومقتضى ما ذكره أن أحمد قد حَسَّن الحديث مرفوعًا باعتبار بعض الطرق الأخرى الموصولة بذكر "عروة" بين عِراك وبَين عائشة، أي أنه حسنه لغيره على الاصطلاح؛ لكن هذا يُعكر عليه ما ذكره البخاري آنفًا، وما سيأتي أيضًا عن غيره، من أن الروايات الموصولة بذكر عُروة بين عراك وبين عائشة، الراجحُ منها هو الموقوف على عائشة وليس المرفوع، ومن جهة أخرى فإن أحمد نفسَه قد تقدم ترجيحه لانقطاع المرفوع وتخطئة مَن وَصلَه، فلا يتجه اعتمادُه له في تحسين الحديث، وتقدم أيضًا أن الرواية المرفوعة التي فيها ذِكْر "عروة" تعد شاذَّة، ولهذا فالأولى تفسير الحُسْن في كلام الإمام أحمد بغير الحُسن الاصطلاحي، كما فُسِّر قوله، وقول غيره: "أصح ما في الباب كذا" بغير الصحة الاصطلاحية، فقد سأل أبو داود أحمد: أي حديث أصح في: أفطر الحاجم والمحجوم؟ "، قال: حديث ابن جُريج عن مكحول عن شيخ من الحي عن ثوبان/ الاعتبار للحازمي/ ص ١٤٠، وهذا الإسناد فيه مجهول كما ترى"، فهو ضعيف، فيكون قوله: =
[ ٢ / ٦٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "أحسن ما رُوي في الرخصة" أي أمثل الضعيف المروي مرفوعًا في هذا أو أقواه، وذلك بالنظر إلى حال رواته، دون اتصال سنده، بدليل قوله: "وإن كان مُرسَلًا، فإن مَخَرجَه حَسن". وبذلك يتفق قوله بالتحسين للحديث مرفوعًا، مع ترجيحه لانقطاعه، ويلتقي أيضًا مع باقي الآراء المرجحة لوقف الحديث، على رفْعهِ عمومًا، كما سنذكره. وسيأتي للمؤلف أيضًا صَرْف التحسين في كلام أحمد هذا عن الحُسن الاصطلاحي إلى حُسْن الاستدلال بمتنه؛ لتصريحه بالحكم المتنازَع فيه، وهو التفريق بين الأبنية وبَينَ غيرها/ انظر ص ٦٩١. ويتفق مع الإمام أحمد والبخاري في تقرير انقطاع رواية عِراك عن عائشة: موسى بن هارون حيث قال: لا نعلم لِعِراك سماعًا من عائشة/ تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٤، وكذا رجح انقطاعَه المؤلفُ وغيرُه، كما سيأتي في الأصل ص ٦٨٤، ٦٩٢، ٦٨٥. لكن الإمام ابن دقيق العيد عارض هُو وغيرُه القولَ بانقطاع الاسناد بين عراك وبين عائشة، فذكر ابن دقيق العيد: أنه وإن كان لِعرِاك أحاديث عديدة عن عروة عن عائشة؛ ولكن لقائل أن يقول: إذا كان الراوي عن [عِراك] قولَه: "سمعْتُ" ثقة، فهو مقدم؛ لاحتمال أنه لقي الشيخَ بعد ذلك فحدَّثه، إذا كان ممن يمكن لقاؤه، وقد ذكروا سماع عِراك من أبي هريرة، ولم ينكروه، وأبو هريرة تُوفي هو وعائشةُ في سنةٍ واحدة، فلا يبعد سماعهُ من عائشة، مع كونهما في بلدة واحدة، ولعل هذا هو الذي أوجب لسلم أن أخرج في صحيحه حديث عِراك عن عائشة من رواية يزيد بن أبي زياد مولى ابن عباس عن عِراك عن عائشة: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها (الحديث) -وسيأتي تخريجه- ثم قال ابن دقيق العيد: وبعد هذا كلِّه، فقد وقعت لنا رواية صريحة بسماعه من غير جهة حماد بن سلمة التي أنكرها أحمد، أخرجها الدارقطني عن علي بن عاصم ، وذكر الحديث كما تقدم تخريجه/ انظر نصب الراية - الصلاة ٢/ ١٠٧، ١٠٨ ح ٩٩. أقول وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر -﵀- رواية حماد بن سلمة من تاريخ =
[ ٢ / ٦٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = البخاري كما تقدمَت، ثم حذف إعلال البخاري لها!، ثم ذكر خُلاصة كلام ابن دقيق العيد المتقدم، واعتبر مجموع الأمرين تحقيقًا علميًا نادرًا تَوصل به إلى تصحيح الحديث بسند متصل بالسماع الثابت، وعلى شرط مسلم/ هامش المحلي لابن حزم/ الطهارة ١/ ٢٦١ - ٢٦٤. وما ذكره ابن دقيق العيد قد سبقه إلى نحوِه الحافظ رشيد الدين أبو الحسين العطار، ما عدا ذكر رواية علي بن عاصم، وقد نَقل المؤلف في الأصل كلامه كما سيأتي قريبًا، ومقصود الرشيد العطار بما ذَكَر الجوابُ عن إيراد مسلم لحديث عِراك بن مالك عن عائشة في صحيحه/ انظر غُرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة، لأبي الحسين يحيى بن علي، المعروف بالرشيد العطار/ ق ١٥ ب، نسخة برلين. أما الحافظ شهاب الدين البوصيري فإنه قد ذكر ما تقدم من إعلال البخاري لرواية الحديث مرفوعًا، وترجيح رواية الوقف، ثم قال: وهذا الذي علَّل به البخاري، ليس بقادح؛ فالإسناد الأول -يعني إسناد حماد بن سلمة عن الحذاء عن ابن أبي الصلت عن عراك عن عائشة- حَسن، رجالُه ثقات معروفون، وقد أخطأ من زعم أن خالد بن أبي الصلت مجهول، ثم قال: وأقوى ما عُلِّل به هذا الخبر: أن عِراكًا لم يسمع من عائشة، نقلوه عن الإمام أحمد، وقد ثبت سماعه منها عند مسلم/ مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري، بتصحيح الكشناوي - الطهارة - باب الرخصة في ذلك ١/ ٤٧. ومجموع ما تقدم عن ابن دقيق العيد وأبي الحسين العطار، والبوصيري والشيخ أحمد شاكر -﵏- لا ينهض مُستَندًا لتصحيح الحديث أو تحسينه، ويمكن الجواب عنه من وجوه: أحدها: أن الاسنادَ المذكور، مدارُه على خالد بن أبي الصلت، وقد تقدم أن حديثه في مرتبة الحسن فقط، لا الصحيح، وقد اقتصر البوصيري كما مر - على تحسين هذا الحديث فقط، وكذا جزم النووي بتحسينه في شرحه لمسلم ٢/ ٢٧٠ بهامش القسطلاني، وأما في شرح المهذب فجمع بين تحسينه والتنبيه على إعلال =
[ ٢ / ٦٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = البخاري له فقال: وإسناده حسن؛ ولكن أشار البخاري في تاريخه، في ترجمة خالد بن أبي الصَّلْت إلى أن فيه عِلة/ المجموع شرح المهذب مع فتح العزيز ٢/ ٧٨ - كتاب الطهارة. وبهذا لا يُسَلَّم القولُ بصحة الحديث -كما ذكر الشيخ أحمد شاكر- لا على شرط مسلم، ولا على شروط الصحة المذكورة في تعريف الصحيح عند المحدثين، وسيأتي ردُّ القولِ بتحسينه أيضًا. ثانيها: قول البوصيري: "رجال الحديث ثقات معروفون" يجاب عنه بأن ثقة الرواة لا تستلزم اتصال السند، ولا تغني عنه. وقول ابن دقيق العيد: "إنه إذا كان الراوي للسماع ثقة فهو مقدَّم" يجاب عن ذلك بأن تقديم ما يثبته الثقة ليس على إطلاقه، ولكنه مقيد بعدم وجود مُعارِض أرجح منه، بكونه أوثق أو أكثر عددًا، أو نحو ذلك من المرجحات؛ فإن وُجِد هذا المعارِض كان هو المعتمد، وكان ذكر السماع من الثقة مرجوحًا أو شاذًا، وهذا ما قرره الإمام أحمد عندما ذُكِر له وُرود السماع من طريق حماد بن سلمة، حيث أثبت معارضته بمن هو أرجح منه، لكثرته، وبالتالي شذوذ أو مرجوحية رواية حماد ومن وافقه قي إثبات السماع، ومن العروف أن من شروط الصحة والحُسن عند جمهور المحدثين السلامةَ من العلة ومن الشذوذ، المُعرَّف بأنه مخالفة الثقة بمن هو أرجح منه/ انظر النكت لابن حجر ١/ ٢٣٦، ٣٨٧ ونزهة النظر له أيضًا - زيادة الثقة/ ٣٤، ٣٥. ثالثها: ما ذكره البوصيري من أنه ثبت عند مسلم سماع عِراك من عائشة، فهذا غير مُسلَّم أيضًا؛ لأن الذي في صحيح مسلم روايته عنها بالعنعنة، كما سيأتي تخريج الرواية المشار إليها قريبًا، وانظر صحيح مسلم ٤/ ٢٠٢٧ وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للشيخ ناصر الدين الألباني ٢/ ٣٥٧. ولهذا فإن ابن دقيق العبد والرشيد العطار قد وَجَّها إخراج مسلم لحديث عراك عن عائشة بأنه اعتمد على تعاصرهما وإمكان اللقاء، ولم يَذكُرا ثبوت السماع عنده صراحة. =
[ ٢ / ٦٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال العلائي أيضًا -بعد ذكر رواية مسلم المشار إليها-: والظاهر أن ذلك على قاعدته المعروفة/ تحفة التحصيل/ ق ١٧٦ أ. أقول: وينبغي التنبه إلى أن قاعدة مسلم التي أشار إليها العلائي، بجانب اشتراطها المعاصرة الممكن معها اللقاء، وعدم التدليس، تَشترِط أمرًا آخر، وهو عدمُ وجود دلالة بَيِّنة تنفي اللقاء أو السماع، كما سيأتي نقل المؤلف لذلك في كلام أبي الحسين العطار، وانظر أيضًا صحيح مسلم - باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن ١/ ٢٩، ٣٠، ٣٣، وهذا الشرط غير مُتحقق هنا، حيث إن الإِمام أحمد والبخاري وغيرهما -كما تقدم- نفوا سماع عراك عن عائشة،/ ودلَّل الإمام أحمد على ذلك بشذوذ ومرجوحية الروايات التي جاء فيها ذكر السماع صريحًا. وقد أشار ابن القيم إلى ذلك، فقال: فإن قيل: قد روَى مسلم في صحيحه حديثًا عن عراك عن عائشة، قيل: الجواب: أن أحمد وغيرَه خالفه في ذلك، وبينوا أنه لم يسمع منها/ تهذيب سنن أبي داود، لابن القيم مع معالم السنن ١/ ٢٣. ومن جهة أخرى يجب التنبيه إلى أن إخراج مسلم لحديث عِراك عنها مع رجحان الانقطاع بينهما ليس بقادح في شرطه -عند التأمل-؛ وذلك لأن مسلمًا أخرج الحديث أولًا من طريقين بسند متصل عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عروة عن عائشة، ثم أَتْبعه برواية عِراك عن عائشة/ انظر صحيح مسلم - كتاب البر والصلة ٤/ ٢٠٢٧ ح ١٤٧، ١٤٨، فهي متابعة للرواية الأولى، وليست هي الرواية الأصلية التي اعتمد عليها في تصحيح الحديث، والمتابعة والشاهد يُكتفَى فيهما بمثل هذه الرواية، ولا تقدح في صحة أصل الحديث من الطريق أو الطرق الأخرى. وبمثل هذا أجاب أبو الحسين العطار نفسه عن بعض الأحاديث التي أقر بأن مسلمًا رواها منقطعة في الشواهد، فقال: إذا كان الحديث ثابتًا متصلًا من وجه صحيح ثم رُوى من وجه آخر دونه في الصحة، وفي اتصاله نظر، فلا يؤثر ذلك في ثبوته واتصاله من الوجه الآخر/ المصدر السابق/ ق ١٤ أ. =
[ ٢ / ٦٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهذا الجواب عن إخراج مسلم لرواية عِراك هذه، أمتنُ من الجواب عنه بإمكان سماع عِراك من عائشة؛ لأنه أمر مرجوح، كما تقدم بيانه. وأما إثبات سماع عِراك من أبي هريرة فهو مُسوغ فقط لإمكان سماعه من عائشة؛ ولكن لا يستلزمه بالقطع، خاصة مع وجود معارض أقوى بالنفي. رابعها: وأيضًا ما ذكره ابن دقيق العيد في الرواية المصرحة بسماع عِراك من عائشة، وذلك من طريق علي بن عاصم، فيجاب عنه بما تقدم من تضعيفه من قِبَل حفظه، وقد كان مما انتُقِد عليه، أحاديث عن خالد الحَذَّاء، حتى أنكر الحذاء نفسه عددًا منها لما سُئل عنها، وكذبه فيها وحذَّر منه/ تهذيب التهذيب ٧/ ٣٤٤ - ٣٤٧، ولم نجد لِعَلي هذا متابعةً سالمةً من الانتقاد، حتى يمكن تقويته بها، والاعتماد عليها، كما مرَّ بيانُه، ولم تكن روايته هذه خافيةً على الإمام أحمد الذي رجح الانقطاع؛ لأن عليا من شيوخه الذين عرفهم جيدًا، وقد سئل عن أخطائه فقرر أنها لا تنزل به إلى درجة المتروك؛ فلم ير بالرواية عنه بأسًا، وقد أخرج عنه هذا الحديث فِعلًا في المسند كما تقدم في التخريج، وبه يتعقب ابن معين في قوله: إن أحمد لم يُحدث عن عَلي هذا بشيء/ انظر تهذيب التهذيب ٧/ ٣٤٥، ٣٤٧؛ لكن أحمد مع هذا رجَح انقطاع رواية عِراك عن عائشة كما تقدم، فَدل على عَدم اعتداده برواية على هذه مع وجودها عنده، وهو أخبر بشيخه من غيره. وكذلك البخاري الذي أخرج رواية حماد بن سلمة التي فيها تصريح عِراك بالسماع من عائشة؛ قد أعلها بترجيحه عليها الرواية الموقوفة على عائشة والتي فيها ذكر عروة بينهما وبين عِراك، كما تقدم. ولم ينفرد أحمد والبخاري بهذا، بل قرر ذلك أيضًا الحافظ ابنُ عساكر في تاريخه/ انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني ٢/ ٣٥٦، وكذا قرره أبو حاتم الرازي، بعد فحصه وتتبعه بنفسه لطرق الحديث؛ فقد قال ولده: سألت أبي عن حديث رواه حماد بنُ سلمة عن خالد الحَذاء، عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك بن مالك قال: سمعت عائشة تقول: سمع النبي =
[ ٢ / ٦٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = -ﷺ- (الحديث) قال أبي: فلم أَزل أقفُو أثرَ هذا الحديث حتى كتبتُ بمصر عن إسحق بن بكر بن مضر (و) غيره عن بكر بن مُضر عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة، موقوف -يعني أنها كانت تنكر قولهم: لا تُستَقْبلُ القبلة، ببول أو غائط، كما مر في رواية البخاري- قال أبو حاتم: وهذا أشبه/ علل الحديث لابن أبي حاتم - الطهارة ١/ ٢٩ ح ٥٠. وجاء في تهذيب التهذيب عنه أيضًا: أن من قال في هذا الحديث: عن عِراك سمعت عائشة، مرفوعًا، وَهِم فيه سندًا ومتنًا/ تهذيب التهذيب ٣/ ٩٨. وقال ابن القيم أيضًا عن رواية الحديث مرفوعًا: هذا حديث لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة، حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري، وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علة لا يُدركُها إلا المُعْتَنُون بالصناعة، المعانون عليها؛ وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه، ولا أقام إسناده، خالفه فيه الثقة الثَّبْت، صاحب عِراك بن مالك، المختص به الضابط لحديثه، جعفرُ بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عِراك عن عُروة عن عائشة، أنها كانت تُنكر ذلك، فبين أن الحديث لعراك عن عروة، ولم يرفعه، ولا تجاوز به عائشة، وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عِراك بين مالك/ تهذيب سنن أبي داود لابن القيم، مع معالم السنن ١/ ٢٢. الخلاصة: وبهذا كله يتضح أن الصواب انقطاع رواية عِراك عن عائشة، وأن القول بتصحيح أو بتحسين حديث عِراك هذا عن عائشة مرفوعًا، ليس له دليل معتمَد، وأن الصواب هو رواية الحديث موقوفًا على عائشة من الطريق الذي أخرجه به أبو حاتم الرازي عن إسحق بن بكر بن مضر عن بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة، عن عِراك بن مالك عن عروة عن عائشة أنها كانت تُنكر قولهم: إذا خرج أحدكم إلى الخلاء فلا يَستقبِل القبلة، هكذا أورده ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٣١١،/ وجاء فيه: "جعفر عن ربيعة" وهو خطأ طباعي أو نسخة، وأورده أيضًا البخاري وابن عساكر كما تقدم وقالا: وهذا أصح. وعندما نبحث أحوال سند تلك الرواية الموقوفة نجدهم كالتالي: =
[ ٢ / ٦٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١ - إسحق بن بكر بن مضر بن محمد المصري، قال تلميذه أبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال ابن يونس، ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات/ الجرح والتعديل ٤/ ٢١٢، وتهذيب التهذيب ١/ ٢٢٧، ٢٢٨ وقال الذهبي: ثقة مُفْتٍ / الكاشف ١/ ١٠٨.
(٢) وبكر بن مضر -هو والد إسحق السابق- وهو بكر بن مضر بن محمد بن حكيم المصري، أبو محمد، وأبو عبد الله، ثقة ثَبْت من الثامنة/ التقريب ١/ ١٠٧.
(٣) جعفر بن ربيعة، هو جعفر بن ربيعة بن شُرِحْبِيل بن حَسَنَة، أبو شُرَحْبِيل المصري، ثقة من الخامسة التقريب ١/ ١٣٠ وتقدم قول ابن القيم: إنه صاحبُ عِراك بن مالك المختصُّ به الضابطُ لحديثه الحجةُ فيه، ومقتضى هذا ترجيحه على من يشاركه في الرواية عن عِراك عند الاختلاف، كما في حديثنا هذا.
(٤) وعِراك بن مالك المدني ثقة فاضل من الثالثة/ التقريب ٢/ ١٧. وعلى ذلك يكون إسناد تلك الرواية الموقوفة صحيحًا؛ لاتصاله وثقة رُواته كما ترى، وسلامته من العلة والشذوذ بشهادة الأئمة الأثبات، وبُرجحان جعفر بن ربيعة على مخالفه ابنِ أبي الصلت. ومع كونه موقوفًا على عائشة فإنه يعتبر مرفوعًا حكمًا؛ لأنه لا يقال بالرأي حيث إنه لا يتأتى لعائشة أن تنكر على غير واحد من الصحابة أمرًا كهذا، دون وقوفها على ترخيص الرسول -ﷺ- فيه، وإن لم تُصرح بنسبته إليه، ويشهد له أيضًا حديثُ جابر المتقدم. لكن ابن القيم ﵀بعد ترجيحه لتلك الرواية الموقوفة كما مر، أشار إلى إعلالِها هي الأخرى من جهة ثانية، وهي معارضة الأحاديث الصحيحة المشهورة لها- يعني بذلك أحاديث النهي العام عن الاستقبال والاستدبار للقبلة حال قضاء الحاجة، كما تقدمت/ انظر تهذيب سنن أبي داود، لابن القيم - الطهارة - باب الرخصة في ذلك ١/ ٢٢. =
[ ٢ / ٦٨٣ ]
قال أحمد: أحسن ما رُوِي في الرخصة حديث عِراك [عن عائشة] (١) -وإن كان مرسَلًا- فإن مخرَجَه حَسن (٢)
_________________
(١) = وهذا يمكن الجواب عنه بأن المعارضة غيرَ متحققة، حيث أمكن الجمع بحمل أحاديث النهي -كما تقدم- على حالة الخلاء وعدم الساتر، وحمل أحاديث الرخصة الثابتة على حالة البناء أو الساتر، وإعمالُ الدليلَين أولى من إهمال أحدهما. وعلى هذا جاءت أصح الروايتين عن أحمد بجواز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة في البنيان، جمعًا بين أحاديث النهي وأحاديث الرخصة، كما قرر ذلك ابن الجوزي وابن عبد الهادي وغيرَهما/ انظر التحقيق في أحاديث التعليق لابن الجوزي وبهامشه تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي - بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي ١/ ٦٨، ٦٩ والمغني مع الشرح الكبير ١/ ٨٨، ٨٩. وقال ابن المنذر: وأصح هذه المذاهب: مذهبُ من فرق بين الصحاري والمنازل في هذا الباب، وذلك أن يكون ظاهرُ نَهي النبي -ﷺ- على العموم إلا ما خَصّته السنة فيكون ما خصته السنة مستثنى من جملة النهي، وإنما تكون الأخبار متضادة إذا جاءت جملة فيها ذكر النهي، مُقابل جُملةِ ما، فيها ذِكْر الإباحة، فلا يمكن استعمال شيء منها إلا بطرح ما ضادَّها وهذا الوجه موجود في كثير من السنن، والله أعلم، فلما نهى رسول الله -ﷺ- عن استقبال القبلة بالغائط والبول نهيًا عامًا، واستقبلَ بيت المقدس مستدبرًا الكعبة، كان إباحةُ ذلك في المنازل مخصوص من جملة النهي/ الأوسط لابن المنذر - الطهارة - باب ذكر النهي عن استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والبول ١/ ٣٢٨.
(٢) ليست بالأصل، وأثبتها لوجودها في المصادر التي نقلت قول أحمد، والآتي الإحالة عليها.
(٣) روى ذلك عنه الأثرم ضمن حواره السابق ذكره وشرحه ص ٦٧٣، ٦٧٤ ت وانظر نصب الراية - الصلاة الحديث ٩٩ توابعه ٢/ ١٠٦ وما فيه مطابق للنص هنا، وذكره أيضًا ابن رجب في شرح العلل ١/ ٣١١، ٣١٢، وكذا ابن عبد البر مع اختصار/ التمهيد ١/ ٣٠٩، والمَخرَج: هو الموضع الذي خرج =
[ ٢ / ٦٨٤ ]
قال الحافظ ضياء الدين، محمد بن عبد الواحد المقدِسي (١): سَماه مرسَلًا؛ لأن عراكًا لم يسمع من عائشة (٢).
قال الحافظ أبو الحسين القرشي -﵀- (٣): وفي سماع
_________________
(١) = منه الحديث، فيطلق على رجال السند الذين يدور عليهم، ويطلق أيضًا على رجل واحد منهم، يعرف الحديث من جهته، قال البقاعي: فكل واحد من رجال السند مَخرَج خرج منه الحديث/ النكت الوفية للبقاعي/ ١٥٩، ومثل ابن العربي للمَخْرج بالراوي الذي اشتهر برواية حديث أهل بلده كحديث البصريين يخرج عن قتادة، والكوفيين عن أبي إسحق السبيعي والمدنيين عن ابن شهاب والمكيين عن عطاء/ النكت لابن حجر ١/ ٤٠٥ وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٦١، وشرح شرح النخبة للقاري ٧٧، وعارضة الأحوذي ١/ ١٥٠١٤.
(٢) ولد سنة ٥٩٦، وأجيز وسمع ورَحَل ونسخ وصنف وصحَّح وليَّن وجرَّح وعدَّل، وكان المرجوع إليه في هذا الشأن، مع شدة التحري في الرواية والورع والتقوى، وتوفي في جمادي الآخر سنة ٦٤٣ هـ وله عدة مؤلفات في الحديث هي مَظِنَّة هذا النص، ولكن معظم مؤلفاته مخطوطة حسب علمي، وأشهر مؤلفاته: كتاب الأحاديث المختارة -قال الذهبي: عَمِل نصفها في ست مجلدات- أقول: وهي مرتبة على مسانيد الصحابة حسب اطلاعي على قطع منها/ انظر تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٠٥، ١٤٠٦ وسير النبلاء ٢٣/ ١٢٦ - ١٣٠.
(٣) لم أقف على مصدر هذا القول من مؤلفات الضياء، ولا على مصدر آخر عزاه إليه، ولكن فسَّر ابن رجب الإرسال في كلام أحمد بهذا/ شرح العلل ١/ ٣١٢، وصرَّح أحمد نفسه بذلك في كلامه للأثرم كما تقدم ص ٦٧٣، ٦٧٤.
(٤) هكذا ذكر المؤلف هذا الحافظ، بلقبه وكنيته ونسبته، وهو لا يُعرف بأي منها، ولا يذكر كذلك بأي منها عند النقل عنه، ولا في فهارس الكتب المترجم فيها وإنما يذكر ويعرف "بالرشيد" أو برشيد الدين العطار" وهذه أول مرة ينقل فيها عنه المؤلف في هذا الكتاب فكان يجب ذكره له إما باسمه ونسبه، وإما بما هو معروف =
[ ٢ / ٦٨٥ ]
عِراك من عائشة نَظَرَ، فإنه إنما يَروي عن عُروة عن عائشة (١). وقال موسى بن هارون: لا نعلم له سماعًا من عائشة (٢) وقد أخرج مسلم عن عِراك بن مالك الغفاري عن عائشة أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعَمْتُها ثلاثَ تمرات -الحديث (٣) - قال
_________________
(١) = به، وهكذا يجب على الباحثين عمومًا، وقد ذكرت هذا لأنه قد صَعُبَ عليَّ معرفته بما ذكره به المؤلف، حيث لم أتمكن من الوصول إلى ترجمته لا بلَقب "الحافظ" طبعًا لعمومه. ولا بكنية "أبي الحسين" ولا بنسبة "القرشي" حتى هيأ الله لي نسخة خطية من كتابه الموجود فيه النص المذكور هنا، فوجدت اسمه كاملًا في صفحة العنوان، وقد ذُكِر فيها أيضًا بما هو مشهور به "رشيد الدين أبي الحسين يحيى" الخ. "ومن صعوبة التعرف على صاحبنا هذا بما ذكره المؤلف أنه ليس بين كنيته وبين اسمه العلاقة المعتادة في غيره من كون "أبي الحسين" كنية لمن اسمه "علي"، وبالتالي كان يمكن الاستدلال بكنيته على اسمه، فتضيق دائرة البحث عنه، وعمومًا فهو: يحيى بن علي بن عبد الله بن علي بن مفرج، القرشي الأموي النابلسي ثم المصري، العطار، المالكي، ويلقب بـ "رشيد الدين" ويعرف بـ "الرشيد العطار" ولد سنة ٥٨٤ هـ وتوفي في جمادي الأولى سنة ٦٦٢ هـ. ووصف بأنه كان حافظًا ثَبْتًا، انتهت إليه رياسة الحديث بالديار المصرية، ومن مؤلفاته: "الغرر المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة" -مخطوط- وهو الذي نقل عنه المؤلف النص المذكور بعد/ انظر تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٤٢، ١٤٤٣ وتاريخ التراث لفؤاد سزكين ١/ ١٤١.
(٢) في الغُرر المجموعة يوجد بين العبارة السابقة والتي تليها زيادة نصها "وقد ذكر الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل -﵀- أن حديثه عن عائشة مرسل"/ الغرر المجموعة ق ١٥ أنسخة برلين.
(٣) تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٤.
(٤) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب البر والصلة والأدب - باب فضل الإحسان إلى البنات ح ١٤٧، ١٤٨، ٤/ ٢٠٢٧ وذلك من طريقين عن =
[ ٢ / ٦٨٦ ]
أبو الفضل الحافظ، حفيد (١) أبي سعد الزاهد -في كلامه على هذا الحديث-: هذا عندنا حديثُ مُرسل، واستدل بقول أحمد، و(٢) موسى بن هارون.
ولم يُخرِج البخاري لعِراك عن عائشة، شيئًا (٣).
_________________
(١) = عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عروة عن عائشة، بنحوه. ثم أعقبه بالرواية المذكورة فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر (يعني بن مضر) عن ابن الهاد، أن زياد بن أبي زياد، مولى ابن عياش حدثه عن عِراك بن مالك سمعته يحدث عمر بن عبد العزيز عن عائشة أنها قالت: جاءتني مسكينة (الحديث). وجاء في متن صحيح مسلم المطبوع بهامش شرح القسطلاني لصحيح البخاري ١٠/ ٥٩ زيادة "عن" في الإسناد قبل "عمر بن عبد العزيز" لكن جاء في الإسناد في ط فؤاد عبد الباقي وفي تحفة الأشراف ١١/ ٨٧ ح ١٦٣٣٠ كما أثبتُّه. أقول ويلاحظ أن عِراكًا لم يصرح في رواية مسلم هذه بتحديث عائشة له خلافًا لما قاله البوصيري فيما تقدم: إن سماع عراك من عائشة قد ثبت عند مسلم، يعني في الحديث المذكور، كما يلاحَظ أن مُسلمًا قد أورد رواية عِراك متابعة للرواية الموصولة قبلها "عن عروة عن عائشة" وبذلك لا يقدح ذكره لرواية عراك عن عائشة في شرطه ولا في صحة الحديث من الطريق الموصلة الأولى، كما قدمتُ توضيحه ص ٦٨٠ ت.
(٢) بالأصل "حميد" وما أثبته من الغرر/ ق ١٥ أ، وكما ذكر المؤلف صاحبَ الغرر بما لا يعرف به، فكذلك ذكر صاحبُ الغرر أبا الفضل هذا، بما لم أتمكن من معرفته به، وبالتالي لم أقف على قوله إلا عند الرشيد العطار في غُرره/ الموضع السابق.
(٣) بالأصل "وهو" ولا يستقيم المعنى عليه، والذي في الغرر: واستبدل بما ذكرناه من قول أحمد بن حنبل، وموسى بن هارون/ انظر الموضع السابق.
(٤) الى هنا من كلام الرشيد العطار، وما بعده الى قول المؤلف: "قال أبو الحسين الخ" ليس في الغرر/ الموضع السابق.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
وعِراك بن مالك الغفاري المدني هذا، روى عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، ونوفل بن معاوية، وغيرهم (١).
روى عنه: سَلْمان بن يَسار، وجعفر بن ربيعة، وابنُه (٢) خُثَيم بن عِراك، وغيرهم (٣).
وثقه الرازيَّان (٤) وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت أكثر صلاة منه (٥)، وقال عبد العزيز بن عمر: ما كان أبي يَعدِلُ بِعِراك أحدا (٦) وقال الواقدي: توفي بالمدينة (٧) في خلافة يزيد بن
_________________
(١) انظر تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٢.
(٢) بالأصل "وأبيه" وهوخطأ التصويب من الثقات لابن حبان ٥/ ٢٨١، وتهذيب الكمال ٢/ ٩٢٥ وفي التهذيب: أنه روى عن عِراك: ابناه: خُثَيم وعبدُ الله ٧/ ١٧٢ وضُبِط "خُثَيم" في المغني بالتصغير/ المغني للفتني/ ٩٠ حرف الخاء.
(٣) انظر تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٢.
(٤) الجرح والتعديل ٧/ ٣٨ وتهذيب التهذيب ٧/ ١٧٢.
(٥) تهذيب الكمال ٢/ ٩٢٥.
(٦) تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٢.
(٧) كذا جاء في الخلاصة/ ٢٦٤، ولكن في تهذيب الكمال جاءت نسبة القول بوفاته في المدينة الى ابن سعد وحده ١/ ٩٢٦، ثم جاء في تهذيب التهذيب، نقلًا عن تهذيب الكمال: قال ابن سعد وغيره: مات بالمدينة الخ وتعقبه ابن حجر بقوله: ولم أر من صرح بأنه مات بالمدينة غير ابن سعد/ التهذيب ٧/ ١٧٣، فلعله لم يطلع على قول الواقدي هذا، ثم قال ابن حجر: كلهم -يعني المتَرْجِمين لعِراك كما في المصادر السابقة- قالوا: مات في خلافة يزيد بن عبد الملك/ الموضع السابق من تهذيب التهذيب. وذكر المزي أن بداية خلافة يزيد كانت سنة ١٠١ هـ بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، واستمرت أربع سنين وشيئًا/ تهذيب الكمال ٢/ ٩٢٦.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
[عبد الملك] (١)، روى له الجماعة (٢).
قال أبو الحسين القرشي الحافظ -رحمه الله تعالى-: وحديثه عن رجل عنها، لا يدل على عدم سماعه منها بالكلية، لاسيما وقد جمعهما بلد واحد، وعصر واحد، وهذا ومثله، محمول على السماع عند مسلم -رحمه الله تعالى-، حتى يقوم الدليل على خلافه، كما نص عليه في مقدمة كتابه (٣) فسماع عِراك من عائشة -﵂-
_________________
(١) بالأصل "عبد الله" وفي الخلاصة "معاوية" ٢٦٤ وما أثبته هو الصواب الموافق لما في مصادر الترجمة/ الطبقات لخليفة بن خياط/ ٢٥٧ والكاشف ٢/ ٢٦٠ تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٣ وهامش الخلاصة/ الموضع السابق، والثقات لابن حبان ٥/ ٢٨١.
(٢) انظر تهذيب الكمال/ الموضع السابق.
(٣) انظر مقدمة صحيح مسلم - باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن ١/ ٢٩، ٣٣، حيث قال: إن القول المتفق علبه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا أن كل رجل ثقة رَوى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسَّرنا، فالراوية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بيَّنا، ثم قال بعد ذلك أيضًا: وإنما تفقدَ مَن تفقَّدَ منهم سماع رواة الحديث عمن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهِرَ به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته ويتفقدون ذلك منه، فتنزاح عندهم علة التدليس. أقول: وقول مسلم -﵀- فيما تقدم: إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق مَن روى عنه، ولا سمع منه شيئًا، وكذا قول الرشيد العطار كما في الأصل: "حتى يقوم الدليل على خلافه"، كلاهما صريح في أنه عند ثبوت الدلالة البيِّنةِ على عدم اللُّقِي أو عدم السماع، فيؤخذ بها، وفي سماع عِراك من =
[ ٢ / ٦٨٩ ]
جائز ممكن، قد ثبت سماعه من أبي هريرة وغيره من الصحابة [﵃] (١) وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن حديث
_________________
(١) = عائشة وُجدَت دلالة بينة، وهي إنكار الإمام أحمد لثبوت السماع وتخطئة الرواية المثبتة لذلك، وترجيح خلافها، كما تقدم بيانه، وقول أحمد: عِراك بن مالك من أين سمع عائشة، ما له ولعائشة؟، إنما يَرْوي عن عروة الخ/ المراسيل لابن أبي حاتم/ ١٦٣ وتقدم أنه وافق أحمدَ غيرُه، ومما يدل على أن مثل قول أحمد هذا يعتبر عند مسلم من الدلالة البينة على نفي السماع، اعتمادُه لمثله في كتابه التمييز، حيث أعَلَّ حديث ميمون بن مهران عن ابن عمر أن رسول الله -ﷺ- وَقَّت لأهل المشرِق ذات عِرْق فقال: إن ميمون لم يسمعه من ابن عمر/ التمييز، لمسلم بتحقيق د. الأعظمي/ ٢١٥. وميمون ثقة فقيه، كبير القَدْر، وقد وُلد سنة ٤٠ هـ وابن عمر توفي سنة ٧٤ هـ، فالإدراك والتعاصر وإمكان اللقاء كل ذلك متوفر،/ انظر الكاشف ٢/ ١١٢، ٣/ ١٩٣، ومع هذا نفي مسلم سماعه للحديث المذكور من ابن عمر، في حين أن الإمام أحمد استبعد رواية ميمون عن ابن عمر من الإرسال الذي وصف به في روايته عن بعض من روى عنهم كحكيم بن حزام وغيره، وأقر ابن أبي حاتم قول أحمد/ المراسيل/ ٢٠٦، ٢٠٧ وعليه فحديث عِراك المذكور عن عائشة لا يلزم أن يكون محمولًا عنده على الاتصال حتى على قاعدته. وقد قدَّمتُ أن رواية مسلم لحديث المسكينة المذكور من طريق عِراك عن عائشة لا يفيد اتصاله عنده، لأنه لم يصرح فيه بما يدل على الاتصال من جهة، ومن جهة ثانية أنه أخرجه متابعة لرواية قبله متصلة: عن عروة عن عائشة، فهي المُعوَّل عليها.
(٢) من الغرر التي نقل المؤلف عنها، فما كان له -﵀- حَذْفُها وهذا آخر كلام الرشيد العطار في الجواب عن إخراج مسلم لحديث عراك المذكور عن عائشة، وقد بينت من قبل أنه لو أجاب الرشيد بما ذكَرْتُ من كون مسلم أخرج الحديث متابعة، فلا ينتقد به، لكان جوابًا أقوى من جوابِه هذا بإمكان الاتصال، الذي عُورِض بما هو أرجح منه، وهو الانقطاع كما تقدم.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
حماد عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك عن عائشة -الحديث- فقال: إِني لم أزلْ أَقفُوا أثر هذا الحديث حتى كتبتُ [بمصر] (١): عن إسحق بن بكر (٢) بن مضر (٣) عن بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة عن عِراك بن مالك عن عُروة عن عائشة، موقوف. وهذا أشبه (٤).
/ وقول الإمام أحمد، في حديث عِراك عن عائشة: إنه أحسنُ ما رُوي في الرخصة، لعله يريد: أحْسَنُ في الاستدلال، وأصرح في الرخصة (٥) وإلا فحديث ابن عمر مُخَرَّج في الكتب الستة -كما قلنا-
_________________
(١) ليست بالأصل وأثبتُها من المصدر الذي أخذ منه المؤلف وهو العلل لابن أبي حاتم الرازي - الطهارة - ١/ ٢٩.
(٢) بالأصل "بكير" وكذا "بكر" الذي يأتي بعده، وكذا في التاريخ الكبير للبخاري ٣/ ١٥٦ وما أثبته من العلل/ الموضع السابق، والكاشف ١/ ١٠٨ والتقريب ١/ ٥٦ وهو الصواب كما تقدم في دراسة إسناد الحديث.
(٣) في العلل زيادة "أو غيره" ويبدو أن صوابها "وغيره" لأن ذكر "أو" يشير إلى الشك بين كون الرواية عن بكر أو عن راوٍ آخر مجهول، وبالتالي لا يستقيم ترجيح أبي حاتم للرواية بأنها أشبه، كما في باقي كلامه بعده، وقد نُسِبَ الحديث في التمهيد لبكر بن مضر عن جعفر، به/ التمهيد ١/ ٣١١.
(٤) العلل لابن أبي حاتم/ الموضع السابق، وزاد في تهذيب التهذيب ٣/ ٩٨ في هذا النقل عن أبي حاتم: أن من قال فيه: عن عراك سمعت عائشة، مرفوعًا، وَهِم فيه سندًا ومتنًا، فلعله في نسخة العلل التي اطلع عليها ابن حجر.
(٥) هذا التفسير من المؤلف للحَسَن في كلام الإمام أحمد يتعلق بالمتن دون الإسناد، لتصريح أحمد نفسه بإرسال السند، ولكن ابن رجب فَسَّره بالحُسْن الاصطلاحي المتعلق بالسند، فقال: فلعله -أي أحمد- حسَّنه لأن عراكًا قد عُرِف أنه يروي حديث عائشة عن عروة عنها/ شرح العلل لابن رجب ١/ ٣١٢، وقد قدمت =
[ ٢ / ٦٩١ ]
ولا عِلة تلحقه فيما نعلم (١) وفي حديث عِراك ما تقدمَت الإشارة إليه من الخلاف في الاتصال، والراجح عدمُه (٢).
[ومما] (٣) يُعلَّل به أيضًا - ما ذكره الترمذي في العلل: أنه سأل البخاريَّ عنه فقال: هذا حديث فيه اضطراب، والصحيح: عن عائشة قولُها (٤).
قلت: وقد رواه حماد بن سلمة، عن خالد الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك (٥)، وغَيرُه يرويه عن خالد الحذاء،
_________________
(١) = بيان عدم سلامة هذا التفسير أيضًا وأن الأقرب تفسير الحُسْن هنا بغير الحُسْن الاصطلاحي، وإنما بمعنى: أقوى الضعيف أو أَمثَلُه، وبه يتحقق مقصود المؤلف من الحمل على حُسْن الاستدلال بالحديث عن الإمام أحمد، لأنه كما قال الأثرم: ربما كان الحديث في سنده شيء فيأخذ به إذا لم يجيء خلافه أثبت منه وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه، وأقر ذلك ابن رجب/ انظر شرح العلل ١/ ٣١٢، ٣١٣.
(٢) مقصود المؤلف بحديث ابن عمر هنا الرواية الراجحة وهي رواية "مستدبر القبلة مستقبل الشام" وما بمعناها، لأنها هي المخرَّجة في الكتب الستة، كما تقدم. أما رواية "مستقبل القبلة" فقد انفرد بها ابن ماجه عن بقية الستة، مع مشاركة جماعة غير الستة له في تخريجها. منهم ابن خزيمة وابن حبان كما تقدم أيضًا.
(٣) انظر ص ٦٨٢ ت، ٦٨٤ أصل، ٦٨٥ أصل وت، ٤٨٦ أصل، ٦٨٩ أصل وتعليق- ٦٨٩؛ ٦٩٠ أصل وت.
(٤) بالأصل "من" ولا يستقيم المعنى عليه.
(٥) ترتيب العلل الكبير لأبي بكر القاضي/ ل ٣.
(٦) تقدم تخريج روايته، وبيان حالها ص ٦٥٨ ت - ٦٦٢، ٦٦٥ ت وما بعدها.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
عن عِراك، فَسقَط "ابنُ أبي الصلت" منه (١).
وذكر الترمذي في كتاب العلل -أيضًا- أن حديث جابر عن أبي قتادة، غير محفوظ (٢).
وقال في حديث جابر -المُخَرَّج عنده هنا-: إنه سأل محمدًا عنه، فقال:
رواه غير واحد، عن محمد بن إسحاق (٣).
فلعل غرابته عمن فوق محمد بن إسحاق فيه، وهي غرابة لا تنافي الحسن الذي وصفه به: فإنها ترجع إلى بعض الإسناد، وقد ذكر أن في بعض (٤) الحديث الذي وصفه بذلك، أحاديث عن قوم من الصحابة، سماهم (٥)، فلا يعترض عليه في وصفه بعد بالحسن، فهو
_________________
(١) تقدم تخريج هذه الرواية أيضًا من طرق، وبيان حالها ص ٦٦٣ ت - ٦٦٦ ت، ٦٧٠ ت، ٦٧١، ٦٧٢.
(٢) ترتيب العلل/ الموضع السابق، وقد أخرجه الترمذي في العلل بالإسناد الذي أخرجه به في الجامع، ثم تعقبه بما نقله عنه المؤلف هنا: أنه غير محفوظ، وتعقبه في الجامع بأن حديث جابر السابق تخريجه، أصح منه، لأن في سند حديث أبي قتادة ابنَ لهيعة.
(٣) ترتيب العلل الكبير/ ل ٣.
(٤) كذا الأصل، والذي يستقيم المعنى عليه أن يقال: "في معنى".
(٥) حيث قال: وفي الباب عن أبي قتادة، وعائشة، وعمار، ثم أخرج عقيب ذلك حديث أبي قتادة، وأخرجه أيضًا في العلل الكبير كما ذكرت قبلًا ص ٦٩٢ ت وأما حديث عائشة فتقدم تخريج المؤلف له، ثم زدت في التعليق عليه من جانبي استكمال تخريجه وبيان حاله بما خلاصته: أنه قد صح سنده موقوفًا على عائشة، =
[ ٢ / ٦٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ولكنه مرفوع حكمًا/ انظر ص ٦٥٧ أصل وت إلى ٦٩٢ أصل وت. وأما حديث عمار فلم يتعرض المؤلف لتخريجه ولا للكلام عنه، وقد أورده الهيثمي فقال: وعن عمار بن ياسر قال: رأيت النبي -ﷺ- مستقبل القبلة -بعد النهي- لغائط أو بول، وعزاه الهيثمي الى الطبراني في الكبير، ثم قال: وفيه جعفر بن الزبير، وقد اجمعوا على ضعفه/ مجمع الزوائد للهيثمي - الطهارة - باب استقبال القبلة عند الحاجة ١/ ٢٠٦. وأخرجه ابن عدي في الكامل في ترجمة جعفر المذكور، ضمن المنتقد من حديثه، فقال: حدثنا محمد بن علي بن عمرو الحفار ثنا أبو همام ثنا عيسى بن يونس، ثنا جعفر عن القاسم الشامي عن عمار: رأيت النبي -ﷺ- بعد النهي- يستقبل القبلة ويستدبرها، ثم قال ابن عدي: ولجعفر هذا أحاديث غير ما ذكرت عن القاسم، وعامتها مما لا يتابع عليه، والضعف على حديثه بين/ الكامل ٢/ ٥٥٨ - ٥٦٠. أقول: وما ذكره الهيثمي من وصف جعفر هذا بالاتفاق على ضعفه فقط، يعتبر من تساهل الهيثمي -﵀- الذي يلاحظ كثيرًا في حكمه على الرواة في المجمع؛ لأن مقتضى وصفه بالضعف فقط أنه يصلح حديثه للمتابعة والاستشهاد، ولكن الذي يقف على أقوال العلماء فيه يجد أكثرهم على شدة ضعفه من ناحية الضبط، وبالتالي لا يصلح للمتابعة ولا للاستشهاد عند الجمهور، وقد نقل ابن الجوزي الإجماع على أنه متروك، وقال ابن حبان كان ممن غلب عليه التقشف حتى صار وهمه شبيهًا بالوضع انظر تهذيب التهذيب ٢/ ٩٠ - ٩٢. أقول: ولعل هذا محمل قول شعبة بنسبته صراحة إلى وضع الحديث، وقد نص البخاري على ترك روايته عن القاسم خاصة، ويلاحظ أن الحديث هنا عنه/ انظر الكامل وتهذيب التهذيب الموضعين السابقين، وعليه فالحديث من طريق جعفر هذا ليس ضعيفًا فقط كما ذكر الهيثمي، ولكنه ضعيف جدًّا، كما هو مقتضى قول جمهور العلماء فيه.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
حسن لمحل محمد بن إسحاق (١).
وأما "أبان بن صالح"، فشيخ مكي، يروي عن أنس، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد وغيرهم (٢).
روى عنه: ابن عجلان، وابن إسحاق، والحارث بن يعقوب، وابن جُريج، وغير واحد (٣) وثقه الرازيان (٤)، ويعقوب بن شيبة (٥) ولم يخرج له مسلم (٦)، ولا البخاري، في الأصول، ولكن البخاري أخرج له استشهادًا، في باب "هل على من لا يشهد الجمعة غسل، من النساء والصبيان؟ " عن مجاهد (٧).
_________________
(١) هذه العبارة كما ترى تفيد أن المؤلف يعتبر ابن إسحاق حديثه في مرتبة الحسن لذاته مطلقًا، وسيأتي بعد قليل ذكره لذلك أيضًا بعبارة مقاربة، لكنه سيتبع ذلك بتفاصيل عن درجة حديث ابن إسحاق عند الترمذي وعند غيره مخالفة لهذا، ثم إنه في غير هذا الباب مما سيأتي من شرحه هذا، وفي بعض مؤلفاته السابقة عليه قد قرر أن ابن إسحاق حديثه صحيح لذاته، وحرص على الجواب عما يخالف هذا، وسيأتي بعد قليل عرض ذلك ومناقشته وبيان الراجح بمشيئة الله.
(٢) انظر تهذيب الكمال للمزي ١/ ٤٧.
(٣) انظر المصدر السابق.
(٤) يعني أبا حاتم الرازي وأبو زرعة الرازي، وكذا ابن معين/ انظر الجرح والتعديل ٢/ ٢٩٧.
(٥) وغيرهم، انظر تهذيب التهذيب ١/ ٩٤، ٩٥.
(٦) يعني مطلقًا، فليس من رجاله كلية/ تهذيب الكمال ١/ ٤٧ وتقريب التهذيب/ ٨٧، وقد تحرف الرمز على ترجمته في الكاشف إلى رمز الكتب الستة، وهو خطأ.
(٧) تعليقًا مجزومًا، بلفظ: "رواه أبان بن صالح .. إلخ" البخاري مع الفتح ٢/ ٣٨٢ ح ٨٩٨.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
وفي "الجنائز" عن الحسن بن مسلم (١) توفي سنة تسع (٢) عشرة
_________________
(١) تعليقًا مجزومًا بلفظ: "قال أبان بن صالح .. " البخاري مع الفتح - باب الإذخر والحشيش في القبر/ البخاري مع الفتح ٣/ ٢١٣.
(٢) كذا الأصل، والذي في أغلب مصادر الترجمة التي ذكرت وفاته "بضع"، وهو أولى من التحديد بتسع، لأن "البضع" يشمل التسع فما دونها، وقد قرر ابن سعد ومن تبعه أن "أبان" ولد سنة ٦٠ هـ وعاش خمسًا وخمسين سنة، ثم قرروا وفاته سنة بضع عشرة ومائة/ طبقات ابن سعد ٦/ ٢٣٤، ٢٣٥ وتهذيب الكمال ١/ ٤٧ وتقريب التهذيب/ ٨٧، ولعل السبب في عدم تحديد ابن سعد سنة الوفاة بالضبط هو عدم تأكده من الشهر الذي ولد فيه "أبان" من سنة ٦٠ هـ، فأصبح الأمر يحتمل ولادته في بداية السنة المذكورة، وبالتالي تكون الوفاة في نهاية سنة ١١٤ هـ أو بداية سنة ١١٥ هـ، ويحتمل ولادته في آخر السنة، وبالتالي تكون الوفاة في نهاية سنة ١١٥ هـ أو بداية سنة ١١٦ هـ على الأكثر، وسيجيء تحديد الذهبي بذلك، أما قول صاحب تراجم الأحبار إنه بناء على جزم ابن سعد بسنة الولادة وبمدة عمر أبان يتعين أنه مات سنة ١١٤ هـ فلا وجه لهذا التعيين، طالما لم نقف على شهر المولد من سنة ٦٠ هـ / انظر تراجم الأحبار ١/ ١١١، وقد جاء في الخلاصة/ ١٥ نقلًا عن طبقات ابن سعد تحديد الوفاة بسنة ١١٥ هـ، وهذا خلاف ما وجدته في المطبوع من طبقات ابن سعد كما تقدم، ومخالف أيضًا لما في أصل الخلاصة وهو تذهيب تهذيب الكمال ١ / ق ٣٠، فقد اتفق الكل على ذكر "البضع" لكن الذهبي ذكر أن أبان مات كهلًا مع قتادة/ الكاشف ١/ ٧٤، ثم في ترجمة قتادة ذكر أنه مات سنة ١١٨ أو سنة ١١٦ هـ الكاشف ٢/ ٣٩٦، وتحرَّف سنة ١١٦ هـ في المطبوع إلى سنة ١١٧ هـ، وما أثبته من مخطوطة الكاشف، ومع أن الذهبي صدر تحديد وفاة قتادة بسنة ١١٨ هـ ثم ذكر التحديد سنة ١١٦ هـ بلفظ "قيل"، مما يشير إلى عدم ترجيحه له، إلا أنه يبدو أنه هو الراجح في وفاة كل من قتادة وأبان، لاتفاقه مع تحديد عمر أبان، وسنة ميلاده، على تقدير أنه ولد آواخر سنة ٦٠ هـ كما قدمت، وعليه يكون التحديد الذي في الأصل هنا بـ "سنة ١١٦ هـ" غير راجح ومحتمل للتحريف من "بضع" إلى "تسع"، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
ومائة، بعسقلان، وكان مولده سنة ستين. وقد ذكره الحافظ عبد الغني المقدسي، فقال: روى له البخاري. وأطلق (١) وذلك في العرف، محمول على الاحتجاج، ولم يقع حديثه عند البخاري كذلك، فليعلم (٢).
وزعم أبو عمر: أن حديث جابر لا يحتج به؛ لضعف أبان بن صالح، وعلله أيضًا، بما خالف فيه ابن لهيعة، من سنده ومتنه (٣)، وليس ذلك بطائل:
أما أبان، فليس مضطربًا، فقد قلنا بتوثيقه عن غير واحد. وأما الاضطراب، فقد رجح الترمذي حديث أبان، على حديث ابن لهيعة، والله أعلم.
وذكر أبو محمد بن حزم: أن عبد الرزاق، أخطأ فيه، فرواه عن خالد الحَذَّاء عن كثير بن الصلت؛ لأن الحذَّاء لِم يدرك "كثيرًا" قط (٤)، وقد نبهنا على كون الحديث حسنًا، وكونه غريبًا، وعلى أن الجمع بينهما
_________________
(١) الكمال للمقدسي ١/ ١٨٩ أ، ب ونص عبارته: "روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه".
(٢) قد علم هذا، وانظر كيفية روايتي البخاري عنه وتحديد موضعيهما فيما قدمته قريبًا، ولكن سيأتي للمؤلف في هذا الشرح/ ق ١٥٢ أإقرار إطلاق تلك العبارة على خلاف هذا العرف، وانظر ص ٧٠٦، ٧٠٧ ت.
(٣) انظر التمهيد له ١/ ٢ / ٣، وقد تقدم نقل كلامه هذا والجواب عنه ص ٦٥٥ ت، ص ٦٥٦ ت بنحو ما ذكر المؤلف هنا.
(٤) انظر المحلى ١/ ٢٦٥، وقد ذكر المؤلف كلام ابن حزم، ولم يجب عنه كما ترى، ولكن تقدم جوابنا عنه ص ٦٦٨ ت.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
على هذه الصورة، لا يتنافى، لكن فيما ذكرته، من كونه حسنًا، أنه من رواية محمد بن إسحاق (١) وليس التحسين من عمل الترمذي، في أحاديث ابن إسحاق مطردًا؛ فإنه تارة يصححها (٢)، وتارة يحسنها (٣)، فيحتاج إلى التنبيه على ما صححه منها في مواضعه، لم كان صحيحًا؟ وعلى ما حسنه في موضعه، وهو أولى بالتنبيه، ما الذي قصر به عن التصحيح؟ وهو ربما صحح حديثه في غير ذلك الموضع.
فنقول: هنا قد حصل فيه، مع رواية ابن إسحاق، تفرُّد أبان بن صالح به، الذي كان لأجله غريبًا، كما ذكر أبو عيسى، وقد تبيَّن مِن حال أبان: أن أقصى ما يتفرد به، أنه يكون حسنًا - على ما سبق بيانه، فانضم إلى رواية ابن إسحاق مِن تَفرُّد أبان، ما قصر به عن الصحة، وفيه
_________________
(١) هذه إشارة ثانية من المؤلف لما قرره قبل قليل، من أن محمد بن إسحاق حسن الحديث مطلقًا، وبالتالي كان حديثه هذا حسنًا، لكنه سيأتي بعد قليل تقريره أنه ليس وجود ابن إسحاق في السند هو السبب الوحيد لتحسين هذا الحديث، ولكن لانضمام سبب آخر معه وهو أن شيخ ابن إسحاق قد انفرد به، وغاية ما ينفرد به أن يكون حسنًا، إلا أن هذا السبب الذي ذكره يعتبر وحده كافيًا في تحسين الحديث ولو لم يوجد معه سبب غيره، ومن ثم سنناقش عبارته في ذلك عند موضعها الآتي إن شاء الله.
(٢) وأوَّل ما صححه له في هذا الجامع حديث زيد بن خالد: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وسيأتي ذكر أمثلة أخرى في التعليق التالي لهذا.
(٣) اقتصر المؤلف هنا على ذكر التصحيح والتحسين، ولكنه قد زاد فيما بعد في موضعين آتيين قسمًا ثالثًا وهو ما سكت الترمذي عنه، وذكر أمثلة له، وزاد =
[ ٢ / ٦٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الموضوع بحثًا وتفصيلًا وتحقيقًا، وضح فيه موقفه من حال محمد بن إسحاق ودرجة أحاديثه في جامع الترمذي وفي غيره بصفة عامة. ثم إن هناك قسمًا رابعًا لم ينبه المؤلف عليه، وهو ما أخرجه الترمذي مما دلَّسه ابن إسحاق عن بعض شيوخه الضعفاء، ثم بين الترمذي ذلك وأعل الحديث بمن دلَّسه ابن إسحاق، كما سيأتي. لذا رأيت من المفيد هنا ذكر خلاصة ما سيذكره المؤلف في الموضعين الآتيين، ليتضح منذ البداية حال ابن إسحاق، ودرجة أحاديثه في جامع الترمذي وفي غيره، ولتكتمل جوانب الكلام عنه في موضع واحد، ثم يحال على هذا الموضع بما سيأتي بعده. فأول حديث صححه الترمذي في هذا الجامع من رواية ابن إسحاق، هو حديث زيد بن خالد ﵁ في السواك، كما أشرت من قبل، فقد علقه بقوله: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم (يعني التيمي) عن أبي سلمة عن زيد بن خالد عن النبي -ﷺ-، ثم أخرجه مسندًا من نفس الطريق وقال عقبة: هذا حديث حسن صحيح/ جامع الترمذي - الطهارة - باب السواك ١/ ٣٤، ٣٥ ط شاكر. وفي شرح المؤلف لهذا الحديث علَّق على تصحيح الترمذي للحديث ببيان عدد من أقوال المُوَثِّقِين وعدد من أقوال المجرحين لابن إسحاق بما في ذلك من نسبه إلى الكذب، كما سيأتي، ومن ثم أشار إلى اختلاف العلماء في قبول حديثه ورده، لا سيما في الأحكام، وبين المؤلف بعض الأجوبة الإجمالية والتفصيلية من عدد من العلماء عما انتقد به ابن إسحاق، كما سيأتي ذكر خلاصته. ثم ذكر المؤلف أن ممن يصحح حديث ابن إسحاق كل من الترمذي وابن حبان، وأعقب ذلك بقوله: أما الترمذي فإنه مع تصحيحه حديثه في بعض المواضع، ربما اقتصر في بعضها على تحسين حديثه، وربما سكت في بعضها فلم يَحكُم بشيء. ثم ذكر أمثلة لما صححه فقال: فمما صحح فيه حديثه: حديث هذا الباب - =
[ ٢ / ٦٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يعني حديث السواك المتقدم، وحديث: المذي يصيب الثوب (الطهارة - باب المذي يصيب الثوب ١/ ١٩٧، ١٩٨ ط شاكر) وقال عنه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ولا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق، في المذي مثل هذا/ شرح المؤلف/ ق ٦٢ أ - ٦٣ ب. أقول: ورواية ابن إسحاق لحديث المَذْي معنعنة ولكنه صرح بالتحديث عند غير الترمذي كما في مسند أحمد ٣/ ٤٨٥، والحديث أصله المتعلق بالسواك متفق عليه من حديث أبي هريرة/ البخاري مع الفتح - الجمعة - باب السواك لها ٢/ ٣٧٤ ومسلم - الطهارة - السواك ١/ ٢٢٠ ح ٤٢، لكني لم أجد لآخره المتعلق بتأخير العشاء ما يُرقّيه إلى الصحة: انظر مجمع الزوائد - الطهارة - باب المذي ١/ ٢٨٤، وقد دار سند الحديث عند الترمذي وأبى داود وابن ماجه وأحمد والدارمي على ابن إسحاق/ تحفة الأشراف ٤/ ١٠١، ومسند أحمد الموضع السابق، وسنن الدارمي - الطهارة - باب في المذي ١/ ١٥٠. ثم قال المؤلف: وحديث أوَّل ما بديء به رسول الله -ﷺ- من النبوة (الرؤيا الصالحة)،/ الشرح/ الموضع السابق، أقول: وقد قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب/ المناقب - باب ٥/ ٢٥٧ ط عبد الرحمن عثمان. وقد صرح ابن إسحاق هنا بالتحديث عند الترمذي، كما أنه لم ينفرد بالحديث بل تابعه عليه غيره من الثقات/ انظر عمدة القاري - باب بدء الوحي ١/ ٤٨. قال المؤلف: وحديث: يمين الله ملأى (سَحَّاء) / الموضع السابق. أقول: وهذا الحديث أخرجه الترمذي في التفسير - سورة المائدة، وقال: هذا حديث حسن صحيح ٤/ ٣١٧ وهو معنعن عنده، ولكن لم ينفرد به ابن إسحاق، بل تابعه عليه غيره من الثقات عند البخاري وغيره/ تحفة الأشراف ١٠/ ١٧٦. وقال المؤلف: وحديث: لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث/ الموضع السابق من الشرح. أقول: وقد أخرجه الترمذي في التفسير - سورة الأنبياء، وقال: هذا حديث =
[ ٢ / ٧٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حسن صحيح ٥/ ٤، ورواية ابن إسحاق هنا معنعنة أيضًا، ولكنه لم ينفرد بالحديث/ انظر البخاري مع الفتح ٦/ ٣٨٨، والفتح فقط ٣٩١ ومسلم - الفضائل حديث ١٥٤ جـ ٤/ ١٨٤٠. قال المؤلف: وحديث: لما توفي عبدُ الله بن أُبي دُعي رسول الله -ﷺ- إلى الصلاة عليه/ الموضع السابق من الشرح. أقول: وقد أخرج الترمذي الحديث في التفسير - سورة التوبة - وقال هذا حديث حسن غريب صحيح ٤/ ٣٤٢، ٣٤٣ وفي التحفة: حسن صحيح ٨/ ٤٩ وروايته معنعنة ولم ينفرد به ابن إسحاق أيضًا/ التحفة الموضع السابق. قال المؤلف: وحديث: لا يحتكر إلا خاطيء/ الموضع السابق من الشرح. أقول: وقد قال عنه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح/ البيوع - باب ما جاء في الاحتكار ٢/ ٣٦٩، ورواية ابن إسحاق هنا معنعنة، ولكن الترمذي أشار إلى وجود أحاديث أخرى في الباب، كما أن ابن إسحاق لم ينفرد بالحديث، بل تابعه عليه غير واحد في الصحيح وغيره/ انظر تحفة الأشراف ٨/ ٤٦٧. وبهذا نجد أن تلك الأمثلة التي ذكرها المصنف لا يسلم الجزم فيها بأن الترمذي صحح فيها حديث ابن إسحاق لذاته، طالما أنه ليس منفردًا بتلك الأحاديث كما رأيت، وأيضًا فإن الترمذي قد أقر البخاري على إعلاله بعض أحاديث ابن إسحاق بوهمه فيها، أو بمخالفته للأكثرين/ ترتيب العلل الكبير للترمذي، للقاضي أبي طالب ٢/ ٦٧٤، ٦٧٥، ٨٦١، ٨٦٢، وجامع الترمذي - السير - باب منه برقم ٢٠ / جـ ٣/ ٦٧ ط عبد الرحمن عثمان، وأما في علله الصغير فقد ذكر ابن إسحاق ضمن مَن تُكُلِّم فيهم لضعف حفظهم لبعض ما رووا، ووثقهم البعض لجلالتهم وصدقهم/ جامع الترمذي - كتاب العلل ٥/ ٣٩٩، ٤٠٠ والعلل مع شرحه للحافظ ابن رجب ١/ ١٠٣، ١٢٠، وصنيع الترمذي هذا يفيد إقراره لكون ابن إسحاق عدل خف ضبطه، وهذا حد الحديث الحسن لذاته عند الجمهور مع السلامة من الشذوذ والعلة القادحة/ التدريب ١/ ١٥٩، ١٦٠، =
[ ٢ / ٧٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وسيأتي ذكر ما أخرجه الترمذي وأعله، مما دلسه إسحاق عن بعض شيوخه الضعفاء، فيستخلص من مجموع ذلك أنه عند الترمذي في مرتبة من يحسن حديثه لذاته، ما عدا المنتقد عليه بسبب معين كالوهم والتدليس والشذوذ، وما صححه من حديثه فهو لما يعضده من متابع أو شاهد أو تعلقه بالمغازي ونحوها. ثم قال المؤلف: وحسن من أخباره -يعني حَسَّن الترمذي من أخبار ابن إسحاق: حديثَ: نَتْفِ الشيب/ الشرح الموضع السابق. أقول: والحديث أخرجه الترمذي في الاستئذان والآداب - ما جاء في نتف الشيب، وقال: هذا حديث حسن، ثم أشار إلى متابعة غير واحد لابن إسحاق في روايته لهذا الحديث عن شيخه فيه، وهو عمرو بن شعيب/ جامع الترمذي ٤/ ٢٠٧ ط عبد الرحمن عثمان. وقال المؤلف: ومما حسن الترمذي من حديث ابن اسحق: "قدم زيد بن حارثة المدينة، وحديث" ما من مسلم يموت فيصلى عليه ثلاث صفوف من المسلمين"/ الشرح ٦٣ ب. أقول: وحديث "قدوم زيد بن حارثة المدينة" قال عنه الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث الزهري، إلا من هذا الوجه/ جامع الترمذي - الاستئذان - باب المعانقة ٤/ ١٧٤. ورواية ابن اسحق للحديث بالعنعنة، لكن يفهم من صنيع الترمذي في علله الكبير، أنه كان يتحرى سماع ابن اسحق/ ترتيب العلل لأبي طالب ٢/ ٧١٢ وسيأتي كذلك إعلاله لما دلسه عن الضعفاء من شيوخه. وحديث "ما من مسلم يموت" أخرجه الترمذي من حديث مالك بن هبيرة وقال: حديث مالك بن هبيرة حديث حسن/ جامع الترمذي - الجنائز - باب كيف الصلاة على الميت والشفاعة له؟ ٢/ ٢٤٦ ط عبد الرحمن عثمان، ورواية ابن اسحق لهذا الحديث معنعنة، وقد استشكل العراقي تحسين الترمذي له، مع عنعنة ابن اسحق واتصافه بالتدليس/ تكملة العراقي لشرح الترمذي مجلد رقم =
[ ٢ / ٧٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٥٠٩، ورقة ٩٢ ب، وسيأتي تفصيل آخر للعراقي في تدليس ابن اسحق، ولكن المؤلف ذكر الحديث كما ترى مثالًا لتحسين الترمذي لحديث ابن اسحق وأقره، وسيأتي له أيضًا ما يدل على أنه لا يرى تدليس ابن اسحق قادحًا في روايته، وهناك سأحقق الأمر بمشيئة الله تعالى. أما ما سكت عنه الترمذي، فلم يحكم عليه بشيء، فقد قرر المؤلف أن الترمذي قصد بذلك ترك باب النظر في هذا مفتوحًا، حيث أعقب أمثلة التحسين السابقة بقوله: ومما سكت عنه وترك باب النظر فيه مفتوحًا لمن أراده حديث: سأل عثمان بن عفان -﵁- قباب بن أشيم: أنت أكبر أم رسول الله -ﷺ-؟ / شرح المؤلف/ ٦٣ ب. أقول: وهذا الحديث لم يسكت عنه الترمذي، بل أنه يعتبر من أوضح الأمثلة على تحسين الترمذي لحديث محمد بن اسحق لذاته، كما تدل عليه عبارته السابقة، وذلك بحسب الطبعات التي بأيدينا، وتحفة الأشراف، فقد قال الترمذي عنه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن اسحق/ جامع الترمذي/ المناقب - ما جاء في ميلاد الرسول -ﷺ- ٥/ ٢٤٩، ٢٥٠ ط عبد الرحمن عثمان، والترمذي مع العارضة ١٣/ ١٠٥، ١٠٦ وتحفة الأشراف ٨/ ٢٧٣، ٢٧٤ ح ١١٠٦٤. ثم إن المؤلف ذكر نفس هذا الحديث مرة أخرى، وقرر سكوت الترمذي عنه أيضًا كما سياتي، ولعله بنى ذلك على نسخته من جامع الترمذي، وسيأتي ذكره حديثًا آخر سكت عنه الترمذي، وشرحه المؤلف بنفسه، فكان الواجب تمثيله به. ثم إن المؤلف بعد ذكره الأمثلة السابقة مما صححه الترمذي أو حسنه أو سكت عنه من روايات ابن إسحق، عاد إلى تقرير رأيه هو في درجة حديث ابن إسحق عمومًا فقال: وسيأتي الكلام على الأحاديث التي حسنها -أي الترمذي- أو سكت عنها من أحاديثه -يعني ابن إسحق-، حديثًا حديثًا في مواضعها إن شاء الله تعالى/ شرح المؤلف/ ق ٦٣ ب. أقول: وهذه العبارة تفيد أن ما يصححه الترمذي من حديث ابن إسحق، يرى =
[ ٢ / ٧٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المؤلف عدم حاجته الى كلام في بيان وجه تصحيحه، لأنه هو الأصل في نظر المؤلف، ويؤيد هذا قوله في شرح هذا الباب -كما تقدم في الأصل ص ٦٩٨. وما حسنه الترمذي أولى بالتنبيه، ما الذي قصر به عن التصحيح؟ ولكنه لا يكتفي بهذا المفهوم من كلامه، بل يقرر صراحة أنه يرى تصحيح حديث ابن اسحق مطلقًا ويردّ القول بتحسين حديثه فقط، وذلك أنه عقب عبارته الأولى قال: وإلى تحسين أخباره يذهب أبو الحسن بن القطان، وهي أخلق بالتصحيح إن شاء الله/ شرح المؤلف/ ٦٤ أ. أقول: وسيأتي ذكر المؤلف لوجهة نظر ابن القطان في الاقتصار على تحسين حديث ابن إسحق وهي أنه مختلف فيه، فبعض العلماء جرحه وبعضهم وثقه، ولم يترجح توثيقه المطلق، وقد تقدم في هذا الشرح موافقة المؤلف لابن القطان على تحسين حديث من اختُلِف فيه هكذا ص ٣٨٨ ت وما بعدها ولكنه في القول بتصحيح حديث ابن إسحق يعتبر مخالفًا له، ومقتضاه أنه لا يرى رجحان توثيقه فقط؛ بل يرى أنه في المرتبة العليا من الثقة والعدالة والحفظ، كما سيأتي توضيحه قريبًا، ولما كان المؤلف يعلم أن قوله هذا بتصحيح حديث ابن إسحق مطلقًا وما يترتب عليه من علو توثيقه معارض بالانتقادات المجملة والمفسرة الموجهة لابن إسحق، فإنه أتبع القول بالتصحيح المطلق لحديثه بقوله: وقد بسطت القول في ترجمته والاعتذار عن طعن الطاعنين عليه في كتابي المسمى: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير/ الشرح ق ٦٤ أ. أقول: وقد راجعت في كتابه هذا ما بسطه فيه فوجدته فعلًا من أوفى ما كتب عن ابن إسحق، فتتبع أكثر وأشدّ الطعون المفسرة ووفق في الجواب عن معظمها، وفي نهاية هذا قال: وما عدا ذلك من الطعن، فأمور غير مفسرة، ومعارضة -في الأكثر- من قائلها بما يقتضي التعديل، ثم قال: وممن يصحح حديثه ويحتج به في الأحكام: أبو عيسى الترمذي -﵀-، وأبو حاتم ابن حبان، ثم ختم الترجمة بنقل كلام ابن حبان في كتابه الثقات من الجواب عن أهم ما رمي به ابن اسحق، وعدَّه تعبيرًا عما في نفسه هو بالنسبة لحال ابن إسحق/ انظر عيون الأثر =
[ ٢ / ٧٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١/ ٨ - ١٧، وسيأتي ذكر خلاصة كلام ابن حبان وغيره بعد قليل ضمن استعراض وتحقيق الأقوال في ابن إسحق. أما الموضع الثاني الذي تكلم فيه المؤلف عن ابن إسحق فهو شرحه لثاني حديث صححه الترمذي في جامعه من طريق محمد بن إسحق، وهو حديث المذي المتقدم ذكره، فإنه في شرحه له قال: ومدار هذا الحديث على ابن إسحق، وقد تقدم -يعني في حديث السواك السابق- التعريفُ بحاله، وأن من الأئمة من صحح حديثه، ومنهم من يقف (عن) الاحتجاج به في الأحكام، وأما الترمذي فيصحح حديثه تارة، ويحسنه تارة. وساق نفس الأمثلة السابقة لما صححه الترمذي ولما حسنه، ثم قال: وربما ذكر من حديثه ما سكت عنه ولم يعرض له بتصحيح ولا تحسين، وترك باب النظر فيه مفتوحًا لمن أراده ثم ذكر نفس الحديث السابق أيضًا الذي مثل به لما سكت عنه الترمذي/ شرح الترمذي للمؤلف ١ / ق ٢٤٧ ب، ٢٤٨ أ. أقول: وقد قدمت أن هذا الحديث قد مثل به المؤلف في الموضعين لما سكت عنه الترمذي بناء على نسخته هو، ولكن الذي تبين لي أنه غير مسكوت عنه؛ بل صرح الترمذي بتحسينه مشيرًا إلى تقييد ذلك بطريق ابن إسحق التي أخرجه منها كما أسلفت ذكره ص ٧٠٣. وهناك حديث آخر يصلح مثالًا، حيث أخرجه الترمذي من طريق ابن إسحق وسكت عنه، وشرحه المؤلف، وقرر سكوت الترمذي عنه، فلو مثّل به لصح تمثيله، خاصة وأن موضعه في جامع الترمذي مقدم على هذا الموضع الثاني الذي أعاد المؤلف فيه التمثيلَ لما سكت عنه الترمذي بنفس المثال الأول. وهذا الحديث الذي سكت عنه الترمذي -بحسب نسخة المؤلف والنسخ الحالية- هو حديث القُلَّتَيْن، فقد أخرجه الترمذي من طريق ابن إسحق معنعنًا وسكت عنه - الطهارة - باب منه برقم ١٥٠/ ٩٧ ح ٦٧ ط شاكر، وانظر تحفة الأشراف ٦/ ٣ ح ٧٣٠٥. =
[ ٢ / ٧٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومن المفيد هنا أن ننبه على أن الشيخ أحمد شاكر -﵀- اعتبر سكوت الترمذي هذا عن الحديث وإتباعه بذكر أقوال العلماء الأخذين به، يعد إشارة إلى صحة الحديث عند الترمذي وعند من ذكرهم من الآخذين به، وهم الشافعي وأحمد وإسحق بن راهويه، واعتمد الشيخ بدوره تصحيح الحديث، وذلك أنه علق عليه بقوله: لم يتكلم الترمذي على هذا الحديث، وإنما ذكر أقوال العلماء الذين أخذوا به وهذا يشير إلى صحته عندهم وعنده، وهو حديث صحيح، أطال العلماء القول في تعليله، لاختلاف طرقه ورواته، وليس الاختلاف فيه مما يؤثر في صحته/ تعليق الشيخ شاكر على جامع الترمذي ١/ ٩٨ هامش. أما المؤلف، فإنه استهل شرح الحديث بقوله: هذا حديث سكت عنه الترمذي، ولم يحكم عليه بشيء، ثم ذكر من صححه غير الترمذي واعتمد تصحيحهم له/ شرح الترمذي للمؤلف ١/ ١٤٩ ب - ١٥٣ أ. وما سلكه المؤلف من إثبات سكوت الترمذي عن الحديث كما هو، ثم الانتقال إلى معرفة درجة الحديث عند غيره، هو المسلك الصحيح، وهكذا سلكه مِنْ بَعدِه العراقي في تكملته لشرح المؤلف/ انظر تكملة العراقي - أبواب الوتر - باب لا وتران في ليلة، مجلد رقم ٥١٠ ج ١٧ ق ١٦ أ، ولم أجد من سبق الشيخ شاكر ﵀ أو وافقه على اعتبار سكوت الترمذي عن الحديث السابق أو غيره تصحيحًا له، وقوله: إن سكوت الترمذي عن الحديث ونقله لقول الآخذين به يشير إلى تصحيح الحديث عنده وعندهم، أقرب ما يُردُّ به أمران: أولهما: إن الترمذي أصلُ جامعه وميزته المعروف بها تصريحه في الغالب بدرجة الحديث، فالسكوت خلاف الأصل، فيحتاج إلى بيان صاحبه لمراده بالسكوت، وأين البيان؟ الأمر الثاني: إن الأخذ بالحديث ممن ذكرهم الترمذي لا يستلزم الصحة، بل الحَسن أيضًا محتج ومأخوذ به، عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة المذكورون. ومع تقريرنا صحة مسلك المؤلف بالنسبة لسكوت الترمذي عن الحديث، إلا أننا ننبه =
[ ٢ / ٧٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إلى أن المؤلف نقل عن ابن منده في تأييده لتصحيح الحديث السابق أن محمد بن إسحق أخرج عنه مسلم وأبو داود الخ، وقد أقر المؤلف ابن منده على هذا واعتمد تصحيحه للحديث/ شرح المؤلف/ ق ١٥٢ أ، ومن المقرر والمعروف أن مسلمًا لم يخرج لابن إسحق احتجاجًا، بل أخرج له متابعة فقط/ انظر المدخل للصحيحين للحاكم بتحقيق د. إبراهيم الكليب مع تعليقه عليه/ ٥٥٨ أصل وهامش، والميزان للذهبي ٣/ ٤٧٥ وتكملة العراقي لهذا الشرح مجلد رقم ٥١٠ ج ١ / ق ٢٦ أ - ٢٧ ب وهدي الساري لابن حجر/ ٤٥٨، وقد سبق للمؤلف في شرح هذا الباب/ ص ٦٩٧ تعقب الحافظ عبد الغني المقدسي في قوله: "إن أبان بن صالح روى له البخاري "بأنه أطلق القول برواية البخاري له، وأن ذلك في العرف محمول على الاحتجاج، ولم يقع حديثه في البخاري كذلك، أقول: فلعل إقراره المذكور لابن مندة على إطلاق القول بأن مسلمًا أخرج لابن إسحق، سهو منه عن تعقبه المشار إليه للمقدسي، مع أنه تعقب وجيه وموافق لما تعارف عليه العلماء في كتب الرجال، وغيرها من التمييز بين من أخرج له الشيخان، أو أحدهما، احتجاجًا، أو استشهادًا ومتابعة. ويجدر التنبيه هنا أيضًا إلى أن ابن خلكان في ترجمته لابن إسحق قد ذكر أن مسلمًا لم يخرج لابن إسحق إلا حديثًا واحدًا في الرجم/ وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٦، وهذا أيضًا غير مُسلَّم لابن خلكان من وجهين، أحدهما: إطلاقه تخريج مسلم هذا على خلاف العرف المصطلح عليه، وهو الاحتجاج، حيث إن هذا الحديث الذي ذكره وهو حديث الرجم قد أخرجه مسلم لابن إسحق متابعًا لغيره وليس احتجاجًا به وحده/ انظر صحيح مسلم - الحدود - باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا ٣/ ١٣٢٨، ١٣٢٩ ح ٣١ مكررًا. الوجه الثاني: إن مسلمًا قد أخرج لابن إسحق غير هذا الحديث أربعة أحاديث أخرى وكلها في المتابعات مثل هذا الحديث/ انظر المدخل إلى معرفة الصحيحين للحاكم مع تعليق د. إبراهيم الكليب عليه ٢/ ٥٥٨ وقد خَرَّج د. إبراهيم تلك الأحاديث بهامش الكتاب من مواضعها في صحيح مسلم، فَلْيَتَنبَّه لهذا الوهم =
[ ٢ / ٧٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المذكور في وفيات الأعيان. وعمومًا فإن ابن إسحق قد كثر الكلام فيه نظرًا لاتساع مروياته في السير والمغازي والأحكام، حتى قال البخاري: ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها، وروى البخاري عن إبراهيم بن حمزة قال: كان عند إبراهيم بن سعد عن ابن إسحق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المغازي/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤١ والقراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٦، قال الذهبي: يعني بتكرار طرق الأحاديث، فأما المتون الأحكامية التي رواها فما تبلغ عشر ذلك/ السير ٧/ ٣٩، ٤٠، وقال الذهبي أيضًا: وهو أول من دوّن العلم بالمدينة، وذلك قبل مالك وذويه، وكان في العلم بحرًا عجاجًا، ولكنه ليس بالمُجوِّد كما ينبغي/ المصدر السابق ٧/ ٣٥، ولقد كتب بعض المستشرقين عن ابن إسحق باعتباره أحد الرواد الأوائل في التأليف في المغازي/ المغازي الأولى ومؤلفوها ليوسف هورفتس/ ٧٥ وما بعدها. كما ان الزميل الدكتور مروان شاهين قد جعل رسالته للعالمية (الدكتوراه) سنة ١٣٩٩ هـ من كلية أصول الدين بالأزهر، موضوعها "محمد بن إسحق وجهوده الحديثية" وانتهى فيها إلى تصحيح حديثه كما هو رأي ابن سيد الناس فيما تقدم. والذي تبين لي خلاف ذلك؛ لأن ابن إسحق قد اجتمع فيه من أقوال النقاد ما يمثل معظم مناهج النقد ومدارسه، فجاء من أقوال النقاد فيه: الجرح والتعديل، مطلقين ومقيّدين ومجملين ومفسرين، ومن الجرح له المفسر، ما هو قاح وما ليس بقادح، ومنه ما صدر من بعض الأقران، ومنه ما صدر من غيرهم، ومن توثيقه ما هو أعلا التوثيق، ومنه ما هو أوسطه، ومنه ما هو أدناه، والجرح كذلك، ومن الجرح والتعديل له ما صدر من متشدد، وما صدر من معتدل، وما صدر من متساهل، وما صدر عن سبر مروياته وفحصها، وما صدر عن شهادة الغير، ومن النقاد أيضًا من تعدد قوله فيه جرحًا وتعديلًا، ومنهم من أشار إلى الخلاف فيه دون ترجيح، ومنهم من رجّح، وتصدي غير واحد من المحققين للجواب عن أكثر ما انتقد به ابن إسحق مع التسليم ببعض الانتقادات =
[ ٢ / ٧٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المقيدة، ومن ثم الجمع بينها وبين التوثيق المطلق، وذلك في تقديري هو الأولى بالاعتماد، كما سيأتي، ولكن المؤلف بعد تصريحه في هذا الباب بتحسين حديثه، كما مر، أشار في شرح الباب نفسه وفيما بعده بأبواب، وهو باب السواك، الى أن الأصل تصحيح حديثه، ثم اتبع الإشارة بتصريحه بتصحيح حديثه مطلقًا، وقد أدى به هذا الى تكلف في رد بعض الانتقاد المفسر الموجه لابن اسحق وإلى مخالفته لما قرره بنفسه فيما تقدم من هذا الشرح فضلًا عن غيره، فمن ذلك ما تقدم ذكره من سكوته عن قول ابن منده: ان ابن إسحق أخرج له مسلم، وعدم تنبيهه على أن رواية مسلم له استشهادًا لا احتجاجًا، مع تعقبه للمقدسي في مثل ذلك كما مر في الأصل قريبًا، وسيأتي بقية ما أشرت إليه، خلال عرضي لمجمل الأقوال في ابن إسحق، ومحاولة تحقيق الأمر فيها بمشيئة الله. فبمراجعة كتب الرجال نجد وصف ابن إسحق بأعلا مراتب التوثيق، حيث وصفه يزيد بن هارون وسفيان بن عيينة وشعبة بأنه: أمير المؤمنين في الحديث/ الثقات لابن حبان ٧/ ٣٨٣، والمدخل إلى معرفة الصحيحين للحاكم ٢/ ٥٥٩، وستأتي لسفيان بعض الأقوال الأخرى أيضًا، بعضها في دفع تهمة الكذب عنه، وبعضها في شأن اتهامه ببدعة القدرية، وكذا سيأتي لشعبة أقوال بتوثيقه. ويبدو أن يزيد بن هارون استمر على توثيقه العالي لابن إسحق حيث روى الخطيب بسنده عن زكريا بن يحيى قال: حُدثت عن مفضل (الغلابي) أنه حضر يزيد بن هارون سنة ١٩٣ هـ بالمدينة يحدث بالبقيع وعنده ناس من أهل المدينة يسمعون منه شيئًا بأَخرَة، حتى حدثهم عن محمد بن إسحق فأمسكوا، وقالوا: لا تحدثنا عنه، نحن أعلم به، فذهب يزيد يحاولهم فلم يقبلوا، فأمسك يزيد/ الخطيب ١/ ٢٢٦، أقول وقد توفي يزيد في غرة ربيع الآخر سنة ٢٠٦ هـ تهذيب التهذيب ١١/ ٣٦٨، وقال أبو معاوية -محمد بن حازم- كان ابن إسحق من أحفظ الناس، وكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر، جاء فاستودعها محمدَ بن اسحق، وقال: احفظها علَيَّ، فإن نسيتُها كنتَ قد حفظتَها عَليّ/ الخطيب ١/ ٢٢٠، وذكر الحاكم عن البوشنجي أنه قال في ابن إسحق: هو عندنا ثقة ثقة/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٦، وقال الطبري: كان من أهل العلم بالمغازي، =
[ ٢ / ٧٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مغازي رسول الله -ﷺ- وبأيام العرب وأخبارهم وأنسابهم، راوية لأشعارهم، كثير الحديث غزير العلم، طلابة له، مقدمًا في العلم، بكل ذلك ثقة/ المنتخب من ذيل المذيل للطبري، مع تاريخه ١١/ ٦٥٤. وفي مقابل هذا وُصف ابن إسحق بأشد أنواع الجرح، سواء مع بيان السبب أو بدونه، فقد أخرج العقيلي وابن عدي بسنديهما عن سليمان بن داود -يعني الشاذكُونِي- قال: قال لي يحيى بن سعيد القطان: أشهد أن محمد بن إسحق كذاب، قال: قلت وما يدريك؟ قال: قال لي وُهَيب بن خالد: إنه كذاب، قال: قلت لوهيب: وما يدريك؟ قال: قال لي مالك بن أنس: أشهد أنه كذاب، قلت لمالك: ما يدريك؟ قال: قال لي هشام بن عروة: أشهد أنه كذاب، قلت لهشام: ما يدريك؟ قال: حدث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأُدخلَتْ عَليَّ، وهي بنت تسع سنين، وما رآها أحد حتى لقيت الله/ الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٤ والكامل لابن عدي ٦/ ٢١٧ والميزان ٣/ ٤٧١ والسير ٧/ ٤٩، ٥٠. وقد عقب الذهبي على تلك الرواية بقوله: معاذ الله أن يكون يحيى وهؤلاء بدا منهم هذا بناء على أصل فاسد واه، -يعني ترتيب الرؤية لفاطمة على تحديثه عنها-، قال: ولكن هذه خرافة من صنعة سليمان -وهو الشاذكوني- لا صبحه الله بخير، فإنه مع تقدمه في الحفظ، متهم عندهم بالكذب، وانظر كيف سلسل الحكاية؟ ثم أضاف الذهبي قائلًا: ويبين لك بطلانها أن فاطمة بنت المنذر لما كانت بنت تسع سنين، لم يكن زوجها هشام خُلِق بعد، فهي أكبر منه بنيف عشرة سنة، وأسند منه -يعني أعلا سندًا، لسبقها له في التلقي، ثم أيد الذهبي ذلك بأن فاطمة روت عن أسماء بنت أبي بكر، ثم قال: وصح ان ابن إسحق سمع منها -يعني فاطمة- وما عَرف بذلك هشام، أفَبمثل هذا القول الواهي يكذب الصادق؟ كلا والله، نعوذ بالله من الهوى والمكابرة/ السير ٧/ ٤٩، ٥٠، وقد أورد الذهبي أيضًا من طريق أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى -يعني القطان- قال: وقال هشام بن عروة: أهو كان يدخل على امرأتي؟ -يعني ابن إسحق- وعقب الذهبي بقوله: وما يدري هشام بن عروة؟ فلعله سمع منها في المسجد، =
[ ٢ / ٧١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أو سمع منها وهو صبي، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب، فأي شيء في هذا؟ وقد كانت امرأة قد كبرت وأسنت/ الميزان ٣/ ٤٧٠، ثم أورد الذهبي في الصحيفة التالية لهذا، الرواية المتسلسلة كما نقلتها من السير آنفًا، وعقب عليها بالإشارة إلى جوابه السابق ذكره عقب رواية أحمد، ثم قال: والرجل ما قال إنه رآها، أفبمثل هذا يعتمد على تكذيب رجل من أهل العلم؟ هذا مردود، وأضاف الذهبي قائلًا: ثم قد روى عنها محمد بن سُوقة، ولها رواية عن أم سلمة وجدَّتِها -يعني جدةَ فاطمة وهي أسماءُ بنت أبي بكر ﵄/ الميزان ٣/ ٤٧١، ومقصود الذهبي بهذا، كما يبدو: أنه إذا كانت روايتها لغيرها أو عن غيرها تستلزم الرؤية لها عيانًا، فقد روى عنها رجل آخر وهو محمد بن سوقة، ولم يُنكَر عليه ذلك، مع أنه من الغرباء/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٦. وروت هي أيضًا عن أم سلمة وأسماء، فكيف يصح مع هذا قول هشام: إنه ما رآها مخلوق منذ زفت إليه في التاسعة من عمرها وحتى ماتت؟ وقال الذهبي أيضًا عقب كلامه السابق: ثم ما قيل من أنها دخلت عليه وهي بنت تسع، غلط بَيّن، ما أدري ممن وقع من رواة الحكاية؟ فإنها أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة، ولعلها ما زفت إليه إلا وقد قاربت بضعًا وعشرين سنة، وأخذ عنها ابن إسحق وهي بنت بضع وخمسين سنة، أو أكثر/ الميزان ٣/ ٤٧١، أقول: فلعل توقف الذهبي هذا في تحديد الراوي الذي وقع منه الخطأ في تلك الحكاية كان قبل أن يبدو له ما جزم به في السير من أن سليمان بن داود الراوي لتلك الحكاية هو الشاذكوني، وأنه هو المتهم بها كما مر، لكن ينبغي التنبه إلى أن الروايات لتلك الحكاية مسلسلة يرد في سندها "سليمان بن داود" فقط دون ذكر نسبته "الشاذكوني" ولا كنيته المعروف بها وهي "أبو أيوب" بل جاء في الموضع السابق من الميزان تكنيته "بأبي داود" فلعله خطأ طباعة أو نسخ، لأن كنية الشاذكوني المعروفة "أبو أيوب" / تاريخ بغداد ٩/ ٤٠ وما بعدها، والكامل لابن عدي ١/ ١٣٦، وما ذكره الذهبي من نسبة الشاذكوني إلى الكذب هو قول أكثر النقاد ومن نفى عنه الكذب قرر أن كتبه ذهبت فكان يحدث من حفظه فيغلط/ اللسان ٣/ ٨٤ - ٨٦، وأيضًا فإن شيخه في تلك الرواية هو: أبو قلابة عبد الملك بن =
[ ٢ / ٧١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = محمد الرقاشي، وقد وصف بأنه صدوق يخطيء، تغير حفظه لما قدم بغداد، كما في التقريب/ ٣٦٥ ط عوامة، وعليه تكون الرواية على أي حال غير معتمدة؛ لحال الشاذكوني وشيخه. هذا وقد مشي ابن عبد البر وأبو الحسن بن القطان وابن سيد الناس وابن حجر على مقتضى ثبوت تلك الرواية بتسلسلها السابق، فاعتبر ابن عبد البر أن مالكًا قلّد هشامًا في هذا الطعن/ جامع بيان العلم ٢/ ١٥٦، واعتبر ابن القطان مالكًا والقطان مُقلدَيْن لهشام/ عيون الأثر ١/ ١٣، واعتبر ابن سيد الناس وابن حجر: أن مَن فوق هشام في المسند وهم: مالك ووهيب ويحيى القطان، كلهم مُقلدِين وتابعين لهشام في تكذيبه ابن إسحق/ عيون الأثر ١/ ١٤، ١٦، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٥، ولم يتعرض أي من الأربعة لنقد تلك الحكاية لا سندًا ولا متنًا كما تقدم عن الذهبي نقدها. لكن إبطال الذهبي لتلك الرواية من ناحية سندها ومتنها لا يعني نَفيَهُ لثبوت وصف كل من هشام ويحيى القطان ومالك، لابن إسحق بالكذب مطلقًا؛ لأن ذلك قد ثبت عن كل منهم من غير طريق الشاذكوني هذه، وبغير هذا السياق المشتمل على الخطأ التاريخي، وقد أورد الذهبي نفسُه عددًا من تلك الروايات المعتمدة عن كل منهم، وتصدى أيضًا للجواب عنها؛ إما بنفسه واما بالنقل عن غيره، كما سنذكره بعد قليل. فقد أخرج الخطيب من طريق أبي داود الطيالسي عمَّن سمع هشام بن عروة وقيل له: إن ابن إسحق يحدث بكذا وكذا عن فاطمة، فقال: كَذبَ الخبيث/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٢، وعيون الأثر ١/ ١١، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الطيالسي أيضًا قال: نا عمر بن حبيب، قال: قلت لهشام بن عروة: حدثنا محمد بن إسحق. قال: ذاك كذاب/ الجرح ٧/ ١٩٣، أقول: فلعل المبهم في سند الخطيب هو عمر بن حبيب هذا المصرح به في سند ابن أبي حاتم، ويؤيّد ذلك ما في سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي، حيث قال أبو داود: سمعت عمر بن حبيب القاضي قال: كنا عند هشام بن عروة فقيل له: إن محمد بن =
[ ٢ / ٧١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إسحق يروي كذا وكذا، فقال: كذب الخبيث/ سؤالات البرذعي للرازي مع الضعفاء له ٢/ ٥٨٩، ٥٩٠. وأخرج الخطيب أيضًا عن يحيى بن سعيد القطان قال: سمعت هشام بن عروة وذكر محمد بن إسحق فقال: أَلِعدُو الله، الكذاب، يروي عن امرأتي؟ من أين رآها؟! / تاريخ بغداد ١/ ٢٢٢ وعيون الأثر ١/ ١١. وأخرج العقيلي بسنده عن يحيى القطان يقول: قال هشام بن عروة: متى سمع محمد بن إسحق من فاطمة بنت المنذر؟ ومتى دخل عليها؟ ٤/ ٢٥، وأخرج الخطيب أيضًا من طريق علي بن المديني أنه سمع يحيى بن سعيد -يعني القطان- يسأل هشام بن عروة: هل كان محمد بن إسحق يدخل على فاطمة بنت المنذر؟ فقال: وهو كان يصل إليها؟ / تاريخ بغداد ١/ ٢٢٢، وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي وابن حبان، والعقيلي والخطيب، جميعهم من طريق علي بن المديني أنه سمع يحيى بن سعيد القطان يقول لهشام: إن محمد بن إسحق يحدث عن فاطمة بنت المنذر، فقال: هشام: أهو كان يصل اليها؟ / الجرح ٧/ ١٩٣ والعقيلي ٤/ ٢٤ وتاريخ بغداد ١/ ٢٢٢ والكامل لابن عدي ٦/ ٢١١٧ وسير النبلاء ٧/ ٥٠. وقد أجاب الذهبي عن ذلك فقال: ويحتمل أن تكون إحدى خالات ابن إسحق من الرضاعة، فدخل عليها، وما عَلِم هشام بأنها خالة له أو عمة/ السير ٧/ ٥٠ أقول: وهذا الجواب فيه بُعد، حيث إن ثبوت تلك الصلة لابن إسحق بفاطمة يبعد خفاؤها على زوجها هشام. وهناك جواب متين لابن حبان عقب به على قول هشام السابق فقال: وهذا الذي قاله هشام بن عروة ليس مما يجرح به الإنسان في الحديث؛ وذلك أن التابعين مثل الأسود وعلقمة، من أهل العراق، وأبي سلمة وعطاء، ودونهما من أهل الحجاز، قد سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا اليها، سمعوا صوتها وقَبِل الناس أخبارهم من غير أن يصل أحدهم اليها، حتى ينظر إليها عيانًا، وكذلك ابن إسحق كان يسمع من فاطمة والستر بينهما مُسبل، أو بينهما حائل من حيث يَسمع كلامَها، فهذا سماع صحيح، والقادح فيه بهذا غير منصف/ الثقات ٧/ ٣٨١ وقد ارتضى ابن سيد الناس هذا الجواب وعده =
[ ٢ / ٧١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = معبرًا عما في نفسه كما أشرت لذلك فيما تقدم، وانظر عيون الأثر ١/ ١٦، ١٧. وأخرج ابن أبي حاتم والعقيلي بسنديهما عن أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد القطان قال: قال لنا هشام بن عروة: هو كان يدخل على امرأتي؟ كالمنكر لذلك/ الجرح ٧/ ١٩٣ والعقيلي ٤/ ٢٥ والميزان ٣/ ٤٧٠. وقد تقدم جواب للذهبي عن ذلك بمسألة الرضاع، ولكنه أجاب بوجه آخر أقرب من جوابه الأول، حيث يقول: وما يدري هشام بن عروة؟ فلعله سمع منها في المسجد، أو سمع منها وهو صبي، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب، فأي شيء في هذا؟ وقد كانت امرأة قد كبرت وأسنت؟ الميزان ٣/ ٤٧٠، وفي تذهيب تهذيب الكمال قال: الظاهر أنه سمع منها وهو دون البلوغ، أو أنه سمع منها بالغًا، ولم تظهر عليه، ولو ظهرت عليه فكان ماذا؟ قد كانت حين سمع منها عجوزًا / ٣/ ١٨٣ ب. وأما ابن المديني فإنه لما نوقش في تصحيح حديث ابن إسحق بتكلم هشام فيه قال: الذي قال هشام ليس بحجة، لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٩ وعيون الأثر ١/ ١٠ والميزان ٣/ ٤٧٥. وأخرج الخطيب بسنده عن عبد الله بن أحمد قال: نبأنا أبو بكر بن خلاد قال: سمعت يحيى -يعني ابن سعيد القطان- يقول: سمعت هشام بن عروة يقول: يحدث ابن إسحق عن امرأتي، فاطمة بنت المنذر؟ والله إن رآها قط، قال عبد الله بن أحمد: فحدثت أبي بحديث ابن إسحق، فقال: وما ينكر هشام؟ لعله -أي ابن إسحق- جاء فاستأذن عليها، فأذنت له، أحسبه قال: ولم يعلم/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٣ وعيون الأثر ١/ ١١، ١٢، وفي رواية أن أحمد قال: وقد يمكن أن يسمع منها، تخرج إلى المسجد، أو خارجه، فسمع، والله أعلم/ الكامل ٦/ ٢١٢٠ والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ٣/ ٤١ بتحقيق أبي الفداء، وذكر ابن عبد البر قول أحمد بلفظ: قد يمكن ابن إسحق أن يراها أو يسمع منها من وراء حجاب من حيث لم يعلم هشام/ جامع بيان العلم ٢/ ١٥٦ وعلق الذهبي على قول هشام: "والله إن رآها قط" بقوله: هشام صادق =
[ ٢ / ٧١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في يمينه، فما رآها، ولا زعم الرجل أنه رآها، بل ذكر أنها حدثته، وقد سمعنا من عدة نسوة، وما رأيتهن، وكذلك روى عدة من التابعين عن عائشة وما رأوا لها صورة أبدًا/ السير ٧/ ٣٨. وقال البخاري: قال لي بعض أهل المدينة: إن الذي يُذكَر عن هشام بن عروة قال: كيف يدخل ابن إسحق على امرأتي؟. لو صح هذا لجاز أن تكتب اليه، فإن أهل المدينة يرون الكتاب جائزًا، لأن النبي -ﷺ- كتب لأمير السرية كتابًا، فقال له: لا تقرأه حتى تبلغ موضع كذا وكذا، فلما بلغه قرأه وعمل به/ وأخرجه البخاري -تعليقًا كتاب العلم- باب ما يذكر في المناولة البخاري مع الفتح ١/ ١٥٣، ١٥٤، قال: وكذلك الخلفاء والأئمة، يقضون بكتاب بعضهم إلى بعض، وجائز أن يكون سمع منها وبينهما حجاب، وهشام لم يشهد/ القراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٧ وللبيهقي ٦١ وتهذيب الكمال ٣/ ١١٦٨ وتهذيبه ٩/ ٤١ وسير النبلاء ٧/ ٤١، ٤٢، وعلق الذهبي على ذلك بقوله: ذاك الظن بها -يعني ابن إسحق وفاطمة، كما أخذ خلق من التابعين عن الصحابيات، مع جواز أن يكون دخل عليها ورآها وهو صبي، فحفظ عنها، مع احتمال أن يكون أخذ عنها حين كبرت وعَجِزت، وكذا ينبغي، فإنها أكبر من هشام بأزيد من عشر سنين، فقد سمعت من جدتها أسماء، ولمَّا روت لابن إسحق كان لها قريب من ستين سنة/ السير ٧/ ٤٢، ولما سئل سفيان بن عيينة: كان ابن إسحق جالسَ فاطمة بنت المنذر؟ فقال: أخبرني ابن إسحق أنها حدثته، وأنه دخل عليها/ الجرح ٧/ ١٩٢، وتاريخ بغداد ١/ ٢٢١ والكامل ٦/ ٢١١٧، قال الذهبي تعليقًا على هذا: هو صادق في ذلك بلا ريب/ السير ٧/ ٣٧، وفي رواية عن ابراهيم بن المنذر أنه قال لسفيان: إن هشام بن عروة كان يقول: من أين لقي ابن إسحق زوجتي فاطمة بنت المنذر فروى عنها وحدث عنها؟ فقال سفيان: ثنا ابن إسحق عن فاطمة كما حدثنا هشام/ سؤالات البرذعي للرازي مع الضعفاء له ٢/ ٥٩٣. أقول: وهذا تدليل عملي على صدق ابن إسحق وهو: أن سفيان وجد ما حدث =
[ ٢ / ٧١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = به ابن إسحق عن فاطمة، موافقًا لما حدث به زوجها عنها، وهذا هو المعروف في اصطلاح المحدثين بالاعتبار، وبه يعرف ضبط الراوي، وصدقه. وهكذا توافر هؤلاء النقاد على رد تكذيب هشام بن عروة لابن إسحق، وبيان صدقه في روايته عن فاطمة بنت المنذر، وتوضيح أن روايته عنها، أو دخوله عليها للسماع منها لا يقتضيان رؤيته لها حسبما فهم زوجها هشام أو غيره. أما يحيى بن سعيد القطان فقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن علي بن المديني أنه سألَه عن تركه الرواية عن ابن إسحق، فقال: تركته متعمدًا، ولم أكتب عنه حديثًا قط/ الجرح ٧/ ١٩٣، والسير ٧/ ٥٣، وفسر العقيلي ذلك بأنه لم يرو عنه مباشرة، ولا بواسطة راو عنه/ العقيلي ١/ ٢٨٠، ٤/ ٢٧، وفي رواية ليحيى بن غيلان أنه سمعه يقول: ما تركت حديث محمد بن إسحق إلا لله/ الكامل ١/ ١١١، ٦/ ٢١١٦ وعيون الأثر ١/ ١١ وفي رواية ليحيى بن معين عن القطان أيضًا أنه كان لا يرضى ابن إسحق ولا يروي عنه شيئًا/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٦، ٢٢٧، وفي رواية عن علي بن المديني أنه سئل هل كان القطان لا يحدث عن ابن المديني لرأيه؟ -يعني في القول بالقدر، كما سيأتي- قال: لا، ليس لرأيه، وإنه كان سيء الرأي فيه، يضعفه/ العقيلي ٤/ ٢٦، وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الفلاس قال: كنا عند وهب بن جرير، فانصرفنا من عنده، فمررنا على يحيى بن سعيد القطان، فقال: أين كنتم؟ قلنا عند وهب بن جرير -يعني- يقرأ علينا كتاب المغازي عن أبيه عن ابن إسحق، فقال: تنصرفون من عنده بكذب كثير/ الجرح ٧/ ١٩٣ وعيون الأثر ١/ ١٢ وفي رواية للعقيلي: أن الفلاس سمع يحيى يقول نحو هذا لعبيد الله القواريري، لما قال له: أذهبُ إلى وهب بن جرير أكتب السيرة/ العقيلي ٤/ ٢٥ والميزان ٣/ ٤٦٩ والسير ٧/ ٥٢. وقد أجاب ابن سيد الناس عن تكذيب ابن القطان لابن إسحق بأنه تبع في هذا هشام ابن عروة تقليدًا له، وبنى ابن سيد الناس ذلك كغيره ممن قدمت ذكرهم، على الحكاية المسلسلة بهذا، من هشام إلى ابن القطان إلى مالك/ عيون الأثر/ ١/ ١٤، وقد مر نقد الذهبي لتلك الحكاية سندًا ومتنًا، وعليه فالتعويل =
[ ٢ / ٧١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عليها في الجواب غير سديد، وقد تقدمت الروايات المتعددة عن القطان منفردًا بتكذيبه لابن إسحق مطلقًا، وبسبَب غير روايته عن فاطمة زوجة هشام، وقد قرر الإمام أحمد ما لمسه بنفسه من موقف ابن القطان من ابن إسحق فقال: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيًا منه في محمد بن إسحق، وليث، وهمام، وحجاج بن أرطأة، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم/ العقيلي ١/ ٢٧٩ ترجمة حجاج، ٤/ ٤٧، وشرح العلل لابن رجب ١/ ١٢٦. وفي رواية: لا نستطيع أن نراجعه فيهم/ السير ٧/ ٧٢ ترجمة حجاج، فهذا يدل على وجود رأي شخصي للقطان يفوق مستوى التقليد للغير، ثم إن قول أحمد في الرواية الثانية: لا نستطيع أن نراجعه -يعني ابن القطان- يدل على أن أحمد كان لا يقر تكذيب ابن القطان لابن إسحق. هذا وقد جاء في طبعة كل من الميزان وسير النبلاء للذهبي: أن يحيى بن سعيد الأنصاري ممن جرح ابن إسحق، وهذا خطأ عنيت بالتنبيه عليه لشيوع نقله عن المصدرين المذكورين، والصواب أنه "يحيى بن سعيد القطان" السابق نقل الروايات المتعددة عنه بطعنه البالغ في ابن إسحق، وتوضيح ذلك: أنه جاء في السير ٧/ ٤٩ عن العقيلي حدثنا محمد بن العباس مولى بني هاشم حدثنا أحمد بن منصور، زاج، حدثني أحمد بن زهير سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كان يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك يجرحان محمد بن إسحق، وكذا جاء في الميزان ٣/ ٤٦٩ مع حذف السند إلى عبد الرحمن بن مهدي، وبمراجعة العقيلي ٤/ ٢٣ نجد روايته هذه بنفس السند إلى ابن مهدي، وفيها "يحيى بن سعيد القطان" وكذا أخرج الحاكم الرواية بسنده عن أحمد بن زهير عن ابن مهدي قال: تكلم أربعة في محمد بن إسحق وذكر وصف شعبة وسفيان له بأنه أمير المؤمنين في الحديث كما تقدم، ثم قال: وأما مالك ويحيى بن سعيد القطان فكانا يجرحانه/ المدخل إلى معرفة الصحيحين ٢/ ٥٥٩. وجاء في السير أيضًا ٧/ ٤٩ عن أبي داود الطيالسي عن محمد بن مسلم بن أبي الوضَّاح قال: كنت عند يحيى بن سعيد الأنصاري فقيل له: إن أهل =
[ ٢ / ٧١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = العراق يروون العلم عن محمد بن إسحق، فقال يحيى: تروون العلم عن محمد بن إسحق؟ تروون العلم عن محمد بن إسحق؟! وأخرج البرذعي الرواية بنفس الإسناد، وفيه: سمعت يحيى بن سعيد يقول: يروي أهل العراق عن محمد بن إسحق كتابه؟، كأنه تعجب وكره ذلك/ سؤالات البرذعي للرازي مع كتاب الضعفاء له ٢/ ٥٩٠، وقد علق محقق الكتاب بأن يحيى بن سعيد هذا هو الأنصاري/ هامش الصفحة السابقة. أقول: والرواية عند العقيلي بسنده عن الطيالسي، وفيها "القطان" بدل "الأنصاري" ٤/ ٢٤ ومما يؤيد ذلك أيضًا أن يحيى بن سعيد الأنصاري معدود من أئمة العلماء الذين رووا عن ابن إسحق/ تاريخ بغداد للخطيب ١/ ٢١٥، في حين تقدم لنا أن القطان لا يروي عن ابن إسحق ولا حتى بالواسطة، وفي وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٦ جاء العكس وهو أن يحيى بن سعيد القطان ممن وثق ابن إسحق، والصواب أنه الأنصاري، فليتنبه لذلك، والله الموفق. وقد علق الذهبي على قول القطان السابق، بوجود الكذب فيما يرويه ابن إسحق في السيرة: بأن ذلك إشارة منه إلى ما فيها من الواهي من الشعر، ومن بعض الآثار المنقطعة المنكرة/ السير ٧/ ٥٢، وقال المنذري: وهو صالح الحديث ما له عندي ذنب إلا ما قد حشا في السيرة من الأشياء المنكرة المنقطعة والأشعار المكذوبة/ الترغيب والترهيب للمنذري ٤/ ٥٧٧ فصل الرواة المختلف فيهم، وقد ذكر هذا الكلام في الميزان غير منسوب للمنذري ٣/ ٤٦٩. وقد قال الذهبي عقب كلامه السابق عن السيرة: فلو حذف منها ذلك لَحَسُنت/ السير ٧/ ٥٢، وهذا يشير إلى تسليمه بتوجه هذا النقد لسيرة ابن إسحق، وان كان سيأتي وصفه له بأنه علامة في المغازي/ انظر السير ٧/ ٣٧، فَيُحْمَلُ ذلك على غير المنتقد عليه. فقد ذكر الذهبي أيضًا رواية عن أبي عمرو الشيباني أنه رأى ابن إسحق يعطي الشعراء الأحاديث يقولون عليها الشعر، وذكر عن الخطيب البغدادي قوله: رُوي =
[ ٢ / ٧١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أن ابن إسحق كان يرفع إلى شعراء وقته أخبار المغازي، ويسألهم أن يقولوا فيها الأشعار، ليُلحِقَها بها/ الميزان ٣/ ٤٧١، أقول: وهذا القول لم أجده في ترجمة الخطيب لابن إسحق في تاريخ بغداد، ولكن فيها شهادته له بالصدق، تعقيبًا على مجمل انتقادات العلماء له/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٤. وذكر ياقوت الحموي عن ابن أبي حازم قال: إنه -يعني ابن إسحق- كانت تعمل له الأشعار فيضعها في كتب المغازي، فصار بها فضيحة عند رواة الأخبار والأشعار، وأخطأ في كثير من النَسَب الذي أورده في كتابه/ معجم الأدباء ١٨/ ٥ - ٨، وذكر ابن النديم تلك الرواية بوجه آخر بالنسبة للأشعار، فقال: ويقال: كان يُعمَل له الأشعار ويؤتي بها ويسأل أن يُدخِلَها في كتابه في السيرة فيفعل الخ/ الفهرست/ ١٣٦؛ فهذه الرواية تفيد أنه لم يكن هو الذي يطلب تلك الأشعار، بل كان يُؤتى بها، ويُطلب منه إدخالها في كتابه. وعلى كُلِّ فإن كل تلك الانتقادات الموجهة إلى ابن إسحق بسبب ما ألَّفه في السير والمغازي، لا يقتضي وصفه بالكذب، كما لا يقتضي رد كل مروياته في السيرة أو ضعفها، فضلًا عن مروياته في غيرها من الأحكام ونحوها، وذلك لما يأتي: بالنسبة للأشعار التي وصفت بأنها مصنوعة، قد راجعت نماذج منها فوجدت ابن إسحق يوردها بطريقة تدل على عدم جزمه بثبوتها، ويُلقي عهدتها على المأخوذة عنه، وبالتالي لا يلحقه بذلك عيب ولا فضيحة كما قيل، فمثلًا عند ذكره لسبب غضب تُبَّع، ملك اليمن على أهل المدينة المنورة وعزمه على قتالهم، وشعره في ذلك، استهل ابن إسحق ذلك بقوله: وهذا الحي من الأنصار يزعمون وساق السبب وأتبعه بشعر لتُبع، وقد ذكر ابن هشام أن هذا الشعر مصنوع، ولذلك حذفه في تهذيبه للسيرة وأبقى بيتًا واحدًا منه فقط/ سيرة ابن هشام ١/ ١٨ ط القاهرة، وفي موضع آخر يقول: وكان عبد المطلب -فيما يزعمون يوصي أبا طالب برسول الله -ﷺ- فقال عبد المطلب -فيما يزعمون- فيما يوصيه به وذكر عدة أبيات من شعره / انظر القطعة المحققة من سيرة ابن إسحق، بتحقيق د. محمد حَميد الله/ ٤٧ ط تركيا. وعندما يجد خلافًا في نسبة =
[ ٢ / ٧١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بعض الأشعار إلى قائلها، ولا يترجح لديه شيء ينبه على ذلك، مثل قوله: وقد قال عمر بن الخطاب -فيما يزعمون- بعد إسلامه وقائل يقول: قالها أبو طالب، فالله أعلم بمن قالها ثم ساق الأبيات/ سيرة ابن إسحق/ ١٩٣ الطبعة السابقة، فهو بهذا يورد مثل تلك الأشعار بحسب زعم قائليها له، ويبريء نفسه صراحة، كما في عباراته السابقة - من عهدة ثبوتها، أو الجزم بقائلها، وذلك يدل على تحريه ونقده، وأمانته في الرواية، لا على فضيحة أو كذب، وقد ذكر ابن هشام في مقدمة تهذيبه لسيرة ابن إسحق أن مما تركه للاختصار أشعارًا ذكرها ابن إسحق ولم ير ابن هشام أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرفها/ سيرة ابن هشام ١/ ٣، ولعل قول ابن هشام هذا هو منطلق قول غيره بنقد ابن إسحق فيما جاء في سيرته من أشعار، في حين أن قوله هذا لا يقطع بكون تلك الأشعار مصنوعة؛ لأنه لا يُستَبعدُ أن يعرفها من لم يرهم ابن هشام من أهل العلم بالشعر، وقد تقدم وصف الطبري لاين إسحق بأنه كان راوية لأشعار العرب، ثقة في ذلك، والطبري ممن مارس روايات ابن إسحق، وخاصة في السير والمغازي، وأكثر من ذكرها في تاريخه المعروف كما يُدرَك ذلك بأدنى تأمل. وبالنسبة للخطأ في الأنساب، يبدو أنه ليس كثيرًا كما ذكر ابن أبي حازم، لأن ابن إسحق قد قرر بنفسه عنايته بضيط مضامين كتابه في السير والمغازي وحفظه، حيث أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن يونس بن بكير يقول: سمعت محمد بن إسحق يقول: حفظت المغازي بمكة مرة، ثم تفلت مني، ثم عدت فيها فحفظتها/ الجرح ٧/ ١٩٢، وقد راجعت مواضع متعددة من تعليقات ابن هشام خلال تهذيبه لسيرة ابن إسحق فوجدت أن ابن إسحق قد ينسب الرجل إلى أمه أو إلى جده، فيعلق ابن هشام على ذلك بذكر النسبة إلى الأب/ سيرة ابن هشام ١/ ١٥، ٣٩، وقد يذكر نسبًا لقبيلة أو فرع فيذكر ابن هشام قولًا آخر في ذلك/ سيرة ابن هشام ١/ ٨٣، ٩٨، ٩٩، ومثل هذا لا يعتبر خطأ، كما أنه كثيرًا ما يصدر سياقه للنسب بمثل ما صدر به ذكره للأشعار، كما قدمته، مثل قوله: وأما قُمعة فيزعم نساب مضر أن خزاعة من ولد عمرو بن لحي بن قمعة بن =
[ ٢ / ٧٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إلياس، وقد تابعه على هذا ابن هشام/ سيرة ابن هشام ١/ ٨١، فما يكون في ذلك من خطأ، فعهدته على من رواه عنه ابن إسحق، خاصة مع تنبيهه على عدم الجزم أو الإقرار، بمثل عبارة الزعم السابقة، وعلى التسليم بوقوع خطأ منه هو في الرواية، فذلك قليل بحيث يقتضي خفة ضبطه فقط، وبالتالي يظل في مرتبة المحتج به في غير ما يثبت خطؤه فيه، وقد أسلفت توثيق الطبري له في العلم بأخبار العرب وأيامهم وأنسابهم، وسيأتي قول ابن حبان بأنه لم يكن بالحجاز أحد أعلم بأنساب الناس وأيامهم منه. وقد ذكر ابن هشام أيضًا من عناصر اختصاره لسيرة ابن إسحق حذفَ أشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكرُه/ سيرة ابن هشام ١/ ٣ وكذلك أشار الذهبي كما تقدم، إلى أنه وقع في السيرة أخبار منقطعة منكرة، ونحن حين نجيل النظر في السيرة لابن إسحق نجده عند ذكر كثير من الروايات يجري على نمطه السابق الإشارة إليه، فتارة يشير إلى توقّفه وشكَّه في المروي، وتارة يجعل عهدة ثبوت المروي على من أخذه عنه هكذا، كان يقول: كما ذُكر لي/. سيرة ابن هشام ١/ ٢٥، ويقول: فيما يزعم أهل اليمن/ سيرة ابن هشام ١/ ٢٣، ٢٥، ويقول: فيما يزعم بعض أهل العلم كذا/ المصدر السابق ١/ ٥١، ويقول: فيما يزعمون -والله أعلم-/ سيرة ابن إسحق/ ١٤٧، ويقول فيما بلغني كذا/ سيرة ابن هشام ١/ ٤٢٠، ٤٢١ وسيرة ابن إسحق/ ١٤٦، وبعض الروايات يعقبها بقوله: والله أعلم أي ذلك كان/ سيرة ابن هشام ١/ ٢٤، ٣٥، وسيرة ابن إسحق/ ٢٠٠، ويقول: يُشَك في كذا/ سيرة ابن إسحق/ ١٥٦، فطالما أنه يقرن مثل تلك الروايات بمثل هذا النقد الضمني، أو الصريح، فيكون ذكره لها لتمييزها وليعلم حالها فلا يغتر بها غيره أو يعول عليها، وقد أجاب ابن حبان بنحو هذا عن رواية ابن إسحق بعض أخبار المغازي عن أهل الكتاب كما سيأتي/ وانظر الثقات/ ٧/ ٣٨٢، ٣٨٣، وبذلك فإن انتقاده بإيراد هذه الروايات لا يسلم لقائله، ومع ذلك فإننا نسلم بأن ما وجد منها معلولًا سندًا أو متنًا أو كليهما، فإنه يكون مردودًا، ولكن يحتج بما عداه =
[ ٢ / ٧٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من مروياته في السيرة وغيرها كما سيأتي، وكذلك ذكره للمقاطيع المنكرة وما في سنده مبهم، طالما ساق سنده به، بحيث يتبين ذلك للناظر فيه، كما لاحظته بالاطلاع على السيرة/ ص ٨٥، ٨٦، ١٢٦، فلا مطعن بذلك في توثيقه، وما يعد من ذلك منكرًا فلعل مرجع نكارته إلى سعة مرويات ابن إسحق، بحيث نفرد بما لم يوجد عند غيره من الروايات والشيوخ فقد قال البخاري: محمد بن إسحق ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها لا يشاركه فيها أحد/ السير ٧/ ٤٣ وقال ابن يونس: إن ابن إسحق قدم الاسكندرية سنة ١١٥ هـ، وروى عن جماعة من أهل مصر، منهم عبيد الله بن المغيرة وذكر خمسة آخرين، ثم قال: روى عنهم أحاديث لم يروها عنهم غيره فيما علمت/ السير ٧/ ٤٧، ٤٨، وبهذا لا يطعن عليه بتلك الغرائب، وُيقبل منها ما لم يُخالِف فيه من هو أوثق منه. كما أنه لم يلزم نفسه في سيرته ومغازيه بذكر المحتج به فقط، ثم إن ما لا يتضمن حكمًا من أخبار الغازي والسير، قد يُتَسامح فيه برواية المراسيل وما في إسناده ضعيف بغير تهمة الكذب وغلبة الوهم، كما نبه على ذلك البيهقي في تأليفه فيها/ انظر دلائل النبوة للبيهقي ١/ ٣٤، ٤٠ بتحقيق د. القلعجي، ولكن هذا التسامح في القبول لا يرفع وصف الضعف عما عنده في السيرة من تلك الروايات ونحوها، وما عداها يكون مقبولًا ومحتجًا به. وبهذا كله يتجلى لنا أنَّ واقع ما ألَّفه ابن إسحق في المغازي والسيرة، ينفي تهمة الكذب عنه، ويؤيد ذلك ما سيأتي من شهادات النقاد بعد، وأما باقي الأقوال المختلفة في سيرة ابن إسحق قبولًا وردًا بغير تهمة الكذب، فيمكن الجمع بينها، بأن الأقوال بالقبول أو الثناء المطلق تُقيد بغير المنتقد بعلة قادحة، سواء كان مرجعها إلى من روى عنهم ابن إسحق، أو إلى وهم ابن إسحق أو تدليسه أو شذوذه، ومما يؤيد هذا أن الإمام الذهبي مع انتقاده المتقدم لبعض مشتملات السيرة، أشاد بعلم ابن إسحق وتبحره في السيرة والمغازي فقرر أنه كان في ذلك بحرًا، وعلامة/ تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٣ والسير ٧/ ٣٧. وعلى هذا التقييد بغير المنتقد، تحمل شهادات المتقدمين والمتأخرين بإمامة =
[ ٢ / ٧٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن إسحق والاحتجاج به في المغازي والسير، فقد وصفه الحافظ ابن حجر بذلك، وقرر أن الجمهور على قبوله في السير/ انظر هدي الساري/ ٣٧١، ٤٥٨، وذكر ابن عدي أيضًا أن تأليف ابن إسحق في السيرة فضيلة سَبق بها، ثم صنفها بعده قوم آخرون ولم يبلغوا مبلغه/ الكامل ٦/ ٢١٢٥، وأخرج البيهقي بسنده عن أبي العباس الدغولي قال: محمد بن إسحق بن يسار، إمام في المغازي صدوق في الرواية/ القراءة خلف الإمام للبيهقي/ ٥٩ بتحقيق أبي هاجر. أما الزهري وهو من أئمة المغازي والسير ومن شيوخ ابن إسحق فيها وفي غيرها، فإنه لما سئل عن مروياته في المغازي أشار إليه قائلًا: هذا أعلم الناس بها/ الكامل ٦/ ٢١١٩ وتاريخ بغداد ١/ ٢١٩، والسير ٧/ ٣٦ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤١، وقال في مجلس له: مَن أراد المغازي فعليه بذاك الغلام/ منتخب الإرشاد للخليلي ٢٦ ب يعني ابن إسحق والتاريخ الكبير للبخاري ١/ ٤٠، وروى البخاري عن إبراهيم بن المنذر، ثنا عمر بن عثمان أن الزهري كان يتلقف المغازي من ابن إسحق فيما يحدثه عن عاصم بن عمر بن قتادة/ تهذيب التهذيب ١/ ٤٩ وسير النبلاء ٧/ ٣٩، ٢٢٠، والقراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٦ وكذلك أخرج الخليلي بسنده عن إبراهيم بن المنذر عن عمر بن عثمان التيمي قال: سمعت أن ابن شهاب كان يُجلِس محمد بن إسحق يتروى منه حديث عاصم بن عمر بن قتادة/ منتخب الإرشاد/ ٢٧ أ. أقول: وهاتان الروايتان تدلان على استفادة الزهري في المغازي والسيرة وغيرهما من تلميذه ابن إسحق، ولكن المطبوع بين أيدينا من مغازي ابن إسحق فيه روايات متعددة له عن الزهري، في حين أن ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من مغازي الزهري من طريق معمر عنه، لم أقف فيه على رواية للزهري عن ابن إسحق، ولا عن عاصم بن عمر بن قتادة، كما لم أجد في ترجمة الزهري الموسعة عند المزي وابن عساكر أنه روى عن ابن إسحق أو عاصم بن عمر، لكن يكفينا قول الزهري السابق: أن من أراد المغازي فعليه بابن إسحق، فذلك واضح في توثيقه فيها، بالإضافة إلى ما عرف من ثنائه العام على علمه حيث قال: =
[ ٢ / ٧٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لا يزال بالمدينة علم جم ما بقي هذا، يعني ابن إسحق، وفي رواية: لا يزال بالحجاز علم كثير ما دام هذا الأحول بين أظهرهم/ الجرح والتعديل ٧/ ١٩١، والقراءة خلف الإمام للبيهقي/ ٥٨ بتحقيق أبي هاجر. أما الإمام الشافعي فذكر الخطيب وغيره: أنه كان معجبًا بابن إسحق، كثير الذكر له، وينسبه إلى العلم والمعرفة والحفظ/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٧ وبالنسبة للمغازي خصوصًا قال: من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحق/ تاريخ بغداد ٩/ ٢١١، والسير ٧/ ٣٦، ونقل ذلك عنه ابن كثير وأقره/ البداية والنهاية ١٠/ ١٢٦، وكذا ابن خلكان/ وفيات الأعيان ٤/ ٢٢٦. وتقدم أيضًا توثيق الطبري له في المغازي والسيرة النبوية، وقد أشرت هناك الى اعتماد الطبري عليه في ذلك، أما البخاري فإنه في معرض رده على تكذيب مالك له في المغازي وغيرها كما سيأتي - قال: كان إسماعيل بن أبي أويس من أَتْبع من رَأينا لمالك، أخرج إليَّ كتب ابن إسحق عن أبيه في المغازي وغيرها، فانتخبت منها كثيرًا/ القراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٦ السير ٧/ ٣٩ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤١، فهذا يفيد أمرين: أحدهما: إشارة البخاري إلى عدم موافقة ألصق الناس بمالك له على تكذيبه محمدَ بن إسحق، لا في السير ولا في غيرها كما سيأتي ذكره، وقد مثل البخاري لهؤلاء بإسماعيل بن أبي أويس، وهو من شيوخ البخاري. الثاني: تقرير البخاري أنه أخذ من طريق شيخه ابن أبي أويس هذا مرويات كثيرة لمحمد بن إسحق في السيرة وفي غيرها، وهذا يدل على أن المنتقد من روايات ابن إسحق في نظره، قليل بالنسبة الى المقبول، ومع أنه لم يدخل ما انتقاه في المحتج به في صحيحه، إلا أنه أودع الكثير منه في المتابعات والشواهد، معلقًا، وخاصة بصيغة الجزم، قال الحافظ ابن حجر: وله -أي ابن إسحق- مواضع عديدة معلقة عنه -أي مباشرة- وموضع واحد قال فيه: قال إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحق، فذكر حديثًا/ هدي الساري/ ٤٥٨ وانظر البخاري =
[ ٢ / ٧٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مع الفتح -الجهاد- باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو ٦/ ١٣٣، والمغازي - باب عمرة القضاء ٧/ ٥٠٩، ٥١٠ وهذه الرواية من السيرة لابن اسحق، وقد علل الخليلي عدم تخريج البخاري لابن اسحق احتجاجًا فقال: وإنما لم يخرجه البخاري في الصحيح من أجل روايته للطوالات والمغازي، ويستشهد به، وأكثر عنه فيما يحكي من أيام النبي -ﷺ- وفي أحواله، وفي التواريخ/ منتخب الإرشاد للخليلي ٢٦ ب. أقول: وتعليل الخليلي هذا غير متجه، لأنه لو كانت رواية الطوالات - وهي الأحاديث الطويلة السياق، كما تقدم توضيحه ص ٥١٠ ت والمغازي هما سبب عدم احتجاج البخاري به، لما احتج بالإمام الزهري، وهو شيخ ابن إسحق في المغازي خصوصًا، ومعروف أيضًا برواية الطوالات كما تقدم توضيحه في التعليق على ترجمته من هذا الشرح ص ٥١١، ٥١٢ ت، وانظر ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر ص ٦٠، ٦١، ٧٧ وما بعدها، وبذلك لا نُسلم للخليلي تعليله المذكور، وأقرب منه في تقديري أن نقول: إن البخاري يرى توثيق ابن إسحق، وقبول مروياته في السيرة والمغازي وغيرها، بدرجة أدنى من شرطه في صحيحه الذي يعد من أعلا درجات الصحيح، فذلك ما يُفْهم من مجموع كلامه السابق والآتي عنه، مع استشهاده كثيرًا به في الصحيح، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه لا يلزم من كون الراوي على غير شرط البخاري أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحة/ الفتح ٢/ ٢٠٥، ومما يؤيد ذلك أن البخاري قد احتج بروايته في كتاب القراءة خلف الإمام مع الدفاع عنه بما تقدم بعضه/ القراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٥ - ٣٧، ونقل البيهقي ذلك عن البخاري أيضًا وأقره/ القراءة خلف الإمام للبيهقي/ ٥٨، وكذلك في ترجمة البخاري في تاريخه لابن اسحق، نقل أقوال كبار الموثقين له، والقائلين بالاحتجاج به في السيرة وغيرها، والمدافعين لما اتهم به، وأقر ذلك كله، ولم يتعقبه بشيء/ التاريخ الكبير ١/ ٤٠، والسير ٧/ ٣٩، وذكر الذهبي أن البخاري لم يذكر ابن أسحق في كتاب =
[ ٢ / ٧٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الضعفاء له/ الميزان ٣/ ٤٧١، ومن بعده قال العراقي أيضًا: إن البخاري ذكر ابن اسحق في تاريخه ولم يتكلم فيه، ولم يذكره في الضعفاء التي له، لا الكبرى ولا الصغرى، ورد العراقي بهذا على قول ابن العربي في العارضة ٢/ ٣١٦: إن البخاري أسقط ابن اسحق، وقال: وإنما أراد ابن العربي بقوله: "أسقطه" أنه لم يخرج له في صحيحه، وكم من جماعة ثقات لم يخرج لهم البخاري في الصحيح وخَرَّج عمن دونهم/ تكملة شرح الترمذي للعراقي، مع تصرف يسير/ مجلد رقم ٥١٠ ج ٢٦١ أ - ٢٧ ب. أقول: فأقل ما يفهم من هذا كله، مع ما سيأتي من باقي دفاع البخاري عن تكذيب مالك لابن إسحق، أن البخاري يقر توثيق ابن اسحق والاحتجاج به في السيرة وغيرها، ولكن بدرجة أدنى من شرطه في الصحيح، وبهذا صرح ابن خلكان فقال: وإنما لم يخرج البخاري عنه -يعني احتجاجًا- وقد وثقه/ وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٦. هذا وسيأتي قول أحمد أيضًا في الاحتجاج بابن إسحق في المغازي والسير، وتحقيق ذلك ضمن أقوال أحمد المتعددة في ابن إسحق إن شاء الله. كما سيأتي نقد مالك لابن إسحق برواياته للمغازي عن اليهود مع الجواب عنه، أما قوله باتهامه بالكذب، وبتكذيبه صراحة، فقد نُقل عنه من عدة طرق معتبرة، حتى قال الخطيب البغدادي: أما كلام مالك في ابن إسحق فمشهور غير خاف على أحد من أهل العلم بالحديث/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٤، ثم قال: وكان مالك بن أنس يسيء القول في ابن إسحق، وأيد ذلك بما أخرجه بسنده عن هشام بن عبد الملك أنه قال: كان مالك بن أنس سيء الرأي في ابن اسحق/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٣، وأخرج العقيلي بسنده عن وهيب بن خالد قال: سألت مالك بن أنس عن محمد بن إسحق قال: فقال: واتهمه، قال عباس -يعني العنبري- بيده: إني أَتهمه/ الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٣، وأخرج الخطيب بسنده عن حسين بن عروة، وابن عدي بسنده عن وهيب بن خالد كلاهما أنهما سمعا مالك ابن أنس يقول: محمد بن إسحق كذاب/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٣ والكامل ٦/ ٢١١٦. =
[ ٢ / ٧٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هذا وهناك رجل في غاية التوثيق والصلابة في التمسك بالسنة وهو عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي الكوفي ولد سنة ١١٥ هـ على الراجح وتتلمذ لكل من ابن إسحق ومالك، لكن كان بينه وبين مالك صداقة وروى عنه مالك أيضًا وقال ابن عدي أن مالكًا لم يرو عن أحد من الكوفيين غيره/ الكامل ١/ ١٨ تهذيب الكمال ٢/ ٦٦٥ وتهذيب التهذيب ٥/ ١٤٤، ١٤٥، وقد روى عن ابن إدريس هذا من طرق وبألفاظ مختلفة طعن ابن إسحق في مالك، وطعن مالك في ابن إسحق عمومًا وفي المغازي خصوصًا، ومن أوضح وأتم الروايات عنه ما ذكره ابن عبد البر حيث قال: والكلام ما رويناه من وجوه عن عبد الله بن إدريس أنه قال: قدم علينا محمد بن إسحق فذكرنا له شيئًا عن مالك، فقال: هاتوا علم مالك فأنا بيطاره، قال ابن إدريس: فلما قدمت المدينة ذكرت ذلك لمالك بن أنس، فقال: ذلك دجال الدجاجلة، ونحن أخرجناه من المدينة، قال ابن إدريس: ولم أكن سمعت بجمع "دجال" قبلها على ذلك الجمع/ جامع بيان العلم لابن عبد البر - باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض ٢/ ١٥٦، وقول ابن إدريس: "قدم علينا ابن إسحق" يحتمل أن يكون مراده قدوم ابن إسحق إلى الكوفة، حيث أنها أول ما ذكر ابن سعد من البلاد التي قصدها ابن إسحق لما خرج من المدينة قديمًا/ طبقات ابن سعد ٧ / قسم ٢ ص ٦٧، وابن إدريس معدود من مشاهير علماء الكوفة ومحدثيها، وقد توفي فيها في عشر ذي الحجة سنة ١٩٢ هـ/ تهذيب التهذيب ٥/ ١٤٥ ومشاهير علماء الأمصار/ ص ١٦٣، ١٧٣، والبداية والنهاية ١٠/ ٢٣٦، ٢٣٧، وفيات سنة ١٩٢ هـ. وفي هذه الرواية كما نرى أن ابن إسحق لم يتكلم في مالك ابتداء كما يفهم من بعض الروايات الأخرى المجملة، ولكنهم لما ذكروا له شيئًا من علم مالك، تكلم فيه بما تقدم، وفي تلك الرواية أيضًا أن ابن إدريس هو الذي نقل إلى شيخه وصديقه مالك قول ابن إسحق فيه، ولعله قصد بذلك استجلاء الحقيقة فقط، بناء على ما عرف به من ديانة وثقة كما مر، وفي رواية لابن أبي حاتم، ومن طريقه الخطيب: أن ابن إدريس قال: قلت لمالك بن أنس -وذكر المغازي- =
[ ٢ / ٧٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فقلت: قال ابن إسحق: أنا بيطارها فقال: قال لك أنا بيطارها؟ نحن نفيناه عن المدينة/ الجرح ٧/ ١٩٢، ١٩٣، وتاريخ بغداد ١/ ١٢٣، وفي هذه الرواية دلالة على توجه نقد مالك لمغازي ابن إسحق، دون اشتمال كلام ابن إسحق المذكور على نقد لمالك. وفي رواية أخرى أخرجها ابن أبي حاتم، ومن طريقه الخليلي، أن يحيى بن آدم قال: نا ابن إدريس قال: كنت عند مالك بن أنس، وقال له رجل: يا أبا عبد الله: إني كنت بالري عند أبي عبيد الله، وثم محمد بن إسحق فقال محمد بن إسحق: اعرضوا علي علم مالك فإني أنا بيطاره، فقال مالك: دجال من الدَّجَاجِلَة يقول: اعرضوا علي علمي؟! / الجرح ٧/ ١٩٣ منتخب إرشاد الخليلي ٢٧ ب، ٢٨ أوفيه زيادة قول ابن إدريس: لم أسمع جمع الدجال إلا منه، يعني: من مالك، ونحوه في رواية البرذعي عن مسلم بن الحجاج بسنده إلى يحيى أيضًا، به/ انظر سؤالات البرذعي للرازي، ضمن كتاب "أبي زرعة الرازي وجهوده في السنة" دراسة وتحقيق د. سعدي الهاشمي، وكذا رواية العقيلي/ الضعفاء له ٤/ ٢٤ وفي رواية ابن عدي بدون ذكر قول ابن إدريس/ الكامل ٦/ ٢١١٩. وانظر سير النبلاء ٧/ ٥٠، ومن تلك الرواية يظهر أن كلام ابن اسحق هذا لم يكن بالكوفة، ولكن بالري، ولم يحضره ابن إدريس، ولكن نقله لمالك شخص آخر بحضوره، وهذا الشخص سمعه من ابن إسحق في مجلس أبي عبيد الله، وهو معاوية بن عبيد الله بن يسار، وكان وزيرًا للمهدي بن أبي جعفر، المنصور، حين ولاه أبوه سنة ١٤٧ على خراسان، وأقام بالري/ البداية والنهاية ١٠/ ٨٩ حوادث سنة ١٤١ هـ وص ١٤٩ والطبري ٨/ ١١٨ أصل وهامش وسير النبلاء ٧/ ٣٩٨، فلعل واقعة الكلام من كل من مالك وابن إسحق تعددت، وفي رواية الفسوي من نفس الطريق أن ما ذكر لابن إسحق في مجلس الوزير المذكور، كان كُتبًا لمالك ولما قيل له ذلك قال: دجال من الدجاجلة تعرض كتبي عليه؟ / المعرفة والتاريخ ٣/ ٣٢ وفي نص الرواية خلل وفي التعليق عليها بالهامش وَهَم، يعرف من مراجعة الرواية في المصادر السابق ذكرها، وحدد ابن حبان أن ابن اسحق عني بكلامه: موطأ مالك عندما ألفه/ الثقات ٧/ ٣٨٢. =
[ ٢ / ٧٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقول ابن إسحق إنه بيطار كتب مالك، أو علمه، إشارة منه الى وجود علل قادحة فيه، وأنه خبير بها قادر على كشفها، وقد اعتبر الخطيب البغدادي أن ذلك أشد نقد وجه لمالك ممن تكلموا فيه، حيث قال: وكان أشدهم فيه كلامًا محمد بن إسحق، كان يقول: ائتوني ببعض كتبه حتى أبين عيوبه، أنا بيطار كتبه/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٤، وقد اعتبر ابن خلكان ذلك هو الدافع لكلام مالك بدوره في ابن إسحق، فقد قال: إنما طعن مالك فيه، لأنه بلغه عنه أنه قال: هاتوا حديث مالك، فأنا طبيب بعلله، فقال مالك: وما ابن إسحق؟ إنما هو دجّال من الدجاجلة، نحن أخرجناه من المدينة، ثم علق ابن خلكان على ذلك بأن كلام مالك المذكور يشير -والله أعلم- إلى أن الدجال لا يدخل المدينة/ وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٦. ومع تعدد طرق وألفاظ تلك الروايات عن ابن إدريس كما ترى، فإنها كلها متفقة على أن كلام مالك وابن إسحق كل منهما في الآخر قد تعدد، وكان بعد خروج ابن إسحق من المدينة، وهذا يُشكل على جواب ابن حبان الآتي بعد قليل، بأن مالكًا تكلم في ابن إسحق مرة واحدة، ورجع عنها، لما تصالح الرجلان عندما عزم ابن إسحق على مغادرة المدينة، وأيضًا خرج العقيلي بسنده عن يحيى بن سعيد القطان أنه سمع مالك بن أنس يقول: يا أهل العراق، من يَغُت عليكم بعد ابن إسحق؟ ٤/ ٢٧، وأخرج ابن عدي أيضًا تلك الرواية بسنده عن يحيى القطان أنه سمع مالك بن أنس يقول: يا أهل العراق لا يغت عليكم أحد بعد ابن إسحق/ الكامل ٦/ ٢١١٧، فهذه الرواية بلفظيها المذكورين واضحة الدلالة على أن مالكًا قال ذلك في ابن إسحق بعد خروجه من المدينة، بل ربما تشير إلى صدورها منه بعد وفاة ابن إسحق، حيث توفي ببغداد ودفن فيها سنة ١٥٠ هـ كما قال ولده/ تاريخ بغداد ١/ ٢٣٣، وذلك في حياة مالك ﵀ كما لا يخفى، وقوله: "يغت عليكم" مأخوذ من "الغت" وهو يطلق على فساد الشيء وتغطيته بما يخفيه ويستره/ المعجم الوسيط مادة "غت" ٢/ ٦٤٤، فلعل مالكًا يشير بذلك الى تدليس ابن إسحق - كما وصفه به غيره فيما سيأتي، أو يشير الى اتهامه بالكذب كما تقدم عنه صراحة. =
[ ٢ / ٧٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (ولكن كما أجاب النقاد عن طعن هشام بن عروة والقطان في ابن إسحق، كما تقدم، فإنهم أجابوا أيضًا عن طعن مالك فيه، وخلاصة الجواب أن طعن مالك عامته مجمل، يقابله توثيق ابن إسحق من عدد من أئمة النقد الخبراء به وبحديثه كما مر وكما سيأتي أيضًا، وبالتالي لا يقبل الجرح فيه من مالك، إلا مفسرًا بتفسير قادح/ عيون الأثر ١/ ١٦، وهدي الساري/ الفصل التاسع/ ٣٨٤، وأيضًا فإن مالكًا تكلم فيه عن غيره خبرة به على الراجح، وكذلك هما قرينان وقد تبادلا القدح كما مر بنا في الروايات السابقة، ونحوها، فلا يقبل قول أي منهما في الآخر إلا ببرهان معتبر/ انظر القراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٦، ٣٧). وممن أجاب عن طعن مالك في ابن إسحق تلميذه وعشيره سفيان بن عيينة، فقد قال لإبراهيم بن المنذر -وهو من تلاميذ مالك-: ما يقول أصحابك في محمد بن إسحق؟ قال: قلت: يقولون: إنه كذاب، قال: لا تقل ذلك، فلقد رأيته خلف القبر ينتظر يزيد بن خُصَيفة، فقلت: ما تعمل هاهنا؟ قال: أَنتظر يزيد بن خصيفة أسمع منه الأحاديث التي أفدتني/ منتخب إرشاد الخليلي ٢٧ أوالمحققة ١/ ٢٣٤، ترجمة رقم ١٣٨، وفي رواية ابن أبي حاتم الرازي لهذا القول أن سفيان قال لابن المنذر: "ما يقول أهل المدينة" بدل قوله: "ما يقول أصحابك"، وفيها أنه رد على ابن المنذر بقوله في ابن إسحق: إني لأعرفه منذ نحو سبعين سنة فما سمعت أحدًا يذكر فيه إلا القدَر، ثم ساق واقعة رؤيته خلف القبر ينتظر ابن خصيفة المتقدمة/ سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي مع كتابه في الضعفاء ٢/ ٥٩٢، ٥٩٣. وهناك رواية ثالثة لابن المديني عن سفيان سيأتي ذكرها، ولكن فيها قول سفيان "رأيت ابن إسحق في مسجد الخيف" - بدل قوله: "خلف القبر" في الروايتين المذكورتين هنا/ انظر سير النبلاء ٧/ ٥١، ٥٢. والذي يفهم من قول سفيان هنا أمران: أحدهما: تقريره لاتهامه ببدعة القدر وسيأتي الجواب عنها في موضعها. ثانيهما: رد وصفه، بالكذب في الحديث سواء كان صادرًا من ابن المنذر أو من غيره من أهل المدينة، وفي مقدمتهم الإمام مالك شيخ ابن المنذر، وقد اعتمد =
[ ٢ / ٧٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = سفيان في رده هذا على الخبرة الطويلة بابن إسحق خلال نحو سبعين سنة عرف فيها باطن حاله مع ظاهره، وعرف فيها صدقه في مروياته ولاسيما ما قد يبدو لغيره أنه معلول، فالمثال الذي ذكره يفيد أن ابن إسحق سمع أحاديث من سفيان، وسفيان يرويها عن يزيد بن خصيفة، حيث إنه من شيوخه، فابن إسحق بعد أن سمعها من سفيان أراد سماعها من شيخه ابن خصيفة طلبًا لعلو السند، فتصير تلك الأحاديث، يمكن لابن إسحق التحديث بها عن سفيان عن ابن خصيفة، وعن ابن خصيفة مباشرة، وكلاهما ثابتان له، إلا أن من لم يعلم ذلك، حين يجد ابن إسحق يحدث بتلك الأحاديث مرة عن سفيان، ومرة عن شيخه ابن خصيفة مباشرة، يظنه في الحالة الثانية قد دلس إذا عنعن أو يتهمه بدعوى سماعه ما لم يسمعه من ابن خصيفة، إذا صرح في روايته عنه بالتحديث. والواقع أنه صادق في حالتي الرواية عن ابن خصيفة مباشرة، وبالواسطة، وسيأتي شهادة غير سفيان له بالصدق في مثل ذلك. وهذا الرد المبني على الخيرة من سفيان بحال ابن إسحق وبمروياته، يؤيد رد ابن المديني أيضًا لتكذيب مالك لابن اسحق؛ فقد سئل ابن المديني عن ابن إسحق، فصحح حديثه كما سيأتي ذِكْرُه، فقيل له، فكلام مالك فيه؟ فقال: مالك لم يجالسه، ولم يعرفه، ثم قال: أي شيء حدّث بالمدينة؟ / تاريخ بغداد ١/ ٢٢٩ والميزان ٣/ ٤٧٥، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٢، ٤٣، وذلك لأنه خرج قديمًا من المدينة كما تقدم، وبذلك كان تحديثه بها قليلًا، وبناء على ذلك رد ابن المديني تكذيب مالك له بأن مالكًا لم يخبر حاله، ولا مروياته، وفي هذا أيضًا رد على قول الدارقطني الآتي: بأن مالكًا أخبر بابن إسحق، ثم إن ابن المديني أيد صدق ابن إسحق بواقع مروياته فقال: إن حديث محمد بن إسحق ليتبين فيه الصدق، يروى مرة حدثني أبو الزناد، ومرة ذكر أبو الزناد، وروى عن رجل عمن سمع منه، يقول: حدثني سفيان بن سعيد عن سالم أبي النضر عن عمر "صوم يوم عرفة"، وهو من أروى الناس عن أبي النضر، ويقول: حدثني الحسن بن دينار عن أيوب عن عمرو بن شعيب "في سلف وبيع" وهو من أروى الناس عن عمرو بن =
[ ٢ / ٧٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = شعيب/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٩، وأخرج ابن حبان بسنده عن ابن المديني قال: محمد بن إسحق صدوق، والدليل على صدقه: أنه ما روى عن أحد من الجلَّة إلا روى عن رجل عنه، فهذا يدل على صدقه، وأخرج عنه رواية أخرى أيضًا أَنه سثل: ما تقول في محمد بن اسحق؟ فقال: ثقة، قد أدرك نافعًا وروى عنه وروى عن رجل عنه، وعن رجل عن رجل عنه، هل يدل هذا إلا على الصدق؟ / الثقات ٧/ ٣٨٤. أقول: وبهذا يلتقي ابن المديني مع سفيان بن عيينة في ردهما لتكذيب مالك -أو غيره- لابن اسحق في الرواية، بناء على خبرتهما بمروياته وبحاله. ونحا ابن حبان هذا المنحى، فقرر أن ابن إسحق غَني بعلم السنن وواظب على تعاهد العلم وكثرت عنايته فيه وجمعه على الصدق والاتقان، يَروِي عن مشايخ قد رآهم، ويروي عن مشايخ عن أولئك، وربما روى عن أقوام رووا عن مشايخ يروون عن مشايخه، يدُل ما وصفت من تَوقيه على صدقه/ مشاهير علماء الأمصار لابن حبان/ ١٣٩ وقال أيضًا: كان محمد بن إسحق يكتب عمن فوقه، ومثله، ودونه؛ لرغبته في العلم وحرصه عليه، وربما يروي عن رجل قد رآه، ويروي عن آخر عنه في موضع آخر، ويروي عن رجل عن رجل عنه، فلو كان ممن يستحل الكذب لم يحتج إلى الإنزال، بل كان يحدث عمن رآه، ويقتصر عليه، فهذا مما يدل على صدقه وشهرة عدالته في الروايات/ الثقات لابن حبان ٧/ ٣٨٤، وفي النص زيادة لفظة خطأ فحذفتها. وقال البيهقي: فأما الذي يروي عن مالك بن أنس من وقوعه فيه -يعني ابن إسحق- فلشيء تكلم به ابن اسحق في نسبه، وكلام نقل إليه عنه، وهو أنه يقول: اعرضوا علي علم مالك بن أنس فأنا بيطاره، فكره ذلك مالك، فتناول منه/ القراءة خلف الإمام للبيهقي/ ٥٩. ويلتقي مع هذا قول ابن عبد البر، حيث يرى أن تكذيب مالك لابن إسحق ليس في الرواية، وإنما في شيء آخر، وذلك أن بعد ذكره تكذيب مالك له يقول: وكان ابن إسحق يقول فيه: إنه مولى لبني تيم قريش، وقال فيه ابن شهاب =
[ ٢ / ٧٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أيضًا، فكذب مالك ابن إسحق، لأنه كان أعلم بنسب نفسه، وإنما هُم حلفاء لبني تيم في الجاهلية .. وربما كان تكذيب مالك لابن إسحق في تشيعه، وما نُسب إليه من القول بالقدر، وأما الصدق والحفظ فكان صدوقًا حافظًا، أثنى عليه ابن شهاب، ووثقه شعبة والثوري وابن عيينة وجماعة جِلَّة/ جامع بيان العلم وفضله، باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض ٢/ ١٥٦ فبهذا يقرر ابن عبد البر أن مالكًا يكذب ابن إسحق في طعنه في نسبه أو في القول بالقدر أو التشيع، وقد جاء عن غير ابن عبد البر ما يؤيد حمل تكذيب مالك لابن إسحق على أحد هذين الوجهين، فقد جاء عن الأعمش قوله لأبي معاوية: اتق هذه السبائية، فإني أدركت الناس يسمونهم الكذابين/ الميزان ٣/ ٥٥٧ ترجمة محمد بن السائب الكلبي، وسئل أحمد بن صالح المصري عن تكذيب الشعبي للحارث الأعور فقال: لم يكن بكذاب؛ إنما كان كذبه في رأيه/ الرواة المختلف فيهم لابن شاهين في آخر تاريخ جرجان للسهمي/ ٥٦٠ وقد كان الحارث غاليًا في التشيع/ الميزان ١/ ٤٣٥، ٤٣٦ فهذا يدل على أن المبتدع قد يوصف بالكذب لبدعته ولو لم يكذب في الرواية، وقد قال أبو زرعة الدمشقي: ذاكرْتُ دُحيمًا قول مالك، فرأى أن ذلك ليس للحديث؛ إنما لأنه اتهم بالقدر/ السير ٧/ ٤٢، ولعل ذلك هو مراد مصعب بقوله في ابن إسحق: كانوا يطعنون عليه بشيء من غير جنس الحديث/ السير ٧/ ٤٤ وسيأتي الجواب عن اتهامه بالقدر مع غيره من البدع قريبًا. وبالنسبة للطعن في نسب مالك قال ابن حبان: إنه لم يكن بالحجاز أحد أعلم بأنساب الناس وأيامهم من محمد بن إسحق، وكان يزعم أن مالكًا من موالي ذي أصبح، وكان مالك يزعم أنه من أنفسهم، فوقع بينهما لهذا (معارضة)، فلما صنف مالك الموطأ، قال ابن إسحق: ائتوني به؛ فإني بيطاره، فنقل ذلك الى مالك فقال: هذا دجال من الدجاجلة، يروي عن اليهود، وكان (بينهما) ما يكون بين الناس/ الثقات لابن حبان ٧/ ٣٨٢، يعني من الجفوة. ومن هذا يتضح أنه كان لطعن ابن إسحق في نسب مالك دخل في تكذيب مالك =
[ ٢ / ٧٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = له، كما يتضح أن نقد كل منهما للآخر كان رد فعل لنقد متبادل بينهما، وجفوة ناتجة عن ذلك، وقد قرر أئمة النقد عدم قبول مثل هذا النقد من أحد الطرفين في الآخر، إلا بحجة ثابتة قادحة، وهذا ما لم يتوفر لنقد أي منهما للآخر. فطعن ابن إسحق في نسب مالك أو في موطئه لم يقبل منه لعدم تقديمه برهانًا يثبت صحة قوله، وكذلك تكذيب مالك لابن إسحق لم يقدم عليه دليلًا صحيحًا في مواجهة الأدلة المتوافرة على صدقه وعدالته في الرواية من غير واحد من النقاد كما تقدم وفي جواب البخاري عن ابن إسحق ما يتضمن ذلك أيضًا حيث قال: والذي يُذكر عن مالك في ابن إسحق لا يكاد يتبين/ القراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٦ والسير ٧/ ٣٩، يعني أنه جرح غير مُبين السبب ولا مقترنًا بحجة بينة، ثم تنزل البخاري في الرد فقال: ولو صح عن مالك تناولُه من ابن إسحق، فلربما تكلم الإنسان فيرْمِي صاحبه بشيء واحد، ولا يتهمه في الأمور كُلِّها/ المصدرين السابقين، ثم أشار إلى هذا الشيء الواحد بالنسبة لابن إسحق، وعدم قدحه في روايته حيث يقول: ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم وتناوُلِ بعضهم في العرض والنفس، ولم يَلْتفِتْ أهلُ العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم تسقط عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة/ القراءة خلف الإمام للبخاري ٣٦، ٣٧ وللبيهقي ٥٩، ٦٠، والسير ٧/ ٣٩، ٤٠ وشرح العلل لابن رجب ٢/ ٧٨١. وقد علق الذهبي على كلام البخاري هذا بقوله: لسنا ندعى في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر، ولا من الكلام بنفَس حاد فيمن بينهم وبينهم شحناء وِإحْنَة، وقد عُلِم أن كثيرًا من كلام الأقران بَعضِهم في بعض مُهدَر لا عبرة به، ولاسيما إذا وَثق الرجلَ جماعة يلوح على قولهم الإنصاف، وهذان الرجلان كل منهما قد نال من صاحبه، لكن أثر كلام مالك في محمد بعضَ اللِّين، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة، وارتفع مالك وصار كالنجم، والآخرَ فله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما في أَحادِيث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رُتْبة الصحة إلى رُتبة الحُسْن، إلا فيما شذ فيه، فإنه يُعد منكرًا، هذا الذي =
[ ٢ / ٧٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عندي في حاله، والله أعلم/ السير ٧/ ٤٠، ٤١. أقول: وما قرره الذهبي هنا من كون خلاصة حال ابن إسحق: أنه حَسن الحديث في غير ما شذ به، سيأتي بيان أنه هو الراجح عند الذهبي وغيره من المحققين، لكن تعليله ذلك بأن كلام مالك في ابن إسحق أثر فيه بعض اللين فأنزله من الصحة إلى الحُسن، فيه مخالفة لما ذكره عن البخاري في الجواب عن ابن إسحق، حيث إنه يفيد عدم تأثير كلام مالك في ابن إسحق من جهة الرواية مطلقًا كما مر بيانه، فلعل وجهة نظر الذهبي أن كلام مالك في ابن إسحق يعتبر جرحًا مجملًا في مقابل توثيق غيره له، وبذلك صار ابن إسحق مختلَفًا فيه؛ فيكون حديثه بهذا الاعتبار حسنًا، كما سيأتي عن ابن القطان وغيره. ومما يعتبر ردًا لتكذيب مالك لابن إسحق ما أخرجه الخطيب بسنده عن الأثرم قال: سألته -يعني أحمد بن حنبل- عن محمد بن إسحق كيف هو؟ فقال: هو حسن الحديث، ولقد قال مالك حين ذكره: دجال من الدجاجلة/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٣، فتصدير أحمد كلامه بتحسين حديث ابن إسحق في مواجهة تكذيب مالك له، إشارة منه إلى عدم قبول قول مالك هذا، والا ما حَسَّن حديث ابن إسحق، حتى إن غيرَ واحد من العلماء يكتفي من هذه الرواية بذكر تحسين أحمد لحديث ابن إسحق/ شرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ١٢٦ والميزان ٣/ ٤٦٩، لكن سيأتي من أقوال أحمد ما يفيد تقييده لما أطلقه هنا من تحسين حديث ابن إسحق. أما ابن حبان، فإنه في الجواب عن طعن مالك في ابن إسحق قال: إنه كان ذلك منه مرة واحدة، ثم عادَ لَهُ إلى ما يُحب/ الثقات ٧/ ٣٨١، ٣٨٢ وعيون الأثر ١/ ١٦ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٥ ثم علل حصول القدح من مالك فقال: وذلك أنه لم يكن بالحجاز أحد أعلم بأنساب الناس وأيامهم من محمد بن إسحق، وكان يزعم أن مالكًا من موالي ذي أصبح، وكان مالك يزعم أنه من أنفسهم، فوقع بينهما لهذا (معارضة) فلما صنف مالك الموطأ قال ابن إسحق: ائتوني به فأنا بيطاره، فنقل ذلك إلى مالك، فقال: هذا دجال من الدجاجلة، يروي عن =
[ ٢ / ٧٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = اليهود، وكان (بينهما) ما يكون بين الناس -يعني من الجفوة- حتى عزم محمد بن إسحق على الخروج إلى العراق فتصالحا حينئذ، وأعطاه مالك عند الوداع خمسين دينارًا، نِصفَ ثمرته تلك السَّنَة/ الثقات لابن حبان ٧/ ٣٨١، ٣٨٢ وعيون الأثر ١/ ١٦. أقول: وهذا يؤكد ما تقدم من أن نقد كل من الرجلين للآخر كان متأثرًا برد فعل النقد المتبادل، وحصول الجفوة بينهما. وقد أسلفت التنبيه على أن قول ابن حبان هذا: بأن نقد مالك لابن إسحق كان مرة واحدة قبل خروج ابن إسحق للعراق، وأنهما تصالحا قبل الخروج ورجع مالك عن نقده، كل ذلك يعكر عليه ما تقدم من الروايات الوثيقة عن ابن إدريس والتي تفيد صراحة أن طعن ابن إسحق في علم مالك، وتكذيب مالك لابن إسحق قد تعدد، ووقع من كل منهما بعد خروج ابن إسحق من المدينة إلى العراق، بل ربما تكرر كلام مالك في ابن إسحق بعد وفاته كما مر، وبذلك يكون في قول ابن حبان هذا نظر، ولم أجد من نبه إلى ذلك، بل إن المؤلف نقل جواب ابن حبان المذكور بطوله، وتبنَّاه، فذكر أنه يعرب عما في ضميره هو/ عيون الأثر ١/ ١٦، ١٧ ونقل ابن حجر منه عبارة أن "مالكًا تكلم في ابن إسحق مرة ثم عاد إلى ما يحب"/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٥ وأقرها. أما قول مالك: إن ابنَ إسحق يروي عن اليهود، فقد أجاب ابن حبان عنه بجواب مقبول حيث يقول: ولم يكن يقدح فيه مالك من أجل الحديث -يعني عمومًا- إنما كان ينكر عليه تتبعه غزوات النبي -ﷺ- عن أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر، وقريظة والنضير وما أشبهها من الغزوات، عن أسلافهم، وكان ابن إسحق يتبع هذا عنهم ليعلم، من غير أن يحتج بهم، وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن صدوق فاضل، يحسن ما يروي ويدري ما يحدث/ الثقات ٧/ ٣٨٣. أقول: وما ذكر عن مالك وغيره أنه كان لا يرى الرواية إلا عن ثقة، فهو على الغالب من فعلهم والأكثر من عملهم فقط، كما قرر ذلك أبو عبد الله محمد بن عبد الهادي/ الصارم المُنْكِي، له/ ٤٠، ٤١ ط دار الإفتاء السعودية. =
[ ٢ / ٧٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد انتقد ابن إسحق أيضًا بالرواية عن أهل الكتاب غير مالك، فقد قال يحيى القطان: والعجب من رجل -يعني ابن اسحق- يحدث عن أهل الكتاب، ورَغِب عن شرحبيل بن سعد/ العقيلي ٤/ ٢٥، والميزان ٣/ ٤٧٠ والسير ٧/ ٥٢ وفيه أن القائل الفلاس، فلعله سقط منه: "قال يحيى" بعد "قال الفلاس"، لأن الفلاس هو الراوي لهذا القول عن القطان. وقال ابن أبي حازم: وكان يحمل عن اليهود والنصاري ويسميهم في كتبه: أهل العلم الأول/ معجم الأدباء لياقوت ١٨/ ٨. وقال محمد بن اسماعيل بن أبي فُديك: رأيت محمد بن إسحق يكتب عن رجل من أهل الكتاب/ العقيلي ٤/ ٢٧ وسيأتي انتقاد ابن المديني له أيضًا بالرواية عن أهل الكتاب، وروى أبو داود الطيالسي عن بعض أصحابه قال: سمعت محمد بن إسحق يقول: حدثني الثقة، فقيل له: من؟ فقال: بعقوب اليهودي/ الكامل ٦/ ٢١٨ والميزان ٣/ ٤٧١، وقد روى أبو زرعة الرازي هذا بسنده عن الطيالسي به، وأقره/ سؤالات البرذعي للرازي مع الضعفاء له ٢/ ٥٨٩. أقول وسند الطيالسي هذا ضعيف، لجهالة الراوي الذي حدث عنه أبو داود بهذا الخبر، ولو ثبت لكان من غير المتصوَّر أن يقصد ابن إسحق بالتوثيق لليهودي، معناه الاصطلاحي الجامع للعدالة والضبط، بل يكون المقصود الإشارة إلى ضبطه وحفظه لما يرويه من أحداث المغازي كما تقدم في جواب ابن حبان، كما أن الذهبي عقب على قول ابن أبي فُديك السابق بما يصلح جوابًا عن مثله فقال: ما المانع من رواية الإسرائيليات عن أهل الكتاب؟ مع قوله -ﷺ- حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وقال: إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فهذا إذْن نبوي في جوازِ سماع ما يَأثِرونه في الجملة، كما سُمع منهم ما ينقلونه من الطب، ولا حجة في شيء من ذلك، إنما الحجة في الكتاب والسنة/ الميزان ٣/ ٤٧٠ وقال في السير أيضًا تعقيبًا على نفس القول: هذا يُشَنع به على ابن إسحق، ولا ريب أنه حمل ألوانًا عن أهل الذمة مترخصًا بقوله -ﷺ-: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج/ السير ٧/ ٥٣. =
[ ٢ / ٧٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وممن نسب ابن إسحق إلى الكذب أيضًا الأعمش، حيث أخرج العقيلي وابن عدي بسنديهما عن يحيى (القطان) قال: قال إنسان للأعمش: إن ابن إسحق حدثنا عن ابن الأسود عن أبيه بكذا وكذا، فقال: كذب ابن إسحق، وكذب ابن الأسود، حدثني عمارة بكذا وكذا/ العقيلي ٤/ ٢٦ والكامل ٦/ ٢١١٧. أقول وابن الأسود هذا لعله: عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، أحد شيوخ ابن إسحق،/ تهذيب الكمال ٣/ ١١٦٧، ولعل كلام الأعمش هذا خاص ببعض مرويات ابن إسحق عن ابن الأسود، مع أن غيره من العلماء قد قرروا أن ابن الأسود من شيوخ ابن إسحق الذين سمع منهم/ تاريخ بغداد ١/ ٢١٨، وسيأتي أيضًا أن الأعمش نسب إلى ابن إسحق ما يدل على تدليسه. وأخرج ابن عدي بسنده عن معتمر بن سليمان قال: قال لي أبي: لا ترو عن ابن إسحق، فإنه كذاب/ الكامل ٦/ ٢١١٦، وأبو معتمر هذا: هو سليمان بن طرخان التيمي ثقة من كبار التاسعة،/ التقريب ص ٥٣٩ وقد صرح الذهبي وابن حجر بنسبة هذا القول لسليمان التيمي هذا والد معتمر/ الميزان ٣/ ٤٦٩ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٥، وقد عقب ابن حجر على تكذيب التيمي لابن إسحق بقوله: وأما سليمان التيمي فلم يتبين لي لأي شيء تكلم فيه؟ والظاهر أنه لأمر غير الحديث، لأن سليمان ليس من أهل الجرح والتعديل/ تهذيب التهذيب الموضع السابق، وترجيح ابن حجر أن التيمي تكلم في ابن إسحق لأمر غير الحديث يشير إلى أن تكذيبه له في بعض البدع التي نسب إليها من القدر وغيره كما سيأتي، وقد مر قول بعض العلماء بحمل تكذيب مالك له على ذلك أيضًا، ويؤيد هذا أن التيمي عرف بالحرص على التمسك بالسنة والورع والشدة على أهل البدع ومجانبتهم/ الحلية ٣/ ٣٣ وما بعدها وتذكرة الحفاظ ١/ ١٥٢، وقول ابن حجر: إن التيمي هذا لم يكن من أهل الجرح والتعديل، لعل مراده به أنه كان من أهل الصلاح والورع، وبالتالي كان يصدر في نقده عن هذا فقط حتى كان يمتنع عن تحديث من ينسب إلى بدعة/ الحلية الموضع السابق. =
[ ٢ / ٧٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعلى كل فلو اعتبرنا قوله هذا هو والأعمش في ابن إسحق، فإنه يمكن الجواب عنه بأنه جرح مجمل في مقابل التوثيق المطلق من غيره، كما يدفعه أيضًا الجواب العام بتبرئة ابن إسحق من تهمة الكذب في الرواية عمومًا، وتقرير صدقه بشهادة غير واحد من أئمة النقد، وخاصة من خالطه ومن سبر مروياته، فقد قال تلميذه عبد الله بن إدريس الحافظ: كيف لا يكون ابن إسحق ثقة وقد سمع من الأعرج، ويروي عنه، ثم يروي عن أبي الزناد عنه، ثم يروي عن ابن أبي الزناد عن أبيه عنه؟ / السير ٧/ ٣٧، ٥١. ومن دلائل صدقه وأمانته أيضًا تنويع عبارته في الرواية عن الشخص الواحد، بما يميز ما سمعه منه، عما تلقاه عنه بواسطة، فيقول في الأول: حدثني ونحوها، ويقول في الثاني: ذكر فلان ونحوها مما يدل على عدم الاتصال، وقد جعل ابن المديني هذا الصنيع وما قبله من الدلائل العملية على صدق ابن إسحق، فقال ابن المديني: إن حديث محمد بن إسحق ليتبين فيه الصدق، يروي مرة: حدثني أبو الزناد، ومرة: ذكر أبو الزناد وروى عن رجل عمن سمع منه، يقول: حدثني سفيان بن سعيد عن سالم أبي النضر عن عمر: "صوم يوم عرفة"، وهو من أروى الناس عن أبي النضر، ويقول: حدثني الحسن بن دينار عن أيوب عن عمرو بن شعيب: "في سلف وبيع" يعني النهي عنهما - وهو من أروى الناس عن عمرو بن شعيب/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٩ وسير النبلاء ٧/ ٥١ والميزان ٣/ ٤٧٥ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٣. وفي رواية أخرى عن ابن المديني أنه قال: محمد بن إسحق صدوق، والدليل على صدقه أنه ما روى عن أحد من الجلة إلا وروى عن رجل عنه، فهذا يدل على صدقه/ الثقات لابن حبان ٧/ ٣٨٤، وانظر مشاهير علماء الأمصار له ص ١٣٩ وتقدم أيضًا تدليل سفيان بن عيينة على صدقه بحرصه على تلقي ما سمعه من ابن عيينة عن شيخه ابن خصيفة، وذلك بالسماع مباشرة من ابن خصيفة. وقال أبو زرعة الدمشقي في معرض توثيق ابن إسحق: وقد اختبره أهل الحديث فرأوا صدقًا وخيرًا/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٤ والسير ٧/ ٤٢. =
[ ٢ / ٧٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعندما سئل ابن المبارك عن ابن إسحق. قال: أَما إنا وجدناه صدوقًا، ثلاث مرات/ الثقات لابن حبان ٧/ ٣٨٣ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٥، ٤٦. وأما أبو زرعة الرازي فروى ابن أبي حاتم أنه سئل عن ابن إسحق فقال: صدوق، من تكلم في محمد بن إسحق؟ محمد بن إسحق صدوق/ الجرح والتعديل ٧/ ١٩٢، وأما ما قاله البرذعي: إنه ذكر للرازي محمد بن إسحق، فجعله في عداد الشيوخ، وسأله عن نسبته للقدر كما سيأتي، وعن روايته عن أهل الكتاب مع توثيقهم كما قدمت، فأقر الأمرين/ سؤالات البرذعي للرازي مع الضعفاء له ٢/ ٥٨٨، ٥٨٩، فذلك لا ينافي شهادته له بالصدق في روايته. وأيضًا ابن معين مع اختلاف أقواله فيه كما سيأتي، فإنه سئل عن صدقه بوجه خاص، فقرره، فقد قيل له: في نفسك من صدقه شيء؟ فقال: لا، هو صدوق/ تاريخ بغداد ١/ ٢٣١ والكامل لابن عدي ٩/ ٢١١٦ والميزان ٣/ ٤٧٢، وكذلك شعبة مع وصفه السابق له بأعلا التوثيق، قال فيه أيضًا: هو صدوق في الحديث/ الجرح والتعديل ٧/ ١٩٢ وتاريخ بغداد ١/ ٢٢٨، وذكر الخطيب بعض ما ضعف العلماء به ابن إسحق ثم قال: وأما الصدق فليس بمدفوع عنه/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٤. أقول: فتلك الشهادات جميعها بصدقه في الرواية مطلقًا، كافية في رد قول من نسبه إلى الكذب جملة وتفصيلًا، لكن هناك بعض الانتقادات الأخرى المفسرة التي وجهت إلى ابن إسحق، فمنها قول أحمد بن حنبل: إن ابن إسحق كان رجلًا يشتهي الحديث، فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه/. الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٨ وتاريخ بغداد ١/ ٢٢٩ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٣. وقد أجاب عن ذلك ابن سيد الناس بأنه لا يتم الجرح به حتى ينفي أن تكون مسموعة له، ويثبت أن يكون حدث بها، ثم يُنظر بعد ذلك في كيفية الإخبار، فإن كان بألفاظ لا تقتضي السماع تصريحًا، فحكمه حكم المدلسين، ولا يحسن الكلام معه إلا بعد النظر في مدلول تلك الألفاظ، وإن كان يروي ذلك عنهم
[ ٢ / ٧٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مصرحًا بالسماع ولم يسمع، فهذا كذب صراح واختلاق محض، لا يحسن الحمل عليه إلا إذا لم يجد للكلام مخرجًا غيره/ عيون الأثر ١/ ١٥. أما الذهبي فاعتبر صنيع ابن إسحق الذي أشار إليه أحمد، شبيهًا بمعلقات البخاري، وبالتالي لا يكون قادحًا، فقد عقب على قول أحمد السابق قائلًا: هذا الفعل سائغ، فهذا الصحيح للبخاري فيه تعليق كثير/ السير ٧/ ٤٦، وجواب الذهبي هذا في تقديري يُعد قياسًا مع الفارق، بين تعليق البخاري في كتاب مشترَط فيه الصحة، وبين تعليق ابن إسحق في كتبه، حيث لم يَشترط فيها ذلك، لكنه جواب يدفع في الجملة عن ابن إسحق تهمة النقل عن الغير بدون عزو إليه. وجاء عن أحمد أيضًا أنه سئل: إذا انفرد ابن إسحق بحديث تقبله؟ قال: لا والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا/ السير ٧/ ٤٦، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٣، وفي رواية المروذي عن أحمد قال: ابن إسحق حسن الحديث، لكن إذا جمع بين رجلين، (قال المروذي): قلت: كيف؟ قال يحدث عن الزهري وآخر، يحمل حديث هذا على هذا/ شرح العلل لابن رجب ٢/ ٦٧٤. أقول: وجه الانتقاد بهذا عند القائل به أنه يدل على اختلال ضبط من يفعل هذا من غير الحفاظ المتقنين الذين يعرفون اتفاق شيوخهم واختلافهم/ انظر شرح العلل لابن رجب ٢/ ٦٧٢، ٦٧٤، ٦٧٦ - ٦٧٩، ولهذا فإن أحمد نفسه قد فعله مع انتقاده ابن إسحق وغيره به/ انظر المسند ٤/ ٣٢٣، ٣٢٨، و٥/ ٢١٨. وقد أجاب ابن سيد الناس عن هذا بما خلاصته أن ذلك من باب الرواية بالمعنى وهي جائزة بشروطها التي لا يَعْرَى عنها ابن إسحق، وبالتالي لا يقدح هذا فيه/ عيون الأثر ١/ ١٤، ولما انتقد الإمام أحمد أيضًا الواقدي بمثل هذا أجاب عنه إبراهيم الحربي بقوله: وليس هذا عيبًا، فقد فعل هذا الزهري وابن إسحق/ عيون الأثر ١/ ٢٠ ولابن حبان أيضًا جواب بنحو هذا عن انتقاد حماد بن سلمة بمثل ما ذكر عن أحمد في ابن إسحق/ انظر الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ١/ ٨٦.
[ ٢ / ٧٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وانتقد ابن إسحق أيضًا بغير نوع من البدعة إجمالًا، وببعضها تفصيلًا، فقد قال أبو إسحق الجوزجاني: الناس يشتهون حديثه -يعني ابن إسحق- وكان يرمي بغير نوع من البدع، ثم ذكره أيضًا ضمن جماعة قال: إن كلًا منهم كان يرمي بالقدر/ أحوال الرجال للجوزجاني / ١٣٦، ١٨٥ - ١٨٩، ونسبه إلى القدر أيضًا تلميذه يزيد بن زريع/ الكامل ٦/ ٢١٢٠ وقال رجل ليحيى بن معين: يصح أن ابن إسحق كان يرى القدر؟ قال: نعم كان يرى القدر/ يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٥٠٤، ٣/ ٢٤٧، وسؤالات ابن مُحرز لابن معين وغيره في أحوال الرجال ١/ ١١٨ ومع وصف سفيان بن عيينة له بأعلا التوثيق كما تقدم، فإنه جاء عنه تقييد ذلك بما عدا بدعة القدر، فقد أخرج العقيلي من طريق صاعقة عن ابن المديني قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما سمعت أحدًا يتكلم في ابن إسحق، إلا في قوله في القدر/ الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٦ وأخرج ابن عدي من طريق صالح بن أحمد بن حنبل عن علي بن المديني أيضًا أنه سمع سفيان - وقد سئل عن عدم رواية أهل المدينة عن ابن إسحق فقال سفيان: جالست ابن إسحق منذ بضع وسبعين سنة، فما يتهمه أحد من أهل المدينة، ولا يقول فيه (شيئًا)، إلا أنهم اتهموه بالقدر/ الكامل ٦/ ٢١١٧، وأخرج العقيلي من طريق صالح أيضًا عن علي قال: سمعت سفيان سئل عن محمد بن إسحق فقال: اتهموه بالقدر/ العقيلي ٤/ ٢٥، لكن ابن أبي حاتم أخرج نفس رواية صالح هذه خالية من ذكر تهمة القدر، أي بلفظ " وما يتهمه أحد من أهل المدينة، ولا يقول فيه شيئًا/ الجرح والتعديل ٧/ ١٩٢ ومن طريق ابن أبي حاتم أخرجها أيضًا الخطيب/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢١، وكذا روى البخاري عن علي بن المديني عن ابن عيينة/ التاريخ الكبير ١/ ٤٠ والقراءة خلف الإمام له/ ٣٦ ونقل البيهقي رواية البخاري هذه/ القراءة خلف الإمام للبيهقي/ ٥٨. وكذا الذهبي/ السير ٧/ ٣٩، وجدير بالذكر أن محقق سيرة ابن إسحق نسب هذا القول للبخاري نفسه محيلا على موضع الرواية في تاريخ البخاري، مع =
[ ٢ / ٧٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وضوح نسبة البخاري القول لسفيان كما ترى/ انظر مقدمة د. محمد حميد الله لتحقيق القطعة الموجودة من سيرة ابن إسحق ص "كي". ولعل مما يرجح ذكر سفيان لتهمة القدر، ما روى ابن المديني أيضًا عنه قال: رأيت ابن إسحق في مسجد الخيف فاستحييت أن يراني معه أحد، فقال: -يعني ابن إسحق- أنا أرصد ابن خُصَيفة أبغي أن أسأله عما حدثتني عنه، ثم قال ابن عيينة: اتهموه بالقدر/ السير ٧/ ٥١، ٥٢ والميزان ٣/ ٤٦٩، أقول فقول سفيان: فاستحييت أن يراني معه أحد، وإشارته لعلة ذلك بأن أهل المدينة اتهموا ابن إسحق بالقدر، يدل على تأثر علاقته الشخصية به، بناء على معرفته بتهمة أهل المدينة له ببدعة القدر، فلعله لم يكن سمع من يتهمه منهم بذلك، ثم سمع، وخشي أن يتهموه هو الآخر بموافقته لابن إسحق على بدعة القدر، وأخرج الخطيب بسنده عن هارون بن معروف قوله: كان محمد بن إسحق قدريًا/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٥ وتقدم أيضًا قول دحيم: إن طعن مالك في ابن إسحق كان لأجل القدر/ وانظر تاريخ الخطيب ١/ ٢٢٤ وسير النبلاء ٧/ ٤٢. وروى الخطيب بسنده عن ابن أبي حازم قال: كنا قعودًا في المسجد، معنا محمد بن إسحق، إذ نعس، ثم فتح عينيه فقال: رأيت الساعة كان حمارًا أخرج من دار مروان -يعني مقر الوالي بالمدينة المنورة- في عنقه حبل، فأُدخل المسجد حتى أُخرج من الباب الآخر، قال: وكان قدم وال، قال: فجاءه -يعني ابن إسحق- عون من قِبَل الوالي، فقال: من هذا الجالس معكم؟ قلنا محمد بن إسحق، قال: فأخذه، فرأيناه قد مر علينا في عنقه حبل من دار مروان، حتى أُدخل المسجد وأخرج من الباب الآخر/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٥، وأخرج الخطيب أيضًا رواية أخرى عقب هذه من طريق سعيد بن داود الزَّنْبَرِي -بالزاي المفتوحة بعدها نون ساكنة- قال: حدثني -والله- عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال: كنا جلوسًا وساق القصة بنحو ما تقدم عن ابن أبي حازم، مع زيادة أن ابن إسحق لما ذُهب به إلى السلطان جلده، وذكر الزنبري أن ذلك الجلد من أجل القدر/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٥ وأخرج ابن عدي أيضًا رواية الزَّنبري/ الكامل =
[ ٢ / ٧٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٦/ ٢١٢٠، وذكرها أيضًا المزي/ تهذيب الكمال ٣/ ١١٦٨ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٢ والذهبي السير ٧/ ٤٣ والميزان ٣/ ٤٧٢. وأخرج ابن عدي بسنده إلى حميد بن حبيب أنه رأى محمد بن إسحق مجلودًا في القدر، جلده ابراهيم بن هشام، خال هشام بن عبد الملك/ الكامل ٦/ ٢١٢٠، وذكر الذهبي ذلك في الميزان ٣/ ٤٧٢. وإبراهيم بن هشام هذا هو المخزومي، وقد ولاه ابن أخته هشام بن عبد الملك ولاية الحرمين والطائف سنة ١٠٦ هـ واستمر إلى أن عزله هشام أيضًا عن الولاية سنة ١١٤ هـ / البداية والنهاية لابن كثير ٩/ ٢٦١، ٢٦٢، ٣٤٣، فتكون واقعة الجلد هذه لابن إسحق وقعت خلال فترة ولاية المخزومي المذكورة، ومع هذا فإن محمد بن عبد الله بن نُمير يقول: كان ابن إسحق يُرمى بالقدر، وكان أبعد الناس منه/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٥، ٢٢٦، والسير ٧/ ٤٣ والميزان ٣/ ٤٦٩، فلعله أُخذ بهذا ظلمًا. ثم إنه قد رُمي مع القدر بالاعتزال، فوصفه أبو داود بأنه قدري معتزلي: الميزان ٣/ ٤٦٩ أقول: ولعل السبب في وصفه بذلك ما جاء عنه أنه كان يحدث بأحاديث الصفات، فقد روى الفسوي عن مكي بن إبراهيم قال: جلست إلى ابن إسحق وكان يخضب بالسواد، فذكر أحاديث الصفة، فنفرت منها، فلم أعد إليه/ المعرفة والتاريخ ٣/ ٣٦٦، ومن طريق الفسوي أخرجه الخطيب/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٦، وأخرج الخطيب أيضًا من طريق آخر عن مكي بن ابراهيم قال: حضرت مجلس محمد بن إسحق فإذا هو يروي أحاديث في صفة الله تعالى، لم يحتملها قلبي، فلم أعد إليه/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٦، وأخرج الخطيب من طريق آخر عن مكي أيضًا قال: تركت حديث ابن إسحق، وقد سمعت منه بالري عشرين مجلسًا، فسمعت منه شيئًا فتركته/ المصدر السابق، ولكن يبدو أن مكيًا تبين له بعد ذلك أن رواية ابن إسحق لتلك الأحاديث ما كانت لتقدح فيه، ولا تقتضي ترك السماع منه، فقد أخرج الخطيب عنه من الطريق السابقة: أنه عدد ثلاثة نَبَلُوا بعد موتهم -يعني ارتفع شأنهم في نفوس الناس- وذكر منهم محمد ابن إسحق/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٦، ثم إن ما ذكره =
[ ٢ / ٧٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مكي من تركه للأخذ عن ابن إسحق لروايته أحاديث الصفات، قد أجاب عنه ابن سيد الناس فقال: ليس في ذلك كبير أمر، فقد ترخص قوم من السلف في رواية المشكل من ذلك، وما يحتاج إلى تأويله، لا سيما إذا تضمن الحديث حكمًا أو أمرًا آخر، وقد تكون هذه الأحاديث من هذا القبيل/ عيون الأثر ١/ ١٣، ١٤، ثم أن مكيًا لم يشر إلى انضمام غيره إليه في النفور مما كان يرويه ابن إسحق في ذلك وتركهم للأخذ عنه، وقد ذكر ابن سعد وغيره أن كثيرًا من أهل الري التي سمع مكي فيها من ابن إسحق عشرين مجلسًا، قد رووا عن ابن إسحق/ طبقات ابن سعد/ القطعة المحققة/ ٤٠٢ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٤، وذلك يدل على أن باقي طلاب الحديث غير مكي لم يتركوا الرواية عن ابن إسحق، ولم ينفروا مما كان يرويه من أحاديث الصفات، وبذلك لا يناله النهي عن تحديث الناس بما لا يَقوَوْن على فهمه. وقد رمي ابن إسحق أيضًا بالأرجاء، فقد ذكر البرذعي لأبي زرعة الرازي أنه يقال: إن ابن إسحق قدري، فَروى له أن يحيى القطان قال: كان ابن إسحق غَيلانيًا/ سؤالات البرذعي للرازي مع كتابه في الضعفاء ٢/ ٥٨٨، وأقر أبو زرعة قول يحيى هذا، والغَيلانية: فرقة من المرجئة، ينتمون إلى غَيلان القَدري/ الأنساب للسمعاني ١٠/ ١٠٨. ورمي أيضًا بالتشيع، كما ذكره الخطيب/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٤، ونقله ياقوت عن الشاذكوني/ معجم الأدباء لياقون الحموي ١٨/ ٥ - ٨، وقد جاءت أقوال توضح سبب وصفه بالتشيع، فقد قال أحمد بن يونس: أصحاب المغازي يتشيعون، كابن إسحق وكان له انقطاع إلى عبد الله بن حسن بن حسن، وكان يأتيه بالشيء فيقول له: أَثبتْ هذا في علمك، فيثبتُه ويرويه عنه، وحدث المرزُباني بسنده إلى يحيى القطان أنه قال: كان محمد بن إسحق، والحسن بن ضمرة، وإبراهيم بن محمد، كل هؤلاء يتشيعون، ويقدمون عليًا على عثمان/ معجم الأدباء لياقوت ١٨/ ٥ - ٨ مع تصرف يسير في السياق، والذي وجدته عند الفسوي/ الحسن بن ضميرة/ المعرفة والتاريخ ٣/ ٤٣. =
[ ٢ / ٧٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أقول: وهذه الأقوال يمكن الجواب عن أولها بأنه لا يلزم من التأليف في المغازي وروايتها التشيع، وأما ثانيها وهو الاتصال بعبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب والرواية عنه، وهو أحد أعيان أهل البيت، وتوفي سجينًا سنة ١٤٥ هـ، البداية والنهاية ١٠/ ٩٥، ٩٦، ١١٠، فلا يقدح ذلك في ابن إسحق طالما أن ما يرويه عنه ينسبه إليه صراحة، وبذلك يبرأ من عهدته، وقد وجدت في القطعة المحققة من سيرة ابن إسحق، رواية ابن إسحق عن عبد الله بن حسن، ورواية عبد الله عنه أيضًا ص ١١٤ بتحقيق د. محمد حميد الله. وأما ثالث الأقوال وهو قول القطان: إن ابن إسحق كان ممن يقدم عليًا على عثمان، فلم أجد من وافق القطان عليه، وعلى كل فإنه يجاب عنه وعن غيره مما رُمي به ابن إسحق من البدع، بأنها لو ثبتت فلا تقدح في روايته، وإن خدشت العدالة، وذلك لأنها بدع صغرى، ولم نجد من وصفه بالدعوة إليها أو الغلو فيها، أو استحلال الكذب لتأييدها، وممن قرر قبول رواية من هذا شأنه الجوزجاني الذي تقدم قوله في ابن إسحق: إنه كان يرمي بغير نوع من البدع، ولكن الناس يشتهون حديثه/ انظر أحوال الرجال للجوزجاني ص ٣٢، ٨٢، ١٣٦، وقد أخرج له أبو داود في سننه في غير موضع، مع ما تقدم من نسبته له إلى القدر والاعتزال. أما أشد ما انتُقِد به ابن إسحق في عدالته فهو ما حكاه ابن عدي، أنه حضر مجلس شيخه جعفر بن محمد الفريابي، فسئل عن حديث لمحمد بن إسحق، فكان يأبي إجابتهم، قال ابن عدي: فلما كرروا عليه قال: محمد بن إسحق -فذكر كلمة شنيعة- فقال: زِنْديق/ الكامل ٦/ ٢١١٧، أقول: ووصف ابن عدي لتلك الكلمة في حق ابن إسحق بأنها شنيعة، دليل على رفضه الشديد لها، وهو محق في ذلك، لأن الزنديق، من يؤمن بالزندقة، وهي القول بأزلية العالم، وتطلق على الزردشتية وغيرهم من الثنوية وأهل الضلال والإلحاد/ المعجم الوسيط، مادة "زندق" ١/ ٤٠٣ وعلى الجهمية أيضًا/ خلق أفعال العباد للبخاري/ ٣١، ولم يثبت عن ابن إسحق ما يذهب بعدالته ودينه، وذلك بشهادة من تقدم ذكر أقوالهم، ومن سيأتون من أئمة النقاد بما فيهم من عاشروه طويلًا، =
[ ٢ / ٧٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وخبروا حاله، وسبروا مروياته، قبل أن يولد الفريابي، فلا يعتد بقوله هذا في مقابل توثيقهم لابن إسحق. ومما انتقد به ابن إسحق أيضًا مما يتعلق بالعدالة أنه كان يخضب شعره بالسواد، ويلبس الثياب المعصفرة، ويلعب بالديوك، وأنه صحب الولاة والحكام، أما خضاب السواد فتقدم وصف مكي بن إبراهيم له بذلك، ونُقِل أيضًا عن جرير تلميذ ابن إسحق/ سير النبلاء ٧/ ٣٥، وهذا يمكن الجواب عنه بأنه مما اختلف السلف فيه بحسب الأدلة الواردة بشأنه، حتى خصه بعض الأئمة بالتأليف ومال الحافظ ابن حجر إلى القول بكراهيته تنزيهًا/ انظر صحيح البخاري وشرحه فتح الباري - كتاب اللباس - باب الخضاب ١٠/ ٣٥٤ - ٣٥٦، وأما لبس الثياب المعصفرة وهي المصبوغة بصفرة الزعفران ونحوه، فقد أخرج ابن عدي بسنده إلى تلميذ لابن إسحق، وهو يزيد بن زريع قال: كان محمد بن إسحق قدريًا، وكان إذا حدثنا يخرج وعليه معصفرة/ الكامل ٦/ ٢١١٨، أقول: ولباس المعصفر أيضًا مما اختلف السلف فيه بناء الأدلة على الأدلة الواردة فيه، فقد كرهه بعض السلف، ورخص فيه جماعة/ البخاري مع شرحه الفتح -كتاب اللباس- باب النهي عن التزعفر للرجال، وباب الثوب المزعفر ١٠/ ٣٠٤، ٣٠٥. وأما اللعب بالديوك، فقد أخرج العقيلي بسنده عن تلميذ آخر لابن إسحق، هو هو محمد بن أبي عدي قال: كان ابن إسحق يلعب بالديوك/ العقيلي ٤/ ٢٩، أقول: وقد تحرف في الميزان اسم هذا القائل إلى "ابن عدي" / الميزان ٣/ ٤٧١، ثم تتابع نقله محرفًا في بعض البحوث العاصرة حول شخصية ابن إسحق/ انظر مقدمة د. محمد حميد الله لتحقيق قطعة من سيرة ابن إسحق/ ص/ ب، ط. ومع أن الدكتور المحقق وفقه الله قد عزا هذا النقل أيضًا لتذكرة الحفاظ، وهو فيها "ابن أبي عدي" على الصواب إلا أنه أثبت الخطأ الذي في الميزان، فتأمل. ومما ورد في النهي -عن اللعب بالديوك حديث جابر عند الترمذي وغيره: أن =
[ ٢ / ٧٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = النبي -ﷺ- نهى عن التحريش بين البهائم، وقال الترمذي: حسن صحيح - الجهاد - باب ما جاء في كراهية التحريش بين البهائم والضرب والوسم ٣/ ١٢٦، وقد قال العراقي في شرح الحديث: إنه يدخل في ذلك مناطحة الثيران والكبوش، ومنافرة الديوك، ونحو ذلك، وذكر المناوي أن النهي الوارد في الحديث بعضهم حمله على التحريم وبعضهم على الكراهة/ فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦/ ٣٠٣ والتيسر على الجامع الصغير ٢/ ٤٦٦. أقول: وطالما أن تلك الأمور قد اختلف في حكمها على هذا النحو، فإن الجزم بالقدح في عدالة ابن إسحق بموجبها غير مُسلَّم. أما مصاحبته للولاة والحكام، فقد أشار إليه ابن سعد بقوله: إنه كان مع العباس ابن محمد بالجزيرة، وأتى أبا جعفر -يعني المنصور- بالحيرة، فكتب له المغازي/ القسم المحقق من طبقات ابن سعد/ ٤٠٠ وتاريخ بغداد ١/ ٢٢٠، ٢٢١ وسير النبلاء ٧/ ٤٨، وتقدم أنه لما تكلم في مالك كان بالري في مجلس أبي عبيد الله، وزير المهدي/ وانظر السير ٧/ ٥٠، وقال ابن حميد: أنه قدم الري مع المهدي/ الكامل ٦/ ٢١١٨، وقد أجاب ابن إسحق بنفسه عن اتصاله بالولاة ومصاحبته لهم، كما أجاب عنه غيره، فقد أخرج ابن عدي بسنده عن يحيى بن هانيء قال: كان محمد بن إسحق قد ضاق، واشتدت حاله، فَكُتِب إليه أن يُحمل إلى العراق، فلما أراد الخروج قال له داود بن خالد -وهو أحد أصحابه- إني لأحسب أن السفرة غدا خسيسة يا أبا عبد الله، قال: والله ما أخلاقنا بخسيسة، وربما قصر الدهر باع الكريم/ الكامل ٦/ ٢١١٨، وقال ابن عدي: ولو لم يكن لابن إسحق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن كتب لا يحصل منها شيء، فصرف انشغالهم، حتى اشتغلوا بمغازي رسول الله -ﷺ- ومبتدأ الخلق، ومبعث النبي -ﷺ- فهذه فضيلة لابن إسحق، سبق بها، ثم مِنْ بعده صنفه قوم آخرون، ولم يبلغوا مبلغ ابن إسحق فيه/ الكامل ٦/ ٢١٢٥ والسير ٧/ ٤٨. أقول: فمن الرواية الأولى يتضح أن الرجل مع احتياجه وضيق حاله لم يسع إلى الحكام ابتداء، ولكنه طُلِب إليه ذلك فأجاب، ويفهم من كلام ابن عدي أن =
[ ٢ / ٧٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صلته بالحكام أثمرت تحويلهم إلى العلم المفيد، وبذلك لا يُقدَح فيه باتصاله بالولاة والحكام ومصاحبته لهم. ومما انتقد به أيضًا ما رواه المرزُباني بسنده عن الواقدي قال: كان محمد بن إسحق يجلس قريبًا من النساء في مؤخر المسجد، فيروي عنه أنه كان يسامر النساء، فرُفع إلى هشام، وهو أمير المدينة، وكانت له -يعني ابن إسحق- شعرة حسنة، فرقق رأسه، وضربه أسواطًا، ونهاه عن الجلوس هنالك، وكان حَسن الوجه/ معجم الأدباء لياقوت ١٨/ ٥، وذكر ابن النديم تلك الرواية أيضًا مع تصرف، وصدَّرها بعبارة "يُحكى" ولكنه ذكر فيها: "يُغازِل النساء" بدل: "يُسامر النساء" / الفهرست لابن النديم/ ١٣٦. وعلى كل حال فتلك الواقعة مردودة سندًا ومتنًا، فهي من رواية الواقدي، وهو متروك أو ضعيف مع سعة علمه/ التقريب/ ٤٩٨ وتهذيب التهذيب ٩/ ٣٦٣ - ٣٦٨، ومن ناحية متنها فهو مخالف للواقع التاريخي، فإن ابن إسحق قد ولد سنة ٨٠ هـ / السير ٧/ ٣٤، وهشام هذا هو ابن إسماعيل المخزومي، وقد تولى إمرة المدينة -كما يقول ابن كثير- نحوًا من أربع سنين، وعزله عنها الوليد بن عبد الملك في أوائل سنة ٨٧ هـ وولي عليها عمر بن عبد العزيز، فدخلها في ربيع الأول من نفس السنة/ البداية والنهاية ٩/ ٧٨ حوادث سنة ٨٧ هـ، ثم توفي هشام هذا بدمشق سنة ٨٨ هـ/ المصدر السابق/، ومعنى ذلك أن ابن إسحق كان في السابعة من عمره، حين عُزل هشام هذا عن امرة المدينة، فكيف يتأتى منه هذا العمل، ويحاكم عليه شرعًا؟ نعم تقدم أن ابن هشام هذا وهو إبراهيم بن هشام المخزومي كان واليًا على الحرمين منذ سنة ١٠٥ هـ إلى سنة ١١٤ هـ وأنه قد جلد ابن إسحق فيما نُسب إليه من بدعة القدر، وتقدم الجواب عن ذلك. ومن النقد الموجه لابن إسحق أيضًا أنه كثير التدليس، وخصوصًا عن الضعفاء والمجاهيل، وبالتالي يكون ما دلسه مردودًا وإن لم يقدح في عدالته. فأبو حاتم الرازي لما سئل عن حديث ابن إسحق عن سليط عن أبي سعيد الخدري في بئر =
[ ٢ / ٧٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بضاعة قال: ابن إسحق صاحب تدليس، بينه وبين سليط رجل/ تحفة التحصيل لأبي زرعة ابن العراقي/ ١٨٢ ب، وجامع التحصيل للعلائي/ ٢٦١، ٢٦٢ ونقل ابن أبي حاتم في مراسيله/ ١٩٥، ١٩٦ عن والده ذكر وجود الواسطة بينهما، ولم أجد ذكر التدليس، فلعله سقط من الناسخ أو الطابع، أما الخليلي فإنه بعد توثيق ابن إسحق، ذكر حديثه عن الزهري بسنده عن النبي -ﷺ- قال: "نضر الله عبدًا (الحديث) ثم قال: فيه علل واضطراب وذكر من علله: أن ابن إسحق لم يسمعه من الزهري وإنما دلس فيه/ منتخب الإرشاد ٢٦ ب، ٢٧ ب، وعليه فيكون توثيق الخليلي لابن إسحق، والمقتضي قبول روايته عنده، مقيدًا بغير ما دلسه، كما صرح بذلك غيره، فقد قال ابن حبان: وهو -أي ابن إسحق- من أحسن الناس سياقًا للأخبار وأحسنهم حفظًا لمتونها، وإنما أُتي -يعني انتُقِد- لأنه كان يدلس على الضعفاء، فوقع المناكير في روايته من قِبَل أولئك، فأما إذا بين السماع فيما يرويه فهو ثبت يحتج بروايته/ الثقات لابن حبان ٧/ ٣٨٣، ٣٨٤ وقد جاء عن ابن حبان في موضع آخر، أن بيان السماع يكفي فيه تأكد العالم من ثبوته في أحد طرق الحديث المحتج بها، ولو كانت الطريق التي ساقها هو معنعنة، حيث إنه في مقدمة صحيحه ذكر أن المدلسين الثقات لا يُحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا ثم قال: فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بَيَّن السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره، بعد صحته عندي من طريق آخر/ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١/ ٩٠، ٩١، وعلى هذا فإن ابن حبان أخرج في صحيحه أحاديث معنعنة لابن إسحق وغيره من المدلّسين؛ لعلمه بتصريح كل منهم بسماع الحديث من طريق آخر، وإن لم يذكرها؛ ويفهم من تصرف شيخه ابن خزيمة في صحيحه أنه جرى على ذلك، فإنه أخرج من طريق ابن إسحق قال: وذكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: فضل الصلاة التي يُستاك لها على الصلاة التي لا يُستاك لها سبعين ضعفًا، ثم عقَّب ابن خزيمة على الحديث بقوله: أنا استثنيت صحة هذا الخبر؛ لأني خائف أن يكون محمد بن إسحق لم يسمع من محمد بن مُسلم، وإنما =
[ ٢ / ٧٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = دلَّسه عنه/ صحيح ابن خزيمة ١/ ٧١ أقول: وتخوف ابن خزيمة في محله؛ فإن الصيغة التي ذكرت بها روايته لهذا الحديث عن شيخه الزهري، سبق قول الإمام أحمد: إن تلميذ ابن إسحق في هذا الإسناد، وهو سعد بن إبراهيم، يُعبِّر بهذه الصيغة عما يدلِّسه ابن إسحق، وانظر تاريخ بغداد ١/ ٢٣٠، وكذا أخرج أحمد الحديث في مسنده بمثل رواية ابن خزيمة/ المسند ٦/ ٢٧٢. وقد علق الشيخ الألباني على كلام ابن خزيمة السابق بالجزم بضعف الحديث؛ لتدليس ابن إسحق، وعدم تصريحه فيه بالتحديث/ صحيح ابن خزيمة، مع تعليق الألباني عليه ١/ ٧١، ثم أخرج ابن خزيمة عقب هذا الحديث، حديثا آخر في الأمر بالسواك عند كل صلاة، من طريق ابن إسحق عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال: (الحديث) / صحيح ابن خزيمة ١/ ٧١، ٧٢، ومع أن ابن إسحق لم يصرِّح في هذه الرواية بالتحديث كما ترى فإن ابن خزيمة احتج به ولم يتعقبه، كما تعقب سابقه، وبمراجعة طرق الحديث الأخرى عند غير ابن خزيمة ممن هو متقدم عليه أو متأخر، نجد تصريح ابن إسحق فيها بالتحديث/ انظر تعليق الشيخ الألباني على الحديث في الموضع السابق، ومسند أحمد ٥/ ٢٢٥. فهذا يدل على موافقة رأي ابن حبان لرأي شيخه ابن خزيمة، في أنه يكفي في بيان السماع اطلاع العالم على ثبوت التحديث ولو في طريق آخر لم يذكره، وقد نقل العلائي مثل هذا عن بعض الأئمة في توجيه ما أخرجه الشيخان في الصحيحين معنعنًا عن المدلسين، ولكنه لم يرضه/ جامع التحصيل/ ١١٣، وتابعه على هذا سبط ابن العجمي/ التبيين لأسماء المدلسين له/ ضمن المجموعة الكمالية/ ٣٥٩. ويبدو أن العلائي لم يرتض أيضًا ما تقدم عن ابن حبان من اصطلاحه في الرواية عن المدلس في صحيحه؛ حيث انتقده بانه احتج فيه برواية ابن إسحق مطلقًا وإن عَنعن/ جامع التحصيل للعلائي/ ٢٦١، ولكن تلميذ العلائي الحافظ زين الدين العراقي قد أقر ابن حبان على اصطلاحه المذكور، وسيأتي أحد =
[ ٢ / ٧٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأحاديث التي صححها الترمذي وابن حبان مع روايتهما له من طريق ابن إسحق معنعنًا، وبيان موقف العراقي من تصحيح ابن حبان والترمذي له. وروى الخطيب بسنده عن محمد بن عبد الله بن نُمير أنه ذكر ابن إسحق فقال: إذا حدَّث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٧، وذكره الحافظ ابن رجب ضمن المعروفين بالتدليس، ولهم عادة في التعبير عنه، ثم نقل عن الإمام أحمد قوله: إذا قال ابن إسحق: "وذَكَر فلان" فلم يسمعه منه/ شرح العلل لابن رجب ١/ ٣٧٦، وكذا ذكر قول أحمد هذا، العلائي/ جامع التحصيل/ ٣٦٢، وذَكَر الإمام أحمد مما يُعرف به تدليس ابن إسحق أيضًا ما جرى عليه تلميذُه إبراهيم بن سعد في كتابه عنه؛ فقد قال الإمام أحمد: كان ابن إسحق يدلس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد، إذا كان سماعٌ قال: حدثني، وإذا لم يكُنْ، قال: قال/ تاريخ بغداد ١/ ٢٣٥، وقد مر أن إبراهيم بن سعد هذا ممن أكثر الرواية عن ابن إسحق، ومما أخرجه أحمد في مسنده بصيغة "قال" المشار إليها، حديث عائشة في فضل السواك، فقال أحمد: ثنا يعقوب قال: ثنا أبي عن ابن إسحق قال: وذَكَر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة (الحديث) / المسند ٦/ ٢٧٢، ويعقوب هذا هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وهو يروي الحديث عن أبيه إبراهيم بن سعد/ انظر صحيح ابن خزيمة ١/ ٧١، وتقدم توقف ابن خزيمة في سماع ابن إسحق للحديث من الزهري. وقال ابن رجب أيضًا: وكان يدلس عن غير الثقات، وربما دلس عن أهل الكتاب ما يأخذه عنهم من الأخبار/ شرح العلل ١/ ١٢٦. أقول: ومن تدليسه عن الضعفاء المتروكين ما أخرجه الترمذي - من طريقه عن أبي النضر عن باذان، مولى أم هانئ عن ابن عباس عن تميم الداري، فى هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. قال: بريء الناس منها (الحديث بطوله في الوصية في السفر، وقال الترمذي =
[ ٢ / ٧٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عقبه: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكَلْبي، يُكْنى أبا النضر وقد تركه أهل العلم بالحديث وهو صاحب التفسير، جامع الترمذي -التفسير- سورة المائدة ٤/ ٣٢٣، ٣٢٤. أقول: ولابن إسحق شيخ آخر ثقة ثبْت يُكْنى أبا النضر - وهو سالم بن أبي أمية المديني/ التقريب/ ٢٢٦، ويعتبر ابن إسحق من أروى الناس عنه، كما تقدم، وقد أراد الترمذي أن ينبه على دفع القول باحتمال كون أبي النَّضْر المذكور في سند الحديث السابق، هو سالم هذا، وليس الكلبي، فقال عقب رواية الحديث: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي يُكْنى أبا النضر، ولا تعرف لسالم أبي النضر المديني رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ/ جامع الترمذي الموضع السابق، والكَلْبي مشهور بنسبته هذه؛ فذِكْر ابن إسحق له في تلك الرواية بكُنيته يعتبر تدليسًا له، ويجعله مُشتبِهًا بشيخه الآخر الثقة، وهذا يقدح فيمن تعمده/ طبقات المدلسين لابن حجر، بتحقيق د. القريوتي/ ١٧ وجامع التحصيل للعلائي/ ١٠٠، ١٥٤، لكن ليس لدينا ما يقطع بتعمد ابن إسحق ذلك، وبالتالي لا يُقدَح به فيه، ولكن تعد عنعنته مما يَقدَح في تلك الرواية، بالإضافة إلى القدح فيها بوجود الكلبي وشيخه باذان مولى أم هانئ، في الإسناد كما ترى، وانظر التقريب/ ١٢٥ ترجمة ٦٣٤، وقد تقدم قول الترمذي: إن هذا الإسناد ليس بصحيح. وانظر: شرح العلل لابن رجب مع تعليق د. عتر عليها ١/ ٣٩٥، ٣٩٦. ومن صور تدليسه بتكنية الراوي المشهور باسمه ما حكاه الإمام أحمد حيث يقول: مجاهد بن جبر، المعروف، ومحمد بن إسحق يقول: ابن جبر، ويَكْنى: أبا الحجاج، فسأل أبو طالب أحمد: سمع -يعني ابن إسحق- من مجاهد؟ قال: لا/ الكامل لابن عدي ٦/ ٢١٢٠، وتحرف في الطباعة "جبر" إلى "جبير"، ومنها أيضًا ما رواه ابن المديني عن يحيى القطان قال: رأيت محمد بن إسحق جاء الى الأعمش، فدخل عليه بيته، فما كان بأسرع من أن خَرج الأعمش وتركه في بيته، =
[ ٢ / ٧٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال: فقال: هذا إذا حدثته عن أبي وائل، قال: قل شقيق بن سلمة، وإذا قلت له: شقيق، يقول: قل أبو وائل / سؤالات ابن مُحرِز في معرفة أحوال الرجال ٢/ ٢٠٠، وأخرج العقيلي الرواية بنحوها مع الاقتصار على قول الأعمش: قلت له: شقيق، قال: قل: أبو وائل/ الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٦، وكذا أخرجها ابن عدي/ الكامل ٦/ ٢١١٧، وذكرها الذهبي/ الميزان ٣/ ٤٧٠ وقد ذكر الخطيب البغدادي من أسباب عدم الاحتجاج برواية ابن إسحق، أنه كان يدلس في حديثه/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٤. وقد سأل الأثرم الإمام أحمد: ما تقول في ابن إسحق؟ قال: هو كثير التدليس جدًّا، فكان أحسن حديثه عندي ما قال: أخبرَني، وسمعتُ/ الجرح والتعديل ٧/ ١٩٣، ١٩٤ وهذا يفيد اتفاق رأي أحمد هذا مع ما تقدم عن غيره من رَدِّ ما دلسه ابن إسحق، أما ما لم يدلّسه، فسيأتي تحقيق رأي الإمام أحمد وغيره فيه بعد قليل. وقد ذكر كلٌّ من الذهبي وتلميذه أبو محمود المقدسي، ابنَ إسحق في منظومة كل منهما في المدلسين لكن لم يُبيّنا أن تدليسه محتمل، أو مؤثر في رد ما دلسه كما تقدم عن غيرهما/ انظر المنظومتين مع طبقات المدلسين لابن حجر بتحقيق د. عاصم القريوتي. لكن تلميذ الذهبي الآخر، وهو صلاح الدين العلائي، بعد اطلاعه على منظومة شيخه واستفادته منها/ جامع التحصيل/ ١٠٨ قَسَّم المدلسين من حيث قبولُ روايتهم وردها إلى خمس طبقات، وَعَد ابن إسحق من الطبقة الرابعة، وهي التي اتفق العلماء على أنه لا يُحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع؛ لغلبة تدليسهم وكثرته عن الضعفاء والمجهولين/ جامع التحصيل ١٠٩، ١١٣، وقد تابع العلائي على ذلك مَن جاء بعده من المؤلفين في المدلسين، ومنهم سِبْط ابن العجمي/ التبيين لأسماء المدلسين، له/ ٣٥٩ ضمن المجموعة الكمالية في الحديث، ثم الحافظ ابن حجر/ طبقات المدلسين له بتحقيق د. القريوتي/ ١٤، =
[ ٢ / ٧٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٥١، وعليه يكون المعتمد رد ما دلسه ابن إسحق، وإن لم يَقدح تدليسُه في عدالته. لكن ابن سيد الناس لما تكلم عن تدليس ابن إسحق، ذكر ما تقدم من قول محمد بن عبد الله بن نُمير: إن ابن إسحق إذا حدث عمن سمع من المعروفين فهو حسن الحديث، وقول أحمد: إنه كثير التدليس جدًّا، وأحسن حديثه عندي ما قال: أخبرَني وسمعتُ/ عيون الأثر ١/ ١٠، ١٢، ثم تصدى للجواب عن ذلك، فذكر أنه مما لا يوجب رد روايته، ولا يوقع فيها كبير وَهْن، وعلل ذلك بقوله: أما التدليس فمنه القادح في العدالة وغيره، ولا يُحمل ما وقع هاهنا -يعني في كلام يعقوب وأحمد الذي ذكره- من مطلق التدليس، على التدليس القيد بالقادح في العدالة/ عيون الأثر ١/ ١٣، ثم بين بنفسه القادح في العدالة بأنه: ما كان عن الضعفاء، مع العلم بحالهم وقصد إخفائهم لترويج الخبر، وذكر أن ذلك لم يوصف به ابن إسحق/ عيون الأثر ١/ ١٥ وفي صنيع المؤلف هذا مؤاخذتان: أولاهما: إنه لم يستوعب ذكر ما اطلع عليه من الأقوال الهامة والمحررة في تدليس ابن إسحق، وبالتالي جاء جوابه قاصرًا، وذلك أنه قد اطلع على كلام ابن حبان في الثقات بشأن ابن إسحق، وعده معبرًا عما في نفسه هو، كما قدمت، ومع ذلك لم يذكر هنا قول ابن حبان الذي تقدم قريبًا، وهو: "أن ابن إسحق كان يدلس على الضعفاء، فوقع المناكير في روايته من قِبَل أولئك، فأما إذا بيّن السماع فيما يرويه فهو ثَبْت يحتج بروايته" فلو أنه ذكر أو راعى قول ابن حبان هذا ما وَسِعه أن يطلق القول: بأن تدليس ابن إسحق لا يوجب رد روايته ولا يُوقع فيها كبير وَهْن؛ وذلك لأن قول ابن حبان واضح في تقرير رد وتضعيف ما دلسه ابن إسحق، وإن لم يقدح ذلك في عدالته، ولا في توثيقه في غير ما دلسه. والمؤاخذة الثانية: أنه قسم التدليس إلى قادح في العدالة وغير قادح، وأهمل تقسيمه من حيث: تأثيره في رد الرواية المدلّسة، أو عدم ردها، مع أن هذا هو المقصود الأصلي من بيان حال الراوي، وهو مؤثر في إطلاقه الحكم بتصحيح =
[ ٢ / ٧٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حديث ابن إسحق كما تقدم، كما أن ما تصدى للجواب عنه من كلام ابن نُمير وأحمد، مبني على التقسيم الثاني الذي أهمله، حيث جعل كل منهما رواية ابن إسحق المدلسة مردودة، ولم يجعلاها قادحة في عدالة شخصه ولا في توثيقه في غير ما دلَّسه. وعلى هذا فإننا وإن كنا نُسلّم لابن سيد الناس أن تدليس ابن إسحق ليس قادحًا في عدالته، فلا نُسلم له أنه تدليس مطلق من القيود التي تقدح في روايته المدلسة وتوجب ردها، ولم يكن يَسوغ له في الجواب عن تدليس ابن إسحق أن يهمل ذلك. وما قدمته من أقوال الأئمة يفيد أن ابن إسحق لم يوصف بالتدليس المطلق فقط، ولكن قُيِّد تدليسه بأمرين: أحدهما: إنه يدلس عن الضعفاء، ومن هم شر حالا منهم، كأهل الكتاب. وثانيهما: إن تدليسه كثير جدًّا، كما نقل ابن سيد الناس بنفسه ذلك عن أحمد، وكل واحد من هذين الأمرين قادح فيما يدلسه ابن إسحق، وموجب لرده، بالاتفاق كما تقدم عن العلائي وغيره، وانظر/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ١٧٤، وهذا يعارض قول ابن سيد الناس: أن ابن إسحق وُصِف بمطلق التدليس، وقوله أيضًا: إن حديثه صحيح مطلقًا. ويمكن أن يقال: إن ابن سيد الناس قصر جوابه على دفع التدليس القادح في عدالة ابن إسحق فقط، اعتمادًا على أن القدح فيما دلسه الثقة عن الضعيف -كما هي حاله- أمر متفق عليه، فلا يحتاج إلى بيان أو تنبيه. وأقول: إن هذا أمر وارد فعلًا، وكان يمكن حمل تصرف ابن سيد الناس عليه؛ لكني وجدته في التطبيق العملي يجري على خلاف ذلك، فيَعتبر عنعنة ابن إسحق غير مؤثرة في قبول ما عنعنه حيث إنه في حديث جابر في هذا الباب الذي نحن بصدد شرحه، قد رواه ابن إسحق عن أبان بالعنعنة، وقال عنه الترمذي: حسن غريب، فقرر المؤلف كما هو مذكور في الأصل ص ٦٩٣، ٦٩٥ - ٦٩٧ أن الحديث حسن لذاته، ولم يعلق على عنعنة ابن إسحق بشيء، ومعنى ذلك أنه يرى تدليسه غير قادح في =
[ ٢ / ٧٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = روايته المدلسة، وهذا أيضًا مُقتضى قوله السابق ذكره بصحة حديث ابن إسحق مطلقًا. وقد جرى الحافظ زين الدين العراقي في تكملته لهذا الشرح على خلاف ما جرى عليه المؤلف بالنسبة لتدليس ابن إسحق؛ فأخذ بالرأي المتفق عليه من رد ما دلسه ابن إسحق، وإن لم يقدح في عدالته؛ فمن ذلك أن الترمذي قد أخرج حديث الصلاة على الميت من طريق ابن إسحق معنعنًا، وقال: حديث حسن، فاستشكل العراقي تحسين الترمذي للحديث مع عنعنة ابن إسحق، كما قدمت ذكره ص ٧٠٢ ت. وأخرج الترمذي أيضًا حديث: إذا نَعِس أحدكم يوم الجمعة فليتحول عن مجلسه، وذلك من طريق ابن إسحق معنعنًا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح/ أبواب الجمعة، باب فيمن نعس يوم الجمعة ٢/ ١٩ ح ٥٢٥، وانظر تحفة الأشراف ٦/ ٢٢٤. وقد قال العراقي في شرحه للحديث: صحح المصنف حديث الباب، وسكت عنه أبو داود؛ فهو عنده صالح، مع كونه من رواية محمد بن إسحق بالعنعنة، وهو مدلس، وإنما يُقبل من حديث المدلّس الثقة ما صرح فيه بالاتصال بقوله: ثنا، أو أنا أو سمعت، وهذا لا خلاف فيه بين الذين لا يحتجون بالحديث المرسل، فما وجه تصحيحه؟ وذَكَر تخريج ابن حبان للحديث أيضًا من طريق ابن إسحق معنعنًا عن نافع، وقال: وكيف أخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية يَعلَي بن عبيد عن محمد بن إسحق عن نافع، هكذا معنعنًا، مع التزامه الصحة في كتابه؟ ثم أجاب عن ذلك بقوله: والظاهر أن المصنف وابن حبان تبيّن لهما اتصاله بين ابن إسحق ونافع من وجه آخر، وإلا فما كانا يستجيزان الحكم بصحته، مع كونه من رواية المدلس بالعنعنة/ انظر تكملة شرح الترمذي للعراقي مجلد برقم (٥٠٩) ج ٤ / ق ٢٦ أ، ب. أقول: وما استظهره العراقي في محله، فقد أخرج أحمد الحديث من غير طريق يَعلَي بن عبيد، وفيه تصريح ابن إسحق بالتحديث/ انظر مسند أحمد ٢/ ١٣٥. =
[ ٢ / ٧٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعلى هذا فما قرره ابن سيد الناس وطبقه عمليًا، من عدم رد ما دلسه ابن إسحق يعتبر مردودًا عليه، ولا يعتد به، هذا وسيأتي أن حديث النعاس يوم الجمعة هذا مما انتقده ابن المديني على ابن إسحق بسبب آخر غير التدليس. ومما انتقد به ابن إسحق أيضًا أن محمد بن عبد الله بن نُمير بعد أن وثقه فيما لم يدلسه كما تقدم، قال: وإنما أتِي من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٧، والكامل لابن عدي ٦/ ٢١٢٠ والسير ٧/ ٤٣، وأيضًا الإمام أحمد قال: قدم محمد بن إسحق إلى بغداد، وكان لا يبالي عمن يحكي، عن الكَلْبي وغيره/ تاريخ بغداد ١/ ٢٣٠ وعيون الأثر ١/ ١٠، ١١، ١٥ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٢، ٤٣، وقد تصدى للجواب عن هذا ابن سيد الناس، وخلاصة ما أجاب به عما ذكره ابن نمير: أن الطعن على العاِلم بروايته عن المجهولين غريب، فقد حُكي عن الثوري وغيره، روايتهم عن المجهولين، وأكثر ما فيه التفرقة بين بعض حديثه وبعض، فيرد ما رواه عن المجهولين، ويُقبل ما حمله عبد المعروفين، وطالما أنه هو في نفسه، موثّق، فالأحاديث الباطلة التي رواها عن المجهولين يكون الحمل فيها عليهم، لا عليه/ عيون الأثر ١/ ١٤ مع تصرف غير مُخل. ثم أجاب عن قول أحمد المتقدم بأنه يَدخل أيضًا تحت الطعن السابق بالرواية عن الضعفاء، وقد تقدم الجواب عنه، ثم أجاب بأن ابن إسحق إما أن يُسمِّي الضعيف مع معرفة حاله فيبرأ بتسميته من العهدة، وإما أن يدلَّسه غير متعمد إخفاءه، ليروج الخبر، وبذلك لا يقدح تدليسه هذا في عدالته، وإن قدح فيما يدلسه كما مر، وأيضًا فإنه بحفظه وسعة علمه بالمرويات قد يميز من حديث الكلبي ومن يجري مجراه ما هو مقبول مما هو مردود من حديثه، فيكتُب ما يراه مقبولًا، كما أن غالب ما يرويه عن الكَلْبي أنساب وأخبار من أحوال الناس، وأيام العرب وسيرهم، وما يجري مجرى ذلك مما سمح كثير من الناس في حمله عمن لا تحمل عنه الأحكام، وممن حُكِي عنه الترخص في ذلك الإمام أحمد نفسه الذي وجه هذا النقد لابن إسحق/ عيون الأثر ١/ ١٥، أقول: ورواه البيهقي =
[ ٢ / ٧٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أيضًا عن ابن مهدي ويحيى القطان، وأقره/ دلائل النبوة له، بتحقيق د. قلعجي ١/ ٣٤ - ٣٧، ٤٠، ومما يؤيد تمييزه للمرويات عن الضعفاء وغيرِهم، ما قدمتُه عن كيفية روايته في السير والغازي، حيث نجده ينبه كثيرًا على عدم قبوله لما يرويه، فيصف بعضَه بالزعم، وبعضَه بالمشكوك فيه، وبعضه يَكِل علمَ وقوعه أو عدم وقوعه إلى الله تعالى. فخلاصة القول أن ما ذكر من رواية ابن إسحق عن الضعفاء والمجهولين يقدح فيما رواه عنهم فقط، ولا يقدح في توثيقه، ولا في قبول مروياته المتصلة عن المحتج بهم من الرواة. هذا مجمل الانتقادات المفسرة الموجهة إلى ابن إسحق، وتحقيق القول فيها، وخلاصة التحقيق: أن من تلك الانتقادات ما لم يثبتُ اتصاف ابن إسحق به، مثل الوصف بالكذب، ومنها ما ليس بقادح في شخصه ولا فيما رواه، وهو الرواية عن فاطمة بنت المنذر، زوجة هشام بن عروة، ومنها ما هو قادح في بعض مروياته لا في شخصه، مثل التدليس والرواية عن أهل الكتاب، وعن الضعفاء والمتروكين، ورواية الأحاديث المنقطعة والشاذة، والمنكرة، وستأتي بعض الانتقادات الأخرى المفسرة ضمن بيان تعدد أقوال العالم الواحد في ابن إسحق، مع تحقيق القول فيها، بالمشيئة. وأما الانتقادات المجملة الموجهة إليه: فمنها قول أبي حاتم الرازي: محمد بن إسحق ليس عندي في الحديث بالقوي، ضعيف الحديث، وهو أحب إليَّ مِن أَفلَح بن سعيد، يُكتَب حديثه/ الجرح والتعديل ٧/ ١٩٢، ١٩٤، أقول ومثل هذه الانتقادات المجملة معارَضة بتوثيق الأئمة المتعددين لابن إسحق، فلا يُعتد بها. ويبقى بعد ذلك النظر في أقوال من تعددت أقوالهم من النقاد في بيان حال ابن إسحق، وقد سبقت أقوال لبعضهم في الانتقادات المفسرة، ويبقى كذلك النظر في أقوال من أشار إلى تعدد الآراء فيه، مع محاولة الجمع أو الترجيح بينها، أو التوقف، وتحقيق ما يبدو لي بمشيئة الله وفضله، وإليك التفصيل: =
[ ٢ / ٧٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فممن تعدد قوله فيه: شعبة، حيث وصفه كما تقدم بأنه: أمير المؤمنين في الحديث؛ لحفظه، وقد رَوى عنه، وأوصى غيره بالرواية عنه/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٧٨١ وتاريخ بغداد ١/ ٢٢٨ وعيون الأثر ١/ ٩، وهناك تلميذ لابن إسحق وهو: إسماعيل بن عُلَية، سمع شعبة يقول: ابن إسحق صدوق في الحديث/ الجرح والتعديل ٧/ ١٩٢ والميزان ٣/ ٤٦٩ وفي رواية عن ابن عُلية أيضًا: أن شعبة قَرَن ابن إسحق مع جابر الجُعفي وقال: إنهما صدوقان/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٨ والكامل لابن عدي ٦/ ٢١٢١ وعيون الأثر ١/ ٩ وفي رواية أنه قال: صدوقان في الحديث/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٨، وأخرج العقيلي بسنده عن أبي شهاب -وهو الحناط الصغير- قال: قال لي شعبة: عليك بحجاج بن أَرطأة ومحمد بن إسحق فإنهما حافظان، واكتُم علي عند البصريين في خالد الحذاء وهشام/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٤، وفي سنده خَلل يُعرف بمراجعة تهذيب التهذيب ٣/ ١٢٢ وتاريخ بغداد ١/ ٢٢٨ والميزان ١/ ٦٤٢، ٦٤٣، وقد عقب الذهبي على هذا القول من شعبة بأنه ما التفت إليه، أحد، ومقصوده عدم الالتفات إلى شطره الأخير وهو القدح في الحذاء وهشام؛ لأنه ذكر هذا التعقيب في ترجمة الحذاء/ انظر الميزان/ الموضع السابق. أقول فآل مجموع الروايات عن شعبة إلى توثيقه لابن إسحق، عدالة وضبطًا؛ لكن سيأتي إشارة الإمام أحمد وغيره إلى أن في ضبط ابن إسحق شيئًا بحيث يقتضي خِفة ضبطه. وممن تعددت أقواله فيه أيضًا: يحيى بن معين، فقد روى المفضل بن غسان الغلابي قال: قال يحيى بن معين: ابن إسحق، ثَبْت في الحديث/ تاريخ بغداد ١/ ٢٣١، وسأله المفضل أيضًا عنه فقال: كان ثقة وكان حسن الحديث/ تاريخ بغداد ١/ ٢١٨، والسير ٧/ ٣٥ وعَطفُه "حسن الحديث" على التوثيق يُشير إلى أن المقصود بها ليس الحُسن الاصطلاحي، وإنما حُسن سياقه للمتون والروايات، كما قال الميموني: ما أحسن هذه القصص التي يجيء بها ابن إسحق/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٠ والضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٧، ٢٨، كما أن وصَفَه بأنه: ثقة يُعتبر أنزل من وصفه السابق بأنه "ثَبْت". =
[ ٢ / ٧٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وروى الدُّوري أنه سمع ابن معين يقول: محمد بن إسحق ثقة، ولكنه ليس بحجة/ يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٥٠٤ وتاريخ بغداد ١/ ٢٣١ والضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٨، والكامل لابن عدي ٦/ ٢١١٧ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٤، وفي رواية ابن أبي حاتم الرازي عن الدُّوري أن ابن معين سئل: محمد بن إسحق أحب إليك أو موسى بن عبيدة؟ فقال: محمد بن إسحق، محمد بن إسحق، صدوق، ولكنه ليس بحجة/ الجرح والتعديل ٧/ ١٧٢، وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت ليحيى بن معين، وذكرتُ له الحجة، فقلت: محمد بن إسحق منهم؟ فقال: كان ثقة، إنما الحجة عُبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، وذكر قومًا آخرين/ تاريخ بغداد ١/ ٢٣٢، والكامل لابن عدي ٦/ ٢١١٨ والسير ٧/ ٤٧، وذكر الذهبي الرواية في الميزان بنحوها وفيها "صدوق" بدل "ثقة"/ الميزان ٣/ ٤٧٢، وقال أحمد بن زُهير، المعروف بابن أبي خيثمة: سألت يحيى بن معين عن محمد بن إسحق، فقال: قال عاصم بن عمر بن قتادة: لا يزال في الناس عِلْم ما عاش محمد بن إسحق/ تاريخ بغداد ١/ ٢١٩، ٢٢٠ والسير ٧/ ٣٦. أقول: وعاصم هذا من شيوخ ابن إسحق، وهو مدني ثقة، عالم بالمغازي/ التقريب/ ٢٨٦. وقد جاءت تلك الرواية بتفصيل آخر، وهو: أن يحيى بعد ذِكْره لقول عاصم السابق، بَين أهميته في توثيق ابن إسحق فقال: وابن إسحق سمع من عاصم، وكان لا يقول هذا فيه إلا من خُبرْ/ المنتقى من إرشاد الخليلي ٢٦ ب، ٢٧ أ، والثقات لابن شاهين بتحقيق الشيخ صالح المُحَطب/ ٣٧٢، ومعنى هذا أن ابن معين اعتد بشهادة عاصم في توثيق ابن إسحق لصدورها عن خبرة الشيخ بتلميذه، كما أن عاصمًا مدني، فتعد شهادته ردًا على من انتقده من المدنيين كمالك وهشام بن عروة وغيرهما، وهو أيضًا عالم بالمغازي والسير، ففي شهادته توثيق لابن إسحق فيهما بوجه أخص، وقد أقر ابن معين توثيق عاصم لابن إسحق بكل تلك الاعتبارات. وفي رواية أن ابن أبي خَيثمة سمعه يقول: محمد بن إسحق ليس به بأس/=
[ ٢ / ٧٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تاريخ الخطيب ١/ ٢٣٢، ومع أن ابن معين قال لابن أبي خيثمة نفسه: إذا قلتُ لك (فلان) لا بأس به، فهو ثقة، إلا أن العراقي علق على ذلك بأن للثقة مراتب، وأن التعبير بـ "ثقة" أرفع من التعبير بـ "لا بأس به" وإن اشتركا في مطلق الثقة/ تدريب الراوي ١/ ٣٤٤، ويرى الأخ الفاضل الدكتور/ أحمد نور سيف: أن التفاوت بين اللفظين في حد ذاتهما مُسلّم به، ولكن الذي تبيّن له بالاستقراء لأمثلة كثيرة من استعمال ابن معين أن اللفظين عنده بمعنى واحد/ يحيى بن معين وكتابه التاريخ ١/ ١١٢ - ١١٤، والذي يبدو لي أن تساوي اللفظين عنده ليس مطلقًا، بل يلزم تقييده بأن لا يقترن لفظ "لا بأس به" في كلام ابن معين نفسه بما يدل على ارتفاع الراوي أو نزوله عن وصف "الثقة"، كقوله في يحيى بن يَمان: ليس به بأس صدوق، ليس هو بذاك القوي/ سؤالات ابن مُحرز ١/ ٦٨، وكذا عدم ثبوت قول آخر لابن معين يُنْزِل فيه الراوي أو يرفعه عن وصف "الثقة"، ودليل الحاجة إلى هذا التقييد ما جاء عن ابن معين من أقوال أخرى في ابن إسحق؛ فقد تقدمت رواية وصفه له بأنه "صدوق" وهذا أَنزَلُ في التوثيق من لفظ "ثقة"، كما ستأتي عنه روايات أخرى أنزل فيها ابن إسحق إلى التضعيف المطلق والمقيّد؛ فابن أبي خيثمة بعد روايته السابقة: أن ابن معين وصف ابن إسحق بأنه: "لا بأس به"، قال: وسُئل ابن معين عنه مرة أخرى فقال: ليس بذاك، ضعيف، قال: وسمعته يقول مرة أخرى: محمد بن إسحق عندي سقيم الحديث، وليس بالقوي/ تاريخ بغداد ١/ ٢٣٢، والسير ٧/ ٤٦، ٤٧ والجرح والتعديل ٧/ ١٩٤. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، وقيل له: أيُّما أحب إليك؟ موسى بن عبيدة الربَذي، أو محمد بن إسحق؟ فقال: محمد بن إسحق/ الجرح والتعديل ٧/ ١٩٤، والضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٨، أقول: وموسى بن عبيدة قال الذهبي: مشهور ضعّفوه، وقال أحمد: لا تحل الرواية عنه/ الكاشف ٣/ ١٨٦ والمغني في الضعفاء ٢/ ٦٨٥ وديوان الضعفاء/ ٣١١؛ فيستفاد من تقديم ابن إسحق عليه أنه عند يحيى أقل ضعفًا من موسى هذا. =
[ ٢ / ٧٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال ابن أبي خيثمة: وسمعت يحيى يقول: ولم يزل الناس يتقون حديث محمد بن إسحق. وقال الميموني: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن إسحق ضعيف/ تاريخ بغداد ١/ ٢٣١، والضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٨ وجاء في كتاب محمد بن عبيد الله عن يحيى قال: محمد بن إسحق ليس بذاك/ تاريخ بغداد ١/ ٢٣١، وقال ابن محرز: وسمعت يحيى، وقيل له: أيما أكثر، محمد بن إسحق، أو محمد بن عمرو؟ قال: محمد بن عمرو أحب إليّ منه، وأهل المدينة لا يَروْن أن يحدثوا عن ابن إسحق، وذلك أنه كان قَدَريًا/ سؤالات ابن محرز في أحوال الرجال ١/ ١٨ بتحقيق محمد كامل القصار، وأخرج ابن عدي من طريق عبيد الله الدوْرقي عن ابن معين أنه قال: محمد بن عمرو روى عنه القطان، وقال: هو أحب إلي من محمد بن إسحق/ الكامل ٦/ ٢١١٨. أقول: ومحمد بن عمرو بن علقمة مختلف فيه وقال ابن حجر: صدوق له أوهام/ التقريب/ ٤٩٨، وقال في أجوبته عن أحاديث المشكاة: صدوق في حفظه شيء، وحديثه في مرتبة الحسن/ الأجوبة مع المشكاة ٣/ ١٧٨٤، وجعله ابن الصلاح والذهبي ومن جاء بعدهما مثالًا للراوي الذي يعتبر حديثه حسنًا لذاته/ علوم الحديث لابن الصلاح مع التقيد والإيضاح/ ٥١، وديوان الضعفاء للذهبي/ ص ٣٧٣ بتحقيق الشيخ حماد الأنصاري والتدريب ١/ ١٧٦ وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٧١، فتفضيل ابن معين له على ابن إسحق يفيد إِنزالَه ابن إسحق عن مرتبة الحسن، فيكون ضعيفًا، وروى الدوري عن ابن معين قوله: محمد بن عبد الله، ابن أخي الزهري أحب إليّ من محمد بن إسحق في الزهري/ الكامل ٦/ ٢١٢٠، أقول: وابن أخي الزهري قال عنه في التقريب: صدوق له أوهام/ التقريب ص ٤٩٠، فتفضيله على ابن إسحق في الرواية عن الزهري، يدل على تضعيف ابن إسحق في روايته عن الزهري خاصة، وقد جاءت رواية أخرى توضح هذا، حيث روى عثمان الدارمي قال: سألت يحيى بن معين، قلت: فمحمد بن إسحق؟ قال: ليس به بأس، وهو ضعيف الحديث عن =
[ ٢ / ٧٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الزهري/ الكامل ٦/ ٢١٢٠، ففي هذه الرواية صرح بتضعيفه في الرواية عن الزهري، ويفهم منها أيضًا توثيقه في غيره، فكأنه قال: هو لا بأس به إلا في حديثه عن الزهري؛ لكن لم يفسّر لنا ابن معين سبب تضعيفه لحديث ابن إسحق عن الزهري، وقد قال الجوزجاني: وابن إسحق روى عن الزهري إلا أنه يمضغ حديث الزهري بمنطقه، حتى يعرف من رسخ في علمه، أنه خلاف رواية أصحابه عنه/ شرح العلل ١/ ٤٨٣، فهذا يشير إلى أن سبب التضعيف روايته عنه بعض ما يخالف روايات أصحاب الزهري عنه، فيتطرق إليه احتمال الوهم أو الخطأ، وتعد روايته هذه ضعيفة، لشذوذها، وقد عدّه ابن رجب في الطبقة الثالثة من أصحاب الزهري، وهم من لازموه وصحبوه ورووا عنه، ولكن تكلم في حفظهم/ المصدر السابق ١/ ٣٩٩ إلا أن هذا لا يقتضي تضعيفه مطلقًا في كل حديثه عن الزهري، كما سأوضحه بعد. وأخرج ابن عدي من طريق الليث بن عبدة وابن أبي مريم أنهما سمعا يحيى بن معين يقول: الليث أرفع عندي من محمد بن إسحق/ الكامل ٦/ ٢١١٨، ٢١٢٠، وروى الدوري عنه قال: سمعت يحيى بن معين يقول: ليث بن سعد أثبت في يزيد بن أبي حبيب من محمد بن إسحق/ الكامل لابن عدي ٦/ ٢١١٨، فلعل هذا التفضيل المقيد هو المراد بالتفضيل المطلق في الرواية السابقة، والليث بن سعد لا يخفى توثيقه، فتفضيله على ابن إسحق مطلقًا أو في شيخ مُعيّن، يتضمن تقوية لحال ابن إسحق في الجملة، لإشراكه مع الليث في مطلق التوثيق. وروى الدوري عن ابن معين أنه قال له: لا تشبَّث بشيء مما يحدثك به ابن إسحق؛ فإن ابن إسحق ليس هو بقوي في الحديث، فقال له رجل: يصح أن ابن إسحق كان يرى القدَر؟ قال: نعم، كان يرى القدَر/ يحيى بن معين وتاريخه ٤/ ٥٠٢ والضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٨ والكامل لابن عدي ٦/ ٢١١٧، وروى محمد بن هارون الفلاس المُخَرَّمي قال: سألت يحيى بن معين عن محمد بن إسحق فقال: ما أحب أن أحتج به في الفرائض/ الجرح والتعديل =
[ ٢ / ٧٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٧/ ١٩٤، أقول: ومراده بالفرائض: أحكام الحلال والحرام، ومعنى هذا أن ابن معين يحتج بابن إسحق في غير هذا، كالمغازي والسير والترغيب والترهيب ونحو ذلك. ولعل هذا مما جعل السخاوي يذكر ابن معين ضمن من يرى التشدد في الأحكام والتساهل في غيرها/ انظر فتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٨٤ وهذا خلاف ما قرره ابن سيد الناس أن المعروف عن ابن معين التسوية بين الأحكام وغيرها، ولكنه لم يذكر دليلًا على ذلك/ عيون الأثر ١/ ١٦. وقد سأل يعقوب بن شيبة يحيى بن معين فقال: كيف محمد بن إسحق عندك؟ قال: ليس هو عندي بذاك، قال يعقوب: ولم يُثَبِّته، وضعفه، ولم يضعفه جدًّا، فقلت له: ففي نفسك من صدقه شيء؟ قال: لا، كان صدوقًا/ الكامل ٦/ ٢١١٩ والسير ٧/ ٤٧ والميزان ٣/ ٤٧٢، وذكر الإمام البخاري أن ابن معين احتمل ابن إسحق/ القراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٧، ويمكن القول: إن ابن معين يرى رد رواية ابن إسحق المدلّسة فقد روى يعقوب بن شيبة عنه: إن المدلس لا يكون حجة فيما دلس/ الكامل لابن عدي ١/ ٤٨. وبالتأمل في تلك الأقوال المتعددة من ابن معين نجد أن منها ما يمكن رده، وباقيها يمكن الجمع بينه، بحمل المطلق منه على المقيد، فرمْيُه ابن إسحق بالقدر، تقدم الجواب عنه بأنه غير قادح في روايته، وتضعيفه له في روايته عن الزهري مطلقًا، يعارضه ما قرره محمد بن يحيى: إن ابن إسحق روى عن الزهري فأحسن الرواية/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٦ وذكر الساجي أن أصحاب الزهري كانوا يلجأون إلى محمد بن إسحق فيما شكُّوا فيه من حديث الزهري، ثقة منهم بحفظه/ وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٦، فأقل ما يقتضيه هذا أن يَقتَصِر تضعيفُه في الزهري على ما يثبت وهمه فيه بمخالفة من هو أوثق منه من أصحاب الزهري، كما أشار الجوزجاني في كلامه السابق، وما عدا ذلك من رواياته عن الزهري يكون مقبولًا. وأما قول ابن معين: لا أحتج به في الفرائض، فقد أجاب عنه ابن سيد الناس بأنه يعارضه تعديل مَن عدَّله/ عيون الأثر ١/ ١٦، حيث إن مقتضى ذلك =
[ ٢ / ٧٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الاحتجاج به في الأحكام وفي غيرها، وأما قوله: إن ابن إسحق ثقة وليس بحجة، فقد أجاب عنه المنذري بقوله: يشبه أن يكون هذا رأيه -أي ابن معين- في أن الثقة دون الحجة، وهو خلاف المحكي عنهم في ذلك/ رسالة المنذري في الجرح والتعديل/ ٣١، أقول: بل جاء عن بعض الأئمة المتقدمين والمتأخرين أن "الحجة" فوق "الثقة" وإن اشتركا في أصل التوثيق، وفي صحة حديث الراوي الموصوف بأي منهما، ولكن عند التعارض يقدم الحجة، فمن أقوال المتقدمين قول عثمان بن شيبة في محمد بن الحسن الأسدي: هو ثقة صدوق، قيل: هو حجة؟ قال: أما حُجَّة فلا/ الثقات لابن شاهين بتحقيق الشيخ صالح المحطب ص ١٤٨ وكذا الموقظة للذهبي/ ٧٦ بتحقيق وتعليق فضيلة الشيخ أبي غدة، وقد جرى الذهبي في ترجمة أبي بكر محمد بن أحمد، الملقب بالمُفيد: إن الحجة فوق الثقة/ تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٧٩ وانظر قواعد في علوم الحديث للتهانوي مع تعليق أستاذنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عليها ص ١٤٨ وكذا الموقظة للذهبي/ ٧٦، وقد جرى على تفاوتها ابن سيد الناس أيضًا في جوابه عن قول ابن معين هذا، فقال: وأما قول يحيى: ثقة وليس بحجة، فيكفينا التوثيق، ولو لم يُقبل إلا مثل العُمَري -يعني: عبيد الله بن عمر- ومالك، لقل المقبولون/ عيون الأثر ١/ ١٦. ولكن هذا الجواب منه فيه أمران: أحدهما: إن قوله "يكفينا التوثيق"، مع ما سبق من قوله بتصحيح حديث ابن إسحق، يفيد مجموع الأمرين: أنه يرى صحة حديث من وُصِف بمطلق الثقة، وهذا مخالف لما قدمه في هذا الشرح، حيث قرر: أن المنفرد بحديث، يحتاج أن يكون في المرتبة العليا من الثقة والعدالة والحفظ حتى يُقبَل انفراده في كل طبقة/ ص ٣٠٨ أصل وهامش، وقرر أيضًا: أن ما انفرد به الثقة ولم يتابع عليه، لا يرتقي إلى درجة الصحيح، حتى يكون مع الثقة، في المرتبة العليا من الحفظ والإتقان، وإن لم يتجاوز الثقة فحديثه حسن/ ص ٤٢٤ وانظر في كلامه عن حديث الثقة ص ٢٤٩ - ٢٥٢ أصل وهامش حيث عارضتُه في التعليق بما استقر =
[ ٢ / ٧٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عليه رأي الجمهور من أن حديث الثقة، المنفرد به، صحيح لذاته، ما لم تكن فيه علة أخرى قادحة. أو كان شاذًّا، وهذا هو ما عاد إليه المؤلف هنا ليتفق مع ما قرره من صحة حديث ابن إسحق مطلقًا، لا حين قرر قبل ذلك خلافه، حيث إن قوله الآنف بعدم صحة حديث الثقة إذا انفرد، قد تقدم في أوائل هذا الشرح كما بيّنته، وقوله بتصحيح حديث ابن إسحق متأخر عنه، حيث ذكره في الباب الثامن عشر من كتاب الطهارة وهو باب ما جاء في السواك، كما أن قوله بكفاية الوصف بالثقة لصحة حديثه، قد قرره في كتابه "عيون الأثر" كما مر، ثم أحال عليه في الباب المذكور عند القول بتصحيح حديث ابن إسحق، فلعل هذا يعتبر رجوعًا منه إلى رأي الجمهور. أما الأمر الثاني: في كلام المؤلف فهو أنه لم يُجب عن وصف ابن معين لابن إسحق بأنه "صدوق"، وهو لفظ مرتبته أدق مراتب التوثيق للراوي المحتج به، حيث إنه يطلق -بصفة عامة- على من كان مشهورًا بالصدق والستر، وإن كان متأخرًا عن درجة الحافظ الضابط، قال السيوطي: وقد عُلِم أن من هذا حاله فحديثه حسن/ التدريب ١/ ١٧٥ وانظر فتح المغيث للسخاوي ١/ ٦٧، فكان على المؤلف أن يجيب عن وصف ابن معين لابن إسحق بلفظ "صدوق" حتى يَسلَم له ترجيح وصفه بالثقة، وبالتالي تصحيحه لحديثه. وبعد تلك الأقوال التي أمكن الرد عليها من أقوال ابن معين، يبقى النظر في الأقوال الأخرى التي تضمنت توثيق ابن إسحق مطلقًا، وإن تفاوتَت، والتي تضمنت تضعيفًا مجملًا له، وكلها في مرتبة الضعيف المنجبر، وبتأمل هذه وتلك، نجد أنه يمكن الجمع بينها، كما أشار إلى ذلك يعقوب بن شيبة فيما سبق، نقلًا عن ابن معين نفسه، فقد سأله يعقوب: كيف محمد بن إسحق عندك؟ قال: ليس بذاك، ولم يُثبِّته، وضعفه، ولم يضعفه جدًّا، قال يعقوب: فقلت له: ففي نفسك مِنْ صدقه شيء؟ قال: لا، كان صدوقًا. فمجموع العبارة يفيد أن ابن معين جعل لابن إسحق حالًا وسطًا من القبول، ويؤيده قول البخاري السابق: إن ابن معين احتمل ابن إسحق، فكونه "لم يُثَبِّتْه" يفيد أنه أنزله عن مرتبة =
[ ٢ / ٧٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الوصف بالثَّبْت في الحديث، التي تقدم وصفه بها في أحد أقواله، وكونه "ضعَّفه، ولم يُضعفه جدًّا" يفيد أنه ضعفه ضعفا خفيفًا، ثم إقرارُه مع ذلك بأنه "صدوق" يشير إلى أن تضعيفه الخفيف له راجع الى ضبطه، وبذلك يمكن الجمع بين أقوال ابن معين هذه، بما يزيل تعارضها في الظاهر؛ فيحمل وصفه لابن إسحق بأنه: ثقة، أو لا بأس به، أو صدوق. على ثبوت عدالته، ويحمل وصفه له بأنه ضعيف، أو ليس بقوي، أو ليس بذاك، على سوء حفظه، فتكون خلاصة حاله عمومًا عند ابن معين: أنه صدوق خفيف الضبط، ورُمِي بالقدر، وبذلك ينزل عن درجة الصحة إلى الحسن لذاته، لمطابقة حاله تلك للتعريف المعتمد للحسن لذاته، كما لا يخفى، مع السلامة من القوادح كتدليسه أو شذوذه، والله أعلم. وممن اختلف قوله في ابن إسحق: الإمام النسائي، فقد روى عنه ابنه عبد الكريم قال: نبأني أبي قال: محمد بن إسحق ليس بالقوي/ تاريخ بغداد ١/ ٢٣٢، والميزان ٣/ ٤٦٩ والسير ٧/ ٤٧، ونقل الذهبي عنه أنه قال: قولنا: "ليس بالقوي"، ليس بجرح مُفْسِد، وقد أخرج في سننه لعدد ممن وصفهم بذلك/ الموقظة للذهبي بتحقيق فضيلة الشيخ أبو غدة/ ٨٢ أي أنه لا يقتضي ترك الموصوف به، وهذا يدل على تجريحه لابن إسحق جرحًا خفيفًا، لكنه في بيانه لطبقات الرواة عن نافع، ذكر ابن إسحق في الطبقة الثامنة، وذكر بعدها طبقة تاسعة جعلها للضعفاء، وعاشرة جعلها للمتروكين/ انظر طبقات الرواة للنسائي مع مجموعة رسائل له/ ٥٢، ٥٣ بتصحيح الشيخ جميل علي حسن، وشرح العلل لابن رجب ١/ ٤٠٣، ٤٠٤، وصنيعه هذا يدل على إخراجه ابن إسحق من الضعفاء والمتروكين من أصحاب نافع، كما أنه يدل على عده له مع آخر طبقة من المقبولين، ويؤيد هذا أني راجعت تراجم مَن ذكرهم مع ابن إسحق في تلك الطبقة وعددهم خمسة، فوجدت أكثرهم صدوقًا في حفظه شيء، وتلك خلاصة حال ابن إسحق عند ابن معين كما تقدم، ثم إن النسائي قد أخرج له في سننه محتجًا به كما أشرت، فيحمل قوله عنه: ليس بقوي على خفة ضبطه التي تنزله إلى درجة الحسن، وهذا يلتقي مع عده له في أدق درجات المحتج بهم والمقبولين من =
[ ٢ / ٧٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أصحاب نافع، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن: النسائي ذكر ابن إسحق في الطبقة الخامسة من أصحاب الزهري/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٥، لكن لم يبين دلالة ذلك على مرتبة ابن إسحق عنده، ولم أقف عليه في مصدر آخر، نعم سيأتي ذكر ابن المديني له ضمن الطبقة الرابعة من أصحاب الزهري، ثم نبين دلالة ذلك عنده، وأيضًا ذَكَر الذهبي في المغني قول ابن معين: أن ابن إسحق ثقة، وليس بحجة، ثم قال: وكذا قال النسائي وغير واحد/ المغني في الضعفاء للذهبي ٢/ ٥٥٢، ولم أجد ذلك عند غير الذهبي في المغني، ولو ثبت فيمكن حمله على العدالة جمعًا بين أقواله كما مر. وأما عَلي بن المديني فقد تقدم دفعه عن ابن إسحق تكذيب من كذبه، وخصوصًا: مالك وهشام بن عروة، ودلل على صدقه وأمانته في الرواية عمومًا بأمثلة من رواياته وقد سأله يعقوب بن شيبة: كيف حديث ابن إسحق عندك؟ صحيح؟ فقال: نعم حديثه عندي صحيح، ثم نفى قدح كلام مالك وهشام بن عروة فيه، كما مر ذكره، وانظر/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٩ والميزان ٣/ ٤٦٩، ٤٧٥ وسير النبلاء ٧/ ٤٤ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٢ وعيون الأثر ١/ ٩، ١٠ وشرح العلل ١/ ١٢٦. وروى إبراهيم بن الحسن ومحمد بن أحمد بن البراء أنهما سمعا ابن المديني يذكر أن مدار حديث رسول الله -ﷺ- على ستة، فذكرهم، ثم قال: فصار علم الستة إلى اثني عشر، وعد منهم محمد بن إسحق/ العلل لابن المديني بتحقيق د. محمد الأعظمي، وتاريخ بغداد ٩/ ٢١١ والسير ٧/ ٣٦ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٠، وروى عنه أبو قلابة نفس الرواية إلا أنه ذكر "ثلاثة عشر" بدل "اثني عشر" تاريخ بغداد للخطيب، أقول: وأبو قلابة هو عبد الملك بن محمد، صدوق يخطيء/ التقريب ص ٣٦٥، فتترجح رواية الاثنين الأولين على روايته وحده، وعمومًا فالنتيجة ثابتة وهي توثيق محمد بن إسحق، وقال الإمام أحمد: كان علي بن المديني يقدمه ويثني عليه/ سير النبلاء ٧/ ٤٦، وقال البخاري: رأيت علي بن عبد الله -يعني المديني- يحتج بحديث ابن إسحق/ القراءة خلف الإمام، للبخاري/ =
[ ٢ / ٧٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٣٦ وتاريخ بغداد ١/ ٢٣١ والسير ٧/ ٣٩ وتهذيب التهذيب ١/ ٤٩، وقد أقر البخاري ابن المديني على هذا، فلم يتعقبه بشيء. وقال ابن المديني أيضًا: لا أعلم أحدًا ترك ابن إسحق، روى عنه شعبة، وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة الخ الكامل لابن عدي ٦/ ٢١١٩، وهذا القول من ابن المديني يحمل على معنى أنه لا يعلم أحدًا تركه بحجة أو بسبب قادح؛ لأن العقيلي روى بسنده عنه قال: كان يحيى بن سعيد -يعني القطان- لا يُحدث عن محمد بن إسحق، قيل له: لرأيه؟ قال: لا، ليس لرأيه، وإنه كان سيء الرأي فيه، يُضعِّفه/ ضعفاء العقيلي ٤/ ٢٦ والسير ٧/ ٥٢، والمراد برأي ابن إسحق: ما رُمي به من البدع، والمراد بسوء رأي يحيى القطان فيه: ما تقدم من رميه له بالكَذب بغير وجه حق. ولما ذكر ابن المديني طبقات الرواة عن نافع جعلهم تسع طبقات، وجعل التاسعة: من لا يُكتب عنهم، وجعل ابن إسحق في الطبقة الرابعة، وذكر معه: موسى بن عُقبة، وداود بن الحُصين/ شرح العلل لابن رجب ١/ ٤٠١، ٤٠٢، أقول: وموسى وداود، كل منهما ثقة، على الراجح، فذكرُه ابن إسحق معهما يشير إلى توثيقه مثلهم في الرواية عن نافع، لكن سيأتي ذكره مما أُنكِر على ابن إسحق حديثًا له عن نافع، فلعل توثيقه له في نافع باعتبار الغالب، وإن انتُقِد في بعض الروايات بخصوصها، كما أن الحديث الذي انتقده من روايته عن نافع، ذكر مرة أخرى أنه يمكن تصحيحه كما سيأتي. وذكر ابن المديني أيضًا طبقات الرواة عن الزهري، فجعلهم خمسًا، ثم ذكر ابن إسحق في الثالثة منهم، وهم من لازموه وصحبوه، ورووا عنه، ولكن تُكُلِّم في حفظهم/ شرح العلل لابن رجب ١/ ٣٩٩، ٤٠٠، وهذا يفيد الإشارة إلى أن في حفظ ابن إسحق شيئًا وإن كان لا يُخرجه عن دائرة القبول والحُجِّية، ويؤيد ذلك أن ابن المديني ذكر بعد ذلك الطبقة الخامسة من أصحاب الزهري، وهم: المتروكون والمجهولون، فصار ابن إسحق خارجًا عنهم، ومعدودا في طبقات المقبولين مع خفة ضبطه. وقد وَثَّق ابن المديني، محمدَ بن إسحق أيضًا في بعض شيوخه وتلاميذه، فمن =
[ ٢ / ٧٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الشيوخ قولُه: ليس أحد أثبت في سعيد بن أبي سعيد المقبُري من ابن أبي ذئب، وليث بن سعد، ومحمد بن إسحق، فهؤلاء الثلاث يُسنِدون أحاديث (حِسَان، ابن) عجلان كان يخطئ فيها/ سؤالات ابن محرز في أحوال الرجال ٢/ ٢٠٧، ومن التلاميذ قوله: ليس كتاب عن ابن إسحق أصح من كتاب إبراهيم بن سعد، وهارون الشامي؛ وذلك أنه أملى على هارون الشامي من كتابه/ المصدر السابق ٢/ ٢٠٠. أقول: وهارون هذا، هو ابن أبي عيسى، صاحب السيرة، وكان كاتبًا لابن إسحق، ولعل اقتصار ابن المديني على بيان سبب توثيقه في ابن إسحق، لأنه كما قال البخاري: يخطيء في حديثه عن غير ابن إسحق/ انظر الضعفاء للعقيلي ٤/ ٣٥٨، والميزان ٤/ ٢٨٥، وأما إبراهيم بن سعد فيتضح سبب توثيق كتابه عن ابن إسحق، مما قدمتُه: أن إبراهيم قد مَيّز في كتابه سماع ابن إسحق من تدليسه، وقد يوجد في روايات إبراهيم ما صرح فيه ابن إسحق بالتحديث ولكن يُنتَقَد على ابن إسحق من جهة أخرى، مثل حديث مس الذكَر الآتي بعد. وقد روى البخاري أن ابن المديني قال له: نظرت في كتب ابن إسحق فما وجدت عليه إلا في حديثين، ويمكن أن يكونا صحيحين/ سير النبلاء ٧/ ٤١ وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٢ وتاريخ بغداد ١/ ٢٣١ وفيه "كتاب" بدل "كتب"، ولم يتعين الحديثان في هذه الرواية كما ترى، ولكن البيهقي بعد ذكر الرواية السابقة قال: وقد فسَّرهما -يعني الحديثين- يعقوب بن سفيان عمَّن سمعه من علي قال: لم أعلم لابن إسحق إلا حديثين منكَرين: نافع عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- إذا نَعِس أحدكم يوم الجمعة، والزهْري عن عروة عن زيد بن خالد: إذا مس أحدكم فرجَه. وهذان لم يروهما عن أحد/ القراءة خلف الإمام للبيهقي/ ٦٠ والذي في كتاب الفَسَوي وما أُخِذ عنه: "لم أجد" بدل "لم أعلم" وفي آخره تكملة نصها: والباقين يقول: "ذكر فلان، ولكن هذا فيه: حدَّثنا/ انظر المعرفة والتاريخ للفَسوي ٢/ ٢٧، ٢٨، وقد تعدد تحريف كلمة (الباقين) في المصادر الناقلة عن الفَسوي، دون تغيير في المعنى/ انظر تاريخ بغداد ١/ ٢٢٩، وسير =
[ ٢ / ٧٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = النبلاء ٧/ ٤٥، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٣، وقد ذكر ابن حجر أن المراد بقول ابن المديني: "الباقين" يعني باقي المناكير من حديثه غير هذين الحديثين، والذي يُفهَم من هذا أن باقي المناكير من حديث ابن إسحق في نظر ابن المديني، يرويها ابن إسحق عن شيوخه بعبارة التدليس وهي "ذَكَر فلان" التي اعتادها في التدليس كما تقدم، أما هذان الحديثان فرواهما عن شيوخه بالتحديث، ومع ذلك فهما معلولان من جهته بسبب آخر. كما سيأتي. ورواية الحديث الأول بالتحديث قد أخرجها أحمد في مسنده قال: ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن إسحق حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: إذا نَعِس أحدكم (الحديث) مسند أحمد ٢/ ١٣٥، أقول: ويعقوب المذكور هو ابن إبراهيم بن سعد، وأبوه: إبراهيم بن سعد من أوثق تلاميذ ابن إسحق والمكثرين عنه، كما تقدم. ورواية الحديث الثاني بالتحديث أخرجها أحمد في المسند ٥/ ١٩٤ وابن عدي عن أبي يعلي الموصلي ثنا زهير بن حرب ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا أبي عن ابن إسحق حدثني محمد بن مسلم الزهري عن عروة بن الزبير عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (الحديث). قال ابن عدي: قال زهير بن حرب: هذا عندي وَهْم، إنما رواه عروة عن بُسرة/ الكامل ٦/ ٢١٢٥ فأعله بغير التدليس كما ترى، وسيأتي مزيد بيان لذلك. ويلاحَظ في رواية البخاري السابقة عن ابن المديني أنه قال: نظرت في كتب ابن إسحق، فَقيَّد وجود الحديثين المنكرين بما نظره من كتب ابن إسحق فقط، دون استقراء ما رُوِي عنه من حفظه، أمارواية الفَسوي فهي عامة حيث قال: "لم أجد" أو "لم أعلم" كما تقدم، فيشمل ذلك كتبَه وغيرَها، ومع هذا فقد جاءت رواية أخرى بذكر أربعة أحاديث، وقد رواها الفسوي قبل روايته السابقة التي فيها ذِكْر حديثين فقط، فقد قال: وسمعت بعض وَلَد جويرية بن أسماء، وكان ملازمًا لعلي قال: سمعت عليًا يقول: دُفع إلي من حديث ابن إسحق (شيء) فما أنكرت منه إلا أربعة أحاديث، ظننت أن بعضه منه، وبعضه ليس منه/ المعرفة =
[ ٢ / ٧٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والتاريخ ٢/ ٢٧، وتاريخ بغداد ١/ ٢٢٩ وفيه "وَقَعَ" بدل "دفَعَ"، وقد تحرفت كلمة "شيء" في المعرفة إلى "ستين" والصواب ما أثبته لاستقامة المعنى عليه، وسقط من السير كلمة (ستين) السير ٧/ ٤٥. وقد أعطى الفسوي لهذه الرواية كما نرى شيئًا من التأكيد ببيان أن راويها عن ابن المديني من الملازمين له؛ ولكنه أبهمه، وبالتالي يكون التعويل على روايته ضعيفًا؛ ثم أن قوله فيها: "دُفع إلي شيء" يدل على قلة ما استقرأه، في حين زاد عدد ما أنكره إلى ضِعْف ما ذكره في الرواية السابقة، وكذلك لم تُحدد فيها الأحاديث حتى نعلم: هل عد منهم الحديثين الواردَين في الرواية الأولى أولًا؟ والذي تبين لي بالبحث، وجود حديثين أعلهما ابن المديني من رواية ابن إسحق، وهما غير الواردين في الرواية الأولى، وبذلك يكون قوله: لم أجد إلا حديثين منكَرين، متجهًا إلى الوقت الذي صدر منه فيه هذا القول فقط، ثم وجد غيرهما بعد ذلك، والحديثان اللذان وقفت عليهما قد ذكرهما في كتاب العلل له، وأحدهما حديث أبي هريرة: "لا يُحَرِّمُ من الرضاع المصَّة والمصتان" وقال: رواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الحجاج بن أبي الحجاج عن أبي هريرة، وهذا غَلَط، ثم بين وجه الغلط بأن ابن إسحق في هذا الإسناد قد أدخل حديثًا في حديث، ثم قال: والحديث عندي حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن النبي -ﷺ- (الحديث) / العلل لابن المديني بتحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي/ ٨١، ٨٢ وقول ابن المديني: والحديث عندي حديث هشام الخ معناه: أن هذا سياق سنده المعروف به، والمعتمد، وقد رواه ابن إسحق بسند نحالف، ولم يُعرَف له متابع عليه، فصار منكرًا، وتبين خطؤه فيه. والحديث الثاني: حديث الزبير، مرفوعًا: في لُحوم الأضاحي، قال ابن المديني: رواه ابن إسحق عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم عن أبيه، ولا يُحفَظ عن عبد الله بن إبراهيم هذا شيئًا غيرُ هذا الحديث، ولا أعلم أحدًا روَى عنه إلا ابن إسحق/ العلل ٩٧، أقول: وعبد الله بن عطاء هذا، قال فيه ابن معين: =
[ ٢ / ٧٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لا شيء، وقال أبو حاتم: شيخ/ اللسان ٣/ ٣١٦، فحالُ عبد الله هذا، تجعل ضعف الحديث بهذا الإسناد، راجعًا إليه، وبذلك يكون إعلال الحديث الأول راجعًا إلى وهم ابن إسحق، وإعلال الثاني راجع إلى ضعف شيخه، وهذا يوافق قول ابن المديني السابق عن الأربعة أحاديث المنكرة: إن بعضها من ابن إسحق، وبعضها من غيره. أما الحديثان الأولان: فقد أشار البيهقي إلى وجه النكارة في روايتيهما من طريق ابن إسحق، وهو أنه رُوِي كل منهما من طريق في طريقه المشهورة، ثم دفع البيهقي القول بنكارتهما من طريق ابن إسحق بذكْره متابِعًا له على كل حديث، وبالتالي يمكن تصحيحهما، وبراءة ابن إسحق من التفرد بما يخالف الطريق المشهور لكل منهما. فالحديث الأول، وهو حديث النعاس، ذكر أن طريقه المشهورة: عن عمرو بن دينار عن ابن عمر موقوفًا، وأن ابن إسحق رواه عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا -وقد تقدم تخريج أحمد والترمذي له هكذا- وبذلك خالف ابن إسحق رواية الوقف المشهورة، فقال البيهقي عقب ذكر رواية ابن إسحق: هذا الحديث يُعد في أفراد محمد بن إسحق/ السنن الكبرى له ٣/ ٢٣٧ والقراءة خلف الإمام له/ ٦٠، ثم ذكر أن الحديث قد رُوي من وجه آخر: عن نافع عن ابن عمر، مرفوعًا، كرواية ابن إسحق، وأخرج تلك الرواية بسنده، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع، به/ السنن والقراءة خلف الإمام/ الموضع السابق. فيكون يحيى بن سعيد الأنصاري قد تابع ابن إسحق على رواية الحديث من هذا الطريق، مرفوعًا، متابعة تامة، فارتفعت النكارة، وأمكن تصحيح الحديث، بمتابعة الأنصاري، ويكون الحديث قد صحت روايته مرفوعًا، وموقوفًا، وإن اشتهر الموقوف فقط، وعليه قرر البيهقي في كتابه "القراءة خلف الإمام": أن ابن إسحق خَرَج من عُهدة الحديث، ويمكن تصحيحه، كما نقل البخاري عن ابن المديني/ القراءة خلف الإمام للبيهقي/ ٦١. لكنه في السنن أخرج الحديث من طريق ابن إسحق، ثم مَن تابعه، ثم أعله =
[ ٢ / ٧٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بمعارضة رواية الوقف المشهورة، من طريق آخر، فقال: ولا يثبتُ رفعُ هذا الحديث، والمشهور عن ابن عمر، من قوله. ثم أخرجه من تلك الطريق، وهي طريق عمرو بن دينار عن ابن عمر، موقوفًا عليه. أقول: وسندها إلى ابن عمر رجاله ثقات. انظر السنن ٣/ ٢٣٧، وقد تعقب ابن التركماني البيهقي في هذا الإعلال بأن الرفع زيادة ثقة، وقد رُوَيتْ من وجهين فوجب الحكم لها، وأيد ذلك بتصحيح الترمذي للحديث من طريق ابن إسحق/ الجوهر النقي بهامش السنن ٣/ ٢٣٧، ٢٣٨، وهذا هو الأقرب لما مشى عليه البيهقي نفسه في كتاب القراءة خلف الإمام، وقد صحح ابن حبان الحديث أيضًا من طريق ابن إسحق كما مر. هذا وقد أخرج أبو نعيم الحديث من طريق سفيان عن محمد بن إسحق عن نافع عن ابن عمر أُراه رفعه/ تاريخ أصبهان ٢/ ١٨٦، لكن هذا الشك يندفع بالرواية السابقة الخالية منه مع المتابعة عليها. أما الحديث الثاني: وهو حديث الوضوء من مس الذكَر، فذكر البيهقي أن ابن المديني عده من مناكير ابن إسحق؛ لأنه مشهور برواية عروة عن بُسرة بنت صفوان، ولكن ابن إسحق رواه فقال: حدثني الزهري عن عروة عن زيد بن خالد الجُهني عن النبي -ﷺ- (الحديث) مسند أحمد ٥/ ١٩٤، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢١٢٥، والقراءة خلف الإمام للبيهقي/ ٦٠، ٦١، وقد تقدم أن زهير بن حرب -شيخ أبي يَعلَي في هذا الحديث ذكر أن زيد بن خالد، وَهِم وإنما رواه عروة عن بُسرة، وقال الذهبي في الميزان ٣/ ٤٧٣: يقال: هذا غلط، وصوابه: عن بُسرة، بدل: زيد، لكن قال البيهقي: وقد رواه إسحق بن إبراهيم الحنظلي -يعني المعروف بابن رَاهُوية- في مسنده عن محمد بن بكر البرساني عن ابن جريج عن الزهري عن عبد الله بن أبي بكر عن بُسرة بنت صفوان، وعن زيد بن خالد الجهني عن رسول الله -ﷺ- (الحديث)، ورواه أحمد بن حنبل ﵀، عن البرساني هكذا. وبناء على ذلك قرر أن هذا الحديث كسابقه، قد خرج ابن إسحق من عهدته، ويمكن أن يكونا صحيحين، كما نقل البخاري عن =
[ ٢ / ٧٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن المديني/ القراءة خلف الإمام للبيهقي/ ٦١، ٦٢. ثم إن الروايات الثلاثة المتقدمة عن ابن المديني في بيان ما أنكره على ابن إسحق، يدل سياقُها على أن ابن المديني قد ذكرها لبيان قلة ما انتُقِد على ابن إسحق، بحيث لا يقدح في ضبطه لباقي حديثه، وهو الأغلب، وسيأتي تصريح ابن عدي بما يقرب من هذا. وهناك رواية أخرى عن ابن المديني قال: ابن إسحق عندي ثقة، ولم يُضعِّفه عندي إلا الرواية عن أهل الكتاب/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٥ والقراءة خلف الإمام للبيهقي / ٥٨. أقول: وهذا النقد قد سبق انتقاد ابن إسحق به من غير ابن المديني، وتقدم الجواب عنه بما يوضح عدم قدحه في شخصه، ولا في رواياته عن المحتج بهم من المسلمين. وقال ابن مُحرز: سمعت عليًّا يقول: كان ابن إسحق صدوقًا/ سؤالات ابن مُحرز في أحوال الرجال ٢/ ٢٠٠، وهذا الوصف سبق ذكر ابن المديني له ردًا لتهمة الكذب عن ابن إسحق، وإثبات أمانتِه في الرواية، وهذا يلتقي مع المعنى الأصلي لكلمة "صدوق" في الاصطلاح وهو الدلالة على شهرة الراوي بالصدق والستر، وإن كان في ضبطه شيء/ التدريب ١/ ١٧٥، وعلى هذا يكون وصف ابن المديني لابن إسحق بذلك أنزلَ مرتبة من أقواله السابقة بتوثيقه وصحة حديثه، وإشارته إلى عدم قدح مناكيره في ذلك، وأيضًا عندما سأله محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن ابن إسحق فقال: هو صالح وَسَط/ سؤالات محمد بن عثمان لابن المديني/ ٨٩ وتاريخ بغداد ١/ ٢٣٠، ٢٣١، فهذه أيضًا تدل على إنزاله له عن مرتبة الوصف بصدوق، ولكنه يمكن الجمع بين أقوال ابن المديني هذه، فيُحمَل قوله بتصحيح حديئه والاحتجاج به، على الدرجة الدنيا من مراتب الاحتجاج وهي الحسَن لذاته، وإطلاقُه على الدرجة الدنيا من الصحيح متعارف عليه/ انظر الموقظة للذهبي، بتحقيق فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ٢٧، ٣٢، ٣٣، ٨٠، ٨١، ٨٢، ثم يُحمَل قوله: "صالح وَسَط" على الصلاحية للحجة بدرجة متوسطة، بقرينة أقواله السابقة، وبذلك تجتمع تلك الأقوال على =
[ ٢ / ٧٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = معنى مشترك جامع، وعليه تكون خلاصة حال ابن إسحق عند المديني أن نجعل حديئه حسنًا لذاته، ما لم يكن من المنتقد عليه بنكارة أو وهم أو تدليس وسيأتي من أقوال النقاد ما يلتقي مع هذه النتيجة ويؤيدها. وممن تعدد قوله في ابن إسحق أيضًا: الإمام أحمد، وقد تقدمَت بعضُ أقواله مع الرد عليها، وبعض أقواله المقبولة أيضًا مثل قوله في تدليس ابن إسحق، ودفعِه تكذيب من كذبه، وتقرير حجيته في الغازي والسير دون الأحكام، وبقيت له عدة أقوال، بعضها مطلق، وبعضها مقيد، وبعضها مفسر، وبعضها مجمل، بل إنه قد سئل مرة عن ابن إسحق، فقال: ما أدري ما أقول: الكامل لابن عدي ٦/ ٢١٢٠، ولعله قال ذلك قبل أن يختبر مروياته، ويتبين الراجح من حاله، لكثرة الاختلاف فيه، ومما انتقده فيه بخصوصه أنه قيل له: حدّث ابن إسحق حديثًا عن نافع عن ابن عمر قال: "يُزكّى عن العبد النصراني"، فقال: هذا شر على ابن إسحق/ الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٨، وقد وصف الذهبي الحديث بأنه من مناكير ابن إسحق/ الميزان ٣/ ٤٧٠، فلعل هذا وجه شَرِّيتِه الذي لم يوضحه الإمام أحمد، وقد تقدم في الجواب عما أنكره ابن المديني وغيره على ابن إسحق أن ذلك قليل بالنسبة لسعة مروياته، فلا يقدح في الباقي، وفي رواية لابن هانيء عن أحمد: أنه ذكر أوثق أصحاب نافع، ثم قال: ومحمد بن إسحق ليس بذاك القوي/ شرح العلل لابن رجب ١/ ٤٧٥، وظاهر هذه العبارة تضعيفه لابن إسحق في الرواية عن نافع عمومًا، ولكن لا يبعد حَمل مرادِه بها على تضعيفه بالنسبة لمن ذكرهم معه من الأثبات في الرواية عن نافع، وهم: أيوب السختياني، ومالك وعبيد الله بن عمر، فيكون المعنى أن ابن إسحق ليس بقوي كقوة هؤلاء، ولكنه دونهم في القوة والحجية، وبهذا لا تكون العبارة قدحًا، ولو سُلِّم كونها قدحًا، فهو مجمل، ويعارضه ما تقدم عن النسائي وابن المديني مِنْ عَدِّهم ابن إسحق من المقبولين في الرواية عن نافع/ وانظر شرح العلل ١/ ٤٠١، ٤٠٤، ولا يعكر على هذا ما تقدم من القول بنكارة حديثه عن نافع في الزكاة عن العبد النصراني، لأن هذا نقد لإحدى الروايات فقط بخصوصها. =
[ ٢ / ٧٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال الميموني: نبأنا أبو عبد الله بحديث استحْسَنتُه عن محمد بن إسحق، فقلت له: يا أبا عبد الله، ما أحسن هذه القصص التي يجيء بها ابن إسحق، فتبسم إليّ متعجبًا/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٠، والضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٧، ٢٨، والذي يفهم من كلام الميموني أنه استحسن السياق القصصي لمتن الحديث، وأراد من شيخه معرفة حال رَاوِيه، وهو ابن إسحق، ويمكن اعتبار تحديث أحمد به، ثم تبسمُه متعجبًا من كلام الميموني، دون إنكار عليه، دليلًا على قبوله لرواية ابن إسحق في المغازي والسير التي تعد القصص من متعلقاتها، وهذا يلتقي مع ما تقدم من تصريح أحمد بالاحتجاج بابن إسحق في المغازي والسير ونحوهما، دون السُّنن والأحكام، لكن ستأتي أكثر من رواية عن أحمد تثبت أن ابن إسحق يحتج به مطلقًا في غير ما ينتقد عليه بتدليس أو شذوذ، أما ما رواه حنبل ابن إسحق عن أحمد قال: ابن إسحق ليس بحجة/ تهذيب الكمال ٣/ ١١٦٨، وسير النبلاء ٧/ ٤٦، فقد جاء عنه أيضًا ما يدل على أن المراد بذلك إنزاله ابن إسحق فقط إلى المرتبة التالية للحجة، وهي الوصف بالثقة، حيث ذكر المنذري أن أحمد قال: لو قال رجل: إن ابن إسحق كان حجة، لما كان مصيبًا، ولكنه ثقة/ رسالة المنذري في الجرح والتعديل/ ٢٢، وعلى هذا فَتُحمل العبارة الأولى على الثانية، وقد تقدم وصف ابن معين له بمثل ذلك. وجاء عن أحمد أيضًا قوله: هو -أي ابن إسحق- صالح الحديث، وأحتجُّ به أنا أيضًا/ شرح العلل ١/ ١٢٦، فجمعُه هنا بين الوصف بصالح الحديث، وبين الاحتجاج به، يدل على كونه عنده في درجة متوسطة من التوثيق والحجِّية مطلقًا، ويؤيد هذا ما استخلصه البخاري من موقف أحمد عمومًا من ابن إسحق حيث ذكر أن أحمد قد احتمل ابن إسحق/ تهذيب الكمال ٣/ ١١٦٨ والقراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٧، وسيأتي تقييد ذلك فقط بغير المنتقد انتقادًا خاصًا، من تدليس أو شذوذ. أما ما ذكره الذهبي من أن أحمد قال في ابن إسحق: "حَسن الحديث وليس بحجة"/ المغني ٢/ ٥٥٢، فلعله اختصار من الذهبي، جَمَعه من قولين منفصلين =
[ ٢ / ٧٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لأحمد، أحدهما: قولُه: "ليس بحجة" كما تقدم، وثانيهما: قولُه: "حسن الحديث" كما سيأتي، ولم أجد هذه العبارة مجتمعة عند غيره، وقد جاءت رواية عن أحمد بتحسين حديث ابن إسحق عمومًا، وذلك في مَعرِض رده على تكذيب مالك له كما تقدم، حيث قال: هو حسن الحديث، ولقد قال مالك -حين ذكره دجَّال من الدجاجِلَة/ انظر تاريخ بغداد ١/ ٢٢٣، وقد اعتبر ابن رجب وغيرُه هذا قولًا لأحمد بتحسين حديث ابن إسحق عمومًا دون أن يُقْرِنُوه بباقي عبارته المشيرة إلى معارضته لتكذيب مالك لابن إسحق/ شرح العلل لابن رجب ١/ ١٢٦ والميزان ٣/ ٤٦٩ وتذكرة الحفاظ ١/ ١٧٣، ولكن جاء عن أحمد أيضًا ما يدل على أن تحسينه لحديثه ليس مطلقًا، بل مقيد بغير المنتقد عليه، بتدليس أو شذوذ أو نكارة ونحو ذلك، فقد تقدم في كلامه عن تدليسه أنه قال: وأحسن حديثه عندي ما قال: أخبرني وسمعت/ الجرح والتعديل ٧/ ١٩٣، ١٩٤، ولما سمع منه الأثرم هذا قال له: فإذا قال: حدثني وأخبرني، فهو ثقة؟ قال: هو يقول: أخبرني ويُخالِف/ الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٧، وفسر ابن رجب ذلك بأن أحمد يشير إلى أن ابن إسحق يصرح بالتحديث، ويُخالِف الناس في حديثه مع ذلك/ شرح العلل ١/ ١٢٧، وأقول: وتلك المخالفة تقتضي الشذوذ أو النكارة، وتشير إلى أن في حفظه شيئًا، فيكون مقتضى قول أحمد هذا، تحسين حديث ابن إسحق فيما لم يدلسه، ولم ينفرد به مخالفًا غيرَه ممن هو أوثق أو أكثر منه. فيتلخص من استعراضنا للمقبول من أقوال أحمد، ومراعاة فهم البخاري وغيره لها، أنه يمكن الجمع بينها على تحسين حديث ابن إسحق في الأحكام وغيرها، ما لم يكن مما دلسه أو خالف فيه من هو أرجح منه. وممن اختلف قوله في ابن إسحق، وقرر اختلاف الأئمة أيضًا فيه الدارقطني حيث سأله السُّلَمي عنه فقال: اختلف الأئمة فيه، وأعرفُهم به مالك/ سؤالات السُّلمي للدارقطني بتحقيق الشيخ خليل حمادة/ ٢٥٨، وهذا القول من الدارقطني بمثابة إقراره لتكذيب مالك له، وقد تقدم الرد عليه، كما تقدم قول ابن المديني وغيره من السابقين على الدارقطني: إن مالكًا لم يعرف ابن إسحق، =
[ ٢ / ٧٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ولم يجالسه، لأنه لم تطل مدة إقامته، ولم يكثر تحديثه بالمدينة، وتقدم أيضًا أن كلام مالك في ابن إسحق كان عن عداء شخصي بينهما، أو أنه كان يكذبه في غير الحديث، فلا يقدح في روايته. ثم إن باقي أقوال الدارقطني في ابن إسحق واحتجاجه به يخالف القول بتكذيبه فقد سأله البُرقاني عن رواية ابن إسحق عن أبيه فقال: جميعًا لا يحتج بهما، وإنما يعتبر بهما/ سؤالات البرقاني للدارقطني بتحقيق الشيخ خليل حمادة/ ٣٣٥: فتقريره الاعتبار برواية ابن إسحق يقتضي تضعيفه له تضعيفًا يقبل الانجبار، وذلك بخلاف التكذيب كما لا يخفى، ثم إن هذا التضعيف يُحتَمل كونه خاصًا برواية ابن إسحق عن أبيه فقط، لأن هذا موضوع السؤال كما ترى. وأخرج الدارقطني حديث أسامة في الضحك في الصلاة من طريق ابن إسحق عن الحسن، ثم قال: وقد اضطرب ابن إسحق في روايته عن الحسن/ سنن الدارقطني - الصلاة - أحاديث القهقهة ١/ ١٦٢، وهذا أيضًا نقد خاص لضبط روايته عن الحسن. وقد أخرج الدارقطني أيضًا من طريق ابن إسحق حديث جابر المتقدم في شرح هذا الباب في النهي عن استدبار القبلة واستقبالها عند قضاء الحاجة، ثم قال عن رواته: كلهم ثقات/ سنن الدارقطني - الطهارة - باب استقبال القبلة في الخلاء ١/ ٥٨، ٥٩، فهذا توثيق لرجال الإسناد بمن فيهم ابن إسحق، وأخرج أيضًا من طريقه حديث عبادة بن الصامت أنه -ﷺ- صلى الصبح فثقلت عليه القراءة (الحديث)، وقال الدارقطني: هذا إسناد حسن/ سنن الدارقطني - الصلاة - باب وجوب قراءة أم الكتاب ١/ ٣١٨، وبمراجعتي لتراجم رجال هذا الإسناد وجدت أدناهم توثيقا هو ابن إسحق، وأخرج من طريقه أيضًا حديثًا آخر، مع تصريحه بالتحديث وقال: هذا إسناد حسن متصل - باب وجوب الصلاة على النبي -ﷺ- في التشهد ١/ ٣٥٤، ٣٥٥، فيستخلص من هذا أن الراجح احتجاج الدارقطني بابن إسحق وأن حديثه عنده في مرتبة الحسن لذاته على الأقل، ما لم يوجد انتقاد خاص فيعمل به في موضعه كالتدليس والاضطراب ونحوه في =
[ ٢ / ٧٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بعض الروايات بخصوصها. ومن العلماء من أشار إلى اختلاف آراء النقاد في ابن إسحق، ولم يتعرض للترجيح أو الجمع بينهما، وإنما جعل وجود هذا الاختلاف، دون ترجيح للتوثيق التام مُنزِلًا لحديثه عن درجة الصحة إلى درجة الحسن لذاته، وذلك مراعاة لأن الحسن درجة متوسطة بين الصحة والضعف ومن هؤلاء: ابن القطان، والمنذري. فابن القطان قال ابن سيد الناس عنه: واختار أبو الحسن بن القطان أن يكون حديثه -يعني ابن إسحق- من باب الحَسن؛ لاختلاف الناس فيه/ عيون الأثر ١/ ١٣، وقدمت من قبل ص ٣٨٨ ت هامش وما بعدها أن ابن القطان يرى أن المختلف في توثيقه وتجريحه، يكون حديثه في مرتبة الحسن لذاته، وقد وافقه المؤلف على ذلك في الموضع السابق ولكنه خالفه هنا، فذكر في الأصل تحسينه لحديث ابن إسحق، وتعقبه بتصحيحه مطلقًا كما تقدم، وأما في عيون الأثر فذكر تحسين ابن القطان لحديثه تعقيبًا على ذكر اختلاف العلماء في الاحتجاج به في الأحكام وعدمه، ولم يصرح بتعقبه، ولكن أَتْبعه بذكر الأجوبة عما انتُقِد به ابن إسحق عمومًا/ عيون الأثر ١/ ١٣ - ١٧، ويفهم من أجوبته ترجيحه لتوثيقه وصحة حديثه. وأما الحافظ المنذري فقال في مختصره لسنن أبي داود بشأن ابن إسحق: وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بحديثه ١/ ٤٠ مع تهذيب السنن لابن القيم، ولم يبين شيئًا عن هذا الاختلاف كما ترى، ولما سئل عما يؤخذ به من الأقوال المختلفة في الراوي مثل محمد بن إسحق وغيره، قال في الجواب عن ذلك بالنسبة لابن إسحق: "وقد أكثر الأئمة الكلام فيه، في الطرفين: الثناء والذم ثم ذكر نماذج من الأقوال المختلفة، وعلق عليها بقوله: فمن ترك الاحتجاج بحديث ابن إسحق احتَمل أن يكون تركه للقَدر أو للتشيع أو للتدليس، على رأي من يرى ذلك قادحًا، أو يكون هذا أو غيره من الكلام فيه، وإن لم يقتض عنده حجة في رد حديثه، غير أنه أحدث رِيبةً منعته من الاحتجاج به ثم قال: ومن احتج بحديثه احتمل أن يكون لا يرى البدعة مانعة، ولا التدليس. وقصة هشام =
[ ٢ / ٧٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مع الجواب عنها، وما من الكلام فيه في مفسر، لا يؤثر عنده. وما جاء أيضًا عن واحد -يعني من الجرح- وهو -أي الناقد- يَشْترِط العدد، لا يؤثر عنده، والله أعلم/ رسالة الجرح والتعديل للمنذري ٢١ - ٢٣ و٤٤. وبهذا أنهى جوابه دون بيان قول معتمد في ابن إسحق، أو بيان لدرجة حديثه، وفي ذكر الرواة المختلف فيهم، ممن ذكر بعض روايتهم في الترغيب والترهيب، صدَّر كلامه عن حال ابن إسحق بقوله: أحد الأئمة الأعلام، حديثه حسن، ثم ذكر بعض أقوال من كذبه، ومن لم يحتج به، ثم قال: ووثقه غير واحد، ووهاه آخرون، وهو صالح الحديث، ما له عندي ذنب إلا ما قد حشاه في السيرة من الأشياء المنكرة المنقطعة والأشعار المكذوبة، ثم واصل بيان باقي أقوال المجرحين والموثقين له، والمصححين لحديثه، ثم قال: وبالجملة فهو ممن اختلف فيه، وهو حسن الحديث كما تقدم -يعني في أول كلامه- والله أعلم/ الترغيب والترهيب - باب ذكر الرواة المختلف فيهم ٤/ ٥٧٧، بتصحيح الشيخ مصطفى محمد عمارة؛ فيلاحظ أن المنذري صدَّر كلامه بتحسين حديث ابن إسحق، وجعل خلاصة حاله أنه مختلف فيه، وأَتْبع ذلك بالقول بتحسين حديثه، وأما انتقاده له بما في سيرته من الأخبار المنكرة والأشعار المكذوبة، فقد تقدم الجواب عنه بأنه لا يقتضي قدحًا في شخصه، ولا في باقي رواياته، وهو الأكثر، فيكون تحسين المنذري لحديثه مقيدًا بغير المنتقد نقدًا خاصًا، كنكارته أو عدم ثبوته، وكذلك يُقَيَّد بغير ما دلسه، حيث وجدته يتوقف فيما لم يصرح فيه ابن إسحق بالتحديث ونحوه مما يدل على الاتصال/ انظر الترغيب والترهيب - الطهارة - الترغيب في السواك ١/ ١٦٨. ومن العلماء من ذكر اختلاف الأقوال في ابن إسحق، ولكن أشار إلى ترجيح توثيقه وهو محمد بن سعد، حيث ترجم له في موضعين من طبقاته، فقال في الأول: وقد كتَبتْ عنه العلماء، ومنهم من يستضعفه/ الطبقات/ القسم المحقق/ ٤٠٢، ٤٠٣، وفي الموضع الثاني قال: "وكان محمد -يعني ابن إسحق- ثقة، وقد روى عنه الناس". وذكر ممن روى عن شعبة والسفيانَيْن وجماعة من الأئمة، ثم قال: "ومن الناس من تكلم فيه/ الطبقات ج ٧ =
[ ٢ / ٧٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قسم ٢/ ٦٧ ط الشعب، فنلاحظ مِنْ صدر كلامه في الموضعين ترجيحه لتوثيقه، حيث صدَّر كلامه الأول بكتابة العلماء عنه وفي الموضع الثاني صدر كلامه بتوثيقه صراحة، وأيده برواية الأئمة عنه، ومنهم من وثقه ودافع عنه كشعبة وابن عيينة كما قدمنا - ثم آخر ابن سعد في الموضعين ذكرَ من تكلم فيه وضعفه، وذلك يدل بوضوح، على ترجيحه لتوثيقه مطلقًا، لكن سيظهر لنا بعد استعراض عامة أقوال النقاد فيه ترجُّح نزوله عن مرتبة الثقة إلى تاليتها وهي مرتبة "الصدوق" لما تبين من وقوع أوهام منه اقتضت خِفة ضبطه، وقد تقدم ذكر ابن المديني لبعضها، وإشارة الإمام أحمد وابن عدي كذلك إليها. ومن العلماء من ذكر اختلاف الأقوال في ابن إسحق، ورد بعضها ثم اختار من باقي الأقوال ما يمكن الجمع به بينها. وهذا في تقديري هو الأولى، وعليه جرى المحققون من العلماء، كما نوضحه فيما يلي: فمن هؤلاء الإمام ابن عدي، فإنه عرض مجمل أقوال العلماء المختلفة في ابن إسحق، وذكر من أحاديثه المنتقدة أكثر من خمسة وعشرين حديثًا، مع بيان علة عدد منها، ثم أشار إلى كثرة مرويات ابن إسحق، وأثنى على تأليفه في المغازي والسيرة كما قدمت ذكره، ثم عقب على ذلك كله بقوله: وقد فَتَّشتُ أحاديثَه الكثيرة فلم أجد في أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ أو وَهَم في الشيء بعد الشيء، كما يخطيء غيره، ولم يتخلف عنه في الرواية الثقات والأئمة، وهو لا بأس به/ الكامل ٦/ ٢١١٦ - ٢١٢٥، ويلاحظ أن ابن عدي قد اعتمد في بيان حال ابن إسحق على النظر في الأقوال المختلفة، وسَبْر مروياته لمعرفة مدى مطابقتها لأقوال النقاد فيه، وتقريره في نتيجة الاستقراء: أنه لم يجد من أحاديثه ما يتهيأ القطع بضعفه، إلا ما تبين وهمه فيه أو خطوة، مع قلته، وهذا يعتبر ردًا منه لتكذيب من كذبه، أو ضعفه من غير جهة الضبط، وفيه أيضًا تقييد لتضعيف من ضعفه مطلقًا، أما وصفه حال ابن إسحق عمومًا بأنه: لا بأس به، فهذا توسط منه بين ما وُصِف به من ألفاظ التوثيق المختلفة وبين ما وُصِف به من التجريح بغير الكذب، ووصفُه بهذا اللفظ يجعله في أدق مراتب التوثيق للمحتج بهم من الرواة، مع التسليم بوجود خفة في ضبطه، يُحمَل عليها =
[ ٢ / ٧٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = التضعيف بغير الكذب والبدع وتلك مرتبة الحسن لذاته، وفي ذلك رد على عدم الاحتجاج به في الأحكام كما سبق، فتكون خلاصة حال ابن إسحق المستفادة من كلام ابن عدي القائم على الاستقراء للمرويات والنظر في الأقوال المختلفة للعلماء، أن حديثه في مرتبة الحسن لذاته، ما لم يكن مما ظهر وَهمُه أو خطؤه فيه، أو دلَّسه، وفي ذلك جمع بين أقوال الموثقين، وبين أقوال المجَرِّحين التي لم يردَّها. ومن هؤلاء أيضًا الإمام الذهبي، وقد ترجم لابن إسحق في عامة كتبه في الرجال، ففي تذكرة الحفاظ استهل ترجمته بوصفه الإمام الحافظ، ثم قال: وكان أحد أوعية العلم، حَبْرًا في معرفة المغازي والسير، وليس بذاك المتقن، فانحط حديثه عن رتبة الصحة، وهو صدوق في نفسه، مَرضِي، ثم ذكر عددًا من الأقوال المختلفة في تجريحه وتعديله، ثم قال: والذي تقرر عليه العمل أن ابن إسحق، إليه المرجع في المغازي والأيام النبوية، مع أنه يشذ بأشياء، وأنه ليس بحجة في الحلال والحرام، نعم ولا بالواهي، بل يستشهد به/ تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٢، ١٧٣، فيُسْتَخلَص من هذا أنه يعتبر ابن إسحق حجة في المغازي والسير، ولكن يَنزِل حديثه في ذلك عن درجة الصحة إلى الحسن لذاته، لأنه صدوق في ضبطه شيء، وما يشذ به فهو مردود، وأما في أحاديث الأحكام فيرى نزولَه عن درجة الحسن إلى الضعف غير الشديد، وبذلك لا يُحتج بحديثه في الأحكام، ولكن يُستشهد به فقط. وفي ذلك رد لتكذيب من كذبه، أو ضعفه جدًّا، وجَمْعٌ بين باقي الأقوال بتوثيقه، والأقوال بترجيحه بحَمْل كل منها على جانب من حديثه. ومع تصريحه -كما ترى- بأن هذا الذي تقرر عليه العمل بالنسبة لحال ابن إسحق، ودرجة أحاديثه، فإن الذي جرى عليه هو في أكثر كتبه الأخرى في الرجال خلاف ذلك، حيث قرر أن حديث ابن إسحق محتج به في الأحكام وغيرها، وإن كان الاحتجاج به في المغازي والسير آكَد، بحيث يُقدّم عند الترجيح، وأنه في مرتبة الحسن لذاته، ما لم يكن شاذًا أو منكرًا. وقد ذكره أيضًا في منظومته في المدلسين، ولكن لم يبين حكم تدليسه كما قدَّمت/ وانظر المنظومة =
[ ٢ / ٧٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مع شرحها المسمى بالتأنيس لعبد العزيز الغماري ٦١، ٦٤ وما بعدها، لكنه نَقل في السير قول ابن نُمَير في شأن ابن إسحق: إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق/ السير ٧/ ٤٣، وأقر ذلك، فدل هذا على إقراره لرد ما دلسه ابن إسحق، وهو رأي الجمهور كما قدمته، وانظر الموقِظة/ ٤٥، ٤٧. وفي كتابه "معرفة الرواة المُتكلَّم فيهم بما لا يوجب الرد" ذكر ابن إسحق، وصدَّر كلامه بقوله: صدوق، فأشار بذلك إلى اختيار وصفه بهذا اللفظ الذي يدل على تحسين حديث الموصوف به، كما سيأتي تصريحه بالتحسين، ثم أَتْبع ذلك بذكر بعض أقوال الأئمة في توثيقه وتجريحه/ معرفة الرواة المتكلَّم فيهم بما لا يوجب الرد/ ١٦٣، ١٦٤ وطُبع الكتاب أيضًا بعنوان: "ذكر أسماء من تُكُلِّم فيه وهو موثق/ ١٥٩، ١٦٠، وقد اختلطت ترجمة ابن إسحق في الطبعتين بترجمة راو آخر، فتنبه لذلك. وفي الموقظة مَثَّل لأَعلا مراتب الحديث الحسن بثلاثة أسانيد، وثالثها: محمد بن إسحق عن محمد بن إبراهيم التيمي/ الموقظة/ ٣٢، ٣٣ ونقله عنه السيوطي، وأقرَّه/ تدريب الراوي ١/ ١٦٠. وفي كتابه ديوان الضعفاء، صدَّر الكلام عن ابن إسحق بقوله: ثقة إن شاء الله، صدوق، احتج به خَلْق من الأئمة، ولا سيما في المغازي، ثم أَتْبع ذلك بذكر أبرز الأقوال المختلفة فيه، توثيقًا وتجريحًا/ ديوان الضعفاء - بتصحيح الشيخ حماد الأنصاري/ ٣٦٥، وفي كتاب المغني في الضعفاء - الذي أشار الدكتور نور الدين عز وغيره إلى تأخر تأليفه عن الديوان السابق - صدَّر الذهبي أيضًا الكلام عن ابن إسحق بقوله:/ أحد الأعلام، قوي الحديث، إمام، لا سيما في السير. ثم ذكر أهم الأقوال المختلفة فيه توثيقًا وتجريحًا/ المغني مقدمة المحقق د. عتر ١ / ص: ن، ع وج ٢/ ٥٥٢، ٥٥٣ وكتاب الذهبي ومنهجه في ميزان =
[ ٢ / ٧٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الاعتدال/ للشيخ قاسم سعد/ ١٥٦٣، وفي ميزان الاعتدال، الذي ذكر الذهبي تأخره على كتاب "المغني" السابق، توسع الذهبي في ترجمة ابن إسحق، فعرض عامة الأقوال فيه على اختلافها، توثيقًا وتجريحًا، ورد على من كذَّب ابن إسحق، أو نسبه إلى ما يقتضي رد حديثه مطلقًا، أو شدة ضعفه -وقد سبق نقل عدد من ردوده وأقواله التفصيلية خلال ما مضى من تحقيق الأقوال في ابن إسحق- وفي نهاية عرضه للآراء وما ذكره من الردود، قال: فالذي يظهر لي، أن ابن إسحق، حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، وقد احتج به أئمة فالله أعلم: الميزان ١/ ١ و٣/ ٤٦٨ - ٤٧٥ والموقظة له/ ٨١ وقوله: "ما انفرد به ففيه نكارة" يعني إذا خولف ممن هو أرجح منه، ولذا عبر عنه فيما سيأتي بالشذوذ، وسيأتي أيضًا تصريح الحافظ ابن حجر بأنه لا يحتج بابن إسحق إذا خولف، وفي كتاب الكاشف الذي يبدو أن الذهبي فرغ منه قبل الفراغ من الميزان قال الذهبي أيضًا في ترجمة ابن إسحق: كان صدوقًا من بحور العلم، وله غرائب في سعة ما روى، تُسْتَنكر، واختُلِف في الاحتجاج به، وحديثه حسن، وقد صححه جماعة/ الكاشف ٣/ ١٩. أما في سير النبلاء الذي بيضه الذهبي بعد تأليفه للميزان بوقت قصير، فإنه قد ترجم فيه لابن إسحق، على نحو ما في الميزان، وعقب على تبادل النقد بين مالك وبين ابن إسحق فقال: وهذان الرجلان كل منهما قد نال من صاحبه، لكن أثَّر كلام مالك في محمد بعض اللين، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة، وارتفع مالك وصار كالنجم، والآخر فله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما في أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحَسن، إلا فيما شذ فيه، فإنه يعد منكرًا، هذا الذي عندي في حاله والله أعلم/ مقدمة د. بشار عواد لتحقيق سير النبلاء ١/ ٩٢ والميزان ٤/ ٦١٦، والسير ٧/ ٤١، وكلام الذهبي هنا يشير إلى اختياره تصحيح حديث ابن إسحق في السير ونحوها، وتحسين حديثه في الأحكام، ويَشترِطُ في الحالين عدم الشذوذ، وهذا كما ترى خلاف ما اتفقت عليه المصادر الستة السابقة، وهي الأكثر، ومن بينها الموقظة التي هي موطن بيان =
[ ٢ / ٧٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = القواعد، وقد قرر تحسين حديثه مطلقًا في غير ما شذ به، أو دلسه، دون تفريق بين الأحكام وغيرها، فما اتفقت عليه كلمته في أكثر كتبه هو الْأولى بالاعتماد، وبه يمكن الجمع أيضًا بين أقوال الموثِّقين له، وبين أقوال مخرحيه بغير ما هو مردود من تكذيبه، أو وصفه بما يقتضي شدة ضعفه. وأما ما جزم به الشيخ عبد العزيز الغماري من أن الذهبي قال في ديوان الضعفاء بشأن ابن إسحق: حديثه عندي صحيح، ولم أجد له إلا حديثين منكرين "ثم قرر أن ذلك هو الصواب في حال ابن إسحق/ التأنيس بشرح منظومة الذهبي في أهل التدليس/ ٦٦، ٦٧ فهذا تصويب بُنِي على خطأ في النقل؛ لأن الذي في الديوان وغيره أيضًا نسبة هذا القول صراحة، وبعبارته المذكورة، إلى علي بن المديني/ انظر ديوان الضعفاء/ ٣٦٥، وقد سبق ذكر هذا القول بنصه ضمن أقوال ابن المديني، نقلًا من المصادر المتعددة لترجمة ابن إسحق، والمحال عليها هناك فليُتَنبه لهذا السهو العجب مَن يَطلع على كتاب الشيخ الغماري المذكور وجَلَّ من لا يسهو. وممن أشار إلى الاختلاف في ابن إسحق، وحقق القول في حاله بما يعتبر جمعًا بين الأقوال غير المردودة، الحافظ ابن حجر، فقد ذكر حديثًا في الطلاق صححه أبو يعلي من طريق ابن إسحق، ورده غيره، بأن فيه ابن إسحق وشيخه، وهما مختلف فيهما، ثم نقل في الجواب عن ذلك: أنه ليس كل مختلَف فيه مردودًا/ الفتح ٩/ ٣٦٢، وقد أقر هذا الجواب، فدل إقرارة على أن الاختلاف في ابن إسحق لا يَقتضي ردَّه، وفي كتاب العيدين نَقل عن الإسماعيلي قوله: أن ابن إسحق ليس من شرط البخاري/ الفتح ٢/ ٤٤٦ وأقر الإسماعيلي على ذلك؛ لكنه كان قد نبه قبل ذلك في كتاب الأذان على أنه لا يلزم من كون الراوي على غير شرط البخاري أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلا شروط الصحة/ الفتح ٢/ ٢٠٥، وقد سبق ذكري لهذا في بيان إقرار البخاري للاحتجاج بابن إسحق، وإن لم يَحتجُّ به في صحيحه. =
[ ٢ / ٧٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وذَكره ابن حجر فيمن علق البخاري شيئًا من حديثهم ممن تُكُلِّم فيه، فقال: محمد بن إسحق، الإمام في المغازي، مختلف في الاحتجاج به، والجمهور على قبوله في السير، وقد استُفْسِر من أَطلَقَ عليه الجرح فبان أن سببه غير قادح، وأخرج له مسلم في المتابعات، ثم ذكر رواية البخاري له تعليقًا في مواضع عديدة، كما ذكرتُه آنفًا/ وانظر هدي الساري/ ٤٥٨، وقوله: إن من أطلق عليه الجرح ظهر أن سببه غير قادح، يشير إلى قدح هشام بن عروة وغيرِه بتكذيبه كما مر، وهذا ردٌّ منه لتكذيب من كذبه، أما ما دون ذلك مما يتعلق بضبطه وتدليسه، فسيأتي ما يوضح موقف ابن حجر منه، وقوله هنا: إن الجمهور على قبول ابن إسحق في السير، ليس صريحًا في تحديده درجة حديثه المتعلق بالسير ونحوها؛ لأن القبول يشمل الصحيح والحسن، كما أنه لم يبين درجة حديثه في الأحكام، لكن باقي النقول الآتية عنه توضح هذا، ففي فصل الأحاديث المُنتقدَة على البخاري والجواب عليها، ذَكَر روايةً من طريق ابن إسحق، متعلقة بالمغازي، وعزاها إلى أبي عَوانة في صحيحه (يعني المستخرج على صحيح مسلم)، وعزاها أيضًا إلى عبد الله بن منده في كتاب الإيمان له، وذكر أن هذا الكتاب على شرط الصحة أيضًا، وعلق على تلك الرواية بأنها رواية محمد بن إسحق إمام أهل المغازي، وهو حجة في المغازي، وروايته هنا راجحة على رواية غيره/ الهَدْي ٣٧١، ويلاحظ أنه وصف ابن إسحق بأنه حجة في المغازي، وذلك أيضًا يشمل الصحيح والحسن، مع أنه عزا الحديث لكتابين مُشترَط فيهما الصحة. وفي كتاب الحج ذكر حديثًا خالفَ فيه ابنُ إسحق عددًا من الثقات، ثم عقب عليه بقوله: وابن إسحق حسن الحديث إلا أنه لا يحتج به إذا خُولف/ الفتح ٤/ ٣٢ فهذا تصريح منه بتحسين حديث ابن إسحق، بشرط أن لا يُخالِف من هو أوثق منه، ويلاحظ أن هذا الشرط لا يعتبر خاصًا بابن إسحق وحده من المحتج بهم؛ لكنه نبه عليه لحصول المخالفة في الحديث المذكور، ولهذا ذكر في موضع آخر تحسين حديث ابن إسحق دون تقييده بذلك، فقد ذكر حديثًا في كتاب التوحيد وعزاه إلى ابن خزيمة، في كتاب الزكاة من صحيحه، ثم علق عليه بقوله: وابن إسحق حاله معروفة، وحديثُه في درجة الحسن/ الفتح ١٣/ ٣٥٣، =
[ ٢ / ٧٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وفي كتاب الدعوات، ذكر حديثًا من طريق ابن إسحق، وعزاه إلى أصحاب السنن - ومنهم الترمذي وصححه، وإلى ابن خزيمة والحاكم، وذكر تَفرُّد ابن إسحق بزيادة فيه، وإقرار البيهقي تصحيحه بتلك الزيادة ثم ذكر تعقب ابن التُّركماني للبيهقي بأنه قد قال في موضع آخر: إن الحفاظ يَتوقَّون ما ينفرد به ابن إسحق، وتعقب ابن حجر ذلك بقوله: لكن ما ينفرد به ابن إسحق، وإن لم يبلغ درجة الصحيح، فهو في درجة الحَسن إذا صرح بالتحديث، وهو هنا كذلك، وإنما يُصحِّح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحًا، وهذه طريقة ابن حبان ومن ذُكِر معه/ الفتح ١١/ ١٦٣، وكذا جاءت العبارة: "ابن حبان ومن ذُكر معه" وهذه فيها أمران: أحدهما أنه لم يسبق ذكر ابن حبان، ولكن ذكر ابن خزيمة، فلعل هذا سهو ناسخ، والأمر الثاني أن ممن ذُكر مع ابن خزيمة، الإمام الترمذي، وتفريقه بين الصحيح والحسن لا يخفى، بل نص عليه ابن حجر نفسه/ انظر النكت على ابن الصلاح له ١/ ٢٧٠، ٢٧١، فلا أدري كيف وقع هذا التعبير في الفتح هكذا؟ أما ما يتعلق بابن إسحق فيلاحظ تقييده لتحسين حديثه بما لم يدلسه، وهذا مطابق لرأيه في تدليسه كما قدمته في موضعه، وبهذا يكون المستفاد من كلام ابن حجر في مجموعه أنه يعتبر ابن إسحق حجة في المغازي والسير، وفي الأحكام أيضًا، وأن حديثه عمومًا في مرتبة الحسن لذاته، ما لم يكن مما دلسه أو شذ به، وفي ذلك بالإضافة إلى رد تكذيبه كما قدمت، جَمعٌ بين أقوال الموثقين وبين أقوال المضعفين له مطلقًا، فَيُحمل التوثيق على تحسين حديثه فيما لم يشذ به أو يدلسه، ويُحمَل التضعيف على ما شذ به أو دلسه، أو تَبين وهْمُه فيه لِخفة ضبطه، كما هو حَدُّ الحديث الحسن. ويجدر بالذكر هنا أن ابن حجر لخص حال ابن إسحق في التقريب بقوله: إمام المغازي، صدوق يدلس، ورُمِي بالتشيع والقدَر/ التقريب/ ٤٦٧، ومقتضى شرطه في التقريب أن هذا أصح وأعدل ما وُصِف به ابن إسحق في نظره/ انظر مقدمة التقريب/ ص ٧٣، لكنه كما ترى لم يُصرِّح في ترجمته بما صرح به في =
[ ٢ / ٧٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الفتح من أن حديثه يعتبر حسنًا لذاته، وكذلك ذكر في مقدمة التقريب مراتب الألفاظ، وذكر في المرتبة الثالثة: لفظ: ثقة وما في حكمها، ثم ذكر في المرتبة الرابعة لفظ: صدوق ولا بأس به، أو ليس به بأس، التقريب/ ٧٤، ولكن لم يصرح بدرجة حديث أهل تلك المرتبة، ولا غيرِها، غير أنه يمكن القول: أن تصريحه في عدة مواضع متباعدة من الفتح بتحسين حديث ابن إسحق، يدلنا على أن من وُصِف من الرواة بلفظ "صدوق" وما في مرتبته، ولم يقترن بما يرفعه عن تلك المرتبة أو بما ينزله إلى الضعف، فيعتبر حديثه حسنًا لذاته، في رأي ابن حجر ومن يوافقه. ما لم تكن هناك علة أخرى والله أعلم. النتيجة العامة لبحث حال ابن إسحق: وعندما نستعرض ما مضى جميعه، نجد أن هذا الذي استقر عليه رأي الحافظ ابن حجر، يلتقي مع رأي أغلب العلماء المتقدمين والمتأخرين الذين قَدِّمتُ تحقيق ومقارنة أقوالهم نظريًا، وتطبيقيًا بقدر الإمكان، واستخلاص رأي عام لكل منهم حسبما يَسَّر الله لي فهمُه، سواء من تعددت أقوالهم، وهم: ابن معين والنسائي وابن المديني وأحمد والدارقطني، أو من حَسَّن حديث ابن إسحق نظرًا للاختلاف في حاله دون ترجيح لتوثيقه التام، وهما ابن القطان والمنذري، أو من جعل تحسين حديثه جامعًا بين مختلف الأقوال فيه، وهم: ابن عدي والذهبي، ثم إن رأي هؤلاء جميعًا ومعهم ابن حجر يتفق معه رأي بعض من لم تتعدد أقواله من المتقدمين مثل: محمد بن عبد الله بن نُمير حيث قال كما تقدم، وذَكَر ابن إسحق، إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث، صدوق/ وانظر تاريخ بغداد ١/ ٢٢٧، ومِثْل مُحمد بن يحيى حيث حكى الحاكم عنه قولَه: هو حسن الحديث، عنده غرائب، وروى عن الزهري فأحسن الرواية/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٦. وقد سبق للبخاري وغيره استخلاص موقف النقاد بصفة عامة من ابن إسحق، بما يتفق مع هذه النتيجة التفصيلية، فالإمام البخاري قد ذكر -كما تقدم- احتجاج ابن المديني بابن إسحق، ثم ذكر توثيق شعبة وسفيان له، ثم رواية غير =
[ ٢ / ٧٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = واحد من الأئمة عنه، ثم قال: وكذلك احتمله أحمد ويحيى بن معين، وعامة أهل العلم/ القراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٦، ٣٧، وعلى ضوء ما تقدم من خلاصة رأي أحمد وابن معين، من كون حديثه في مرتبة الحسن، يُفَسَّر معنى احتمال عامة أهل العلم له، في كلام البخاري هذا، وقال ابن البرقي: لم أرَ أهل الحديث يختلفون في ثقته وحُسن حديثه وروايته، وفي حديثه عن نافع بعضُ الشيء/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٦، وبناء على ما تقدم يكون المراد بأهل الحديث في كلامه: عامَّتَهم، كما عَبر البخاري وليس جميعهم، والعبرة بالأكثر، ومن هذا كله يتضح الآتي:
(٢) إن الطعون الموجهة لابن إسحق بما يقتضي رد حديثه، أو شدة ضعفه، مردود عليها، وأما الطعن المفسر بالتدليس، أو بما يقتضي خفة الضبط، فكلاهما مُسلَّم به، وبناء على ذلك يكون ما دلسه أو تبين وهمه فيه، بشذوذ أو نكارة، فهو ضعيف، وما ليس كذلك فهو حسن لذاته، ما لم توجد فيه علة أخرى قادحة.
(٣) إن الأقوال المختلفة في ابن إسحق، سواء كانت من عالم واحدًا، أو من أكثر من عالم، يمكن الجمع بين غير المردود منها على جعل حديثه في مرتبة الحسن لذاته، ما لم يُدلسه، أو يشذ به، سواء في ذلك ما تعلق بالأحكام، أو ما تعلق بالمغازي والسيرة ونحوهما، ولكنه يُقدَّم في المغازي والسيرة عند الترجيح لإمامته فيهما.
(٤) إن أكثر من واحد من العلماء المتقدمين قالوا بتحسين حديث ابن إسحق فقط، ولم يُعرَف لهم فيه قول آخر يخالف ذلك، كما أن أكثر من جاء عنهم وصف ابن إسحق بألفاظ التوثيق العليا، قد جاء عنهم أيضًا وصفه بما يُنزله إلى مرتبة الحديث الحسن.
(٥) إن من يصححوا حديث ابن إسحق، بعضُهم لا يفرق بين الصحيح والحسن كابن خزيمة وابن حبان، وبعضهم يراعي ما يَعضُده من المتابع أو الشاهد كالترمذي. =
[ ٢ / ٧٩١ ]
مع ذلك الخُلف الواقع في إسناده: هل هو من رواية جابر عن النبي -ﷺ-، أو من رواية جابر عن أبي قتادة، عن النبي -ﷺ-؟.
على أن هذا الخلاف لا يضر، لأمرين:
أحدهما: كون رواية أبي قتادة غير محفوظة، كما تقدم (١).
الثاني: أن كلًا من جابر، وأبي قتادة، صحابى، فسواء ثَبتَ الثاني، أو سَقط (٢).
وأما حديث أبي قتادة، فقد أعلَّه (٣) بابن لَهيعة (٤) وقال: ضغفه يحيى القطان، وغيره (٥).
_________________
(١) = ٥ - إن قول ابن سَيد الناس وغيره ممن يفرق بين الصحيح والحسن، بتصحيح حديث ابن إسحق لذاته، يعتبر خلاف الراجح. والله أعلم.
(٢) انظر: ص ٦٩٣.
(٣) لأن الحديث سيظل مرفوعًا بواسطة الأول وهو جابر، والراوي عنه في الإسناد الأول "مجاهد بن جبر" وفي الثاني "محمد بن مسلم أبو الزبير" وهما معدودان فيمن روى عن جابر/ انظر ترجمتهما في تهذيب الكمال ١٣/ ١٢٦٧، ١٣٠٥.
(٤) يعني الترمذي، كما تقدم في صدر الباب.
(٥) بفتح اللام وكسر الهاء/ التقريب/ ٣١٩.
(٦) بقية كلام الترمذي: من قِبَل حفظه/ جامع الترمذي ١/ ١٦ ط شاكر، ولكنها لم تذكر في بعض نسخ الترمذي كما في النسخة التي مع عارضة الأحوذي ١/ ٢٦، كما أشرت لذلك في صدر الباب ص ٦٢٠ وقد تكرر من الترمذي الجزم بتضعيف ابن لهيعة في غير هذا الحديث أيضًا دون بيان لجهة الضعف، فقد أخرج من طريقه حديث تحريم الجمع بين المرأة وابنتها في النكاح، وقال: هذا حديث لا يصح من قبل إسناده، وإنما رواه ابن لهيعة والمثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعّفان في الحديث/ جامع =
[ ٢ / ٧٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الترمذي - النكاح - باب فيمن يتزوج المرأة ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل يتزوج ابنتها أم لا؟ ٢/ ٢٩٣ ط عبد الرحمن عثمان فلم يصرح الترمذي هنا ببيان جهة الضعف في ابن لهيعة، لكنه في كتاب العلل الصغير، الذي في نهاية جامعه قد عد ابن لهيعة ممن تُكُلِّم فيهم من جهة حفظهم، وكثرة خطئهم وإن روى عنهم غير واحد من الأئمة ووثقوهم لجلالتهم وصدقهم، ثم قال: فإذا تفرد واحد من هؤلاء بحديث، ولم يتابع عليه، لم يحتج به، كما قال أحمد بن حنبل: ابن أبي ليلى لا يحتج به، إنما عني إذا تفرَّد بالشيء/ جامع الترمذي - كتاب العلل ٥/ ٣٩٩ - ٤٠٢ وشرح العلل لابن رجب ١/ ١٠٣، ١٠٤ - ١٠٦، ١٣٠، أقول: وسيأتي قول أحمد إنه لا يحتج بحديث ابن لهيعة وإنما يكتبه للاعتبار ص ٨٥١ فيحمل مراده بنفي الاحتجاج، على ما ينفرد به، كما أوضحه الترمذي في عبارته السابقة. وقد ذكرت في صدر الباب ص ٦٢٠ أن بيان جهة التضعيف مهمة؛ لأن من العلماء من انتقد ابن لهيعة من جهة تتعلق بالعدالة، وضعف بعض حديثه بذلك، فقد ذكر الذهبي في الميزان من طريقه حديثًا في فضائل علي ﵁، ثم قال: وقال ابن عدي: لعل البلاء فيه من ابن لهيعة، فإنه مفرط في التشييع/ الميزان ٢/ ٤٨٣ وفي تذهيب تهذيب الكمال نقل قول ابن عدي مع الإشارة إلى أنه قد قاله عقب حديث تذهيب تهذيب الكمال للذهبي ٢ / ل ١٧٧ ترجمة ابن لهيعة، ولم يتعقب الذهبي ذلك بشيء، لا في الميزان ولا في التذهيب، ولكن تعقبه في السير ٨/ ٢٦ بقوله: فما سمعنا بهذا عن ابن لهيعة، بل ولا علمت أنه غير مفرط في التشييع، ولا الرجل متهم بالوضع، ثم أعل الحديث باحتمال أن يكون أدخله بعض الرافضة على راوي الحديث عن ابن لهيعة، وهو كامل بن طلحة، ولم يتفطن لذلك كامل، وإن كان مَحلُّه الصدق. لكني وجدت في أخبار قضاة مصر لأبي عُمر الكندي رواية بسنده إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي - أنه لما أُشير عليه بتولية عبد الله بن لهيعة قضاء مصر قال: (فابن لهيعة على ضعف عَقلِه، وسوء مذهبه)؛ لكنه أخرج عقب تلك الرواية، رواية من طريق راوي الأولى وغَيرِه: أنه لما أُشير على أبي جعفر بابن =
[ ٢ / ٧٩٣ ]
فَلْنذكُر ما حضر من ذِكْر ابن لهيعة، لِيُعلَم حالُه (١) وهو
_________________
(١) = لهيعة. قال: "فابن لهيعة"، ولم يصفه بشيء/ أخبار قضاة مصر للكندي/ ٢٧٨، ٢٧٩. أقول: فلعل الذهبي لم يكن وقف على قول المنصور هذا بوصف ابن لهيعة بسوء المذهب، أو لم يعتبره؛ لكونه من غير أئمة النقد للرواة، وأما وصف المنصور له ببعصر الضعف في عقله فيبعُد أن يُراد به المعنى الظاهر للعبارة؛ لأنه يجعل صاحبه غير صالح للقضاء، كما لا يخفى، فلعل أبا جعفر كان يرى قلة فطنته، أو خبرته، بالنسبة لغيره، فيمن يصلُح لهذا المنصب الحساس.
(٢) وكلام المؤلف هذا يفيد إقراره تضعيف الترمذي للحديث من طريق ابن لهيعة وبسببه، وأنه ساق ما حضره من كلام العلماء فيه، ليُعلَم حالُه من الضعف، من جهة حفظه، كما قرره الترمذي؛ لكنه ساق بعض الأقوال الدالة على توثيقه وتمام ضبطه؛ إما ضمنًا، مثل القول الآتي، قريبًا: إن مالكًا كان يُحسن القول فيه، وأنه هو المقصود بقول مالك في أحد أحاديث الموطأ: (عن الثقة عن عمرو بن شعيب)، وإما صراحة، مثل ما سيأتي أيضًا من قول أحمد: من كان بمصر مثل ابن لهيعة في كثرة حديثه، وضبطه وإتقانه؟، ولذا كان عليه إن يدفع تعارض هذا في ظاهره، مع باقي أقوال التضعيف التي ذكرها، وباقي أقوال أحمد نفسه التي ذُكِرَت في ترجمته في كتب الرجال، ودلت صراحة على تضعيفه له وعدم الاحتجاج بما ينفرد به، كما سيأتي في التعليق على الترجمة، خاصة وأن مِنَ العلماء والباحثين من اعتمد على توثيق الإمام أحمد المتقدم لابن لهيعة، ورد باقي أقوال أحمد المجرحة، وغيره، مثل الشيخ أحمد شاكر يرحمه الله، وغيره، كما سيأتي ذكره والرد عليه. ولعل المؤلف اكتفى بما سيلحظه القارئ لِمَا أَورده، من أن أكثر الأقوال على تضعيف ابن لهيعة، ومنها ما هو مفسر بأمثلة تفصيلية محددة تفيد سوء حفظه وتساهله في الأداء، خاصة في آخر عمره، لكن كثرة حديث الرجل، مع كثرة الأقوال فيه، بدءًا من تلاميذه الذين خَبروه، وحتى عصرنا هذا، ومعارضة بعضها لبعض حتى بالنسبة لأقوال العالم الواحد، كل ذلك جعلني أقوم ببذل جَهدي في =
[ ٢ / ٧٩٤ ]
عبد الله بن لَهيعة بن عُقبة (١) بن فُرْعَان (٢) أبو عبد الرحمن (٣) الحَضرَمِي
_________________
(١) = جمع أكثر ما وقفت عليه من أقوال في ابن لهيعة، خاصة لِمن نَقَل عنهم المؤلف، مع المقارنة بما ذكره في الأصل، والتحليل لمجموع أقوال كل عالم، ثم استخلاص رأيه العام في حال ابن لهيعة ودرجة حديثه، ثم استخلاص رأي جامع فيه عند الجمهور، وأشهر المحققين المتأخرين، مع الرد المناسب -في تقديري- على ما وجدته مخالفًا للراجح من أقوال العلماء جملة أو تفصيلًا، كما ستجده في التعليقات التالية:
(٢) ونسب في بعض مصادر ترجمته إلى جده فقيل: عبد الله بن عقبة بن لهيعة/ الطبقات لابن سعد ج ٧ ق/ ٢٠٤٢ والمجروحين لابن حبان ٢/ ١٨ ط الهند وتبعه السمعاني/ الأنساب ١٠/ ٦، ٧ وابن الأثير/ اللباب/ ٢/ ٣٧٣ ثم الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي ١/ ١٦ وسيأتي في التعليق ص ٧٩٩ أن ابن المبارك كان ربما ينسبه لجده عند الرواية عنه، وقد أشار البخاري إلى الخلاف في نسبته في الضعفاء الصغير فقال: عبد الله بن لهيعة ويقال: ابنُ عُقبة/ الضعفاء/ ٢٦٦ ط الهند فأشار بذلك إلى ترجيح الأول ثم جزم به في الكبير ٥/ ١٨٢ والأوسط المطبوع باسم الصغير/ ١٩٥ ط الهند وهو المشهور.
(٣) بضم الفاء، وبالراء، وبالعين المهملة/ الإكمال لابن ماكولا ٧/ ٥٩ والمُشتبِه/ ٥٠٦.
(٤) ذكر المزي أن هذا هو الأصح في كنيته، وأنه يُقال له أيضًا (أبو النضر) / تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٧ قال الذهبي: ولم يصح/ سير النبلاء ٨/ ١٢، وذكر في موضع آخر ٨/ ٢٠ ما يشير إلى وجه عدم صجته حيث قال: وتفرد نوح بن حبيب بأن كنيته (أبو النضح وقد اعتمد الإمام مُسلم الكنية الأولى/ الكنى لمسلم ١/ ٥١٩ بتحقيق د. القَشقري، وقد قيل له أيضًا: (أبو خَرِيطَة) وهي الوعاء من الجلْد أو نحوه يُربط على ما فيه من مكتوب/ المعجم الوسيط/ مادة (خرط) ١/ ٢٢٨ وقد ذكر بِشْر بن المنذر سبب ذلك فقال: كان ابن لهيعة يكنى "أبا خريطة"، كانت له خريطة معلقة في عنقه فكان يدور بمصر، فكلما قدم قوم =
[ ٢ / ٧٩٥ ]
الأُعْدُولِي (١)، من أنفسهم، ويقال: الغَافِقِي (٢) المصري قاضى مصر (٣)،
_________________
(١) = كان يدور عليهم، فكان إذا رأى شيخًا سأله: من لقيت؟ وعمن كتبت؟ فإذا وجد عنده شيئًا كتب عنه، فلذلك يكنى: أبا خريطة/ المجروحين لابن حبان ١/ ١٩ والسير ٧/ ٢٣، أقول: وهذه تعتبر لقبًا بلفظ الكنية، حيث إنه مقصود بها مدحه بالجد والاهتمام في طلب الحديث، ولذا أورد ابن حبان حكاية تكنيته بذلك في الاستدلال على جده في الطلب.
(٢) بضم أوله، والدال المهملة، وسكون ثانيه، نسبة إلى "أُعدول" بطن من الحضارمة/ كذا في هامش تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٣ نقلًا عن لب اللباب، وهو كتاب في الأنساب لجلال الدين السيوطي.
(٣) بفتح الغين المعجمة وكسر الفاء والقاف، نسبة إلى غافق بن الشاهد بن عك، بن عدثان بن عبد الله، بطن من الأزد، ينسب إليهم كثير، ومنهم ابن لهيعة هذا، وقد نسب في كل من الأنساب ١٠/ ٧، ٨ واللباب ٢/ ٣٧٣ إلى جده فقيل؛ عبد الله بن عقبة بن لهيعة، وهو خلاف المشهور كما أسلفت.
(٤) روى الفسوي عن تلميذ ابن لهيعة وهو يحيى بن عبد الله بن بُكير قال: ولي لهم -أي للعباسيين- ابن لهيعة بيت المال، وولي القلزم، وولي القضاء عشر سنوات في أيام أبي جعفر - يعني المنصور، والقلزم، وبيت المال في أيام المهدي/ المعرفة والتاريخ للفسوي ٢/ ٤٨٦، وحدد أبو عمر الكندي تاريخ تولي ابن لهيعة قضاء مصر بأنه مستهل سنة ١٥٥ هـ، من قبل أمير المؤمنين أبي جعفر، وذكر أنه أول قاض ولي مصر من قبل الخليفة - ولعله يعنى أن من سبقوه كانوا يعينون من قبل أمير مصر فقط، وليس من الخليفة، كما يفهم من تولية القاضي السابق عليه، وهو أبو خزيمة الرعيني، وذكر الكندي أن ابن لهيعة ظل قاضيًا على مصر إلى أن صرف عنها في ربيع الآخر سنة ١٦٤ هـ، وقال: وليها عشر سنين/ تاريخ قاضة مصر لأبي عمر الكندي ٢٧٤، ٧٨، ٢٨٠، فاتفق الفسوي والكندي على أن مدة ولايته القضاء كانت عشر سنوات. واتفق الذهبي مع الفسوي والكندي على تاريخ تولي ابن لهيعة قضاء إقليم مصر من قبل أبي جعفر المنصور، سنة ١٥٥ هـ، واتفق مع الكندي على أن راتب ابن لهيعة كان ثلاثين دينارًا في الشهر، لكنه قرر في موضع من ترجمة ابن لهيعة في السير ٨/ ١٤، أن مدة توليه القضاء =
[ ٢ / ٧٩٦ ]
سمع عبد الرحمن بن هرمز، الأعرج (١) وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن هبيرة السبئي (٢) وأبا الزبير المكي، ومحمد بن
_________________
(١) =دون السنة، وصرف عنه، ثم حدد المدة بتسعة أشهر، وذلك في موضع ثان من ترجمته لابن لهيعة في السير ٨/ ٢٦، وكذا في تذكرة الحفاظ ١/ ٢٣٩، وفي الميزان ٢/ ٤٧٨، ولا أدري مستنده في هذا، كما أنه لا تناسب بين تلك المدة اليسيرة، وبين المدة التي حددها من هما أسبق منه، وهي عشر سنوات، وقد اعتمد الفسوي على سماع ذلك من ابن بكير، تلميذ ابن لهيعة وهو ثقة.
(٢) وقد كان سماعه منه فرصة نادرة سنح له بها لقاء وحيد عاجل، وتفرد بسماعه منه عن قرينه الليث بن سعد، قال إبراهيم بن صالح: قلت لابن لهيعة: كيف سمعت من الأعرج ولم يسمع منه الليث؟ قال: قدم الأعرج -يعني مصر- فنزل على جعفر بن ربيعة، قال: أي ابن لهيعة، وكنت أكف له -يعني للأعرج- حتى أشتري له الشعير لفرسه بالدراهم، قال: وكان يشنف -أي يبغض- الليث وعمرو بن الحارث، فقال لي: إني أريد أن أُسمِّع شيئًا، وقال: حتى تسمعه، ولا تخبر به أحدًا، قال: فسمعنا من الأعرج، وخرج إلى الإسكندرية، وتحدث الناس بذلك، فقالوا: الأعرج بن هرمز بالإسكندرية، قال ابن بُكير فسمعت الليث يقول: رأيته بمصر، عند المنبر، سئل عن حروف القرآن، ولا أعرفه، ولا أدري من هو/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٤٢. وقد ذكر الليث نفسه قصة في تفويته على ابن لهيعة السماع من نافع مولى ابن عمر، وانفراده عنه به، ثم اتبعها ذكر هذه الواقعة باختصار، دون ذكر بغض الأعرج له، ولا رؤيته له، وذكر فيها أن ابن لهيعة لما جلس للتحديث، فقال: حدثني الأعرج عن أبي هريرة، دهش الليث، وقال له: متى رأيت الأعرج؟ فقال له ابن لهيعة: إن أردته، هو بالإسكندرية، فخرج الليث إلى الإسكندرية، فوجد الأعرج قد مات -يعني بها، وذكر أنه صلى عليه/ تهذيب الكمال ٣/ ١١٥٣، وقال الذهبي في ترجمة الأعرج: اتفق أنه خرج إلى الإسكندرية فأدركه أجله بها في سنة ١١٧ هـ/ معرفة القراء الكبار ١/ ٧٧، ٧٨.
(٣) بالأصل هكذا "السبابي" وفي الكاشف ٢/ ١٢٩ والكامل لابن عدي ٤/ ١٤٧٠ =
[ ٢ / ٧٩٧ ]
المنكدر، وعمارة بن غَزِيَّة (١)، ويزيد بن أبي حبيب، ومِشْرَح (٢) بن هاعان، وعمرو بن دينار، وعمرو بن شعيب (٣) وأبا قبيل (٤) حُيَي (٥) بن هانئ، والحارث بن يزيد الحضرمي، ويزيد بن عمرو المعافري، وحَبَّان بن واسع، وبُكَير (٦) بن عبد الله بن الأشج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبا عُشَّانة (٧) المعافري (٨) وأبا الأسود،
_________________
(١) = "السبائي" وما أثبته من الأنساب ٧/ ٤٤، ٤٥ والتقريب/ ٣٢٧ مع ضبطه له بفتح السين المهملة، والباء المنقوطة من تحتها بواحدة، وفتحها وهمزة مقصورة، نسبة إلى "سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان" وأول من ذكره من أصحاب تلك النسبة هو عبد الله هذا.
(٢) بفتح المعجمة وكسر الزاي، بعدها تحتانية ثقيلة/ التقريب/ ٤٠٩.
(٣) بكسر أوله وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، وآخره مهملة/ التقريب/ ٥٣٢، وذكر ابن ماكولا أن ثانيه شين معجمة ٧/ ٢٥٢.
(٤) سيأتي خلاف في سماع ابن لهيعة منه، مع ترجيح سماعه منه بعض أحاديث معدودة، ثم إدخال بعض الرواة عن ابن لهيعة أحاديث أخرى لم يسمعها منه، وكذا إسقاط ابن لهيعة الواسطة بينه وبين عمرو نسيانًا/ ص ٨١٤، ٨١٥ ت.
(٥) قَبِيل: بفتح القاف وكسر الموحدة، بعدها تحتانية ساكنة/ التقريب/ ١٨٥.
(٦) بالأصل "يحيى" والصواب ما أثبته، وهو بضم أوله، وياءين من تحت، الأولى مفتوحة التقريب/ ١٨٥ والخلاصة/ ٩٧.
(٧) مصغر/ التقريب / ١٢٧، ١٢٨، والمغني للفتني/ ٤٢.
(٨) عُشَّانة: بضم أوله، وتشديد المعجمة، وبعد الألف نون/ التقريب/ ٦٥٨ وذكر أيضًا أن أوله مهملة/ ١٨٥ واسمه: حي -بفتح أوله وتشديد التحتانية- بن يؤمن/ تهذيب الكمال ١/ ٣٤٧ والتقريب/ ١٨٥.
(٩) بفتح الميم والعين المهملة، وكسر الفاء والراء، نسبة إلى معافر بن يعفر بن مالك/ الأنساب ١٢/ ٣٢٨، ٣٢٩.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
محمد بن عبد الرحمن، يتيم عروة، وصالح بن أبي عَرِيب (١) وأبا يونس، مولى أبي هريرة، وأبا السمح، دَرَّاجا، وسالمًا أبا النضر، وعيَّاش (٢) بن عباس (٣) وأبا صخر، حميد بن زياد، وخالد بن أبي عمران، وقال روح بن صلاح (٤): لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيًا.
روى عنه الأوزاعي (٥) والثوري (٦)، والليث بن سعد، وعمرو بن الحارث (٧) وعثمان بن حكيم الجذامي، وعبد الله بن المبارك (٨)
_________________
(١) بفتح المهملة وكسر الراء، وآخره موحدة، واسم أبي عريب: قُلَيب -بالقاف، والموحدة مصغر/ التقريب/ ٢٧٣.
(٢) بتشديد التحتانية وآخره معجمة/ التقريب/ ٤٣٦ وتهذيب الكمال ٢/ ١٠٧٥.
(٣) بموحدة ومهملة/ التقريب/ ٤٣٧.
(٤) هو أحد الرواة عن ابن لهيعة، وبقية كلامه: ولقي الليث بن سعد إثني عشر تابعيًا/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، وبهذه التكملة يظهر معنى صدر كلامه المتعلق بابن لهيعة، وهو أنه يقارن بينه وبين الليث من هذه الناحية، وهي كثرة شيوخ ابن لهيعة من التابعين عن شيوخ الليث، مع أن طبقتهما واحدة، والليث متقدم في الولادة على ابن لهيعة بسنتين تقريبًا على الأقل/ انظر سير النبلاء ٨/ ١٢، ١٣٧، وقد روى عنه الليث كما ترى في بيان تلاميذه، قال المزي: وهو من أقرانه، وولد قبله بسنتين/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨.
(٥) ومات قبله/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨.
(٦) ومات قبله أيضًا/ تهذيب الكمال/ الموضع السابق.
(٧) ومات قبله/ المصدر السابق.
(٨) وكان في روايته عنه ربما نسبه إلى جده/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ فيقول: عبد الله بن عقبة، وذلك خلاف المشهور كما أشرت من قبل.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد، أبو عبد الرحمن، المُقْرِي، وعبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبِي (١)، وعبد الله بن صالح -كاتب
_________________
(١) قال ابن حبان: أصحابنا يقولون: سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة وذكر الأربعة المتقدم ذكرهم - فسماعهم صحيح، ثم ذكر من نتائج سبره لمروياته، ومن انتقاده الخاص لبعض أحاديث أحد هؤلاء العبادلة وهو ابن وهب، ما يدل على أن صحة سماعهم عنه، لا تقتضي صحة ما يروونه عنه، بل يوجد فيه تدليس عن الضعفاء أو شذوذ من جهته أو نكارة/ المجروحين لابن حبان ٢/ ١٨ - ٢١، وسيأتي ذكر المؤلف لتفصيل كلام ابن حبان ص ٨٤٠ - ٨٤٤، وسيأتي أيضًا في التعليق والأصل عن غير واحد من العلماء: أنهم جمعوا في سياق واحد بين تضعيف ابن لهيعة وعدم الاحتجاج به، وبين تقوية رواية بعض هؤلاء العبادلة وأمثالهم عنه ص ٨٢٥ هامش ٥ إلى ٨٢٦، ٨٢٩ هامش ٣، ٨٣٩ هامش ١، وهذا يفيد أن المراد كون رواية هؤلاء وأمثالهم عنه تعتبر أقوى الضعيف؛ لِمَا تميزوا به عن غيرهم، من حيث الثقة والأخذ عنه قبل زيادة سوء حفظه، مع التحري لمروياته، بحيث كان منهم من ينقل من أصوله الخطية بجانب السماع منه، كما سيأتي تفصيله. ومما يؤكد كون رواية هؤلاء عنه لا تعتبر حجة بمفردها، أن بعضهم قد نقد بنفسه ابن لهيعة من جهة ضبطه، كابن المبارك ص ٨١٢ هامش ٥، وابن وهب، حيث أقسم على صدقه، ثم انتقده من جهة حفظه ص ٨٠٥، أصل وهامش ٢. ثم جاء من بعدهم من ضعف ابن لهيعة أيضًا، وصرح بعدم الاحتجاج بروايتهم عنه، فقد نقل ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة الرازي أن ابن لهيعة أمره مضطرب، ويكتب حديثه على الاعتبار، قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: إذا كان من يروي عن ابن لهيعة مثل ابن المبارك وابن وهب يحتج به؟ قال: لا/ الجرح والتعديل ٥/ ١٤٧، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٩. وذكر الدارقطني ابن لهيعة في الضعفاء وقال: يعتبر بما يروي عنه العبادلة: ابن =
[ ٢ / ٨٠٠ ]
الليث- والوليد بن مسلم، والوليد بن مَزْيد (١).
وسمع منه قبل احتراق كتبه (٢): منصور بن عمار (٣) وقتيبة بن
_________________
(١) = المبارك، والمقري وابن وهب/ الضعفاء والمتروكين، بتحقيق د. موفق عبد القادر/ ٢٦٥. كذلك نجد من العلماء من ذكر من المنتقد على ابن لهيعة بعض ما رواه هؤلاء العبادلة عنه، فالبخاري ذكر ابن لهيعة في الضعفاء، وعلق له حديثًا من رواية عبد الله بن يزيد المقري عنه، وحكم بنكارته، وتبعه الذهبي على هذا/ الميزان ٢/ ٤٨٣، وذكر ابن عدي أيضًا مما هو منتقد على ابن لهيعة بعض ما رواه عنه ابن وهب، والقعنبي/ الكامل ٤/ ١٤٦٦، ١٤٦٧ وتبعه الذهبي في الميزان ٢/ ٤٧٩، ٤٨٠. وسيأتي عن المحققين من المتأخرين كالذهبي وابن حجر وغيرهما ما يوافق هذا، وذلك في تعليقي في آخر الترجمة إن شاء الله.
(٢) بفتح الميم وسكون الزاي، وفتح التحتانية/ التقريب/ ٥٨٣.
(٣) لم أجد غير المؤلف من قال: إن هؤلاء الآتي ذكرهم قد رووا عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، مع مراجعتي لعامة مصادر ترجمته عند المتقدمين والمتأخرين، بل إن أحد من ذكرهم وهو قتيبة بن سعيد قد بحثت ترجمته فوجدت أنه لا يتأتى سماعه من ابن لهيعة قبل احتراق كتبه كما سيأتي في التعليق عليه ص ٨٠٢، إن نصف من ذكرهم من طبقة قتيبة هذا، وهناك أيضًا من ذكر سماعه من ابن لهيعة قبل احتراق كتبه بسنين عديدة ولم يذكرهم، مثل: بشر بن بكر، الذي أخرج العقيلي عنه قوله: لم أسمع من ابن لهيعة بعد سنة ١٥٣ هـ/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٤ وسيأتي أن الاحتراق كان سنة ١٦٩ هـ أو سنة ١٧٠ هـ ص ٨٢٢ ت - ٨٢٣ أصل، ت، ومنهم من صرح بنفسه بأنه كتب عنه بعد الاحتراق، وهو عثمان بن صالح السهمي، كما سيأتي في التعليق عليه.
(٤) هو منصور بن عمار بن كثير، أبو السري السلمي الواعظ، القاص، قدم مصر وجلس يقص على الناس، فسمع كلامه الليث بن سعد، فاستحسن قصصه، وفصاحته، وأقطعه خمسة عشر فدانًا، ثم صار إلى ابن لهيعة فأقطعه خمسة فدادين، ثم =
[ ٢ / ٨٠١ ]
سعيد (١) وعمرو بن خالد، الحراني، وأسد بن موسى، ومحمد بن رُمح (٢) ومحمد بن الحارث، المصري المعروف بـ "صُدْرة" (٣)،
_________________
(١) = خرج إلى بغداد فحدث بها عن الليث وابن لهيعة وغيرهما، وتوفي بها، كذا ذكر الخطيب في ترجمته له، ولكن لم يحدد مولده ولا تاريخ وفاته/ تاريخ بغداد ١٣/ ٧١ - ٧٩، ونقل الذهبي تضعيفه عن غير واحد من النقاد، ثم قال: وساق ابن عدي مناكير لمنصور تقضي بأنه واه جدًّا، وقال: لم أجد له وفاة، وكأنه في حدود المائتين/ السير ٧/ ٩٣ - ٩٨ وذكره ابن حبان في الثقات: وقال ليس من أهل الحديث الذين يحفظون، وأكثر روايته عن الضعفاء، ثم أخرج له حديث: "أن مشاش الطير يورث السل" وتعقبه بقوله: ليس هذا من حديث ابن لهيعة، وإن كان -يعني ابن لهيعة- ضعيفًا/ الثقات لابن حبان ٩/ ١٧٠.
(٢) ولد قتيبة سنة ١٥٠ هـ على الراجح وجاء عنه أن أول خروجه في طلب الحديث كان إلى العراق، في سنة ١٧٢ هـ/ تهذيب التهذيب ٨/ ٣٥٩، وقد احترقت كتب ابن لهيعة سنة ١٦٩ هـ أو سنة ١٧٥ هـ/ الميزان ٢/ ٤٧٦، ٤٧٧ والضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٦٤ فكيف يتأتى سماعه من ابن لهيعة قبل احتراق كتبه كما ذكر المؤلف؟ ثم إن الإمام أحمد ذكر أن قتيبة هذا آخر من سمع من ابن لهيعة/ تهذيب الكمال ٢/ ١١٢٣، وجاء عن قتيبة ما يدل عل أن المراد بالآخرية في كلام الإمام أحمد، هي آخر حياة ابن لهيعة حيث يقول قتيبة: حضرت موت ابن لهيعة، ومات سنة ١٧٤ هـ وشهدت جنازته/ تهذيب الكمال ٢/ ١١٢٤، وأيضًا عده ابن عدي من الرواة المتأخرين عن ابن لهيعة/ الكامل ٦/ ١٤٦٤.
(٣) ووصفه الذهبي/ السير ٨/ ١٣ بأنه خاتمة من روى عن ابن لهيعة، ويبدو أن مراده كونه آخرهم موتًا حيث إنه توفي سنة ٢٤٢ هـ وقيل سنة ٢٤٣ / تهذيب الكمال ٣/ ١١٩٧، ١١٩٨، وهو معدود من الطبقة العاشرة عند ابن حجر، ولم أجد من تأخرت طبقته عنها فيمن روى عن ابن لهيعة/ انظر التقريب/ ٤٧٨.
(٤) ذكر الحافظ ابن حجر وغيره أن هذا لقب محمد المذكور، ولكن لم أقف على ضبطه بالحروف، انظر تقريب التهذيب/ ٧٢٢ ونزهة الألباب في الألقاب لابن =
[ ٢ / ٨٠٢ ]
وأشهب بن عبد العزيز، وزيد بن الحباب، وعثمان بن صالح السهمي (١) ومروان بن محمد الطَّاطَري (٢) ومُجّاعة (٣) بن ثابت، ومحمد بن معاوية النيسابوري، وكامل/ بن طلحة الجَحدَرِي (٤) وحجاج بن سليمان الرُّعَينِي (٥).
_________________
(١) = حجر بتحقيق الشيخ عبد العزيز السدير ٢/ ٤٢٠ والخلاصة للخزرجي/ ٣٣١ وفي نسخة تهذيب الكمال المصورة ضبطت الصاد بالضمة فوقها ٢/ ٧٢٨.
(٢) قد جاء عن هذا الرجل تصريحه بالكتابة عن ابن لهيعة بعد الاحتراق، فقد سأله ابنه: متى احترقت دار ابن لهيعة؛ فقال: سنة ١٧٠، فقال له: واحترقت كتبه كما تزعم العامة؟ فقال: معاذ الله، ما كتبت كتاب عمارة بن غزية -أحد شيوخ ابن لهيعة- إلا من أصل كتاب ابن لهيعة بعد احتراق داره، غير أن بعض ما كان يقرأ منه احترق، وبقيت أصوله بحالها/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، أقول: وكتابته كتاب عمارة بن غَزِية هذا بعد الاحتراق، دليل على سماعه له من ابن لهيعة بعد الاحتراق أيضًا، حيث إِن الرواة عنه كانوا يكتبون ثم يسمعون عليه ما كتبوه/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٤، ٤٣٥ والسير ٨/ ٢١ نعم يمكن أن يكون سمع منه أيضًا قبل الاحتراق، ومع هذا ما يسوغ اقتصار المؤلف على عده ممن سمع منه قبل الاحتراق فقط.
(٣) بمهملتين مفتوحتين/ التقريب/ ٢٥٦ بينهما الألف، وفي آخرها الراء، ويقال بمصر ودمشق لمن يبيع الكرابيس والثياب البيض: "طَاطَري" وهذه نسبة إليها، وممن عرف بها، مروان المذكور/ الأنساب ٩/ ٦، ٧.
(٤) بضم أوله وتشديد الجيم، كذا ضبطه الحافظ ابن حجر، في ترجمة "مُجاعة بن مرار"/ التقريب/ ٥٠٢.
(٥) بفتح الجيم وسكون الحاء، وفتح الدال، المهملتين، وفي آخرها الراء، نسبة إلى "جحدر" وهو اسم رجل/ انظر الأنساب ٣/ ٢٠٦، ٢٠٧، والتعليق عليها.
(٦) بضم الراء وفتح العين المهملة، وبعدها الياء المنقوطة باثنتين من تحتها وفي آخرها النون، نسبة إلى "ذِي رُعَين" من أقيال اليمن/ الأنساب ٦/ ١٤٣.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
وسعيد بن كثير بن عُفير (١).
ذكر الحسن بن [علي الخلال عن زيد بن الحباب] (٢) عن الثوري: أنه قال: عند ابن لهيعة الأصول، وعندنا الفروع. وقال سفيان (٣): حججت حججًا، لألقى ابن لهيعة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ودِدت أني سمعت من ابن لهيعة خمسمائة حديث، وأني غرمت [مؤدَّى] (٤) وقال ابن مهدي: ما أعتد بشيء سمعته من ابن لهيعة
_________________
(١) بالمهملة والفاء، مصغر/ التقريب/ ٢٤٥، ولم يستوعب المؤلف الرواة عن ابن لهيعة، بل ترك منهم من وصف بأنه كان راوية لابن لهيعة - وهو أبو الأسود الذي سيرد ذكره في الكلام عن حال ابن لهيعة/ قريبًا، وهو متقدم الوفاة بكثير من السنين عن عدد ممن ذكرهم المؤلف/ انظر تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٤٠، ٤٤١ وانظر باقي شيوخ وتلاميذ ابن لهيعة في تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٧، ٧٢٨.
(٢) بالأصل "ابن رشيق" والصواب ما أثبته تبعًا لمصادر الترجمة/ الميزان ٢/ ٤٤٧، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٦ وفيها قول زيد "سمعت سفيان" بدل "عن" و"يقول" بدل "قال".
(٣) قول سفيان هذا أيضًا مما سمعه منه زيد بن الحباب/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٦.
(٤) بالأصل "مادا" وهو يمكن أن تقرأ "ماذا" باعتبار أن الناسخ يهمل النقط كثيرًا، ويكون المعنى: "وأني غرمت كثيرًا"، ولكني رجحت ما أثبته بناء على استقامة المعنى أيضًا عليه، وعلى تفسيره المذكور بعده في كل من تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ والسير ٨/ ١٧ حيث جاء بعدها ما نصه: "كأنه -أي ابن مهدي- يعني دية" فيصبح معنى العبارة: وأني غرمت دية، يعني في سبيل الرحلة إليه، وجاء في تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٨٤، "مالًا"، وهو تحريف أيضًا، وهذا القول من ابن مهدي يفيد ثناءه على ابن لهيعة كما لا يخفى، وتؤيده الرواية التالية عنه أيضًا، ولكن سيذكر المؤلف أيضا بعد قليل رواية ثالثة عن ابن مهدي تعارض الروايتين المذكورتين، لإفادتها تركه التحمل عنه مطلقًا، لما تبيَّن له من =
[ ٢ / ٨٠٤ ]
إلا سماع ابن المبارك، ونحوه (١) وحدث ابن وهب بحديث، فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: حدثني به -والله- الصادق البار، عبد الله بن لهيعة (٢) وقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين:
_________________
(١) = سبر بعض ما كتب به إليه من حديثه، وبذلك يحتاج الأمر للنظر في الأقوال الثلاثة، ومعرفة خلاصة رأي ابن مهدي فيه، وذلك عقب الرواية الثالثة بمشيئة الله.
(٢) قول ابن مهدي هذا رواه عنه سماعًا، نعيم بن حماد/ تهذيب الكمال ٢/ ٢٧٨، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٥، والسير ٨/ ١٥، والمراد بمن هو نحو ابن المبارك، من كان مثله، كابن وهب وبقية العبادلة السابق ذكرهم، ومن يماثلهم في الطبقة والثقة، وفي الضبط لمروياتهم عنه بكتابتها من أصوله الخطية أو من فروعها الموثقة، بجانب السماع عليه/ انظر المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٤، ١٨٥، ٤٣٤، ٤٣٥، والسير ٨/ ٢١. وكلام ابن مهدي المذكور، يحتمل دلالتين: أولاهما أنه يرى أن رواية ابن المبارك ونحوه من الثقات الضابطين عن ابن لهيعة تكشف خطأه من صوابه، وهذا يلتقي مع ما قدمته عن غيره ممن ضعف ابن لهيعة، ولو في رواية الضابطين عنه، وأما الدلالة الثانية لكلامه فهي احتمال الإشارة إلى أن ابن لهيعة في نفسه ثقة عنده، ولكنه يرى أن الخلل في روايته مرجعه إلى الرواة عنه، وهذا يلتقي مع ثنائه عليه كما سبق، وتمنيه الرواية عنه، ولو كلفه ذلك الكثير من المال، ولكن سيأتي عنه بعد قليل ما يعارض هذا، ويوافق الاحتمال الأول كما أشرت اليه في التعليق السابق.
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ٤/ ١٤٦٣ من طريق أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح أنه سمع ابن وهب، به، وفي تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ والسير ٨/ ١٧ تعقيب من أبي الطاهر على ذلك بقوله: وما سمعته يحلف بمثل هذا قط. أقول: ولعله أراد بهذا الرد على من كان يسيء القول في ابن لهيعة من تلاميذه الآخرين مثل سعيد بن أبي مريم، الآتي كلامه قريبًا في الأصل، مع تعليقي عليه، =
[ ٢ / ٨٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بالمشيئة، لكن يُلاحَظ أن ابن وهب أكد صدقه في روايته، بما يدفع أي اتهام له بالكذب فيها، أما ضبطه فلم يتعرض له بل جاء عنه ما يفيد انتقاد ضبطه خاصة في آخر حياته، وذلك عن دراية، وخبرة حيث إن ابن وهب، كما أشرت من قبل، وكما سيأتي، كان معنيًا بضبط مروياته عن ابن لهيعة، حيث كان ينقلها من أصوله الخطية إلى آخر حياته، بجانب سماعه منه، ولهذا كان من تلاميذ ابن لهيعة الآخرين من يعتمد بدوره على ما كتبه ابن وهب، كما سيأتي ص ٨٥٠، ٨٥٢ ويبدو أن عناية ابن وهب تلك بضبط رواياته عن ابن لهيعة جعلته يختبر ضبطه على امتداد حياته، فتبين له وجود بعض الخلل في ضبطه، ونبه غيره على هذا، فقد أخرج العقيلي بسنده عن خالد بن خداش قال: قال لي ابن وهب -ورآني لا أكتب حديث ابن لهيعة-: إني لست كغيري في ابن لهيعة، فاكتبها -يعني الأحاديث من طريقه-، ثم قال خالد: وقال لي: حديثه عن عقبة بن عامر: أن رسول الله -ﷺ- قال: "لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار" ما رفعه لنا ابن لهيعة في أول عمره قط/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٥ والميزان ٢/ ٤٧٦. فتنبيهه على اختلاف رواية ابن لهيعة للحديث المذكور، بحيث رواه في أول حياته موقوفًا، ثم رواه في أواخرها مرفوعًا، يدلنا على أن ابن وهب كان يكرر السماع من ابن لهيعة، ثم يقارن روايته المتقدمة بروايته المتأخرة، وهذه من طرق اختبار المحدثين لضبط الراوي وحفظه، وقد تبين بذلك لابن وهب وغيره أن ابن لهيعة تغير حفظه في آخر عمره عما كان عليه في أوله، وإن لم يصل به ذلك إلى الاختلاط، كما سيأتي بيانه. وأما قول ابن وهب لخالد: "إني لست كغيري في ابن لهيعة"، فهو يفيد تفاوت تلاميذه في ضبط روايتهم عنه، بل كان منهم من يدخل عليه ما ليس من روايته، كما سيأتي، ولعله يشير بهذه العبارة أيضًا إلى ما عرف عنه من نقله لمروياته عن ابن لهيعة من أصوله الخطية واستمراره على ذلك إلى أن مات ابن لهيعة، كما سيأتي. ويبدو أن هذا قد مكنه من معرفة ما هو من سماعه، وما ليس من سماعه ممن حدث به عنهم، على سبيل الوهم والتساهل في الأداء، كما في روايته بالسماع =
[ ٢ / ٨٠٦ ]
كيف رواية ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر؟ قال: ابن لهيعة ضعيف الحديث (١) وقال ابن أبي مريم (٢) رأيت ابن
_________________
(١) = عن عمرو بن شعيب، فقد قال يحيى بن بكير: قيل لابن لهيعة: إن ابن وهب يزعم أنك لم تسمع هذه الأحاديث من عمرو بن شعيب، فضاق ابن لهيعة، وقال: وما يدري ابن وهب، سمعت هذه الأحاديث من عمرو، قبل أن يلتقي أبواه/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ والسير ٦/ ١٨ أقول: وسيأتي بيان بعض ما أدخل على ابن لهيعة في حديثه عن عمرو بن شعيب، وظهوره على يد غير ابن وهب أيضًا كابن المبارك، وابن مهدي وابن أبي مريم/ ص ٨١٢، ٨١٣ أصل وت، ٨١٤ ت، وبه يكون الحق مع ابن وهب، في إثبات صدق ابن لهيعة، دون ضبطه.
(٢) تاريخ عثمان الدارمي عن ابن معين، بتحقيق د. أحمد نور سيف/ ١٥٢ والجرح والتعديل ٥/ ١٤٧ وقد أخرج ابن عدي من رواية ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر عدة أحاديث وأعل بعضها بابن لهيعة وبتلميذه محمد بن الحارث الملقب بصدرة، وبعضها بابن لهيعة وحده، وقال: ولابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر، نسخة، يحدث بذلك ابن بكير، وقتيبة، وغيرهما من المتأخرين/ الكامل ٤/ ١٤٦٤، ١٤٦٥، وستأتي أقوال أخرى عن ابن معين، ذكرها المؤلف في الأصل، وسنعلق هناك بوجود بعض روايات أخرى عن ابن معين فيها معارضة للرواية المذكورة هنا ولما سيأتي في الأصل.
(٣) هو سعيد بن الحكم بن محمد، المعروف بابن أبي مريم، ثقة ثبت فقيه/ التقريب/ ٢٣٤، ٢٤١، وهو من تلاميذ ابن لهيعة/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، وعن ابن الجنيد أنه سمع يحيى بن معين يقول: كان ابن أبي مريم سيء الرأي في ابن لهيعة، فلما كتبوها عنه، وسألوه عنها، أي: كتبوا أحاديث ابن لهيعة برواية ابن أبي مريم عنه -سكت عن ابن لهيعة/ السير ٨/ ١٩، وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٩، ولابن أبي مريم بعض أقوال أخرى في نقد شيخه ابن لهيعة، فلا تُقبل منه إلا بحجة/ انظر بعض انتقاداته في تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ والسير ٨/ ٢٥ والمعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٥.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
لهيعة (١) يعرض عليه ناس من الناس (٢) أحاديث من أحاديث العراقيين (٣)،
_________________
(١) هذا القول يرويه أبو حاتم الرازي أنه سمع ابن أبي مريم، به، وقد رواه عن أبي حاتم ابنه وموسى بن العباس، فاختلفت الروايتان، فلفظ رواية ابنه جاء هكذا "رأيت ابن لهيعة في آخر عمره، وقوم من أهل بربر يقرأون عليه من حديث منصور والأعمش والعراقيين، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن" إلخ وعقب ابن أبي مريم على كلام ابن لهيعة قائلًا: فلم أكتب عنه بعد ذلك/ الجرح ٥/ ١٤٦، والميزان ٢/ ٤٧٧، ولفظ رواية موسى بن العباس مطابقة لما هنا في الأصل مع زيادة التمثيل للعراقيين بمنصور والأعمش وأبو إسحق -يعني السبيعي-/ الكامل ٤/ ١٤٦٢، والسير ٨/ ٢١، وأهم خلاف بين الروايتين تحديد زمن هذه الواقعة بأنها كانت في آخر حياة ابن لهيعة، حيث اشتملت رواية ابن أبي حاتم على ذلك، وخلت منه رواية موسى بن العباس، ويبدو أن رواية ابن أبي حاتم هي الراجحة، لمناسبتها للأقوال الأخرى التي ذكرت أنه مع سوء حفظه عمومًا، فإنه كان أسوأ بعد احتراق كتبه في آخر حياته./ انظر السير ١/ ٢٨ والميزان ٢/ ٤٧٧ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وسيأتي أيضًا في كلام المؤلف في الأصل ما يؤيده. ويرجح رواية ابن أبي حاتم أيضًا اشتمالها على بيان نتيجة تلك الواقعة، وهي ترك ابن أبي مريم للتحمل عن ابن لهيعة.
(٢) في رواية ابن أبي حاتم عن أبيه: أنهم قوم من أهل بربر/ الجرح ٥/ ١٤٦، وهم شعب أكثره قبائل تسكن الجبال قي شمال إفريقية/ المعجم الوسيط/ مادة "بربر" ١/ ٤٦.
(٣) الذي في الكامل ٤/ ١٤٦٤ من رواية موسى عن أبي حاتم التمثيل للعراقيين بمنصور -يعني ابن المعتمر- والأعمش، وأبي إسحق -يعني السبيعي/ وثلاثتهم كوفيون وفي رواية ابن أبي حاتم: من حديث منصور والأعمش والعراقيين/ الجرح ٥/ ١٤٦ والميزان ٢/ ٤٧٧، فلعل المقصود: والعراقيين مثل هذين.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
فأجازه لهم (١)، فقلت: يا أبا عبد الرحمن: هذه الأحاديث ليست من أحاديثك، فقال: هي أحاديث قد مرت على مسامعي (٢)، وقال أبو حاتم: سألت أبا الأسود (٣) قلت: كان ابن لهيعة يقرأ ما يُدفع إليه؟ قال: كنا نرى أنه لم يفته من حديث مصر كثير شيء، وكنا نتتبع أحاديث من حديث غيره، عن الشيوخ الذين يروي عنهم، فكنا ندفعها إليه، فيقرؤها (٤).
_________________
(١) قوله: فأجازه لهم، ليس في رواية ابن أبي حاتم عن أبيه، والظاهر من سياق الكلام، أن المراد بالإجازة الموافقة على قراءتهم عليه ما ليس من حديثه؛ لأن القراءة على العالم، وتسمى أيضًا العرض، لا يعبر عنها بالإجازة بالمقروء، ولكن نكون إخبارًا منه لهم، وإقرارًا بأن المقروء من روايته.
(٢) ذكر الذهبي تعليقًا على هذه العبارة ما نصه: يقول: يكون قد رواها وجادة الميزان ٣/ ٤٧٧، وبهذا يندفع عن ابن لهيعة دعوى سماع ما لم يسمعه، كما قد يتبادر من ظاهر كلام ابن أبي مريم هذا، لكن هذا الصنيع لا شك أنه تساهل واضح في الأداء، ثم إن في رواية ابن أبي حاتم عن أبيه تعقيب لابن أبي مريم على هذه الواقعة بقوله: "فلم أكتب عنه بعد ذلك"/ الجرح ٥/ ١٤٦، وقد نبهت آنفًا على هذا، ومع أن ابن أبي مريم كان سيء الرأي في ابن لهيعة كما قدمت، إلا أنه لم ينفرد بمثل هذا النقد لابن لهيعة، بل جاء نحوه عن غيره مثل قول أبي الأسود الذي ذكره المؤلف بعد قول ابن أبي مريم هذا، وسيأتي عن غيرهما نحو ذلك أيضًا.
(٣) هو النضر بن عبد الجبار، أحد تلامذة ابن لهيعة الموثقين عمومًا، وفي الرواية عن ابن لهيعة خصوصًا، كما وصف بكثرة الرواية عن ابن لهيعة/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٤، ٤٣٥، وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، ٧٢٩.
(٤) أخرج ابن عدي هذه الرواية عن موسى بن العباس ثنا أبو حاتم به/ الكامل ٤/ ١٤٦٢ وقد أخرج الفسوي بعض الأحاديث التي رويت عنه مقرونًا بغيره/ المعرفة ١/ ٤٠٠، ٢/ ٥١٣، ٧٤٩، وتلك الرواية عن أبي الأسود، يستفاد منها =
[ ٢ / ٨٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أنه كان يشارك غيره في إدخال تلك الأحاديث زورًا على ابن لهيعة، ويشارك أيضًا في تحملها عنه، وذلك يعارض ما قدمته من توثيقه عمومًا، وفي روايته عن ابن لهيعة خصوصًا، لاسيما أنه سيأتي وصف من كانوا يفعلون ذلك مع ابن لهيعة بعدم تقوى الله ص ٨٣٦ ت، لكن ما وصف به أبو الأسود من التوثيق يجعلنا نحمل كلامه هذا على أنه كان يشترك مع الفاعلين لذلك بغير قصد التحمل عنه مثلهم، أو الإفساد للحديث، ولكن يقصد اختبار ضبط ابن لهيعة فقط، حيث كان ذلك في أواخر حياته كما سيأتي، ويؤيد ذلك أنه جاء عن أحد تلاميذ أبي الأسود، من النقاد، وهو أحمد بن صالح المصري، ما يفيد أن رواية شيخه أبي الأسود عن ابن لهيعة منضبطة، وخالية مما ليس من حديث ابن لهيعة، فقد ذكر الفسوي سماعه من أبي الأسود، ووصفه بأنه ثقة، ثم قال: وسمعت أحمد بن صالح أبا جعفر -وكان من خيار المتقنين- يثني عليه -يعني على أبي الأسود-، ثم ذكر الفسوي أن أحمد بن صالح قال له: كتبت حديث أبي الأسود في الرق، قال الفسوي: فاستفهمته، -يعني عن المقصود بأنه كتب حديث أبي الأسود في الرق- فقال لي: كنت أكتب عن المصريين وغيرهم ممن يخالجني أمره -يعني أشك في حاله- فإذا ثبت لي، حولته في الرق، وكتبت حديثًا لأبي الأسود في الرِّق، وما أحسن حديثه عن ابن لهيعة/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٤، وذكر الفسوي الرواية بسياق آخر، فيه توضيح أكثر فقال: وسمعت أحمد بن صالح يقول: كتبت حديث ابن لهيعة عن أبي الأسود في الرق، قال: كنت أكتب عن أصحابنا في القراطيس وأستخير الله فيه، فكتبت حديث ابن لهيعة عن النضر في الرق، ثم قال: وظننت أن أبا الأسود كتب -يعني عن ابن لهيعة- من كتاب صحيح، يشبه حديث أهل العلم/ المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٤، ١٨٥. أقول: وفي المعرفة والتاريخ للفسوي روايات كثيرة يرويها عن أبي الأسود وحده، أو مقرونًا بغيره، عن ابن لهيعة ويوجد عدد من تلك الأحاديث في أحد الصحيحين من غير طريقه، وهذا يؤيد قول أحمد بن صالح: إنه وجد روايات أبي الأسود عن ابن لهيعة تشبه به أحاديث أهل العلم/ انظر المعرفة والتاريخ ١/ ٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٩٩، ٢/ ٤٤٠، ٤٩٠، ٥١٨، =
[ ٢ / ٨١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٥٣١، وقد وضع المزي أيضًا رمز ابن ماجه على رواية أبي الأسود عن ابن لهيعة/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، وبالمقابل أيضًا فإني لم أجد فيما ذُكر في ترجمة ابن لهيعة من الأحاديث المنتقدة عليه - وخاصة في الكامل لابن عدي، لم أجد حديثًا من رواية أبي الأسود عن ابن لهيعة، فهذا كله يفيد عدم القدح في ثقة أبي الأسود، وبراءته من الرواية عن ابن لهيعة ما ليس من حديثه، لكن هذا لا يقتضي صحة حديث ابن لهيعة نفسه، وإن كان من رواية الضابطين عنه، وإنما يقتضي أن رواية الضابطين عنه كأبي الأسود والعبادلة تكون أقل ضعفًا من رواية غيرهم، كما أشرت من قبل ص ٨٠٠، ٨٠١ ت وبالتالي ترتفع روايتهم إلى الحجية بوجود متابع لها أو شاهد يصلح لذلك، ويؤيد هذا ما ذكره أحمد بن صالح في كلامه السابق من أنه حول أحاديث أبي الأسود عن ابن لهيعة من قراطيس الجمع العام الورقية المؤقتة إلى رقاق الجلد الثابتة، بعد أن ثبت له أن حديثه عن ابن لهيعة يشبه حديث أهل العلم، وهم الثقات. ومعنى ذلك أنه قام بعملية الاعتبار الاصطلاحية فقارن رواياته بروايات الثقات المشاركين له ولشيخه في تلك الأحاديث، ولم يعتمد ثبوت الرواية عن ابن لهيعة وحده، ويؤكد هذا أيضًا أنه بعد أن ذكر توثيق أبي الأسود وتلميذ آخر: هو محمد بن رمح في روايتهما عن ابن لهيعة قال الفسوي: فقلت له في حديث ابن لهيعة، قال: لم تعرف مذهبي في الرجال، إني أذهب إلى أنه لا يترك حديث محدث، حتى يجمع أهل مصره على ترك حديثه/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٤، ٤٣٥ والسير ٨/ ١٨، فقول الفسوي: "فقلت له في حديث ابن لهيعة، أي سألته عن درجة حديث ابن لهيعة في حد ذاته، إذا ضبطه الرواة الثقات عنه، فأجابه ابن صالح بما يفيد أن ابن لهيعة اختلف أهل بلده وهم الأعرف به في قبول روايته وردها، ولم يتفقوا على ترك حديثه، وهو مذهبه: ألا يُترك حديث الرجل، حتى يجمع أهل بلده على تركه، وأنه لهذا لم يترك حديثه كلية، ولكن انتقى منه ما تبين له ثبوته عنه، ثم وجده أيضًا يشبه حديث الثقات، ومقتضى ذلك أنه يرى حديث ابن لهيعة في حد ذاته، ضعيفًا قابلًا للانجبار بمتابع أو شاهد معتبر، وبذلك توسط في حاله بين الترك المطلق، والقبول المطلق، وستأتي بعض أقوال لأحمد بن صالح صريحة في انتقاد حفظه، وبيان تساهله في الأداء ص ٨٢٠، ٨٢١ ت =
[ ٢ / ٨١١ ]
وقيل لابن مهدي: تحمل عن عبد الله بن يزيد القصير (١) عن ابن لهيعة؟ قال: لا أحمل عن ابن لهيعة قليلًا ولا كثيرًا، ثم قال عبد الرحمن (٢): كتب إليّ ابن لهيعة كتابًا فيه: ثنا عمرو بن شعيب. قال عبد الرحمن: فقرأته على ابن المبارك، فأخرج (٣) إليَّ ابنُ المبارك من كتابه، عن ابن لهيعة، فإذا حدثني (٤) إسحق بن أبي فروة (٥) عن عمرو بن شعيب.
_________________
(١) هو عبد الله بن يزيد القرشي العدوي أبو عبد الرحمن المقري، القصير/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٥٧، وهو أحد العبادلة السابق الكلام عن توثيقهم في الرواية عن ابن لهيعة، ووصفهم بأنهم رووا عنه قبل احتراق كتبه، وقد جاء النص في الجرح والتعديل بدون ذكر "عبد الله بن بزيد القصير" ٥/ ١٤٦ فلعله سقط ناسخ أو طابع، لوجوده في باقي المصادر مع اتفاق طريق الرواية في الجرح مع الباقي/ انظر الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٣، والكامل ٤/ ١٤٦٢.
(٢) وهذا تعليل منه لترك تحمل الحديث مطلقًا عن ابن لهيعة، مهما كانت ثقة الرواة عنه وضبطهم لحديثه.
(٣) في الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٩٢، والتهذيب ٥/ ٣٧٤ والميزان ٢/ ٤٧٦ "فأخرجه" والمعنى: كشف لي عن تلك الأحاديث التي في الكتاب، وهذا من أدلة استعمال المتقدمين للتخريج بمعنى الكشف عن الحديث في أحد مصادره للتثبت من روايته.
(٤) في ضعفاء العقيلي ٢/ ٢٩٤، والميزان ٢/ ٤٧٦، والسير ٨/ ١٥، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٤: "أخبرني".
(٥) هو إسحق بن عبد الله بن أبي فروة الأموي، متروك، من الرابعة، وتوفي على الصحيح سنة ١٤٠ هـ وهو معدود من شيوخ ابن لهيعة/ تهذيب الكمال ١/ ٨٦ و٢/ ٧٢٧ والتقريب ١٠٣، وقد تقدم لابن مهدي قولين آخرين في ابن لهيعة: أحدهما: أنه يود السماع منه ولو كثرت كلفة الرحلة إليه، وثانيهما: أنه لا يعتد =
[ ٢ / ٨١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بما سمع من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه، وقوله هذا الثالث يمكن أن يكون صدر منه قبل القول الثاني، فيكون المعنى: أنه لا يحمل عنه مباشرة، ولا بواسطة ولو كان الواسطة ثقة كعبد الله بن يزيد القصير، وإنما يحمل عنه بواسطة واحدة وهو عبد الله بن المبارك، لأنه هو الذي كشف له ما في رواية ابن لهيعة من خطأ، ويمكن أن يكون قال ذلك بعد قوله باستثناء رواية ابن المبارك، ويكون المعنى: إنه بعدما تبين له بوضوح خطأ ابن لهيعة فيما كتب به إليه، ترك الرواية عنه مطلقًا، سواء مباشرة أو بالواسطة، وهذا ما أشار اليه الإمام مسلم حيث عد ابن مهدي ممن ترك حديث ابن لهيعة مطلقًا/ الكنى لمسلم ١/ ٥١٩، والسير ٨/ ٢٠، وأخرج العقيلي بسنده عن محمد بن المثنى قال: ما سمعت عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- يحدث عن ابن لهيعة شيئًا قط/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٤ ولعل تلك الواقعة هي التي جعلت ابن المبارك يقدح في ابن لهيعة فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق بعض المراوزة عن ابن المبارك أنه سمع رجلًا يذكر ابن لهيعة، فقال: قد أراب ابن لهيعة، قال ابن أبي حاتم: يعني ظهرت عورته/ الجرح ٥/ ١٤٦، والمراد بالعورة وقوع الخطأ في روايته، وقوله في كتابه إلى ابن مهدي: "حدثنا عمرو بن شعيب" يعتبر من خطئه، ولا يحمل على ادعائه سماع ما لم يسمع؛ لأن ذلك من الكذب في الرواية، وهو لم يوصف بذلك، فيحمل الأمر في هذا على الخطأ والوهم، إما منه ابتداء، إذا كان هو الذي كتب بخطه، وإما ممن كلفه بالكتابة وأقره بالتوقيع على ما كتب، ويؤيد ذلك تقرير غير واحد من لدن عصره فما بعده: أنه لم يكن يكذب، ولكن يخطئ لسوء حفظه؛ فتلميذه الخبير بحاله وبمروياته وهو ابن وهب تقدم أنه أقسم على صدقه زيادة في تأكيده، ومن جهة أخرى انتقده في ضبطه، وخاصة في السماع من عمرو بن شعيب/ ص ٨٠٥، ٨٠٦ ت. وقال الحاكم: لم يقصد الكذب، وإنما حدث من حفظه، بعد احتراق كتبه، فأخطأ/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وقال الذهبي: إن الرجل غير متهم بالوضع/ السير ٨/ ٢٦، وسيأتي عن أحمد بن صالح المصري بيان حصول خطأ من تلاميذه في كتابة ما حدثهم به إملاء من أصوله. =
[ ٢ / ٨١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد ذكر ابن أبي مريم مثالًا محددًا لما نسي فيه ابن لهيعة الواسطة بينه وبين عمرو بن شعيب، وصار يحدث به عن عمرو بن شعيب مباشرة، وذلك هو حديث التكبير عند رؤية الحريق، فقد حضر ابن أبي مريم سماع ابن لهيعة للحديث من زياد بن يونس الحضرمي عن القاسم بن عبد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مرفوعًا، وذكر ابن أبي مريم أن ابن لهيعة كان يحدث به هكذا زمنًا، فلما طال الزمن نسي، فوضع بعض تلاميذه الحديث في جملة حديثه عن عمرو بن شعيب مباشرة، فكان يقرأ عليه فيجيزه، ويحدث به في جملة حديثه عن عمرو بن شعيب/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ والسير ٥/ ١٨، ١٦ والمعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٥، وفي رواية الفسوي عن ابن أبي مريم بعض التفصيل وهو أن الرواة عن ابن لهيعة هم الذين أدخلوا عليه هذا الحديث، فكتبوه ضمن روايته مباشرة عن عمرو بن شعيب، وكان يقرأ عليه من كتبهم هم، قال ابن أبي مريم: فرأيت بعد -يعني بعد سماع ابن لهيعة للحديث من زياد عن القاسم عن عمرو بن شعيب- يجيء الرجل فيسأله: حدثك عمرو بن شعيب؟ فيقول: لا، إنما حدثنا بعض أصحابنا -يسميه- قال ابن أبي مريم: ثم وضعوا في حديثه عن عمرو بن شعيب، فكان يقول -كم شاء الله- إذا مروا بهذا الحديث: هذا حديث بعض أصحابنا عن عمرو، قال: ثم سكت، فكانوا يضعون عليه في حملة حديث عمرو بن شعيب، فغيروها/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٥، ويتضح من تلك الرواية أن سكوت ابن لهيعة مؤخرًا كان للنسيان بسبب طول الزمن بين التحمل وبين القراءة عليه من كتبهم، وأنه لم يتعمد إسقاط الواسطة بينه وبين عمرو. ثم إن ابن أبي مريم لم ينفرد بذكر هذه الواقعة، بل ذكرها بعده ابن معين، فذكر أن هذا الحديث قد عرض على ابن لهيعة -أي قريء عليه- على أنه من روايته عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فأقر به، فقال له رجل: أنت سمعت هذا؟ فقال: ما أدري قُرئ عَليَّ، فقيل له: إنما هذا عن القاسم بن عبد الله بن عمر -يعني عن عمرو بن شعيب، كما سبق/ يحيى بن معين وتاريخه- برواية الدوري ٢/ ٣٢٧. وسيأتي عن الإمام أحمد أيضًا مثال آخر ص ٨٥١، ٨٥٢ ت، وانظر الميزان =
[ ٢ / ٨١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٢/ ٤٧٦، وقد أخرج ابن عدي أيضًا من روايته عن أبي يعلي الموصلي ثنا كامل بن طلحة ثنا ابن لهيعة ثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي -ﷺ- (الحديث في الجمع بين المرأة وأمها)، ثم قال: وبهذا الإسناد أخبرنا ابن المثنى -يعني أبا يعلى- بأرجح من ثلاثين حديثًا، لم أذكرها لئلا يطول، وعامتها مما لا يتابع عليه/ الكامل ٤/ ١٤٦٩، وهذا كله يفيد أن ما حدث به ابن لهيعة عن عمرو مباشرة منه ما فيه وهم منه، ونكارة، ومنه ما ثبت سماعه منه فعلًا، وقد تقدم ذكر عمرو بن شعيب ممن سمع منهم ابن لهيعة ص ٧٩٨، وأن ابن لهيعة قد غضب لما قيل له: إن ابن وهب يزعم أنك لم تسمع هذه الأحاديث من عمرو بن شعيب، وأكد سماعه منه، ص ٨٠٧ ت، لكن أبا حاتم الرازي قال: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب شيئًا/ المراسيل لابن أبي حاتم/ ١١٤، وأضاف العلائي قائلًا: وقد رَوى عنه كثيرًا، وجاء بهامش نسخة الظاهرية من كتاب العلائي ما نصه: قال أبو داود: إنما سمع ابن لهيعة من عمر بن شعيب ثلاثة أشياء، أو أربعة أشياء/ جامع التحصيل للعلائي بتحقيق الشيخ حمدي السلفي/ ٢١٥، ٢١٦ أصل وهامش، وقال أبو زرعة بن العراقي وجدت بخط الحافظ رشيد الدين العطار: إنه وقع في الجزء الثاني والعشرين من حديث أبي الطيب ابن بنت الشافعي، انتقاء عبد الغني بن سعيد، بالإسناد إلى أحمد بن صالح أنه قال: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب إلا حديثين، فأتموها له مائتين. انتهى/ تحفة التحصيل لأبي زرعة ابن العراقي/ ق ١٧١ أ. أقول: والمراد بمن أتموها له، بعض الرواة غير الثقات عنه، كما مر مثاله في حديث الحريق، وعلى هذا فالراجح أن ابن لهيعة قد سمع من عمرو بن شعيب، وإن كانت مروياته عنه تزيد كثيرًا عن العدد الذي ذكره أبو داود وأحمد بن صالح معًا، ومن تلك الروايات ما تبين وهمه فيه، أو نكارته من طريقه، وقد تقدمت إشارة ابن عدي إلى وجود ما يزيد على ثلاثين حديثًا له عن عمرو بن شعيب لا يتابع على عامتها، وذلك مما يقدح في ضبطه، ولكنه لا يقتضي ترك الرواية عنه =
[ ٢ / ٨١٥ ]
وروى (١) ابن عدي من طريق عثمان بن سعيد، ومن طريق معاوية (٢) عن يحيى تضعيفه (٣) وروى عنه من طريق عباس الدوري: لا يحتج به (٤) وذكر علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قال لي بِشْر بن السَّرِي: لو رأيتَ ابنَ لهيعة لم تَحمِلْ عنه
_________________
(١) = مطلقًا، كما قال ابن مهدي، لكونه لم يفحش خطؤه، وبذلك يحتج من حديثه بماله عاضد، كما سيأتي عن غير واحد من العلماء.
(٢) بالأصل "فروى" ولا يستقيم المعنى عليه.
(٣) هو ابن صالح الدمشقي أحد الرواة عن يحيى بن معين/ تهذيب الكمال ٣/ ١٥١٩.
(٤) رواية معاوية بن صالح موجودة في الكامل ٤/ ١٤٦٢ وفي الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٥، وأما عثمان بن سعيد فقد وجدت في تاريخه عن يحيى رواية واحدة قال فيها: قلت كيف رواية ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر؟ فقال: ابن لهيعة ضعيف الحديث/ تاريخ الدارمي عن ابن معين/ ١٥٣، وهذه تقدم ذكر المؤلف لها ص ٨٠٥، ٨٠٧، ولكن جاء في الكامل عنه رواية ثانية لم أجدها في تاريخه المطبوع، حيث قال ابن عدي بعد ذكر الرواية السابقة: قال عثمان: وفي موضع آخر (قلت): ابن لهيعة كيف حديثه عندك؟ قال: ضعيف/ الكامل لابن عدي ٤/ ١٤٦٢، فتكون تلك الرواية قد وردت في النسخة التي وقعت لابن عدي.
(٥) انظر/ يحيى بن معين وكتابه التاريخ، برواية الدوري، تحقيق د. أحمد نور سيف ٢/ ٣٢٧، ومن طريق الدوري أخرجها ابن عدي/ الكامل ٤/ ١٤٦٢، وكذا العقيلي في الضعفاء ٢/ ٢٩٥، وما تقدم من وصف ابن معين له بالضعف المطلق، يفيد أن مراده بقوله "لا يحتج به" يعني إذا انفرد، فإذا توبع احتج به، وستأتي أقوال لابن معين في الأصل وفي التعليق عليه، بعد قليل، ثم بيان الراجح منها إن شاء الله.
[ ٢ / ٨١٦ ]
حرفًا (١) وقال الحميدي: عن يحيى بن سعيد، كان لا يراه شيئًا (٢)، وذكر عن يحيى بن معين، أنه قيل له: أنكر أهل مصر احتراق كتب
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم/ الجرح ٥/ ١٤٦ وابن عدي/ الكامل ٤/ ١٤٦٢ من طريق صالح بن أحمد (بن حنبل) عن ابن المديني، به وأخرجه ابن حبان في المجروحين ٢/ ٢٠ من طريق ابن أبي شيبة عن ابن المديني، به، وهذا النقد لا يقدح وحده في الموصوف به؛ لاعتماده الأساسي على المظهر الشكلي للراوي، وهو غير كاف في ذلك، وإن كان له دخل في الدلالة على العدالة الباطنة، ولكن لا يتحقق منها إلا بخبرة الباطن، وبشر بن السري صاحب هذا الانتقاد، كان واعظًا ثقة، فلعل انتقاده لابن لهيعة من جهة ترفه، حيث كان من أثرياء مصر ورؤساء أهلها، ولكن الذهبي قد وصفه أيضًا بأنه من ذوي الاحتشام/ السير ٨/ ٣١ وتقدم أن ابن وهب أقسم على أنه كان صادقًا بارًا، وتقدم كذلك أنه أقطع واعظًا آخر وهو منصور بن عمار خمسة أفدنة من أرضه، وذلك كله يدل على أن قول بشر المذكور غير قادح في ابن لهيعة.
(٢) أخرجه البخاري في الكبير ٥/ ١٨٢ والأوسط المطبوع باسم الصغير/ ١٩٥ ط الهند والضعفاء الصغير/ ٢٦٦ ط الهند، عن الحميدي به، وجاء في الأوسط "لا يرى به بأسًا" بدل "لا يراه شيئًا" ولعله تحريف، حيث أخرج ابن عدي ٤/ ٤٦٢ الترجمة كلها من طريق التاريخ الأوسط، وبسياقه نصًا، وفيه "لا يراه شيئًا"، وأشار إلى أن رواية البخاري في غير الأوسط بنحو ما في الأوسط. وأخرجه العقيلي أيضًا من طريق البخاري عن الحميدي به/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٣، ويلاحظ إقرار البخاري ليحيى بن سعيد القطان على وصف ابن لهيعة بهذا اللفظ الذي يقتضي شدة ضعفه، وكذا ذكر مسلم أن "يحيى" ممن ترك ابن لهيعة ثم لم يتعقبه/ الكنى لمسلم ١/ ٥١٩ لكن هذا معارض بقول عدد من النقاد، ومنهم متشددون أيضًا: بأن ابن لهيعة ضعيف ضعفًا قابلًا للانجبار، وستأتي أقوال عدد منهم في الأصل، وتقدمت أيضًا بعض الأقوال المؤيدة لذلك.
[ ٢ / ٨١٧ ]
ابن لهيعة، فقال: هو ضعيف، قبل الاحتراق، وبعده (١) وذكر عن
_________________
(١) كذا جاء النص في الأصل ويبدو أنه ملفق من قولين لابن معين، حيث إن الذي في الكامل لابن عدي بسنده عن الدورقي هكذا: قال يحيى بن معين: أنكر أهل مصر احتراق كتب ابن لهيعة، والسماع منه واحد، القديم والحديث، وذكر عند يحيى احتراق كتب ابن لهيعة فقال: هو ضعيف قبل أن تحترق، وبعدما احترقت/ الكامل ٤/ ١٤٦٣، وجاء في الميزان ٢/ ٤٧٧ قال: يحيى: "هو ضعيف قبل أن تحترق كتبه وبعدما احترقت"، ويلاحظ أن هذين قولين ليحيى: أحدهما ينفي احتراق كتب ابن لهيعة، وثانيهما بإقراره، ولكنهما متفقان على أن ابن لهيعة ضعيف من جهة ضبطه، وقد تقدم في الأصل قريبًا أنه يضعفه ولا يحتج به، وتقدم أيضًا ص ٨١٤ هـ إقراره بان ابن لهيعة قد نسي كيفية روايته لحديث التكبير عند الحريق. ومسألة احتراق الكتب هذه، ودرجة تضعيف ابن لهيعة، قد تعددت فيها أقوال ابن معين، مثلما تعددت أقوال غيره، فبالإضافة لما تقدم، جاء في رواية الدقاق عنه قوله: ابن لهيعة ليس بشيء: قيل ليحيى: فهذا الذي يحكي الناس أنه احترقت كتبه؟ قال: ليس لهذا أصل، سألت عنها بمصر/ من كلام يحيى بن معين، برواية الدقاق، تحقيق الدكتور/ أحمد نور سيف/ ٩٧، وروى ابن الجنيد عنه قال: سمعت يحيى بن معين يقول: ابن لهيعة أمثل من رشدين بن سعد، ورشدين ليس بشيء، وقد كتبت حديث ابن لهيعة، ثم قال: قال لي أهل مصر: ما احترق له كتاب قط، وما زال ابن وهب يكتب عنه حتى مات. قال ابن الجنيد: قلت له: فسماع القدماء والآخرين منه سواء؟ قال: نعم سواء واحد/ وسؤالات ابن الجنيد/ ١٥٣، ٣٩٣ السير ٨/ ١٩، وتهذيب الكمال ٢/ ٢٧٩. وروى ابن أبي الجارود عن يحيى بن معين قال: يكتب عن ابن لهيعة ما كان قبل احتراق كتبه/ ضعفاء العقيلي ٢/ ٢٩٥ والسير ٨/ ٣١، وذكر في التهذيب عنه قال: ابن لهيعة كان ضعيفًا، لا يحتج بحديثه، كان من شاء يقول له: حدَّثَنا/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وفي رواية لابن محرز عن ابن معين قال: ابن لهيعة ضعيف الحديث/ سؤالات ابن محرز ١/ ٦٧. وتعددت أيضًا أقواله في اختلاطه، فقد روى عنه ابن محرز قال: سمعت يحيى =
[ ٢ / ٨١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يقول: قال أبو الأسود -النضر بن عبد الجبار المصري، وكان ثقة-: ما اختلط ابن لهيعة قط، حتى مات/ معرفة الرجال، من رواية ابن محرز عن ابن معين وغيره بتحقيق محمد كامل القصار وآخرين ١/ ٦٨، ١٠١، ٢/ ٥٩. وفي رواية الدقاق عنه قال: ابن لهيعة ليس بشيء، تغير أو لم يتغير/ من كلام يحيى بن معين في الرجال/ تحقيق د. أحمد نور سيف/ ١٠٨، فلعل مقصوده بالتغير هنا الاختلاط، المذكور في الرواية السابقة، وبذلك يكون قوله هذا مخالفًا لإقراره عدم الاختلاط مطلقًا كما في الرواية السابقة، وسيأتي في الأصل ص ٨٣٢، ٨٣٤، حكاية ابن سعد عن أهل مصر نفي الاختلاط، وهو الراجح كما سيأتي. وفي تلك الروايات المتقدمة عن ابن معين نجد بعضها ينفي الاحتراق، وبعضها يقتضي إثباته، كما نجد في اثنتين منها وصفه ابن لهيعة بأنه ليس بشيء، وكذا جاء في رواية لابن محرز ١/ ٦٧ وذلك يفيد شدة ضعفه، وفي الباقي وهو الأكثر - نجد أنه قد وصفه بما يدل على قلة ضعفه بحيث يقبل الانجبار بغيره، إذ وصفه بالضعف المطلق في عمره كله، وقد قال ابن رجب: إنه المشهور عن يحيى/ شرح العلل ١/ ١٣٧، وكذا جاء في رواية لابن محرز أن ابن معين قال: ابن لهيعة ضعيف في حديثه كله لا بعضه/ سؤالات ابن محرز ١/ ٦٧، وقال يحيى أيضًا: قد كتبت حديثه وقال: يكتب حديثه قبل احتراق كتبه، فتضعيفه المطلق له، يدل على أن مراده كتابة حديثه للاعتبار، وليس للاحتجاج، وقوله: يكتب حديثه قبل احتراق كتبه، يدل على تضعيفه له قبل الاحتراق وبعده، وإن كان تضعيفه بعد الاحتراق أشد، وأما قوله فيما تقدم أيضًا، بعد نفي احتراق كتبه: "إن ابن وهب كان يكتب عنه حتى مات" فيدل على أن ابن لهيعة كان يمكن بعض تلاميذه من كتابة مروياته من أصوله، وبذلك لا تكون عمدتهم على السماع من حفظه فقط، أو على السماع من كتب غيرهم، وسيأتي في الأصل ص ٨٣٨، ٨٣٩ وصف أبي زرعة الرازي لابن وهب وابن المبارك بالكتابة من أصول ابن لهيعة. أما تعدد قول ابن معين في احتراق الكتب، فقد جاء عمن له دراية بابن لهيعة، =
[ ٢ / ٨١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وملاصقة له، ما يبين وجه الاختلاف في ذلك، وعلى ضوئه يمكن الجمع والتوفيق بين القول بالنفي وبين القول بالإثبات. فقد تقدم قول تلميذ ابن لهيعة وهو عثمان السهمي: احترقت دار ابن لهيعة وكتبه سنة. ١٧٠ هـ وسلمت أصوله، وأيد ذلك بقوله: ما كتبت كتاب عمارة بن غزية إلا من أصل كتاب ابن لهيعة، بعد احتراق داره، غير أن بعض ما كان يقرأ فيه احترق، وبقيت أصوله بحالها/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، والسير ٨/ ١٣، وهناك تلميذ آخر، وهو إسحق بن عيسى، تعدد قوله بالإجمال مرة، والتفصيل أخرى، حيث سيأتي في الأصل ٨٢٣ رواية أحمد عنه: إن كتب ابن لهيعة احترقت سنة ١٦٩ هـ، ثم جاء عنه قول آخر مفصل، فقال: ما احترقت أصوله، إنما احترق بعض ما كان يقرأ منه، قال الذهبي: يريد ما نسخ منها/ السير ٨/ ٢١ وبهذا يعرف أن من قال بعدم احتراق كتب ابن لهيعة مطلقًا، فقوله محمول على عدم احتراق النسخ الأصلية لمروياته، وهي التي أثبت عليها سماعاته من شيوخه، وغيرها من طرق التحمل المعتمدة. ومن قرر احتراق كتبه، فيحمل كلامه على النسخ الفرعية التي نسخت من تلك الأصول، واحتفظ بها ابن لهيعة ليقرأ عليه طلاب الحديث منها، حفظًا للأصول من التلف أو التغيير الذي كان يبتلى به المحدثون ممن يخالطهم، وبهذا يمكن الجمع بين قولي ابن معين السابقين بنفي الاحتراق، والتسليم به، كما يمكن الجمع أيضًا بأنه نفى وأثبت بناء على أقوال من سأله من أهل مصر، كما يشير لذلك قوله: سألت عنها بمصر. وقوله: "قال لي أهل مصر". ومع سلامة أصول ابن لهيعة من الاحتراق الذي كان في أواخر حياته كما سيأتي في الأصل، إلا أنه لم يحدث منها إلا في بداية اشتغاله بالرواية، ثم صار بعد ذلك لا يمكن منها إلا القلائل، مثل ابن وهب، وعثمان السهمي السابق ذكرهما، وأما عامة الرواة، فكانوا يتلقون عنه من حفظه، أو من كتب تلاميذه الفرعية، وكلاهما فيه الخطأ والصواب، وقد بين ذلك أحمد بن صالح المصري عن دراية كافية، حيث إنه لما استحسن رواية أبي الأسود النضر بن عبد الجبار عن ابن لهيعة قال
[ ٢ / ٨٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = له الفسوي: يقولون سماع قديم وسماع حديث، -يعني من العلماء من يقبل سماع القدماء عنه ويرد سماع المتأخرين، فقال أحمد بن صالح: ليس من هذا شيء، ابن لهيعة صحيح الكتابة، كان أخرج كتبه، فأملى على الناس، حتى كتبوا حديثه إملاء، فمن ضبط، كان حديثه حسنًا صحيحًا، إلا أنه كان يحضر من يضبط ويحسن، ويحضر قوم يكتبون ولا يضبطون، ولا يصححون -يعني بالمقابلة على الأصل- وآخرون نظارة، -يعني يسمعون بدون قصد الرواية- وآخرون سمعوا مع آخرين -يعني بالنظر معهم في نسخهم- ثم لم يخرج ابن لهيعة بعد ذلك كتابًا، ولم ير له كتاب، وكان من أراد السماع منه ذهب فانتسخ ممن كتب عنه، وجاء فقرأه عليه، فمن وقع على نسخة صحيحة فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة ما، لم تضبط، جاء فيه خلل كثير، ثم ذكر مثالًا للخلل، .. وعقب على ذلك الفسوي بقوله: وكنت كتبت عن ابن رمح كتابًا عن ابن لهيعة، وكان فيه نحو ما وصف أحمد -يعني ابن صالح- فقال: أي ابن صالح-: هذا وقع على رجل ضبط إملاء ابن لهيعة ولما سمع الفسوي من ابن صالح قوله: "إن من ضبط النقل عن أصل ابن لهيعة، أو وقع على نسخة صحيحة فحديثه صحيح"، أراد معرفة مراده بالصحة، فسأله كما قدمت -عن درجة حديث ابن لهيعة في حد ذاته، إذا ثبت عنه، فذكر له ما يفيد أنه يكتب للاعتبار/ وانظر المعرفة والتاريخ للفسوي ٢/ ٤٣٤، ٤٣٥، وقد ذكر الفسوي أيضًا تلك الرواية عن ابن صالح بنحو السابقة دون ذكر سؤاله له عن درجة حديث ابن لهيعة/ المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٤. وذكر العجلي أن أحمد بن صالح قال: إن ابن لهيعة ثقة، ورفع به، وقال فيما روى عنه الثقات من الأحاديث ووتع فيها تخليط: يطرح ذلك التخليط/ ثقات العجلي بتحقيق الشيخ صالح المحطب/ ٢١٢ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وحكى الساجي عن ابن صالح أيضًا قوله: كان ابن لهيعة من الثقات، إلا أنه إذا لقن شيئًا حدث به/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وكلا الروايتين تفيدان أن توثيق ابن صالح له مقتصر على عدالته فقط، دون ضبطه، حتى فيما رواه عنه الثقات، فيكونان، بمعنى رواية الفسوي السابقة، وتكون خلاصة حال ابن لهيعة عند =
[ ٢ / ٨٢١ ]
السعدي (١): ابن لهيعة لا يُوقَف (٢) على حديثه، ولا ينبغي أن يُحتج، أو يُغَتر (٣) بروايته، فقال ابن بُكَير (٤): احترق منزل ابن لهيعة وكتبه،
_________________
(١) = أحمد بن صالح: أنه ضعيف من جهة ضبطه، فيكتب حديثه للاعتبار، ويكون ضعيفًا فيما ينفرد به. وبهذا يلتقي قوله مع أكثر أقوال ابن معين السابقة، وكذا بعض أقواله الآتية في الأصل ص ٨٤٦، ٨٤٧.
(٢) هو أبو إسحق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي، أحد أئمة الجرح والتعديل، وقد عده الذهبي من المتعنتين في الجرح، وله كتاب في الضعفاء، وهو المطبوع الآن بعنوان "أحوال الرجال" بتحقيق الأستاذ صبحي السامرائي، وقد توفي الجوزجاني السعدي سنة ٢٥٩ هـ، وقد رمي بالنصب، ودفع الأستاذ صبحي ذلك عنه/ انظر تقريب التهذيب/ والعبر للذهبي ٢/ ٢٤، وذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي أيضًا/ ١٥٩ ومقدمة الأستاذ صبحي لتحقيق أحوال الرجال للجوزجاني/ ١٠ - ١٨.
(٣) كذا جاء في كتاب السعدي/ معرفة أحوال الرجال، بتحقيق الأستاذ صبحي السامرائي/ ١٥٥، وفي الكامل لابن عدي ٤/ ١٤٦٣ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، ولكن في الميزان ٢/ ٤٧٧ والسير ٨/ ٣٠ "لا نور" ويمكن استقامة المعنى عليها، لكن الراجح ما وافق قول السعدي في كتابه نفسه.
(٤) الذي في الأصل "يعتد" وكذا في الكامل والميزان والسير/ المواضع السابقة، وما أثبته من كتاب السعدي نفسه/ ١٥٥ ومثله في تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وهو الأنسب للمعنى، لأن: "لا يعتد بروايته" بمعنى العبارة التي قبلها وهي لا يحتج به" بخلاف "لا يغتر بروايته"، فهي تفيد معنى جديدًا كما هو واضح، أي لا يغتر بروايته التي قد يكون ظاهرها السلامة من العلة. أقول: ومع ما قدمته من كون الجوزجاني متعنت في الجرح، إلا أن قوله هذا في ابن لهيعة لا يعد من تشدده، لأنه يفيد تضعيفه تضعيفا قابلًا للانجبار، حيث أن قوله: "ولا ينبغي أن يحتج به" يفيد أنه يعتبر به، وهذا يلتقي مع قول أكثر العلماء بعد جمع مختلفها، والنظر فيها.
(٥) هو يحيى بن عبد الله بن بكير، تلميذ ابن لهيعة/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
سنة [سبعين] (١) ومائة، وقال البخاري، نحوه (٢)، وقال أحمد بن حنبل: ثنا إسحق بن عيسى (٣) قال: احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين (٤) ولقيته أنا سنة أربع وستين (٥) ومائة،
_________________
(١) الذي في الأصل "تسع وستين" والصواب ما أثبته، لإجماع المصادر عليه/ فقد أخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه قال: قال ابن بُكير، فذكره/ الجرح ٥/ ١٤٦، وسيأتي في التعليق التالي باقي المصادر، ويؤيده: أن ابن حجر بعد ذكره قول ابن بكير كما أثبته قال: وكذا قال يحيى بن عثمان بن صالح السهمي عن أبيه .. إلخ/ تهذيب التهذيب ٥/ ٢٧٦، وقول يحيى بن عثمان عن أبيه فيه: إن الاحتراق كان سنة ١٧٠ هـ/ انظر تهذيب الكمال ٢/ ٢٢٨.
(٢) من قول المؤلف: وقال البخاري إلى قوله: "تسع وستين" مذكور بالهامش مع الإشارة إلى دخوله في الصلب بعلامة "صح" وقول البخاري هذا ليس صادرًا منه ابتداء، وإنما هو يرويه عن يحيى بن بكير أيضًا ويقره عليه، ولفظه: قال ابن بكير: احترق منزل ابن لهيعة وكتبه في سنة سبعين ومائة/ التاريخ الكبير للبخاري ٥/ ١٨٣ والأوسط المطبوع باسم الصغير/ ١٩٥ ط الهند، ومن طريق البخاري أخرجه العقيلي ٢/ ٢٩٤ وابن عدي/ الكامل ٤/ ١٤٦٢، وذكره الذهبي/ الميزان ٢/ ٤٧٦ والسير ٨/ ١٨ وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٦، وتقدم بيان أن هذا محمول على نسخه الفرعية، دون الأصول، لكن الذهبي علق على تلك الرواية بقوله: قلت: الظاهر أنه لم يحترق إلا بعض أصوله/ السير ٨/ ١٨، ولم أجد هذا عن غيره، ولا ذكر هو دليلًا لاستظهاره.
(٣) هو تلميذ ابن لهيعة، وقد تقدم له قول آخر ص ٨٢٠ ت بأنه ما احترقت أصوله، وإنما احترق بعض ما كان يقرأ منه، وبذلك لا يكون قولاه مختلفين.
(٤) يعني: ومائة.
(٥) بالأصل "وسبعين" والصواب ما أثبته لاستقامة المعنى عليه، مع اتفاق المصادر أيضًا عليه/ انظر العلل لأحمد ١/ ٢٥٩ بتحقيق د. طلعت قوج وآخر، ط ٢ =
[ ٢ / ٨٢٣ ]
وأظنه (١) قال: ومات سنة أربع [وسبعين أو ثلاث وسبعين] (٢).
_________________
(١) = وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، والميزان ٢/ ٤٧٧، والسير ٨/ ١٣، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٦.
(٢) ليست بالمصادر السابقة جميعًا، ولكنها في الكامل من طريق الأثرم عن أحمد بن حنبل، به ٤/ ١٤٦٣.
(٣) ليست بالأصل، وأثبتها من المصادر السابقة، والذي جزم به ابن يونس وابن سعد وابن حبان وغيرهم أنه توفي سنة ١٧٤ هـ، وجزم ابن يونس وابن سعد أيضًا باليوم والشهر، فقالا: مات يوم الأحد، نصف ربيع الأول/ انظر طبقات ابن سعد جزء ٧ قسم ٢/ ٢٠٤، والمجروحين لابن حبان ٢/ ١٨ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٧، وذكر المزي أن هشام بن عمار أرخ وفاة ابن لهيعة سنة ١٧٥ هـ، وأنه لم يتابعه على ذلك أحد/ تهذيب الكمال ٢/ ٨٢٩ وهشام هذا ممن روى عن ابن لهيعة مكاتبة/ الكامل ٤/ ١٤٦٦. والذي يفهم من قول إسحق هذا: تقريره احتراق كتب شيخه ابن لهيعة، وتحديد زمن الحريق بأنه في سنة ١٦٩ هـ، ويمكن الجمع بينه وبين ما قبله من قول ابن بكير إن الاحتراق كان سنة ١٧٥ هـ، بأن يكون الاحتراق وقع قي نهاية سنة ١٦٩ هـ، وبداية سنة ١٧٠ هـ، وقد أشرت من قبل إلى أن قول إسحق هذا محمول على احتراق كتب ابن لهيعة غير الأصول، لما جاء عنه نفسه في رواية، أن ابن لهيعة لم تحترق أصوله، ثم إن تنبيهه على أنه لقي ابن لهيعة قبل الاحتراق بنحو خمس سنوات إشارة إلى أن سماعه منه أجود ممن سمع منه بعد الاحتراق. ويستفاد من قول إسحق أيضًا، أن احتراق كتب ابن لهيعة كان في أواخر حياته، حيث كان بينه وبين وفاته أربع سنين، كما قال ابن حبان/ المجروحين ٢/ ١٨، وذلك على القول الراجح في تاريخ وفاته كما مر. وهذه الفترة هي التي قرر غير واحد من العلماء أن السماع عنه فيها أضعف من السماع عنه قبلها، كما سيأتي في الأصل عن الفلاس وابن سعد.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
وقال أبو أحمد بن عدي: وأحاديثه حسان (١)، وما قَدْ ضَعَّفَه (٢) السلف، وهو حسن الحديث (٣)، يكتب حديثه، وقد حدث عنه الثقات: الثوري، وشعبة، ومالك (٤) وعمرو بن الحارث، والليث أبن سعد، (٥) وحديثه حسن، كأنه
_________________
(١) سيتكرر في قول ابن عدي وصف حديث ابن لهيعة بالحسن، ولكنه سيقرن ذلك أيضًا بقوله: "يكتب حديثه" وذلك يدل على أنه ليس المراد: الحسن الاصطلاحي، الذي يقتضي حجية حديثه ابن لهيعة لذاته، وقد يقال: إن اقتران عبارة "يكتب حديثه" بعبارة "حسن الحديث" تشير إلى حملها على الكتابة للاحتجاج؛ ولكن هذا خلاف الأصل في إطلاق تلك العبارة عند المحدثين، كما هو معروف، وأيضًا يعارض هذا تصريح ابن عدي، قبل كلامه هذا في نفس ترجمة ابن لهيعة، بأنه ضعيف/ الكامل ٤/ ١٤٦٤، وقوله في موضع آخر: وابن لهيعة لين في الحديث/ الكامل ٦/ ٢٣٩١ ترجمة منصور بن عمار.
(٢) كذا الأصل والكامل المطبوع ٤/ ١٤٧٠ وفي نسختي أحمد الثالث الخطية ٢/ ١٢٠، ونسخة الظاهرية ل ٥٠٨ وفي السير ٨/ ٢٢ "ضعفوه" وهي لغة ضعيفة، وقد عرف من ابن عدي اللحن في اللغة، ولعل مراد ابن عدي ينفي تضعيف السلف لابن لهيعة، هو نفي الاجماع على تضعيفه، كما أشار إلى ذلك أحمد بن صالح المصري فيما تقدم ص ٨١١ ت، وانظر المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٥، وذلك لأن ابن عدي نفسه قد أخرج في ترجمته له قبل كلامه هذا كثيرا من روايات التضعيف له عن السلف/ انظر الكامل ٤/ ١٤٦٢ - ١٤٦٣، وانظر أيضًا مصادر ترجمته التي أحَلْتُ عليها آنفًا.
(٣) كلمة "الحديث" مكررة بالأصل.
(٤) قال الذهبي: ولم يصرح باسمه/ السير ٨/ ١٢، يعني أنه قال: "عن الثقة" كما سيأتي توضيحه في التعليق التالي.
(٥) ليست بالأصل وأثبتها من الكامل ٤/ ١٤٧٠، وقد أتبع ابن عدي إجماله هذا لرواية هؤلاء الثقات عن ابن لهيعة بتفصيل، أخرج فيه بسنده حديثًا من طريق =
[ ٢ / ٨٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الثوري عن ابن لهيعة، وحديثًا من طريق شعبة عن ابن لهيعة، وأخرج من طريق أبي مصعب عن مالك عن الثقة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: نهى النبي -ﷺ- عن بيع العربان، وعلق عليه بقوله: هكذا ذكره أبو مصعب عن مالد، عن الثقة عن عمرو بن شعيب، وبعض أصحاب الموطأ -يعني رواته عن مالك غير أبي مصعب- يذكرون: عن مالك قال: بلغني عن عمرو بن شعيب، ويقال إن مالكًا سمع الحديث عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مشهور، ثم أخرجه من غير طريق مالك عن ابن لهيعة به. وأخرج عقب هذا حديثًا من طريق عمرو بن الحارث عن ابن لهيعة، وأخرج حديثين عن طريق الليث بن سعد حدثني ابن لهيعة/ الكامل ٤/ ١٤٧٠، ١٤٧١. وقول ابن عدي: يقال: إن مالكًا سمع الحديث من ابن لهيعة، ولم يُسمِّه لضعفه، يشعر بأنه لا يقر القول بهذا، وسيأتي في الأصل قول البيهقي: إن مالكًا كان يحسن القول في ابن لهيعة، وسنعلق على ذلك هناك، ببيان عدم اعتداد البيهقي نفسه بهذا، وقد قال ابن عبد البر تعليقًا على عبارتي مالك السابقتين: وسواء قال: عن الثقة عنده، أو: بلغه، لأنه كان لا يأخذ ولا يحدث إلا عن ثقة، ثم قال: وقد تكلم الناس في "الثقة" عنده يعني في المراد به -في هذا الموضع على ما أوردناه في بابه من كتاب التمهيد/ تجريد التمهيد لابن عبد البر/ ٢٤٢، ٢٤٣ مصور عن طبعة القدسي، أقول: ولم يطبع حاليًا هذا الموضع من التمهيد ولكن ذكر الحافظ ابن حجر وغيره بعض الأقوال عن ابن عبد البر، فذكر ابن حجر في تعجيل المنفعة/ ٥٤٧، ٥٤٨ أنه قيل المراد "بالثقة" هنا عمرو بن الحارث أو ابن لهيعة، وفي تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨ قال: وحكى ابن عبد البر: أن الذي في الموطأ عن مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، في "العُربان" هو ابن لهيعة، ويقال: ابن وهب، حدثه به عنه. أقول: وهذا القول الأخير يفيد أن المراد بالثقة اثنين هما: ابن وهب، وابن لهيعة، لأن معنى قوله: "حدثه به عنه" أي حدث ابن وهب مالكًا بالحديث =
[ ٢ / ٨٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المذكور عن ابن لهيعة، ويلاحظ أن ابن حجر لم يرجح شيئًا من تلك الأقوال، ولكن الذهبي قال بعد ذكر الحديث: قالوا: هذا ما رواه عن عمرو سوى ابن لهيعة/ السير ٨/ ٢٢، وهذا يفيد الجزم بدخوله في المراد بـ "الثقة" في هذا الإسناد، إما وحده، أو مع ابن وهب، أو غيره، فقد قال الكاندهلوي: قال ابن عبد البر: تكلم الناس في الثقة هنا -يعني في حديث العُربان- والأشبه القول: بأنه الزهري عن ابن لهيعة، أو ابن وهب عن ابن لهيعة، لأنه سمعه من عمرو وسمعه منه ابن وهب وغيره، وذكر الكاندهلوي أيضًا أن ابن عبد البر في الاستذكار قال: الأشبه أنه ابن لهيعة، ثم أخرجه من طريق ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن لهيعة عن عمرو، به/ أوجز المسالك للكاندهلوي ١١/ ٤٦، وسيأتي قول للبيهقي في الأصل. وعلى أي حال فهذا توثيق على الإبهام، وهو مختلف في قبوله ممن جاء عنه من الأئمة حتى عند من يوافقونه في مذهبه/ تدريب الراوي ١/ ٣١١، وكذلك شعبة وغيره ممن وصف بأنه كان لا يروي إلا عن ثقة عنده، ذكر ابن عبد الهادي أن ذلك بحسب الغالب والأكثر من عملهم، وقد يروون عن بعض الضعفاء للاعتبار أو الاستشهاد/ انظر الصارم المنكي في الرد على السبكي لأبي عبد الله ابن عبد الهادي، بتصحيح الشيخ إسماعيل الأنصاري/ ٤٠ وأيضًا ذكر أبو زرعة الرازي أن رواية أمثال هؤلاء عن الشخص تقويه إذا لم يتكلم فيه العلماء/ انظر شرح العلل لابن رجب ١/ ٨٦، ٨٧، أقول: وابن لهيعة كما ترى ليس متكلمًا فيه فقط، بل الأكثرون على تضعيفه من جهة ضبطه كما مر، وذكر النسائي كلًا من مالك وشعبة ويحيى القطان ثم قال: وليس أحد بعد التابعين آمن على الحديث من هؤلاء الثلاثة، ولا أقل رواية عن الضعفاء من هؤلاء الثلاثة/ التعديل والتجريح لأبي الوليد الباجي بتحقيق د. أبو لبابة حسين ٢/ ٦٩٩، ٧٠٠، وعليه فإن رواية من ذكرهم ابن عدي عن ابن لهيعة، لا تفيد توثيقه بحيث يحتج به، بل سيأتي في الأصل والتعليق عليه تصريح الليث بعدم الاحتجاج بحديثه، رغم ثنائه عليه عند موته/ انظر الميزان ٢/ ٤٧٨. =
[ ٢ / ٨٢٧ ]
بستان (١) عمن روى عنه، وهو ممن يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي (٢):
_________________
(١) كذا الأصل، وكذا في نسخة مكتبة أحمد الثالث الخطية للكامل ٢ / ل ١٢٢، وبذلك تكون كلمة "بستان" -في تقديري- تعتبر تفسيرًا للمراد بالحسن في قوله قبلها: وحديثه حسن، أنه ليس المراد الحسن الاصطلاحي، وإنما حسن سياق المتون، وقوله: عمن روى عنه، لعل المراد به: من سمع منه ابن لهيعة من شيوخه، يعني من لم يدلس عنهم، وعليه يكون معنى العبارة: إن حديث ابن لهيعة الذي لا يدلسه، ولكن يكون متصلًا عن شيوخه فسياقه لألفاظه يكون حسنًا، كحسن البستان المنسق، ولكنه مع ذلك لا يحتج به، حتى يتابعه عليه، أو يشهد له غيره، ويؤيد هذا قوله عقب ذلك: "وهو ممن يكتب حديثه" يعني للاعتبار به، لا للاحتجاج، بدليل تضعيفه المطلق لابن لهيعة قبل ذكره هذا الكلام كما قدمت بيانه قريبًا. ولكن جاء في الكامل المطبوع كلمة "يستبان" بدل "بستان" والمعنى عليها يختلف عما تقدم، لأن معنى "يستبان" يتضح أو يتميز، وعليه يكون معنى عبارة "يستبان عمن روى عنه" أي يتميز الثابت عنه من الروايات عن غير الثابت، بالنظر فيمن روى عنه، وهذا في معنى ما قاله غير واحد من العلماء كما تقدم: إن من روى عنه قبل احتراق كتبه فروايته أجود ممن روى عنه بعد الاحتراق، وكذا من كان يكتب من أصوله، أجود ممن كان يكتب من نسخ تلاميذه. وجاء في تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٩ نص العبارة هكذا "وقال ابن عدي: حديثه كأنه نسيان" وتلك العبارة كما ترى فيها تحريف الكلمة إلى "نسيان" مع سقط واضح من موضعين، كما يعرف من مقارنتها بما في الأصل، وما في الكامل. وعلى أي حال فمجموع كلام ابن عدي في ابن لهيعة خلال الترجمة وفي آخرها، يفيد تضعيفه لحديثه من جهة ضبطه، تضعيفًا قابلًا للانجبار بمتابع أو شاهد، ويؤيد ذلك وصفه له في موضع آخر بأنه لين في الحديث، كما ذكرته آنفًا ص ٨٢٥ ت.
(٢) هو المعروف بالفلاس، بفتح الفاء وتشديد اللام ألف، وفي آخرها السين المهملة، نسبة إلى من يبيع الفُلوس ويكون صيرفيًا، إلا أن عمرًا هذا لم يكن فلاسًا، ولكن أَطلَق عليه هذه النسبة أحدُ تلاميذه الرواة عنه، والفلاس حافظ متقن =
[ ٢ / ٨٢٨ ]
احترقت كتبه (١)، ومن كتب عنه قبل ذلك مثل: ابن المبارك، والمُقْرِي (٢) أصح (٣) ممن كتب بعد
_________________
(١) = ناقد، وله تصانيف منها: التفسير والتاريخ، وتوفي في ذي القعدة من سنة ٢٤٩ هـ/ الأنساب للسمعاني ١٠/ ٢٧٠، ٢٧١، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٤٨٧، ٤٨٨.
(٢) تقدم بيان أن إطلاق القول باحتراق كتب ابن لهيعة محمول على نسخه الفرعية أو بعضها، دون أصوله على الراجح/ انظر ص ٨١٩، ٨٢٠ ت.
(٣) هو عبد الله بن يزيد، تقدم في ذكر تلاميذ المؤلف في الأصل ص ٨٠٠، وقال الإمام أحمد: ما أصح حديثه عن ابن لهيعة/ المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٢، وسيأتي في التعليق التالي بيان المراد بالأصحية.
(٤) المراد بالأصَحية هنا: كون روايتهما وأمثالهما أثبت عن ابن لهيعة، وأقوى الضعيف، كما أشرت لذلك ص ٨٠٠ ت ويؤيده بقية كلام الفلاس نفسه، كما سيأتي في التعليق التالي. وقد عبر الذهبي بكلمتي "أجود" و"أقوى" بدل "أصح"/ السير ٨/ ١٤، والمغني ١/ ٣٥٢، أقول: ورَبْط هذا التفاوت في درجة الضعف باحتراق كتب ابن لهيعة يدل على أن الاحتراق كان له تأثير في زيادة ضعف ضبطه في آخر حياته، لأنه كان قبل وفاته بأربع سنوات، كما تقدم، لكن أحد تلاميذ ابن لهيعة وهو عثمان بن صالح السهمي، بعد أن نفى احتراق أصول ابن لهيعة، وأثبت احتراق بعض نسخه الفرعية، أضاف قائلًا: ولا أعلم أحدًا أخبر بسبب علة ابن لهيعة مني؛ أقْبَلْتُ أنا وعثمان بن عتيق بعد انصرافنا من الصلاة يوم الجمعة، نريد إلى ابن لهيعة، فوافيناه أمامنا راكبًا على حمار، يريد إلى منزله، فأُفْلِج -يعني أصابه الفالج- وسقط عن حماره، فَبدَر ابنُ عَتِيق إليه، فأجلسه، وصرنا به إلى منزله، فكان ذلك أول سبب عِلَّته/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٤ والميزان ٢/ ٤٧٦، وهذا الكلام يفيد أن عثمان السهمي يرى أن ما احترق من كتب ابن لهيعة ليس هو السبب الحقيقي في زيادة اختلال ضبطه، ولكن السبب الحقيقي هو إصابته بالفالج، وهو نوع من الشلل يصيب أحد شقي =
[ ٢ / ٨٢٩ ]
الاحتراق (١) وقال النسائي: هو ضعيف (٢)، وقال
_________________
(١) = الجسم طولًا/ المعجم الوسيط - مادة "فلج" ١/ ٦٩٩، غير أن هذا السبب لم يشتهر خبره مثل اشتهار خبر احتراق الكتب. والذي يبدو لي أن قصر التأثير على أحد السببين غير مسلم، وإنما هما معًا تسببا في زيادة ضعف ضبط الرجل، وإن لم يصلا به إلى درجة الترك، وكان لكل منهما تأثيره الخاص، مع تزامنهما، فالاحتراق كان في آخر حياته، كما تقدم، وكذلك سياق قصة مرضه بالفالج يدل على أنه كان في أواخر حياته، ومما يؤيد وجود تأثير لاحتراق الكتب بجانب تأثير المرض، أن ابن لهيعة قد حجب أصول كتبه عن عامة طلابه مبكرًا، فكانت النسخ الفرعية التي احترقت هي التي يَقْرَأ عليه منها عامة طلابه، كما تقدم، فاحتراقها بالطبع قد حال دون ذلك، وأصبح التعويل في الغالب إما على حفظه، وإما على ما نسخه عامة تلاميذه، وكلاهما وقع فيه الخطأ والصواب، كما أسلفت، ولعل الذين اقتصروا على ذكر تأثير الاحتراق، حتى وإن علموا بالمرض؛ لأنهم رأوا أحد الأمرين كافيًا في إثبات الضعف مع شهرته، فاقتصروا عليه، والله أعلم.
(٢) كذا جاءت تلك الرواية عن الفلاس في الميزان ٢/ ٤٧٧ وشرح العلل لابن رجب ١/ ٣٧ ولكن جاء في رواية ابن أبي حاتم/ الجرح ٥/ ١٤٧ وابن عدي ٤/ ١٤٦٣ وكذا في السير ٨/ ٢١ قول الفلاس في آخر تلك الرواية ما نصه "وهو ضعيف الحديث" فهذا تضعيف مطلق لابن لهيعة، ومتصل السياق بالتفصيل السابق، فيشمل ما قبل الاحتراق، وما بعده، وإن تفاوتا في درجة الضعف، وبذلك لا يكون مقصود الفلاس بقوله "أصح" هو الصحة الاصطلاحية، كما أوضحته في التعليق السابق.
(٣) الضعفاء والمتروكين للنسائي/ ٢٩٥ ط الهند، والميزان ٢/ ٤٧٧، وجاء عن النسائي أيضًا من رواية ابنه عبد الكريم عنه أنه قال في ابن لهيعة: ليس بثقة/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، والسير ٨/ ٢١، وقال المزي: وروى النسائي أحاديث كثيرة من حديث ابن وهب وغيره يقول فيها: عن عمرو بن الحارث، وذكر -يعني الراوي عن عمرو- آخر، ونحو ذلك، وجاء كثير من ذلك في رواية =
[ ٢ / ٨٣٠ ]
مروان (١) قلت لليث بن سعد- ورأيته نام بعد العصر (٢): أتنام بعد العصر، وقد حدثنا ابن لهيعة، عن عَقيل، عن مكحول، عن النبي -ﷺ- "من نام/ بعد العصر فاختُلِس (٣) عقلُه، فلا يلومَن إلا نفسه؟ " فقال
_________________
(١) = غيره مبيِّنًا أنه ابن لهيعة/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٩ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٧، وعن النسائي: أنه ذكر ابن لهيعة يومًا فقال: ما أخرجت من حديثه قط إلا حديثًا واحدًا، حديث عمرو بن الحارث عن ابن لهيعة عن مِشْرَح بن هَاعَان عن عقبة بن عامر عن النبي -ﷺ- قال: في الحج سجدتان/ الميزان ٢/ ٤٧٧ والسير ٨/ ٢٦، والمقصود أنه ما أخرج من حديثه مصرحًا باسمه إلا هذا الحديث الواحد، ولم يعز صاحب تحفة الأشراف، ولا صاحب النكت عليها هذا الحديث من الطريق المذكور إلى النسائي/ التحفة وبهامشها النكت الظراف ٧/ ٣٢١ ح ٩٩٦٥ ومقتضى ذلك عدم وقوفهما عليه في سنن النسائي الكبرى، ولا في سننه الصغرى أيضًا، فلعله أخرجه في بعض مؤلفاته الأخرى، أو في إحدى روايات السنن التي لم يقفا عليها حينذاك. وقد أخرج ابن حجر رواية للنسائي من طريق عبد الله بن يزيد المقري، ثنا حيوة، وقال النسائي: وذكر -أي المقري- آخر، قالا: أنا جعفر بن ربيعة "وساق باقي السند والمتن" ثم قال الحافظ: والمبهم في السند هو: عبد الله بن لهيعة، كان النسائي إذا مر في سند، لم يسمه، ولم يحذفه، لضعفه عنده، ويستغني بمن يقارنه/ نتائج الأفكار ١/ ٤٥٩ بتحقيق الشيخ حمدي السلفي. ومن هذا كله يتضح أن النسائي لا يحتج بما ينفرد به ابن لهيعة، فيحتاج لمتابع أو مشاهد.
(٢) هو الطَّاطَري، أحد تلاميذه كما تقدم.
(٣) سياق رواية ابن عدي من هنا هكذا "في شهر رمضان" يا أبا الحارث، ما لَكَ أن تنام " الكامل ٤/ ١٤٦٣.
(٤) من خَلَستُ الشيء، واختلستُه، إذا سلبتُه،/ النهاية لابن الأثير ٢/ ٦١، مادة "خلس".
[ ٢ / ٨٣١ ]
الليث: لا أدع ما ينفعني لحديث (١) ابن لهيعة عن عقِيل (٢). وقال
_________________
(١) في رواية ابن عدي "بحديث"/ الكامل ١٤/ ٤٦٣ وفي الميزان ٢/ ٤٧٩ كما في الأصل.
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل في ترجمة ابن لهيعة ضمن الأحاديث المنتقدة عليه، فقال: ثنا أبو عروبة، ثنا ابن مصفى، ثنا مروان، به ٤/ ١٤٦٣، وبالإضافة لكونه من رواية ابن لهيعة، فهو أيضًا مرسل، كما ترى. وللحديث روايات أخرى موصولة من طريق ابن لهيعة وغيره، فقد أخرجه ابن عدي عقب الرواية السابقة، وذلك من طريق منصور بن عمار، ثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مرفوعًا/ الكامل ٤/ ١٤٦٥، ثم أعاده ثانيًا في ترجمة منصور بن عمار بنفس السند والمتن، ووصف منصورًا في صدر ترجمته له بأنه منكر الحديث، ثم أخرج في ترجمته ستة أحاديث من روايته عن ابن لهيعة، وسادسها الحديث المذكور، وعقب عليه بأن ابن لهيعة لين في الحديث، وأن منصورًا مع مواعظه الحسنة لا يتعمد الكذب، وإنكار ما يرويه لعله من جهة غيره/ الكامل ٦/ ٢٣٨٩ - ٢٣٩١. وأورد السيوطي الحديث من معجم الإسماعيلي بسنده عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن المصري، ثنا ابن لهيعة عن (عقيل) عن ابن شهاب عن أنس، مرفوعًا/ اللآلئ - الأدب والزهد ٢/ ٢٧٩ وعن الإسماعيلي رواه السَّهمي في تاريخ جرجان/ ٩٣ ترجمة ٥٥، وهذا خلاف ما ذكره الشيخ الألباني في تخريج الحديث من تاريخ جرجان/ انظر السلسلة الضعيفة ١/ ٥٧ ح ٣٩. وأخرجه ابن حبان في ترجمة خالد بن القاسم المدائني من المجروحين ٢/ ٢٧٥، ٢٧٦ ط الهند وذلك من طريق خالد المدائني عن الليث بن سعد عن عَقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعًا، وقد مثل به ابن حبان للأحاديث المقطوعة التي كان يصلها خالد، ويدفعها إلى الليث ليقرأها له، وقد وصف الحاكم وغيره خالدًا هذا بأنه كان يدخل على الليث من حديث ابن لهيعة، ووصفه غير واحد أيضًا بأنه متروك/ اللسان ٢/ ٣٨٣، ٣٨٤. =
[ ٢ / ٨٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرج ابن الجوزي الحديث من طريق ابن حبان السابقة، وأعله بأن خالدًا كذاب، وأن الحديث لابن لهيعة، فأخذه خالد، ونسبه إلى الليث، ثم أيد هذا بإخراج رواية ابن لهيعة السابقة من طريق ابن عدي بسنده عن منصور بن عمار، حدثنا ابن لهيعة، به، ووصف ابن لهيعة بأنه ذاهب الحديث/ الموضوعات لابن الجوزي - كتاب النوم ٣/ ٦٨. وانظر الضعفاء والمتروكين له ١/ ٢٤٩، ٢٥٠ والكشف الحثيث لبُرهان الدين الحلبي/ ١٦٣. وعزاه ابن حجر/ المطالب العالية - باب كراهية النوم بعد العصر ٢/ ٣٩٧، والهيثمي/ مجمع الزوائد ٥/ ١١٦، إلى أبي يعلي عن شيخة عمرو بن الحصين، وقال الهيثمي: إن عمرو بن الحصين متروك، وكذا قال ابن حجر/ تقريب التهذيب ص ٤٢٠ ووصفه الخطيب بالكذب تهذيب التهذيب ٩/ ٢٧٠ ترجمة محمد بن عبد الله بن علاثة، وكذا نسبه الذهبي إلى الوضع/ الكشف الحثيث/ ٣٢٢، ٣٢٣ لبرهان الدين الحلبي. وأخرجه أبو نعيم في الطب من طريق أبي يعلي هذه، عن شيخه عمرو بن الحصين عن ابن علاثة عن الأوزاعي عن الزهري عن عائشة مرفوعًا، كما في اللآلئ، وأورده السيوطي في اللآلئ أيضًا من كتاب الطب لابن السني من طريق عمرو بن الحصين به/ اللآلئ/ الأدب والزاهد (٢/ ٢٧٩). أقول: وبتأمل تلك الطرق عمومًا، نجد أن أقلها ضعفًا: طريقا ابن لهيعة، المرسلة والموصولة، وَوَصْفُ ابن الجوزي له بأنه ذاهب الحديث، تشَدُّد مخالف لقول الجمهور بتضعيفه فقط، وعلى ضوء ذلك ردَّ السيوطي وَمِنْ بعدِه ابنُ عَراق على ابن الجوزي في عده الحديث من الموضوعات، واقتصرا على تضعيفه. (اللآلئ: ٢/ ٢٧٩)، (وتنزيه الشريعة: ٢/ ٢٩٠)، وكذا الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٥٧ ح ٣٩) وفي ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٥/ ٢٥٣ ح ٥٨٧٣)، وقول الليث: "لا أدع ما ينفعني لحديث ابن لهيعة عن عَقيل" يدلّ على عدم احتجاجه برواية ابن لهيعة، ولعل هذا مما جعل النَّووي ينسب إليه القول بتضعيف ابن لهيعة. (تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٢٨٤)، في حين جاء عن الليث أيضًا أنه لما مات ابن لهيعة قال: ما خَلَف بعدَه مثلَه، المجروحين =
[ ٢ / ٨٣٣ ]
محمد بن سعد: كان ضعيفًا، وعنده حديث كثيرٍ، ومن سمع منه في أول أمره (١) أحسن حالًا (٢) ممن سمع منه بأَخَرة (٣)، وأما أهل مصر، فيذكرون أنه لم يَختلِطْ (٤) ولم يزل أول أمره وآخره،
_________________
(١) = لابن حبان (٢/ ١٩)، والميزان (٢/ ٤٧٨) والسير (٨/ ١٤، ١٨)، فلعل هذا من باب الثناء على عدالته ودينه.
(٢) بالأصل "مرة" وما أثبته من الطبقات لابن سعد ج ٧ / قسم/ ٢/ ٢٠٤ وما نقل عنها/ انظر تهذيب الأسماء للنووي ١/ ٢٨٤ والسير للذهبي ٨/ ٢٠ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٩.
(٣) في الطبقات زيادة "في روايته" الموضع السابق، والمراد أن روايته أقل ضعفًا.
(٤) بفتح الهمزة والخاء، أي أخيرًا، أو في آخر عمره/ مختار الصحاح للرازي مادة "أخر" وكذا النهاية لابن الأثير ١/ ٢٩. ويلاحظ أن ابن سعد قد جزم في أول كلامه بتضعيف ابن لهيعة مطلقًا، ثم قرر أن الرواية عنه في آخر عمره، أضعف منها في أوله، وبذلك يلتقي في الجملة مع ما تقدم عن الفلاس، ثم إنه أعقب ذلك بذكر رأي أهل مصر في ابن لهيعة مشيرًا بتأخيره إلى عدم ترجيحه له، وسيأتي بيان أن مآل الرأيين واحد، وإن تفاوتا عند الترجيح.
(٥) أي لم يختلط؛ ولكنه كان سيء الحفظ، مع التساهل في الأداء، كما يفهم ذلك من بقية الكلام الآتية، وقد تقدم في ص ٨١٨، ٨١٩ ت قول تلميذ ابن لهيعة وراويته الثقة، وهو أبو الأسود النضر بن عبد الجبار المصري: "ما اختلط ابن لهيعة قط حتى مات" وهناك عبارة سُمِع الليث بن سعد يقولها كثيرًا، وهي أنه كان يقول: أنا أكبر من ابن لهيعة، فالحمد لله الذي متعنا بعقلنا/ المعرفة والتاريخ ١/ ١٦٧، فهذه العبارة يمكن أن يستفاد منها شهادة الليث لابن لهيعة بعدم الاختلاط، ويمكن أن يستفاد منها إشارة الليث إلى أنه لم يختلط كما اختلط ابن لهيعة الذي يَصغُره بسنتين تقريبًا، وتقدم أيضًا أن ما ذكره عثمان السهمي =
[ ٢ / ٨٣٤ ]
واحدًا (١)؛ ولكن كان يُقْرَأُ عليه ما ليس من
_________________
(١) = من إصابة شيخه ابن لهيعة بالفالج يظهر فيه أن ذلك في آخر حياته. وذكر الحافظ ابن حجر أن الطبري في تهذيب الآثار - قد قال: إن ابن لهيعة قد اختلط عقله في آخر عمره/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٩، ولم يتعقب ابن حجر ذلك بشيء وجزم في التقريب/ ص ٣١٩ بوصفه بالاختلاط، وقال سبط ابن العجمي: الكلام فيه معروف، وقال بعض مشايخي فيما قرأت عليه: إنه نسب إلى الاختلاط. انتهى، وعقب السبط على كلام شيخه هذا بقوله: والعمل على تضعيف حديثه/ الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط/ ٣٧٧ ضمن المجموعة الكمالية، ومقتضى ذلك أنه لا يحصر تضعيفه في الاختلاط ومع تأخر ابن الكيال عن السبط فإنه لم يذكره في الكواكب النَّيِّرات، وقد تقدم أيضًا أن ابن معين قد اختلف قوله في اختلاط ابن لهيعة بالنفي مرة والإقرار أخرى، ولكن الأولى بالقبول هو قول النضر بن عبد الجبار بنفي اختلاط ابن لهيعة قط حتى مات؛ وذلك لأنه تلميذه وبَلَدِيُّه، ومشهود له بالثقة وكثرة الرواية عن ابن لهيعة، ويؤيده قول ابن لهيعة نفسه كما سيأتي في الأصل: ص ٨٣٦: "ولو سألوني لأخبرتهم أنه ليس من حديثي".
(٢) يعني في سوء الحفظ، دون اختلاط بدليل بقية الكلام الآتية في الأصل، كما سأوضِّحه في التعليق عليها، وقد صرح بما أشار اليه ابن سعد هنا بعض تلاميذ ابن لهيعة المصريين، وهو سعيد بن أبي مريم فقال: ما أقربه قبل الاحتراق وبعده الجرح ٥/ ١٤٦، وهذا كما ترى خلاف ما قرره ابن سعد من التفاوت. وصدر به كلامه، إشارة إلى ترجيحه، على ما حكاه عن أهل مصر من تساوي ضعفه في عمره كله، وعند استعراضنا للأقوال عمومًا في ابن لهيعة نجد من العلماء من يلتقي قوله مع قول ابن سعد، ومنهم من يلتقي مع ما حكاه عن أهل مصر، والذي يبدو لي أن مآل الاتجاهين واحد في الجملة، حيث يتفقان على التضعيف العام لابن لهيعة من جهة ضبطه ضعفًا يقبل الانجبار والفرق بينهما فقط عند الحاجة إلى الترجيح، بين روايتين إحداهما في أول عمره وقبل احتراق كتبه، وثانيهما في آخر عمره بعد احتراق كتبه.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
حديثه (١) فقيل له في ذلك، فقال: وما ذنبي؟ إنما يجيئوني بكتاب يقرؤونه (٢)، ولو سألوني لأخبرتُهم أنه ليس من حديثي (٣).
_________________
(١) في الطبقات زيادة مهمة هنا وهي "فيسكت عليه"/ الطبقات ٧ / قسم ٢/ ٢٠٤، وكذا في نقل الذهبي عنها/ السير ٨/ ٢٠، وستأتي رواية أخرى عنه أنهم كانوا يقولون له: هذا من حديثك.
(٢) في الطبقات هنا زيادة أيضًا وهي: "ويقومون"/ الطبقات/ الموضع السابق وكذا في نقل الذهبي في السير/ الموضع السابق، أقول: وبوجود لفظة "فيسكت عليه" ولفظة "فيقومون" تتكون لنا إحدى صور القراءة على ابن لهيعة ما ليس من حديثه، وستأتي صورة أخرى لذلك في التعليق التالي.
(٣) الطبقات الكبرى ج ٧ قسم ٢/ ٢٠٤، والسير ٨/ ٢٠، وهذا السياق الذي حكاه ابن سعد عن أهل مصر في بيان كيفية القراءة على ابن لهيعة ما ليس من حديثه قد أشار الإمام أحمد إلى حصوله بعد احتراق كتب ابن لهيعة، فقد قال: يقولون احترقت كتبه، كان يؤتى بكتب الناس فيقرأها/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٥، وبذلك تكون فترة حدوثه قليلة، لأن احتراق كتبه كان قبل موته بأربع سنوات تقريبًا وسيأتي عن بعض تلاميذ ابن لهيعة، ما يؤيد ذلك أيضًا وقد ذكر غير واحد من المصريين الذين عُرِفت تلمذتهم الطويلة لابن لهيعة، وغيرهم ممن عاصره بيانًا لكيفية القراءة على ابن لهيعة ما ليس من حديثه، أو تحديثه بذلك، فتلميذ ابن لهيعة وهو سعيد بن أبي مريم يقول: كان حيوة (يعني ابن شريح ت ١٥٨ هـ أو ١٥٩) أوصى (بِكُتبِه) إلى وَصِيٍّ، وكانت كتبه عند الوصي، فكان من لا يتقي الله، يذهب فيكتب من كتب حيوة (حديث) الشيوخ الذين قد شاركه ابن لهيعة فيهم، ثم يحمل اليه، فيقرأ عليهم/ المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٥، ٤٣٦ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٥ وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، أقول: وتاريخ وفاة حيوة يوضح حصول هذا في أواخر حياة ابن لهيعة، وهذا مما يؤيد ما تقدم من إشارة الإمام أحمد إلى أن ذلك حدث بعد احتراق كتب ابن لهيعة، وكذا قول ابن أبي مريم: إن هذه الطريقة كان يفعلها من لا يتقي الله، يدل على قلة فاعليها، وأنهم من غير ثقات الرواة عن ابن لهيعة، وعلى ذلك فإن ما تقدم في =
[ ٢ / ٨٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأصل ص ٨٠٩ عن تلميذ ابن لهيعة أيضًا وراويته الثقة، وهو أبو الأسود النضر بن عبد الجبار: أنه كان يشارك في ذلك، فيحمل على أنه كان بقصد اختبار ضبط ابن لهيعة في أواخر حياته، ولم يقصد التحمل كما قصد هؤلاء، وتقدم تأييد ذلك بموافقة حديث أبي الأسود هذا عن ابن لهيعة لأحاديث الثقات. وهناك رجل ثقة ممن سكن مصر هو يحيى بن حسان التِّنِّيسِي يقول: جاء قوم ومعهم جزء فقالوا: سمعناه من ابن لهيعة، فنظرت فيه، فإذا ليس فيه حديث واحد من حديث ابن لهيعة، قال: فقمت فجلست إلى ابن لهيعة، فقلت: أي شيء ذا الكتاب الذي حدَّثتَ به؟ ليس هاهنا في هذا الكتاب حديث من حديثك، ولا سمعتَها أنت قط، قال: فما أصنع بهم؟ يجيئون بكتاب، فيقولون: هذا من حديثك، فأحدثهم به/ المجروحين لابن حبان ٢/ ٢٠ والسير ٨/ ٢٤، أقول وقد جاء عن يحيى هذا قوله: ما رأيت أحفظ من ابن لهيعة بعد هشيم/ الجرح ٥/ ١٤٨ فلعله قال ذلك قبل تلك الواقعة. وهذا البيان من بعض تلاميذ ابن لهيعة وغيرهم من المصريين يؤكد ثبوت ما حكاه ابن سعد عن أهل مصر بشأن ابن لهيعة، ويستفاد مما حكاه ابن سعد، ومن تلك النماذج التي قدمتها: أولًا: إن هناك فرقًا بين الاختلاط، وبين سوء الحفظ أو التساهل في الأداء، حيث إن ما حكى عن أهل مصر، فيه نفى الاختلاط، وإثبات ما يقتضي سوء الحفظ مع التساهل في الأداء، والفرق بينهما أن الاختلاط يذهب بضبط الراوي لمرويه كليًا، أو يذهب بضبطه لبعض مرويه، بحيث لا يمكن معه استعادة تمييز مرويه، ولا استحضاره في الذهن، أما سوء الحفظ فيمكن معه ذلك بالمذاكرة مع الحفاظ أو بالمراجعة من مكتوب، وبهذا يكون الضعف بالاختلاط أشد، وقد قرر ابن لهيعة عدم اختلاطه فقال كما تقدم: "ولو سألوني لأخبرتهم أن ذلك ليس من حديثي "وهذا لا يتأتى مع الاختلاط. =
[ ٢ / ٨٣٧ ]
وقال أبو زرعة: سماعُ الأوائِل والأواخر منه سواء (١)؛ إلا أن
_________________
(١) = ثانيًا: تصوير كيفية القراءة على ابن لهيعة ما ليس من حديثه، وبيان مدى مسؤوليته عن ذلك ووجهة نظره في تسويغه، فالنماذج السابقة تفيد أن أمر القراءة كان يبدأ من جانب الرواة عنه، حيث يأتونه بما ليس من حديثه، ولا يسألونه إن كان من حديثه أو لا؟ وإنما يقررون له ابتداء أن هذا من حديثك، وهو يكتفي بقولهم من باب إحسان الظن، ونحوه، ويرى تقريرهم هذا مسقطًا للذنب عنه ومسوغًا لإجابة طلبهم، فتارة يحدثهم بما جاؤا به، وتارة يقرهم بالسكوت على ما يقرؤونه عليه، وهم يكتفون بسكوته، ويقومون معتبرين ذلك سماعًا عليه. وفي كلتا الحالتين لا نجد ابن لهيعة قد ادعى ابتداء سماع ما لم يسمع، وبذلك برأه الحاكم من الكذب كما تقدم، ولكن صنيعه هذا يعد تساهلًا واضحًا في الأداء في تلك المرحلة المتأخرة من حياته حيث اكتفى بقول طلاب الرواية عنه، مع ما وصف به من سوء الحفظ، وقد قال ابن خراش: كان -أي ابن لهيعة- يكتب حديثه، احترقت كتبه، فكان من جاء بشيء قرأه عليه، حتى لو وضع أحد حديثًا وجاء به إليه قرأه عليه، قال الخطيب: فمن ثم كثرت المناكير في روايته لتساهله/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨. أقول: ويبدو أن كلام ابن خراش هذا من تشدده، وإن تابعه عليه الخطيب، وما تقدم عن بعض تلاميذه وأهل بلده الذين رأوه، وعرفوه يفيد أن ذلك لم يكن هو الغالب أو الكثير من أدائه، بل كان في أواخر حياته، ومن صنيع غير الثقات من تلاميذه، وقد تقدم أنه أول ما اشتغل بالتحديث أملى من أصوله، وأظهرها لعامة الرواة عنه، ثم استمر يمكن بعض ثقات تلاميذه من الكتابة منها حتى آخر حياته، وكان غيرهم ينقل عنهم، ثم يسمعون عليه، وتقدم أيضًا أنه وجد من تلاميذه كثيرون ضبطوا النقل والتلقي عنه، كالنضر بن عبد الجبار، والعبادلة وأمثالهم وبذلك صارت أغلب الروايات عنه لا يعيبها إلا سوء حفظه، بحيث يحتج منها بما توبع عليه.
(٢) يعني في الضعف: بدليل ما سيأتي في ختام كلامه، أن ابن لهيعة ليس ممن يحتج به، فهو بهذا يقرر عدم تفاوت الرواية سماعًا عن ابن لهيعة في أول حياته، عن =
[ ٢ / ٨٣٨ ]
ابن المبارك وابن وهب كانا يتتبعان أصوله، وليس ممن يُحتَج به (١)؛
_________________
(١) = الرواية عنه في آخرها، ثم ينبه في باقي كلامه الآتي على ما يلاحظ من انضباط رواية بعض التلاميذ عنه دون بعض، بأن ذلك يرجع إلى اختلاف طريقة تحملهم عنه، لا إلى تغير حاله من قوة إلى ضعف، وفي التعليق التالي ما يوضح ذلك.
(٢) في الجرح ٥/ ١٤٨: بحديثه، بدل "به" وقد جاءت الرواية عن أبي زرعة بهذا السياق في الميزان ٢/ ٤٧٧ وبنحوه في السير ٨/ ٢١ مع تقديم وتأخير، لكن سياق الرواية عند ابن أبي حاتم فيه زيادة تفصيل بعد قوله: "يتتبعان أصوله" ونصها "فيكتبان منها، وهؤلاء الباقون، كانوا يأخذون عن الشيخ، وكان ابن لهيعة لا يضبط" الجرح ٥/ ١٤٨، ١٤٩. وفي هذا جواب منه على ما قد يُسْتَشكَلُ عليه في قوله السابق: "إن سماع الأوائل والأواخر منه سواء" فيقال: ولماذا نجد رواية المتقدمين كابن المبارك وابن وهب، أضبط من رواية غيرهم؛ فأجاب بأن السبب عدم اعتماد هذين على السماع وحده من ابن لهيعة، ولكنهم كانوا يحرصون على كتابة مروياتهم عنه من أصوله الخطية بجانب السماع من لفظه، وبالتالي يتجنبون خطأه عند التحديث من حفظه، أو من نسخه الفرعية، أو نسخ غير الضابطين من تلاميذه كما تقدم في التعليقات السابقة، في حين يعتمد غير هذين الرجلين وأمثالها على السماع فقط من الشيخ كما جاء النص في الجرح، أو على النسخ المتفرعة عن أصوله، كما استظهره محقق الجرح والتعديل/ انظر الجرح ٥/ ١٤٨ هامش، ويؤيد ذلك ما تقدم أن ابن لهيعة قد بدأ التحديث بالإملاء من أصوله، ثم حجبها، وصارت العمدة على ما نسخه تلاميذه آنذاك عن أصوله، أو عن نسخ فرعية عملها هو لنفسه لكي يقرأ عليه منها، ثم إن تقريره النهائي بأن ابن لهيعة لا يحتج به عمومًا، يدل على أنه حتى مَن نقل من أصوله، وضبط الرواية عنه كابن وهب وابن المبارك لا يكون حديثهم عنه محتجًا به بمفرده، ولكن يكون ضعفه أقل من غيره، ممن لم يكتب من أصوله. وسيأتي في الأصل عن غير أبي زرعة الإشارة لانضباط كتاب ابن وهب من =
[ ٢ / ٨٣٩ ]
وقال ابن حبان: سَبرْتُ (١) أخْبار ابن لهيعة، فرأيته يُدلِّس عن أقوام
_________________
(١) = حديث ابن لهيعة واعتماد غيره عليه، كما تقدمت الإشارة لانضباط كتاب ابن المبارك وسماعه عن ابن لهيعة، واعتماد غيره عليه. ثم إن أبا زرعة قد جاءت عنه أقوال أخرى في ابن لهيعة تلتقي مع قوله المذكور في الأصل، وتؤكد ضعف حديثه عمومًا ضعفًا قابلًا للانجبار، فقد روى ابن أبي حاتم عن والده وأبي زرعة أنهما ضعفا ابن لهيعة، ووصفاه بأن أمره مضطرب، يكتب حديثه على الاعتبار/ الجرح والتعديل ٥/ ١٤٧ وقال أبو زرعة وحده: لم تحترق كتبه -يعني ابن لهيعة- ولكن كان رديء الحفظ/ سؤالات البرذعي - ضمن كتاب أبي زرعة وجهوده للدكتور سعدي الهاشمي ٢/ ٣٤٦.
(٢) يقال "سَبَر الشيء سَبْرًا" بمعنى: اعتبره، ونظر فيه، وقاس غَورَه واختبره ليعرف ما فيه، أو ما عنده/ المعجم الوسيط - مادة "سبر" ٣/ ٤١١ والنهاية ٢/ ٣٣٣، ومراد ابن حبان هنا داخل في تلك المعاني للسبر، وقد قرر في غير هذا الموضع: أنه "لا يجوز أن يحكم على مسلم بالجرح، وأنه ليس بعدل، إلا بعد السبر"/ المجروحين ٢/ ١٢٠ ط الهند ترجمة: عمران بن مسلم القصير ومعنى ذلك أنه يعتبر السبر هو الوسيلة المشروعة لكشف حال الراواي، وبالتالي حال حديثه، قبولًا أو ردًا. ولا بد من التنبه إلى أن تلك الوسيلة لا يتأهل لها إلا الأئمة النقاد في كل عصر، كالبخاري وأحمد وابن معين، وابن حبان كما تراه هنا وغيرهم. والذي يَلحَظُه مَن يُطالع تراثهم العظيم الذي ننهل جميعًا منه أن الثقة المتبادلة بينهم كانت تجعل بعضهم يعتمد على سبر الآخر، فيأخذ بما انتهى إليه في حال الراوي، ما لم يظهر له خلافه، ولذا نجد أن ابن حبان في كتابه المجروحين مثلًا، ينبه على قيامه بنفسه بسبر مرويات الشخص عندما يرى غيره من العلماء قد اختلفوا فيه جرحًا وتعديلًا سواء من ناحية العدالة أو الضبط، وقد ظهر هذا في ترجمته لابن لهيعة، حيث بدأ بذكر بعض الآراء المختلفة فيه، ثم قرر أنه قام بعملية السبر لمروياته، بمعنى أنه نظر في أحاديثه التي وقف عليها ليعرف ما فيها من خطأ وصواب، فاعتبرها بالمقارنة برواية الثقات لنفس الأحاديث، فظهر له =
[ ٢ / ٨٤٠ ]
ضعفاء، على أقوام ثقات، قد رآهم (١) ثم كان لا يُبَالي، ما دُفِع إليه
_________________
(١) = ما قرره في بقية كلامه الآتية، وسيأتي أن الإمام أحمد أيضًا فعل نحوًا من هذا بمرويات ابن لهيعة/ ص ٨٥١ ت.
(٢) قد جاء النص بالسياق المذكور إلى قول ابن حبان الآتي بعد "مما ليس من حديثه" في الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ٢/ ١٣٦، ١٣٧ وفي شرح العلل لابن رجب ١/ ١٣٨ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٩ وبمقارنته بنص كلام ابن حبان في المجروحين يتبين أن فيما ذكر اختصارًا وتصرفًا، حيث جاء النص فيه هكذا مع تصويبي بعض الألفاظ من غيره: "قد سبرت أخبار ابن لهيعة من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه، فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودًا، وما لا أصل له في رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعت إلى الاعتبار، فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء، على أقوام رآهم (هو)، ثقات، فألزق تلك الموضوعات (بهم) .. ثم أتبع هذا بما تقدم عن عبد الرحمن بن مهدي: أنه وجد ما كاتبه به ابن لهيعة فقال: "حدثني عمرو بن شعيب" هو في الحقيقة من روايته عن أحد المتروكين وهو إسحق بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب؛ وذكر أيضًا أقوال بعض النقاد فيه، ثم قال: وأما رواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه ففيه مناكير كثيرة، وذاك (أنه) كان لا يبالي الخ المجروحين ٢/ ١٩، ٢٠ ط الهند، وقد نقل الذهبي من أول كلام ابن حبان إلى قوله: "فألزق تلك الموضوعات بهم"/ الميزان ٢/ ٤٨٢، والسير ٨/ ٢٣ وقد صوبت ما بين القوسين الهلاليين منهما، ثم إن ابن حبان قد قال في صدر ترجمته لابن لهيعة: وكان شيخًا صالحًا، ولكنه كان يدلس عن الضعفاء قبل احتراق كتبه، ثم ذكر الاحتراق وتاريخه، وحكى قول أصحابه بالتفريق بين من سمع منه قبل الاحتراق ومن سمع بعده/ المجروحين ٢/ ١٨، وقد تقدم ذلك ص ٨٠٠ ت، وجدير بالذكر أني لم أجد من سبق ابن حبان إلى وصف ابن لهيعة بالتدليس، ومن جاء بعده تابعه على وصف ابن لهيعة بالتدليس عن الضعفاء، كما تراه في نقل الذهبي المتقدم، ولكني لم أجده في منظومته في المدلسين/ ٦٩، مع طبقات المدلسين بتحقيق د. القريوتي، وذكره سبط ابن العجمي في التبيين/ ص ٣٥٠ من =
[ ٢ / ٨٤١ ]
قَرأه، سواء كان من حديثه، أَو لَم يكُن مِن حديثه (١)، فوجب
_________________
(١) = المجموعة الكمالية اعتمادًا على نقل الذهبي عن ابن حبان، وعده الحافظ ابن حجر من الطبقة الخامسة والأخيرة من المدلسين، وقال في شأنه: اختلط في آخر عمره وكثر عنه المناكير في روايته، وقال ابن حبان: "كان صالحًا، ولكنه يدلس عن الضعفاء" وقد وصف ابن حجر أصحاب هذه الطبقة بأنهم ضعفوا بأمر آخر سوى التدليس، وقال: فحديثهم مردود، ولو صرحوا بالسماع، إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيرًا كابن لهيعة/ طبقات المدلسين بتحقيق الدكتور عاصم القريوتي ص ١٤، ٥٤ أما السخاوي فقال: إن هؤلاء حديثهم مردود جزمًا، ولو صرحوا بالسماع، إلا إن تُوِبعُوا، أو لو كان الضعف يسيرًا كابن لهيعة/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ١٨٤ ط الأعظمي. أقول: وما ذكره الحافظ في حكم أصحاب الطبقة من أن ابن لهيعة قد وُثِّق على ضعف يسير فيه، يقتضي قبول ما صرح فيه بالتحديث، وهذا أيضًا ما يقتضيه كلام تلميذه السخاوي؛ لكن الذي ذكره ابن حجر في ترجمته لابن لهيعة في نفس طبقات المدلسين يخالف هذا، حيث وصفه بالاختلاط في آخر عمره وكثرة المناكير عنه في روايته، وذلك يقتضي ضعف روايته، خصوصًا في آخر عمره، ولو صرح بالتحديث، وبهذا يبدو قول الحافظ ابن حجر في ابن لهيعة مختلفًا في الموضعين من كتابه طبقات المدلسين وأصرح من ذلك الاختلاف في باقي مؤلفاته، بين تصحيح بعض رواياته، وتحسين بعضها، وتضعيف لروايته مطلقًا، وتفصيل الأمر في حاله عمومًا، بل وجدت قوله مختلفًا في الحكم على حالة واحدة من رواياته، بالقبول والرد، وسأذكر خلاصة ذلك مع الترجيح في التعليق على آخر الترجمة إن شاء الله. والذي أريد تقريره هنا أن ما دلسه ابن لهيعة، فقد اجتمع فيه سببان للضعف، أحدهما: التدليس، وثانيهما: سوء حفظ ابن لهيعة، فإن صرح بالاتصال، وتوبع زال السببان، وكان حديثه محتجًا به، وإلا فهو ضعيف.
(٢) العبارة من قوله: "ثم كان لا يبالي" إلى هنا، يفهم من ظاهرها أن هذه كانت طريقة لابن لهيعة في الأداء يفعلها كثيرًا أو غالبًا، وذلك بسبب الاختصار =
[ ٢ / ٨٤٢ ]
التَّنَكُب (١) عن رواية المتقدمين عنه، قبل احتراق كُتُبِه (٢)؛ لِمَا فيها من الأخبار المدلسة عن المتروكين (٣)، ووجب ترك الاحتجاج برواية
_________________
(١) = هنا لأصل كلام ابن حبان، كما أشرت من قبل، ولو رجعنا إلى نص كلامه كما قدمته، في التعليق السابق، فسنجده قد ذكر أن هذا الصنيع حصل من ابن لهيعة بعد احتراق كتبه فقط، وذلك كان قبل موته باربع سنوات تقريبًا، وقد قدمت بيان أن من كان يدفع إليه ما ليس من حديثه هم بعض من لا يتقي الله من الرواة عنه، ولكنه كان يعتمد على تقريرهم له أن هذا من حديثك، إحسانًا للظن بهم، وتساهلًا في الأداء، وعليه فلم يكن هذا شأن ابن لهيعة في الكثير من أدائه، وبالتالي لم يكثر في حديثه ما ليس من روايته، كما قد يتبادر من سياق تلك العبارة، بعد حذف تحديد ابن حبان للزمن الذي حصل فيه ذلك من حياة ابن لهيعة، نعم إن الخطأ في تلك المرحلة كان أكثر، لاجتماع عاملين معًا وهما: ما احترق من كتب ابن لهيعة، وزيادة سوء حفظه بسبب مرضه بالفالج كما تقدم، لكن قلة تلك الفترة بالنسبة لباقي عمره الذي قارب الثمانين، مع قلة من كان يدفع إليه ما ليس من حديثه، يفيد ذلك أن أغلب رواياته، لا يعيبها إلا تدليسه، وسوء حفظه، وبالتالي يحتج من حديثه عمومًا، بما لم يدلسه، وتوبع عليه، كما قدمت ذكره قريبًا. ومما يؤيد قلة التخليط الذي وقع في حديثه قول أحمد بن صالح المصري وهو ممن وصف ابن لهيعة بالتساهل في الأداء قال: ابن لهيعة ثقة وما رُوي عنه من الأحاديث التي فيها تخليط يُطرح ذلك التخليط (تهذيب التهذيب: ٥/ ٣٧٨).
(٢) أي الإعراض عن قبول تلك الروايات، وتجنب الاحتجاج بها، كما يتضح من باقي كلامه الآتي، وانظر: المعجم الوسيط مادة "نكب" ٢/ ٩٥٠.
(٣) تقدم بيان أنه احترق بعض كتبه الفرعية فقط، دون أصولها.
(٤) تعليل ترك روايات المتقدمين جميعها عن ابن لهيعة قَبْل احتراق كتبه، بأنه لأجل ما فيها من روايات مدلسة، تعليل غير كاف لرد الجميع بما فيه غير المدلس، =
[ ٢ / ٨٤٣ ]
المتأخرين، بعد احتراق كتبه؛ لما فيها مما ليس من حديثه (١)، وقال أبو بكر الخطيب: حدث عن ابن لهيعة: سفيان الثوري، ومحمد بن رُمح، وبين وفاتيهما [إحدى وثمانون] (٢)
_________________
(١) = خصوصًا وأن المدلس منها يسهل تمييزه بعبارات الأداء كما هو معروف، فالأولى تعليل الترك العام بسبب عام، ولذا فإن غير واحد من العلماء عللوا تضعيف روايات ابن لهيعة عمومًا بما ظهر لهم من سوء حفظه قبل وبعد الاحتراق، وإن زادت درجة سوء الحفظ بعد الاحتراق، كما مرّ. ومر أيضًا عَدُّه ممن ضُعِّف بأمر آخر غير التدليس.
(٢) هذا التعليل لترك الاحتجاج برواية المتأخرين عن ابن لهيعة بعد احتراق كتبه، يلتقي مع تعليل غير ابن حبان تضعيفَ حديث ابن لهيعة بسوء حفظه؛ لأن قبوله رواية ما ليس من حديثه عنه، ناتج أساسًا عن سوء الحفظ، ومن مجموع كلام ابن حبان هذا عن نتيجة سبره لمرويات المتقدمين والمتأخرين عن ابن لهيعة، نجد أنه يرى ترك الاحتجاج بجميع مروياته، ومقتضى هذا إقراره أنها تصلح للاعتبار، وبذلك يلتقي في النهاية مع أقوال غيره ممن قرر ضعف ابن لهيعة ضعفًا منجبرًا، وإن زاد هو ذكر سبب التدليس، كما مرَّ.
(٣) بالأصل "أربع وتسعون" وهو خطأ، وما أثبته من تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٨٤، وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٩، وهو مطابق فعلًا للفرق بين تاريخي الوفاة لسفيان، وابن رُمح، حيث إن الأول توفي سنة (١٦١ هـ) كما في التقريب/ ٢٤٤، والثاني توفي بمصر في شوال سنة (٢٤٢ هـ) على قول الأكثرين/ تهذيب الكمال: ٢/ ٢٧٩، والكاشف ٣/ ٤٣، والسابق واللاحق للخطيب البغدادي، بتحقيق محمد بن مطر الزهراني/ ٢٥٢، أما "أربع وتسعون" التي جاءت في الأصل فهي فرق بين وفاتَي: محمد بن رُمح، وشخص آخر روى عن ابن لهيعة، وهو عمرو بن الحارث الأنصاري المصري المتوفى سنة (١٤٨ هـ) كما ذكره الخطيب، فقد رجعْت إلى مَظِنَّة هذا الكلام من كتب الخطيب، وهو كتاب السابق واللاحق، فوجدته بعد ذِكْر ابن لهيعة قال: "حَدَّث عنه عمرو بن
[ ٢ / ٨٤٤ ]
سنة (١) ومات ابن لهيعة سنة أربع وسبعين ومائة (٢)، في خلافه
_________________
(١) = الحارث، و(محمد) بن رُمح التجيبي، وبين وفاتيهما أربع وتسعون سنة، ومات عمرو بن الحارث سنة ١٤٨ هـ، ثم ذكر الخطيب تحديثَ كل من الأوزاعي وشعبة والليث بن سعد عن ابن لهيعة، مع بيان الفرق بين وفاة كل منهم، وبين وفاة ابن رُمح، ثم حدد وفاة ابن رُمح، كما تقدمت، وبذلك انتهت ترجمته لابن لهيعة/ السابق واللاحق/ ٢٥١، ٢٥٢، أما المزي، فإنه في آخر ترجمة ابن لهيعة قال: قال الحافظ أبو بكر الخطيب، حدث عنه عمرو بن الحارث ومحمد بن رمح وبين وفاتيهما ٩٤ سنة، وحدث عنه سفيان الثوري ومحمد بن رمح، وبين وفاتيهما ٨١ سنة/ تهذيب الكمال: ٢/ ٢٧٩. وجاء الكلام في تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٨٤ معكوس السياق، هكذا: قال الخطيب: حدث عن ابن لهيعة الثوري ومحمد بن رمح، وبين وفاتيهما إحدى وثمانون سنة، وعمرو بن الحارث ومحمد بن رمح وبين وفاتيهما ٩٤ سنة. ويلاحظ أن "سفيان الثوري" لم يذكر في كتاب الخطيب حسب الطبعة الحالية وهي محققة، فلعله ذُكِر في نسختي النووي والمزي، وقد لاحظت عنايته عمومًا بنقل بيان الخطيب للسابق واللاحق من الرواة عمن يترجمهم في تهذيبه، ويلاحظ أيضًا أن المؤلف في الأصل لم ينقل تلك المعلومة كما جاءت في كتاب الخطيب، ولا كما جاءت عند كل من النووي والمزي.
(٢) من هنا فما بعده، ليس من كلام الخطيب.
(٣) هذا ما عليه الأكثرون كما تقدم ص ٨٢٤، وكانت وفاته بمصر، واتفق ابن سعد وأبو عمر الكندي على أن الوفاة كانت يوم الأحد، لكن قال ابن سعد: للنصف من شهر ربيع الأول، وقال الكندي: لخمس خلون من جمادى الآخرة، وقال يحيى بن بكير تلميذ ابن لهيعة: لِسِتٍّ بَقين من جمادى الآخرة، فلعله أثبت، ووافقهما المفضل الغلابي على ذكر الشهر، لم يحدد يومًا، وذكر ابن عبد الحكم: شهر جمادى الأولى انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٧ قسم ٢/ ٢٠٤، والمعرفة =
[ ٢ / ٨٤٥ ]
هارون (١) وصلى عليه داود بن يزيد، الأمير (٢)، وكان مولده في سنة سبع وتسعين (٣) وقال ابن أبي خيثمة: سمعت ابن معين
_________________
(١) = والتاريخ للفسوي ١/ ١٦٤، ١٦٥ وفي طبعته تحريف "سبعين" إلى "تسعين" وتاريخ ولاة مصر لأبي عمر الكندي ١٠٧، والتاريخ الكبير ٥/ ١٨٢ - ١٨٣ والأوسط -المطبوع باسم الصغير- للبخاري ١٩٥ ط الهند، والمجروحين لابن حبان ٢/ ١٨، وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٩، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٨٤، وسير النبلاء ٨/ ٢٠، ٣١.
(٢) هو الرشيد، ابن محمد المهدي بن عبد الله المنصور، الخليفة العباسي، بويع له بالخلافة في ربيع الأول سنة (١٧٠ هـ)، واستمر في الخلافة حتى توفي بطوس في مستهل جمادى الآخرة سنة (١٩٣ هـ). (البداية والنهاية لابن الأثير: ١٠/ ٢٤١، ٢٤٢).
(٣) هو: داود بن يزيد المهلبي، ولاه هارون الرشيد على الصلاة بمصر، فدخلها - كما يقول الكندي: لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة (١٧٤ هـ) فجعل على شُرَطِه عمار بن مسلم الطائفي، ثم قال الكندي: وفي ولاية داود بن يزيد توفى عبد الله بن لهيعة يوم الأحد، لخمس خلون من جمادى الآخرة، فصلى عليه داود/ تسمية ولاة مصر للكندي (١٠٧)، وانظر: المعرفة والتاريخ (١/ ١٦٤)، وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٩.
(٤) نسب هذا القول لابن سعد وابن يونس/ كما في تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٩ ولم أجده في ترجمته في طبقات ابن سعد، ونقله الذهبي عن ابن يونس وحده/ تذكرة الحفاظ ١/ ٢٣٩، والسير ٨/ ٢٠) وجزم به النووي دون عزوه لأحد/ تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٢٨٤، وهناك رواية عن أحمد بن صالح المصري تقتضي أن ولادة ابن لهيعة سنة (٩٥ هـ)، وعن يحيى بن بُكَير والغلابي، أنها سنة (٩٦ هـ) وبها قال ابن حبان، وتردد الذهبي بينهما فقال: سنة (٩٥ هـ) أو سنة (٩٦ هـ) ولم أجد ترجيحًا في ذلك. انظر: المعرفة والتاريخ ١/ ١٦٤، ١٦٥ والمجروحين ٢/ ١٨، والسير ٨/ ١٢ والجمع بينهما ممكن على إرادة آخر سنة (٩٥ هـ) وأول سنة (٩٦ هـ).
[ ٢ / ٨٤٦ ]
يقول: ليس بذاك (١).
قال (٢): وقال مرّة: ليس حديثه بالقوي، وقال الآجرِّي: قال أبو داود (٣): أنكر ابن أبي مريم احتراق كتبه، وقال: لم يحترق له ولا كتاب (٤)، إنما أراد أن يُوقفوا (٥) عليه أمير مصر. فأرسل إليه
_________________
(١) لم أجد هذا القول من رواية ابن أبي خيثمة عن ابن معين، ولكن وجدته من رواية ابن محرز أنه سأل ابن معين عن ابن لهيعة فقال: "ليس هو بذاك". (سؤالات ابن محرز - لابن معين في معرفة الرجال - بتحقيق محمد كامل القصار ١/ ٦٧).
(٢) يعني ابن أبي خيثمة، وقد أخرج تلك الرواية من طريق ابن أبي خيثمة عن ابن معين الإمام ابن أبي حاتم ولفظه: "ليس حديثه بذلك القوي"/ الجرح: ٥/ ١٤٧، وكذا في الميزان: ٢/ ٤٧٧. وأخرج العقيلي من طريق أحمد بن محمد الحضرمي عن ابن معين رواية أخرى بلفظ "ليس بقوي في الحديث"/ الضعفاء للعقيلي: ٢/ ٢٩٥، وقال ابن محرز بعد روايته السابقة عن ابن معين: وسمعته مرة أخرى يقول: (ابن لهيعة) ضعيف الحديث/ سؤالات ابن محرز بتحقيق كامل القصار: ١/ ٦٧ أقول: وبهذا يتأيد ما قدمته في ص ٨١٩ ت أن أكثر أقوال ابن معين على تضعيفه المطلق لابن لهيعة ضعفًا قابلًا للانجبار بغيره.
(٣) من هنا إلى قوله: "قال أبو داود" الآتية مكتوب بهامش الأصل مع الإشارة إلى دخوله في الصلب بعلامة "صح"، ولم أجد هذا القول لأبي داود في الجزء المطبوع من سؤالات الآجري لأبي داود.
(٤) تقدم المراد بنفي احتراق كتب ابن لهيعة ص: ٨١٩، ٨٢٠ ت.
(٥) كذا الأصل، وذكر صاحب مختار الصحاح وابن الأثير: أن أَوقف الشيء، وأوقفه عليه، لغة رديئة، والمشهور إطلاق: وقفه على الشيء أو الأمر، بمعنى أطلعه عليه. مختار الصحاح مادة "وقف" ص: ٧٣٣، (النهاية لابن الأثير نفس المادة: =
[ ٢ / ٨٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٥/ ٢١٦)، والمعجم الوسيط ٢/ ١٥١، وذكر الزمخشري أن من المجاز: "وقف على المعنى، أحاط به". أساس البلاغة مادة "وقف": ٦٨٦، وقد أبقيت عبارة الأصل "أوقفوا عليه" طالما وجد لصوابها محمل لغوي، وإن كان ضعيفًا، وقد جاء النص في تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ "أن يقفوا عليه، فأرسل إليه أمير بخمسمائة دينار"، ولكن في تذهيبه ٢ / ل ١٧٦، وفي السير ٦/ ١٨، كلاهما للذهبي، جاء النص هكذا: "أن يقفوا عليه أمير، فأرسل إليه أمير الخ" ومعنى العبارة كما يبدو من سياقها: أن المحيطين بابن لهيعة في أواخر حياته أرادوا لفت انتباه أمير مصر إلى ابن لهيعة، وإطلاعه على ما صار إليه حاله، ليساعده، ولعل الرجل حينذاك تغيرت حاله المالية والمعيشية، بعد عزله عن القضاء، وإصابته بمرض الفالج مع تقدم السن، كما أسلفته، فرأى المحيطون به أنه ربما إذا بلغ الأمير خبر احتراق داره بمحتوياتها، اهتم بأمره، ووصله بما يُحسن حاله، وقد حدث ذلك فعلًا، كما جاء في بقية كلام ابن أبي مريم هذا. ثم إن محقق سير أعلام النبلاء ذكر كلمة "يعفو" بدل "يقفوا" وذكر بالهامش ما يدل على أن الكلمة جاءت كما أثبتها في تذهيب تهذيب الكمال للذهبي الذي استدرك منه أيضًا حرف "أن" قبل كلمة "يعفو" ولكني راجعت التذهيب فوجدت فيه "أن يقفوا" كما في تهذيب الكمال، غاية الأمر أن القاف غير منقوطة، لكن صورتها الخطية واضحة، والنسخة التي راجعتها فيها ترك النقط كثير، ثم إن العبارة لا يظهر لها معنى بذكر كلمة "يعفو"، ولم يبين المحقق ماذا يكون معنى هذا النص مع إثباتها؟ في حين نجد المعنى واضحًا مع إثبات "يقفوا" كما ذكرته، والله أعلم. ولم يقتصر أمر المواساة لابن لهيعة في تلك الواقعة على الأمير، فقد ذكر قتيبة بن سعيد ويحيى بن بكير -وهما من تلاميذ ابن لهيعة- أن الليث بن سعد أيضًا قد أرسل إليه مالًا، وحدد ابن بكير المبلغ بمائة دينار. انظر: سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦ ضمن كتاب أبي زرعة الرازي وجهوده، =
[ ٢ / ٨٤٨ ]
خمسمائة دينار. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: من كان مثل ابن لهيعة بمصر، في كثرة حديثه، وضبطه، وإتقانه؟، وحدث عنه أحمد (١)
_________________
(١) = للدكتور سعدي الهاشمي، وحدد قتيبة وقت الإرسال بأنه في اليوم التالي للحريق وحدد المبلغ بألف دينار. انظر: سير النبلاء ٨/ ٢٦، وتذكرة الحفاظ ١/ ٢٢٥، وتهذيب الكمال ٣/ ١١٥٤ وتذهيبه ٢ / ل ١٧٧، وهو الأنسب.
(٢) بالأصل "آخر" ولا يستقيم المعنى عليه، وما أثبته من تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، وعبارة: "وحدث عنه أحمد بحديث كثيرا هي من قول أبي داود تعقيبًا على ما رواه عن أحمد من أنه لا يرى في المصريين في وقته من هو أكثر حديثًا ولا أضبط ولا أتقن من ابن لهيعة، وما عدا تهذيب الكمال من المصادر المتعددة التي وقفت عليها قد اقتصرت على حكاية أبي داود لكلام أحمد المذكور فقط دون ذكر تعقيب أبي داود المذكور، شرح العلل لابن رجب ١/ ١٣٨، والسير ٣/ ١٨ والميزان ٢/ ٤٧٧، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٥ وتذهيب تهذيب الكمال ٢ / ل ١٧٧، ومراد أبي داود بتحديث أحمد عنه، يعني بواسطة؛ لأن ابن لهيعة توفي وأحمد في العاشرة تقريبًا. أقول: وما حكاه أبو داود عن أحمد يقتضي أنه يحتج به، وأن حديثه عنده صحيح، ولعل هذا مما جعل أبا داود نفسه يعقب على كلام أحمد السابق بتنبيهه على أن أحمد أيضًا قد حدث عنه كثيرًا، ولكن سيأتي تصريح الإمام أحمد نفسه بأنه لا يحتج بابن لهيعة، مع جوابه عن إكثاره الرواية عنه. وقد نقل الشيخ أحمد شاكر -﵀- قول أحمد السابق في توثيق ابن لهيعة، وأكد به ما ذهب إليه من أن ابن لهيعة ثقة صحيح الحديث، وبذلك رد تضعيف الترمذي لحديث الباب من طريق ابن لهيعة جامع الترمذي - بتعليق الشيخ أحمد شاكر ١/ ١٦ هامش (١). ولا يُسلَّم للشيخ أحمد شاكر هذا التوثيق لابن لهيعة، ولا اعتماده لقول أحمد بتوثيقه إلا بعد جمعه لباقي أقوال الأئمة الآخرين، ولأقوال أحمد أيضًا، والنظر في تعارضها، واختلافها، ثم الجواب عن الانتقادات القادحة في ضبط ابن لهيعة، =
[ ٢ / ٨٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والتي تقدم معنا بالأصل والتعليق عليه، عدد منها، مجملًا، ومفصلًا، وكثير منه منقول عن تلاميذ ابن لهيعة، وأهل بلده. وقد قمت في التعليقات السابقة بجمع أقوال العلماء وتلاميذ ابن لهيعة الذين ورد في الأصل كلامهم، وحاولت استخلاص الرأي العام لكل منهم، حتى نصل في النهاية إلى رأي عام في حال ابن لهيعة عمومًا، ودرجة حديثه، إن شاء الله. والذي نحتاجه هنا جمع ما تيسر لي من باقي أقوال الإِمام أحمد في ابن لهيعة غير ما تقدم، ثم استخلاص رأي عام له من ذلك. فقد جاء عنه قوله: ما كان محدث مصر، أو محدثًا بمصر، إلا ابن لهيعة / الميزان: ٢/ ٤٧٨، السير: ٨/ ١٣، ١٨، وقال أيضًا: ابن لهيعة أجود قراءة لكتبه من ابن وهب/ السير: ٨/ ١٧ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٥، وقال: من سمع من ابن لهيعة قديمًا فسماعه أصح، ثم روى عن ابن المبارك ما يفيد تحديده للسماع القديم، بما قبل سنة (١٥٩ هـ) / المجروحين لابن حبان: ٢/ ١٩. ويلاحظ أن هذا التاريخ متقدم إحدى عشرة سنة تقريبًا، عن تاريخ احتراق كتبه الذي جعله غير واحد هو الفاصل بين السماع القديم، والسماع الحديث، وقد علق الذهبي على قول أحمد هذا: "إن السماع القديم عن ابن لهيعة أصح" فقال: لأنه -يعني ابن لهيعة- لم يكن بَعدُ تساهل، وكان أمره مضبوطًا، فأفسد نفسه/ السير: ٨/ ٢١، ومراد الذهبي بالتساهل، يعني في الأداء كما تقدم بيانه، ومراده بإفساد نفسه، يعني أنه بتساهله في الأداء، أدخل عليه ما ليس من حديثه، فكان هذا مما تسبب في تضعيف جميعه، وإن لم يصل به ذلك إلى الترك المطلق كما سيأتي عن الذهبي نفسه، وقال الإِمام أحمد أيضًا لقتيبة بن سعيد -تلميذ ابن لهيعة-: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح، وقال قتيبة: قلت: لأنا كنا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب، ثم نسمعه من ابن لهيعة/ تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨، شرح العلل ١/ ١٣٩، أقول: ولكن ابن عدي قد أخرج عدة أحاديث من مناكير ابن لهيعة، وهي من رواية قتيبة بن سعيد عنه/ الكامل: ٤/ ١٤٦٥، ١٤٦٨، فيكون مراده بالصحة ثبوت رواية قتيبة لها عن =
[ ٢ / ٨٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن لهيعة، وإن كانت منتقدة عليه، ويؤيد هذا ما جاء عن أحمد أيضًا من وصفه رواية ابن وهب نفسه بأنها صالحة، ولم يقل "صحيحه". وذلك أنه قال: سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح، ثم ذكر ثلاثة هم: ابن وهب، وابن المبارك، وابن يزيد المقري/ شرح العلل: ١/ ١٣٨ والصلاحية هنا أيضًا محمولة على الثبوت كما تقدم، أو تحمل على الصلاحية للاعتبار، كما سيأتي حكمه العام بهذا على أحاديث ابن لهيعة. وجاء عن أحمد أيضًا قوله: كان ابن لهيعة كتب عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، وكان بعد يحدث بها عن عمرو بن شعيب نفسه. الضعفاء للعقيلي: ٢/ ٢٩٤، شرح العلل: ١/ ١٣٨، الميزان: ٢/ ٤٧٦، السير: ٨/ ١٥، تهذيب التهذيب: ٥/ ٢٧٩، وقال أيضًا: كانوا يقولون: احترقت كتبه، وكان يُؤتَى بكتب الناس، فيقرءوها/ الضعفاء للعقيلي: ٢/ ٢٩٥، وهذا مما يضعف به، كما قال الحافظ ابن حجر. تهذيب التهذيب: ٥/ ٣٧٨، وقول الإمام أحمد: "يقولون: احترقت كتبه" لعله إشارة إلى ما تقدم في الأصل ص: ٨٢٣ أن إسحق بن عيسى تلميذ ابن لهيعة حدث أحمد بخبر احتراق كتب ابن لهيعة، وقد تقدم أيضًا بيان أن ما ذكره أحمد بالنسبة لرواية ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب، وغيره، ما ليس من حديثه، يدل على سوء حفظه، فلعل ذلك تبين للإمام أحمد بعد توثيقه السابق له، ولهذا جاء عنه قوله: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب أعتبر به، وهو يقوي بعضه ببعض. شرح العلل: ١/ ١٣٨، تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨، الميزان: ٢/ ٤٧٨، السير: ٨/ ١٦، وقد تقدم ص: ٧٩٣ ت أن من ضُعِّف من جهة حفظه كابن لهيعة وغيرِه، فقول أحمد فيه: "لا يُحتَج به" يعني إذا انفرد بالشيء. ويلاحظ أن قول أحمد هذا في ابن لهيعة، قد بناه على نحو ما تقدم عن ابن حبان، من السبر والاعتبار لمرويات ابن لهيعة، حيث كتب الكثير منها، ثم قارنه بروايات من شاركه من الثقات، فتبين له أنه لا يحتج بما انفرد به، ولكنه يتقوى بغيره، وعليه يكون هذا هو القول المعتبر للإمام أحمد بشأن ابن لهيعة، وهو يلتقي =
[ ٢ / ٨٥١ ]
بحديث كثير. قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: [كنا] (١) لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا مِن كُتب ابن وهب، أو ابن أخيه -يعني ابن أخي ابن لهيعة- (٢) إلا ما كان من حديث
_________________
(١) = مع قول غيره من العلماء الذين تقدمت أقوالهم في الأصل، وفي تعليقاتي عليه ومنهم الترمذي، وبه يجاب عن قول أبي داود المتقدم: إن أحمد قد روى عن ابن لهيعة كثيرًا، كما يرد به على من يأخذ بتوثيقه السابق لابن لهيعة، كالشيخ أحمد شاكر، أو غيره.
(٢) ليست بالأصل، وأثبتها من المصادر التي ذكرت قول أبي داود هذا عن قتيبة بن سعيد، ثم إن سياق باقي النص مختلف بالتقديم والتأخير عما في مصادره التي وقفت عليها، حيث جاء فيها هكذا "كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتاب ابن أخيه، أو من كتب ابن وهب، إلا ما كان إلخ تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨، سير النبلاء: ٨/ ١٦، ١٧، تهذيب التهذيب: ٥/ ٣٧٥، ٣٧٦.
(٣) هو: لهيعة بن عيسى بن لهيعة، ولي القضاء بمصر مرتين: أولاهما في مستهل شعبان سنة (١٩٦ هـ)، ثم عزل عنه في ربيع الأول سنة (١٩٨ هـ) ثم وليه مرة ثانية في المحرم سنة (١٩٩ هـ) إلى أن مات في مستهل ذي القعدة سنة (٢٠٤ هـ)، وقد روى عن عمه عبد الله بن لهيعة، وتعلم منه القضاء، وسار فيه سيرة حسنة، استحق بها الثناء الجميل، ومن ذلك اهتمامه بإثبات عدالة أو جرح الشهود الدائمين لديه، بحيث كلف من يقوم بالسؤال عن سيرتهم وسلوكهم كل ستة أشهر، ومن حدثت له جَرْحَة أوقفه عن الشهادة، وخاصة من عُرف ببدعة كالقدر ونحوه، وكان تاسع تسعة من حضرموت، ولُّوا قضاء مصر. انظر: تسمية قضاة مصر للكندي: ٣١٣، ٣١٥ - ٣٢٠، تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨. أقول: ومع توثيق لهيعة هذا، فإن ما ذكر من روايته عن عمه وتعلمه القضاء منه، يدل على خبرته بحديثه، وعنايته بكتابته، بحيث رآه تلاميذ عمه الآخرين، مثل قتيبة هذا أهلًا لأن يُعتَمد على ماكتبه عن عمه، مثل اعتمادهم على كتب ابن وهب؛ لكن لم أجد اشتهار الاعتماد على كتاب لهيعة هذا عن عمه، مثلما =
[ ٢ / ٨٥٢ ]
الأعرج (١). وقال البيهقي: كان مالك يُحسِنُ القولَ في ابن لهيعة (٢)
_________________
(١) = اشتهر ذلك عن ابن وهب، وبقية العبادلة، كما تقدم ذكره عن غير واحد؛ بل تقدم قريبًا ص: ٨٥٠ ت، أن قتيبة بن سعيد نفسه، لما قال له الإمام أحمد: إن حديثك عن ابن لهيعة صحيح، قال له: لأنا نكتب من كتب ابن وهب ثم نسمعها من ابن لهيعة، فاقتصر على ذكر الكتابة من كتب ابن وهب، ولم يذكر معه لهيعة كما ذكره في هذه المرة. وعلى كل فقد تقدم أنه يوجد من رواية قتيبة عن ابن لهيعة ما هو منتقد، وأن المراد بالصحة في كلام أحمد السابق، هو الثبوت، بدليل باقي أقواله ص: ٨٤٩ ت إلى ص: ٨٥١ ت، وتقدم أيضًا ص: ٨٠٠ ت أنه حتى ما كتبه مشاهير الثقات عنه، كالعبادلة، ومنهم ابن وهب فميزته هي ضبط هؤلاء لنقل مروياتهم عن ابن لهيعة من أصوله، بحيث يطمأن إلى كونها من روايته عن شيوخه، ومع ذلك فهي ضعيفة من جهته، بوهم أو نكارة، أو تدليس وغير ذلك، وبالتالي يسري هذا على ما رواه، وكتبه عنه ابن أخيه المذكور، فلا يحتج منه إلا بما توبع عليه.
(٢) لعل السبب في استئناء حديث الأعرج ما قدمته ص: ٧٩٧ ت من أن سماع ابن لهيعة منه كان في لقاء عاجل وقبل وفاة الأعرج بفترة قصيرة جدًّا، وبذلك لم يتهيأ لابن لهيعة الكتابة عنه لما سمعه منه، فاكتفى بالسماع الشفاهي فقط، وحدث من حفظه بما سمعه منه، كما تقدم ذكره، فيكون قول قتيبة هذا معناه: إلا ما كان من حديث ابن لهيعة عن الأعرج، فقد تلقيناه من ابن لهيعة مشافهة من حفظه فقط.
(٣) لم أجد حكاية البيهقي هذه لرأي مالك، مع ما يلاحظه القارئ من وفرة المراجع التي اعتمدت في ترجمة ابن لهيعة عليها، ولكني وجدت تأكيد البيهقي لضعف ابن لهيعة وعدم الاحتجاج به، كما سأبينه بعد قليل، ومعنى ذلك أنه لم يأخذ بما حكاه عن مالك، ولعل المقصود بإحسان مالك القول في ابن لهيعة ما حكاه إبراهيم بن إسحاق -قاضي مصر- أنه حمل رسالة من الليث بن سعد إلى مالك، وأخذ جوابها، وقال: فكان مالك يسألني عن ابن لهيعة فاُخبِرُه بحاله، =
[ ٢ / ٨٥٣ ]
ويقال: إنه (١) الذي روى عنه حديث العُرْبَان في الموطأ، عن الثقة -عنده- عن عمرو بن شعيب، ويقال: ابن وهب، حدثه عن ابن لهيعة (٢).
_________________
(١) = فجعل مالك يقول: فابن لهيعة ليس يذكر الحج؟ قال إبراهيم، فسبق إلى قلبي أنه يريد مشافهته والسماع منه. تهذيب الكمال: ٢/ ٧٢٨، الميزان: ٢/ ٤٧٨، السير: ٨/ ١٧. أقول: وهذا الذي فهمه إبراهيم من سؤال مالك عن ابن لهيعة، وإن دل على حسن رأيه فيه ورغبته في السماع منه، لكنه لا يستلزم جزمه بتوثيقه، فقد تقدم أن ابن مهدي تمنى السماع من ابن لهيعة، ولو كثرت كُلْفَتُه، ولكن لما خَبر روايته، ترك حديثه، ويلاحظ في بقية الكلام أن غاية ما فعل مالك عند الرواية عنه أنه وثقه على الإِبهام، وذلك غير كاف، كما أشرت إليه من قبل ص: ٨٢٧ ت.
(٢) بالأصل "إن" وما أثبته هو المستقيم عليه المعنى، مع موافقته لما في كلام البيهقي، كما سيأتي ذكره.
(٣) أي الحديث الذي فيه النهي عن البيع الذي يُدفع فيه العُربان -بضم العين المهملة وسكون الراء- بوزن "القُربان"، ويقال له "العُرْبُون" بوزن "العُرجون"، وبفتح العين المهملة أيضًا، والمراد به الجزء من الثَّمن، وبيع العُربان: هو أن يشتري السلعة ويدفع إلى صاحبها شيئًا، على أنه إن أمضى البيع، حُسِب من الثمن، وإن لم يمض البيع كان لصاحب السلعة، ولم يرتجعه المشتري - قال ابن الأثير: وهو بيع باطل عند الفقهاء، لما فيه من الشرط والغَرر، وأجازه أحمد، وروي عن ابن عمر إجازته، وحديث النهي منقطع / مختار الصحاح بترتيب الشيخ خاطر مادة "عرب": ٤٢٢، النهاية لابن الأثير نفس المادة ٣/ ٢٠٢، وأوجز المسالك إلى موطأ مالك: ١١/ ٤٤، ٤٥، ٤٧ - ٤٩، وقول ابن الأثير: وحديث النهي منقطع، يعني حديث مالك هذا بروايته له بلاغًا، أو عن الثقة عنده، وإلا فإنه قد رواه من طرق ضعيفة موصولة، وكذا =
[ ٢ / ٨٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أخرجه البيهقي من طريق أخرى ضعيفة، موصولة، وقال عقبها: والأصل في هذا الحديث مُرسَل مالك/ السنن الكبرى للبيهقي ٥/ ٣٤٢، ٣٤٣، وقد أخرج مالك الحديث في الموطأ، واختلف رواة الموطأ عنه في سياق السند، فرواه ابن وهب عن مالك قال: بلغني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه فال: نهى رسول الله -ﷺ- عن بيع العُربان، ومن طريق ابن وهب أخرجه البيهقي - البيوع - باب النهي عن بيع العُرْبان ٥/ ٣٤٢. ورواه أبو مصعب عن مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب، به ومن طريقه أخرجه ابن عدي في الكامل، كما تقدم ذكره ص: ٨٢٦ ت، ومن طريق ابن عدي أخرجه البيهقي في السنن/ الموضع السابق: ٥/ ٣٤٣، وكذا أخرجه يحيى بن يحيى عن مالك عن الثقة، به، مثل رواية أبي مصعب، وذكره بعده تفسير مالك لبيع العربان بنحو ما تقدم. الموطأ - البيوع - باب النهي عن بيع العربان: ٢/ ٦٠٩ ح ١، وقد أشار ابن عدي إلى أن أكثر رواة الموطأ عن مالك رووا الحديث هكذا / الكامل: ٤/ ١٤٧١، يعني: "عن مالك عن الثقة عن عمرو بن شعيب" وقد قدمت في ص: ٨٢٦ ت أن ابن عدي بعد إشارته إلى شهرة رواية الحديث عن مالك هكذا، قال: ويقال: إن مالكًا سمع الحديث من ابن لهيعة - عن عمرو بن شعيب، ولم يُسمِّه، لضعفه، والحديث عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب، مشهور / الكامل: ٤/ ١٤٧١، أما البيهقي فإنه بعد أن أخرج الحديث من طريق ابن وهب السابقة، ذكر أن مالكًا لم يُسم من رواه عنه، ولم يذكر لعدم التسمية سببًا، كما فعل ابن عدي، ولكنه ذكر أن حبيب بن أبي حبيب روى الحديث عن مالك قال: حدثني عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمرو، به، ثم أخرج سنده به هكذا إلى حبيب، وقال: فذكره، وأضاف قائلًا: "ويقال: لا -أي ليس شيخ مالك فيه عبد الله بن عامر- بل أخذه مالك عن ابن لهيعة وأيد ذلك بحكاية قول ابن عدي السابق؛ لكن لم يذكر فيه أن سبب عدم التسمية ضعف ابن لهيعة، أو لعلها سقطت في الطبع، أو النسخ، ولعل مما يؤيد =
[ ٢ / ٨٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ذلك تعقيب البيهقي بعد ذلك، حيث إنه عقب على كلام ابن عدي السابق وعلى رواية حبيب بن أبي حبيب المصرح فيها بأن شيخ مالك في الحديث: هو عبد الله بن عامر، بقوله: وحبيب بن أبي حبيب ضعيف، وعبد الله بن عامر وابن لهيعة لا يحتج بهما، والأصل في هذا الحديث مرسل مالك/ السنن للبيهقي: ٥/ ٣٤٣، فصرح بعدم الاحتجاج بأي من الرجلين، كما ترى، وبذلك أشار إلى عدم إقرار أن المراد بالثقة أيًّا منهما. وذلك ما رجحه الزرقاني، كما سيأتي قريبًا. وأما القول الثاني الذي ذكره المؤلف في الأصل من أن المراد بالثقة ابن وهب وابن لهيعة، فلم أجده عند البيهقي، وقد تقدم ص ٨٢٦ ت أن ابن حجر ذكره في تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وعن ابن عبد البر، وعلى كلا القولين يكون ابن لهيعة داخلًا في المراد بالثقة عند مالك، بل تقدم ص ٨٢٧ ت أن الذهبي نقل عن جماعة أنه ما رواه عن عمرو بن شعيب إلا ابن لهيعة، وأن ابن عبد البر قال: الأشبه القول بأنه الزهري عن ابن لهيعة، أو ابن وهب عن ابن لهيعة، وجزم في الاستذكار بأنه ابن لهيعة فقط، ولكن الزرقاني عقب على هذا بقوله: وأشبه من ذلك أنه: عمرو بن الحارث المصري، وأيّد ذلك برواية الخطيب للحديث -يعني في كتاب الرواة عن مالك- وذلك من طريق الهيثم بن يمان أبي بشر، والرازي، عن مالك عن عمرو بن الحارث المصري. انظر: أوجز المسالك للكاندهلوي (١١/ ٤٦). أقول: ولعل ترجيح الزرقاني كون المراد هو عمرو بن الحارث المصري لأنه فعلًا ثقة فقيه حافظ، كما في التقريب (٤١٩)، ولو أننا سلمنا بأن المراد ابن لهيعة - كما رجحه غيره، فذلك توثيق له على الإبهام، وقد قدمت في ص: ٨٢٧ ت، أن هذا التوثيق مختلف في الأخذ به حتى بالنسبة لأتباع الإِمام الذي يذكره، كمالك أو غيره. انظر: التدريب ١/ ٣١١. وبذلك لا يعتبر هذا توثيقًا من مالك لابن لهيعة. وقد مر بنا أن =
[ ٢ / ٨٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = البيهقي بعد ذكره للقول بأن المراد بالثقة عند مالك في الحديث المذكور هو ابن لهيعة، تعقبه بالتصريح بأن ابن لهيعة لا يحتج به، بل نقل الإِمام النووي عنه قوله: أجمع أصحاب الحديث على ضعف ابن لهيعة، وترك الاحتجاج بما ينفرد به. تهذيب الأسماء واللغات للنووي: ١/ ٢٨٤، ولم يتعقّبه النووي بشيء. ومن بعد النووي نقل ابن الملقّن عن البيهقي نحو ما نقله النووي. خلاصة البدر المنير، لابن الملقّن، بتحقيق حمدي السلفي ١/ ١٨، وقد أقره ابن الملقّن في هذا الموضع، ثم تعقبه في موضع آخر بَعدَه، حيث قال عن حديث: وفيه ابن لهيعة وهو واه بإجماعهم، كما قاله البيهقي، وفي دعوى الإِجماع نظر/ الخلاصة ١/ ١٨٢. أقول: وما تقدم في ترجمته في الأصل، والتعليق عليها، يؤيد القول بالإجماع، لأن مَنْ وثقه وَجَّه التوثيق لعدالته وصدقه، مع الانتقاد لضبطه بما يقتضي ضعفه، ومع ذلك لو سلَّمنا عدم الإجماع، حيث لا ندعي الإِحاطة التامة بكل الأقوال، فإنه يكفي في ترجيح تضعيفه أقوال جمهور النقاد، وأئمتهم الذين تقدم مجموع أقوال كل منهم، وبيان أن الراجح منها تضعيفه تضعيفًا ينجبر بمتابع أو شاهد. وبهذا الذي قدمته عن البيهقي يتّضح أن قول الدكتور الفاضل/ الطاهر بن محمد الدرديري: إن البيهقي يصحح حديث ابن لهيعة من رواية ابن المبارك وابن وهب والمقري عنه، ليس مسلّمًا له، كما أنه لم يعز ذلك إلى مصدر يرجع اليه. انظر: تخريج الأحاديث النبوية الواردة في المدونة، للدكتور الدرديري ١/ ١٣٩ ط مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، وستأتي مناقشة أخرى له في تحسينه حديث ابن لهيعة أيضًا من رواية أحد العبادلة المذكورين ص: ٨٦٣ ت. وبعد هذا العرض والتحليل والمقارنة ثم التوفيق بين آراء المتقدمين في ابن =
[ ٢ / ٨٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لهيعة، نذكر خلاصة رأي اثنين من أشهر محققين المتأخرين في بيان حال ابن لهيعة، وهما الذهبي وابن حجر، أما الذهبي فقال في تذكرة الحفاظ ١/ ٢٣٨، ٢٣٩: ولم يكن -على سعة علمه- بالمتقن، حدث عنه ابن المبارك، وابن وهب، وأبو عبد الرحمنِ المقري، وطائفة، قبل أن يكثر الوهم في حديثه، وقبل احتراق كتبه، فحديث هؤلاء عنه أقوى، وبعضهم يصححه، ولا يرتقي إلى هذا، ثم ختم ترجمته بقوله: "قلت: يروي حديثه في المتابعات، ولا يحتج به". وقول الذهبي عن حديث العبادلة عن ابن لهيعة: "وبعضهم يصححه" لم يحدد لنا أحدًا من هؤلاء البعض حتى ننظر في تصحيحه، وقد تقدم في التعليق على الترجمة بيان أن من وصف رواية هؤلاء العبادلة أو بعضهم بأنها "أصح" أو "صحيحة" فمرادهم بذلك أنها أقوى الضعيف، وليس الصحة الاصطلاحية، وأيدت ذلك بالأدلة والأمثلة. ص: ٨٠٠ ت وما بعدها. وقول الذهبي في عبارته السابقة بعد الإشارة إلى من صحح حديث العبادلة عنه: "ولا يرتقي إلى هذا" قد يفهم منه أنه يقصد نزوله إلى ما دون الصحيح، وهو الحسن لذاته، ولكن ختامه للترجمة، بأنه لا يحتج به، ينفي هذا. وفي سير النبلاء ٨/ ١١ استهل ترجمته لابن لهيعة بوصفه بالإمام العلامة، ثم قال بعد ذلك ٨/ ١٣: "وكان من بحور العلم، على لين في حديثه"، ثم ذكر بعد ذلك أيضًا قول الليث عند وفاة ابن لهيعة: إنه "ما خلَف بعده مثلُه" وعقب على ذلك بقوله: لا ريب أن ابن لهيعة كان عالم الديار المصرية هو والليث معًا، ولكن ابن لهيعة تهاون بالإتقان، وروى مناكير، فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم، وبعض الحفاظ يروي حديثه، ويذكره في الشواهد والاعتبارات، والزهد والملاحم، لا في الأصول، وبعضهم بالغ في وَهْنِه، ولا ينبغي إهداره، وتتجنب نلك المناكير، فإنه عدل في نفسه، ثم قال: وما رواه عنه ابن وهب والمقري والقدماء، فهو أجود/ السير: ٨/ ١٤، ثم ذكر قول أحمد: "من كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح"، وعلق عليه بقوله: لأنه لم يكن بعدُ تساهل وكان أمره مضبوطًا، فأفسد نفسه/ السير: ٨/ ٢١. وقد تقدم أن تساهله كان في الأداء =
[ ٢ / ٨٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بحيث قريء عليه ما ليس من حديثه فأقره، وبذلك دخل في مروياته عن شيوخه ما لم يروه عنهم، كما حدَّث أيضًا من حِفْظه، فوقعت منه أخطاء أُنكرَت عليه، واختلط هذا وذاك بباقي حديثه المنضبط، فأفسده، لاختلاطه به، ولكن يحتج فيه بما له عاضد يدفع ما يُخشَى من الوهم والنكارة. وقول الذهبي: إن ابن لهيعة "تهاون بالإتقان، وروى مناكير، فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم" فهذا فيه بيان وجه تساهله وتضعيفه، ونتيجة ذلك، وهي عدم الاحتجاج به عند الجميع، ثم إنه وازن بين أقوال الجميع، فبين أن بعضهم يضعفه ضعفًا غير شديد، فيقبل الانجبار بغيره، ويجبر غيره أيضًا، كما يستدل به في الفضائل ونحوها، وبعضهم يبالغ في تضعيفه، فيصفه بشدة الضعف، وبذلك يكون حديثه متروكًا، فلا يجبر غيره، ولا ينجبر به، ولا يستدل به في الفضائل، ثم حاول من جانبه التوسط بين الاتجاهين بالجمع بينهما، فذكر أنه لا ينبغي إهداره مطلقًا، ولكن ما يكون من مناكيره فقط يعتبر متروكًا فيجتنب، وما عدا ذلك يذكر في المتابعات والشواهد، وينجبر ضعفه بوجود عاضد. وأما قوله عن رواية القدماء كابن وهب والمقر بأنها أجود، فتفصيله السابق يجعل المراد بالجودة هنا رواية هؤلاء وأمثالهم أقوى الضعيف. وفي كتاب المغني في الضعفاء قال الذهبي في صدر ترجمته لابن لهيعة: ضعيف، ثم قال: قال أحمد: من كان مثله بمصر في كثرة حديثه وضبطه؟ وقال بعض الناس: ما روي عنه مثل ابن وهب وابن المبارك، فهو أجود، وأقوى/ المغني: ١/ ٣٥٢، أقول: وعبارة أحمد سبق بيان أنه جاء عنه ما يردها، وسيأتي أيضًا تعقب الذهبي لها، كما أن تصديره الترجمة بالجزم بضَعْف ابن لهيعة بمثابة الرد لها، وأيضًا، يجعل الجودة والقوة في إطار الضعف كما أشرت من قبل. وأيضًا في الديوان قال: ضعفوه، ولكن حديث ابن المبارك وابن وهب والمقري عنه أحسن وأجود، وبعض الأئمة صحح رواية هؤلاء واحتج بها/ ديوان الضعفاء: ١٧٥. =
[ ٢ / ٨٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أقول: وقد سبق رده على هذا البعض، مع تصديره الترجمة هنا بعبارة "ضعَّفوه" التي تفيد أن الأكثرين على ذلك، ثم أنه في نهاية الديوان، قسم المذكورين فيه إلى طبقات جعل الأولى لرجال الصحيح المتكلم فيهم بلا حجة، والثانية لرجال لا ينزلون عن درجة الحسن لذاته، والثالثة لمن ليسوا بحجة، لغلطهم، وليسوا بمطروحين، لما فيهم من العلم والخير والمعرفة، وقال: فحديثهم دائر بين الحسن والضعف، يصلح للرواية، والاستشهاد، وتحل رواية أحاديثهم، وعد من هؤلاء ابن لهيعة/ الديوان: ٣٧٣، فقوله: إن حديث هؤلاء "دائر بين الحُسن، والضعف، يصلح للاستشهاد"، يشير إلى أن التحسين في حالة وجود عاضد، والضعف عند الانفراد، ويؤيَّد هذا جعله الطبقة التالية لهؤلاء وهي الرابعة للمتفق على ضعفهم وطرح روايتهم مطلقًا/ الديوان الموضع السابق. وبذلك وضع ابن لهيعة في درجة التوسط في الضعف التي تقدمت إشارته لها فيما نقلته من السير ٨/ ١٤. وفي الكاشف ٢/ ١٢٢ استهل الكلام عنه بقوله: ضُعِّف، ثم ذكر قول أحمد السابق: أنه لم يكن بمصر مثله في كثرة حديثه، واتقانه وضبطه، وعقب عليه بقوله: العمل على تضعيف حديثه. وأما الحافظ ابن حجر، فتعددت أحكامه التطبيقية على حديثه، وكذا أقواله فيه: أما التطبيق، فإنه أخرج رواية بسنده من طريق ابن مهدي عن ابن لهيعة، وقال: حدث بها عبد الرحمن بن مهدي الإمام عن ابن لهيعة، فهي من قديم حديثه الصحيح/ لسان الميزان: ١/ ١٠، ١١، وهذا معناه أنه يرى تصحيح حديث ابن لهيعة القديم، أي قبل احتراق كتبه، كما مر، متى كان الراوي عنه ثقة، ولو من غير العبادلة؛ لأن ابن مهدي ليس منهم، مع إمامته. والواقع أنه لا يسلم للحافظ ابن حجر هذا التصحيح، لأمرين: أحدهما: ما سيأتي من كلامه بنفسه، عن رواية العبادلة عن ابن لهيعة وهو أوثق من غيرهم فيه، كما مر. =
[ ٢ / ٨٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأمر الثاني: ما تقدم أن ابن مهدي قد جاء عنه تركه التحمل عن ابن لهيعة مطلقًا، ولو من رواية القدماء الموثقين كعبد الله بن يزيد المقري ونحوه، وذلك، لمَّا تبيَّن له اختلال ضبطه، وجاء عنه قوله: ما أعتدَّ بشيء سمعته من ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه، فكيف يكون حديث ابن مهدي عنه مع ذلك صحيحًا؟ وأورد في التلخيص الحبير - كتاب كفارة القتل ٤/ ٣٨ حديث خزيمة ابن ثابت: "القتل كفارة" وقال: وفيه ابن لهيعة، لكنه من حديث ابن وهب عنه فيكون حسنًا. وأما في تخريج الأذكار، فقد قال عن حديث من رواية ابن وهب أيضًا عن ابن لهيعة: قلت: وابن لهيعة وإن كان ضعيفًا، فحديثه يكتب في المتابعات، ولا سيما ما كان من رواية عبد الله بن وهب، كما قال غير واحد من الأئمة/ نتائج الأفكار، في تخريج أحاديث الأذكار - بتحقيق الشيخ حمدي السلفي ١/ ٣٢٥، فيلاحظ أنه اختلف حكمه على حديثه من الحسن إلى الضعف، مع اتفاق الحالتين في كون الحديث من رواية أحد العبادلة عنه وهو عبد الله بن وهب. وفي التلخيص الحبير/ الديات: ٤/ ٣٥ أورد حديث عقبة بن عامر، مرفوعًا: دية المجوسي ثمانمائة درهم، وعزاه إلى الطحاوي وابن عدي والبيهقي، وقال: وإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة. أقول: والحديث أخرجه البيهقي ٨/ ١٠١ وابن عدي ٤/ ١٥٢٤، ترجمة عبد الله بن صالح، وهو فيهما من رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث عن ابن لهيعة، وهو يرويه بالعنعنة عن شيخه يزيد بن حبيب، وعبد الله بن صالح هذا، ليس معدودًا من العبادلة الموثقين في روايتهم عن ابن لهيعة، كما تقدم. وقد أشار الطحاوي إلى ذلك فقال عن الحديث المذكور: لا يعلم روى عن النبيِّ -ﷺ- في دية المجوسي غير هذا الحديث، الذي لا يثبته أهل الحديث، لأجل ابن لهيعة، ولا سيما من رواية عبد الله بن صالح عنه/ الجوهر النقي =
[ ٢ / ٨٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لابن التركماني، بهامش السنن الكبرى للبيهقي: ٨/ ١٠١. ولكن الحافظ ابن حجر لم يتعرض للراوي عن لهيعة، كما فعل في رواية ابن وهب السابقة عنه، ولم يسبب الضعف بعنعنة ابن لهيعة عن شيخه، كما أشرت مع أنه عده من الطبقة الخامسة من المدلِّسين كما تقدم، بل جعل الضعف -كما ترى- راجعًا إليه مطلقًا. وفي فتح الباري ذكر عددًا من أحاديث ابن لهيعة في عدة مواضع وعقب على كل منها بوصف ابن لهيعة بالضعف/ انظر: الفتح ١/ ٢٣، ٣/ ٤٤١، ٥٩٧، ٤/ ١٨٤، ٣٥٤، ١٢/ ٧١، ١٣/ ٢٨٣، وفي ٤/ ٣٣٨ نقل قول ابن العربي عن حديث: مداره على ابن لهيعة وهو ضعيف، ثم أقره بقوله: وهو كما قال. وقال مرة: ليس من شرط البخاري قطعًا ٩/ ٥٣٦ ومرة قال: ليس من شرط الصحيح ١١/ ٥٥، وقال في موضع: لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟ ٢/ ٢٥٣، وقال في موضع: لا بأس به في المتابعات ٤/ ٩٣، وقال في التقريب: صدوق، خلَّط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون/ ٣١٩ وفي موضع من نتائج الأفكار فصل القول فيه عن كل ما سبق حيث قال: وهو في الأصل صدوق، لكن احترقت كتبه، فحدث من حفظه فخَلَط، وضعفه بعضهم مطلقًا، ومنهم من فصل: فقبل عنه ما حدث به عنه القدماء، ومنهم من خص ذلك بالعبادلة من أصحابه، وهم: عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقري، .. ثم قال: والإِنصاف في أمره: أنه متى اعتضد كان حديثه حسنًا، ومتى خالف كان حديثه ضعيفًا، ومتى انفرد تُوقَّف فيه/ نتائج الأفكار - بتحقيق تلميذنا الفاضل الشيخ عبد الله بن صالح الدوسري ٣/ ١٠٥٤ ح ٤٣٦. أقول: ومن هذا العرض لتطبيقات الحافظ ابن حجر وأقواله نجد أن تصحيحه في التطبيق لحديث ابن لهيعة القديم، غير مسلم له، ومخالف لما قرره أيضًا بنفسه واعتبره إنصافًا في حال ابن لهيعة، ونجد أن تحسينه لرواية أحد العبادلة عن =
[ ٢ / ٨٦٢ ]
[المعاني والأحكام]:
[قول ابن عمر: رَقِيت] (١) رَقِى إلى
_________________
(١) = ابن لهيعة، لم يستقر عليه، وباقي تطبيقاته وأقواله المذكورة متفقة على تضعيف ابن لهيعة مطلقًا، وإن كان ضعفه أكثر بعد احتراق كتبه في أواخر عمره، لكنه عمومًا ينجبر بغيره. وما ذكره في آخر التفصيل المنصف في حال ابن لهيعة من أن ما ينفرد به دون وجود مخالف، يتوقف فيه، فهذا وإن لم يكن ردًا صريحًا لحديثه، إلا أنه بمنزلة الرد حتى نجد له عاضدًا، وقد أشار هو إلى هذا في أحد أقواله السابقة، فقال: لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟. وعلى هذا يلتقي تحقيق الحافظ ابن حجر لحال ابن لهيعة في عمومه مع ما سبق من تحقيق الذهبي، وكلاهما يلتقي مع الراجح من أقوال جمهور النقاد فيه، ابتداء من تلاميذه فمن بعدهم، كما تقدم. وبذلك لا يسلم للشيخ أحمد شاكر -﵀- ما قرره من أن ابن لهيعة ثقة صحيح، وجوابه عما أخطأ فيه بأنه لا يخرجه عن حد الثقة وبالتالي حكم بصحة روايته لحديث هذا الباب عن جابر عن قتادة، مخالفًا بذلك تضعيف الترمذي له بسبب ابن لهيعة./ انظر: جامع الترمذي - باب ما جاء في الرخصة في ذلك -يعني استقبال القبلة ببول أو غائط- ١/ ١٦ هامش (١) من تعليق الشيخ أحمد شاكر. وكذلك لا يسلم للدكتور الدرديري ما جرى عليه من تحسينه لحديث ابن لهيعة من رواية العبادلة عنه، ولا بناؤه ذلك على قول الحافظ ابن حجر في بيان حال ابن لهيعة./ انظر: تخريج الأحاديث النبوية الواردة في المدونة، للدكتور/ الطاهر محمد الدرديري ١/ ١٤٠، ٢٨٤ - ٢٨٧، ١٣/ ١١١٣، ١١١٤. وعلى ضوء ذلك كله يتقرر أن حديث الباب من طريق ابن لهيعة ضعيف لضعفه من جهة حفظه، كما قرره الترمذي، وأقره المؤلف عليه، لكنه حسن، من طريق ابن إسحاق، كما قرره الترمذي والمؤلف أيضًا وغيرهم، وبذلك يصلح للحجة.
(٢) ما بين الحاصرتين ليس بالأصل، وزدته ليتضح الشرح بعده. =
[ ٢ / ٨٦٣ ]
الشيء (١) بكسر القاف، ورُقِيا، وَرَقْوا، صَعَد. وارتقى، وترقَّى، مثلُه، ورَقَي غيره، والمَرْقاة، والمِرْقاة: الدرجة، ونظيره: مَسْقاة، ومِسْقاة (٢)، ومَثْناة، ومِثْناة للحَبْل (٣)، ومَبْناة، ومِبْناة: لِلعَيْبَة (٤) أو النِّطع (٥) -يعني بفتح الميم وكسرها فيها، عن ابن سيدة (٦).
_________________
(١) من هنا بداية المقابلة بنسخة المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وسأرمز لها بحرف "م" وقد جاء النص فيها هنا هكذا: "ترقي إلى الشيء ورُقيًا، بكسر القاف، ورُقُوَّا، سعد إلخ. ثم إن هذا الكلام وما بعده إلى آخر شرح الباب، جاء في "م" ضمن شرح الباب التالي لهذا، وهو "باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا" وذلك عقب قوله فيه: "بالكوفة فيه أوهام كثير" (انظر: ورقة ٣٨ أمن نسخة الأصل، وقد كتب بهامش "م" مقابل أول هذا التداخل، ما نصه: "الظاهر أن هنا سقط (كذا) قدر ورقة في الأم المنقول عنها أو أكثر"، أقول: والصواب ما ذكرت من التداخل الذي حصل عنه تقديم وتأخير، فقط.
(٢) أي موضع السقي أو قناته أو آلته. (المعجم الوسيط، مادة "سقي" ١/ ٤٣٧).
(٣) أي طرفه. (المعجم الوسيط، مادة "ثني" ١/ ١٠٢).
(٤) وهو وعاء من خوص ونحوه أو من جلد. (المعجم الوسيط، مادة "عيب" ٢/ ٦٣٩).
(٥) بفتح النون وكسرها، بساط من جلد، كثيرًا ما كان يقتل فوقه المحكوم عليه بالقتل، ويطلق أيضًا على ظهر الغار الأعلى. (المعجم الوسيط مادة "نطع" ٢/ ٩٣٠).
(٦) المحكم لابن سيدة (٦/ ٣٠٩)، وفيه "وكسرها فيه". وقد نقل الشوكاني من أول: "رقى إلى الشيء" إلى هنا عن شرح الترمذي لابن سيد الناس/ نيل الأوطار ١/ ٩٨.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
وحكي القاضي عياض: رَقَيتُ -بفتح القاف، بغير همز (١) وبالهمز أيضًا، وقال: هي لغة قليلة (٢).
وفي بعض ألفاظ الحديث -وليس مما في كتاب الترمذي- على لَبِنَتيْن (٣) يقال: لَبِنَة، ولَبِنْ، مثل/ كَلِمة وكَلِم (٤)، ويقال: لِبْنَة، ولِبَن، مثل؛ لِبْدَة، ولِبَدْ.
قد تقدم (٥) فيما حكيناه: أن من ذهب إلى النسخ في حديث أبي أيوب وما في معناه، تمسك بهذه الأحاديث (٦) وأن الراجح من
_________________
(١) من قوله: "بغير همزة" إلى "وفي بعض ألفاظ .. " بياض في "م".
(٢) الذي في المشارق للقاضي عياض ١/ ٢٩٩ نصه: وفتح القاف، مع الهمز، لغة طيء، ثم قال: والْأُولى أشهر وأعرف.
(٣) وهي الرواية المتفق عليها. انظر: البخاري مع الفتح - الوضوء - باب من تبرز على لَبِنَتين، ١/ ٢٤٦، ٢٤٧ ومسلم - الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٢٤، ٢٢٥ ح ٦١، وقد ضبطه الحافظ بفتح اللام وكسر الموحدة وفتح النون، تثنية "لَبِنة" وهي ما يُصنع من الطين أو غيره للبناء قبل أن يُحرق/ الفتح: الموضع السابق.
(٤) بالأصل "وكلمة" وما أثبته هو الموافق للمعنى، وللمثال قبله، والمثال بعده.
(٥) في باب ما جاء في النهي عن استقبال القبلة ص ٥٧٠، ٥٧٣.
(٦) يعني حديث ابن عمر وحديث جابر المخرجين عند الترمذي في باب الرخصة هذا، وحديث عائشة ﵂ الذي أشار إليه في قوله: وفي الباب، وتقدم تخريج المؤلف له بالعزو إلى أحمد في مسنده، وإلى ابن ماجة، واستوفيت في التعليق عليه، تخريجَه من مصادر أخرى، مع جمع طرقه بتوسع، ودراسة حال المحتاج إليه من رواتها، وبيان الراجح في درجة الحديث/ انظر ص ٦٥٧ أصل وهامش وما بعدها.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
هذه المذاهب: القولُ بالتخصيص، والتفرقة بين الصحاري، وما يتخذ في البيوت من الكُنُف. ورَوى أبو داود من حديث مروان الأصفر (١) قال: رأيت ابنَ عمر أناخ راحلته، مستقبلَ القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلتُ: أبا عبد الرحمن، أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا (٢) كان بينكِ وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس، ورواه (٣) أبو داود عن محمد بن يحيى الذُّهلي، عن صفوان بن عيسى عن الحسن بن ذكوان عنه (٤).
_________________
(١) نقل المزي في التحفة عن أبي القاسم بن عساكر قال عن "الأصفر" هذا: كذا كَناه عوف بن أبي جميلة، وكذا ذكره ابن أبي حاتم، وذكر البخاري: أن هذه الكنية لآخَر من أهل الكوفة اسمه مروان الأصفر، يروي عن الشعبي، ويروي عنه جعفر بن بَرقان الجَزري، والله أعلم/ تحفة الأشراف ٦/ ٤٧، ٤٨.
(٢) بالأصل "إذا" وما أثبته من "م" وسنن أبي داود مع بذل المجهود ١/ ٢٩.
(٣) بالأصل "روى" وما أثبته من "م".
(٤) أي عن مروان الأصفر، به/ سنن أبي داود - الطهارة - كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ١/ ٢٨، ٢٩، وذكر المزي أنه جاء في رواية ابن العَبد عن أبي داود، ذكر طريق آخر للحديث، حيث رواه أبو داود فيها أيضًا عن أحمد بن إبراهيم عن صفوان بن عيسى، به؛ ولكن ابن عساكر لم يذكره، يعني في أطرافه للسنن الأربعة/ التحفة ٦/ ٤٧، ٤٨، هذا وقد قدمتُ تخريج الحديث في التعليق على باب النهي عن استقبال القبلة يعزوه إلى أبي داود والحاكم والبيهقي والدارقطني والحازمي، وابن خزيمة، وجميعهم أخرجوه من طريق الحسن بن ذكوان، به، وبَينتُ هناك أن الراجح توثيقه بدرجة تجعل حديثه في مرتبة الحسن، إلا أنه معدود في الطبقة الثالثة من المدلسين .. وهم من اختُلِفَ في احتمال تدليسهم ورده، وأشار ابن حجر لترجيح الرد وهو قد روى أثر ابن عمر هذا بالعنعنة، وممن احتملها =
[ ٢ / ٨٦٦ ]
وأما الحديث الذي رواه عبد الرزاق عن زَمْعَة بن صالح، عن سلمة بنِ وَهْرام قال: سمعتُ طاوسًا يقول: قال رسول الله -ﷺ- إذ أتي أحدكم البُراز، فَليُكْرِم قبلة الله -﷿- فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها.
رواه الدارقطني (١) مسنَدًا، ومرسَلًا، وكرواية عبد الرزاق، رواه وكيع عن زَمعة، وكذلك رواه عبد الله بن وَهب عن زَمعة، عن سَلَمة، وابن طاوس (٢) عن أبيه، عن النبي -ﷺ- مرسلًا.
_________________
(١) = وصحح حديثه هذا ابن خزيمة والحاكم والدارقطني وحسنه الحازمي، كما بينتُ أنه لو قيل بتضعيف هذه الرواية؛ للعنعنة، عند من لا يَحتمِلُها من الحَسَن، فإن لها ما يَعضُدُها من الصحيح، وهو حديث ابن عمر مرفوعًا الذي أخرجه الستة كما تقدم ص ٦٢٠ أصل وهامش، وبذلك رجحت رواية أبي داود على ما أخرجه ابن حزم بسند صحيح عن ابن عمر أنه يجوز استقبال الكعبة واستدبارها مطلقًا، وذلك لموافقة رواية أبي داود هذه لحديث ابن عمر المرفوع المتفق عليه، كما بينتُ هناك ضعف رواية ثالثة أوردها ابن حزم عن ابن عمر: أنه كان يَكره أن تُستَقبَلَ القبلتان بالفُروج / فانظر تفاصيل ذلك هنالك ص ٥٧٦، أصل وهامش، وما بعدها، وقد ذكر المؤلف الحديث هنا باعتباره دليلًا من أدلة الترخيص في الاستقبال بالبول في الخلاء إذا كان هناك ساتر، وبذلك يتخصص النهي العام، فيحمل على ما ليس فيه ساتر، كما أشار اليه المؤلف في الأصل، وانظر ما قدمتُه ص ٥٧٤ ت.
(٢) لفظ رواية الدارقطني بالإفراد "فلا يَستقبلْها، ولا يستدبرْها"/ السنن للدارقطني ١/ ٥٧، وهو المناسب لصدر الحديث.
(٣) يعني: عن سلمة وابن طاوس، كلاهما عن طاوس/ انظر سنن الدارقطني - الطهارة - باب الاستنجاء ١/ ٥٧.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
ورواه سفيان بن عيينة [نا سلمة بن وَهْرام] (١) أنه سمع طاوسًا، ولم يرفَعْه، وقال: ابن المديني (٢): قلت لسفيان: أكان زَمعةُ يرفعُه؟ قال: نعم، وسألت (٣) سلمة عنه، فلم يعرفه، يعني لم يَرفعه (٤).
_________________
(١) بالأصل "سفيان بن عيينة أنه سمع طاوسًا" وفي م: سفيان بن عيينة عن زمعة أنه سمع طاوسًا وما أثبته هو الموافق لسند الحديث في سنن الدارقطني ١/ ٥٨ ولرواية البيهقي له من طريق الدارقطني/ معرفة السنن والآثار للبيهقي - الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٦٧، ٢٦٨.
(٢) بالأصل زيادة "وابن سيرين" ومضروب عليها، وهي غير موجودة فعلًا في المصدر المخرج منه، وهو سنن الدارقطني.
(٣) القائل: وسألت .. إلخ هو سفيان، يعني أنه لما سمع الحديث مرسلًا من سلمة سأله عن وجود رواية للحديث بالرفع، فلم يروه له بالرفع، ومعنى هذا أنه كان متحققًا من روايته مرسلًا.
(٤) حديث طاوس هذا قد اشتمل على عدة أحكام، والمقصود منها: ما ذكره المؤلف، وهو بيان النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة وتعليله بحرمة القبلة وتكريمها. وقد سبق ذكر المؤلف له في باب ما يقول إذا خرج من الخلاء ص ٤٤٠، ٤٤١. وذلك لأن في آخره الدعاء عقب الخروج من الخلاء، كما أشار هناك إلى أنه سيذكره أيضًا في شرح باب الاستنجاء بالحجارة، الآتي بعد أربعة أبواب، وذلك لاشتماله على باب الاستطابة بثلاثة أحجار. وقد سبق في الباب المشار إليه عزو المصنف الحديث إلى الدارقطني وقال: إنه ضَعف مَنْ رَفَع الحديث، يعني من رواه مرفوعًا متصلًا بذكر ابن عباس فيه بين طاوس وبين الرسول -ﷺ-، ويلاحظ أن الرواية التي أخرجها الدارقطني هكذا مرفوعة متصلة فيها ذكر الاستنجاء بالأعواد والأحجار أو التراب، وليس فيها ذكر النهي عن الاستقبال أو الاستدبار، والذي رفع الحديث، وضعفه الدارقطني: هو أحمد بن الحسن المُضري -بالضاد المعجمة- كما ذكره في الأصل، فقد قال =
[ ٢ / ٨٦٨ ]
وذكر عبد الحق: أن أحمد بن الحسن، المُضَري، أسنده وهو متروك (١) فقدح في مُسنَده، لا في مرسَلِه. وقال ابن القطان: إن
_________________
(١) = الدارقطني عقب إخراج الرواية المرفوعة المتصلة: لم يُسنده غير المضري، وهو كذاب متروك، وغيره يرويه عن أبي عاصم عن زَمعة عن سلمة بن وهرام عن طاوس مرسلًا، ليس فيه: عن ابن عباس، ثم قال: وكذلك رواه -يعني مرسلًا-: عبد الرزاق، وابن وهب، ووكيع وغيرهم عن زمعة، ورواه ابن عيينة عن سلمة بن وهرام عن طاوس، قَولَه. ثم ساق تلك الروايات، كما ذكرها المؤلف آنفًا/ انظر سنن الدارقطني ١/ ٥٧، ٥٨. وقد خرجْتُها في التعليق على الموضع السابق بالعزو إلى الدارقطني والبيهقي في معرفة السنن والآثار، ورواية سفيان الموقوفة إلى المصنَّف لابن أبي شيبة، ورواية المضري المسندة إلى الطبراني، وبينت أن في سند الرواية المرسلة زمعة بن صالح، وهو ضعيف، وسيأتي ذكر المؤلف لذلك هنا، ليبين أن كلًّا من الرواية المسندة والمرسلة مضعفتين، وقد تعرضت للحديث بعد الموضع المشار إليه أيضًا، وذلك في التعليق على شرح باب النهي عن استقبال القبلة ببول أو غائط / ٥٦٩ ت، عند ذكر المؤلف لحديث سراقة بن مالك الذي بمعناه، وزدت في التعليق ما سأشير إليه في التعليق بعد التالي لأهميته.
(٢) انظر الأحكام الكبرى لعبد الحق الإشبيلي ١ / ل ١٤ (مخطوط)، أقول: وهو أحمد بن الحسن بن أبان -المُضَري- بضم الميم وفتح الضاد المعجمة، الآمُلِي، يروي عن أبي عاصم وغيره، ويروي عنه الطبراني، والاقتصار على وصفه بـ "متروك" غير كاف في بيان حاله؛ لأن هذا اللفظ بحسب الاستقراء يطلق على شديد الضعف بسبب فُحش خَطئه، وإن لم يُوصف بالكذب، ويُطلق أيضًا على الموصوف بالكذب مع اقترانها به، تمييزًا للكذاب عن فاحش الخطأ، لاختلاف درجة حديث كل منهما، حيث يعتبر حديث فاحش الخطأ ضعيفًا جدًّا، وحديث الكاذب موضوعًا، وقد تقدم أن الدارقطني جمع له الوصفين معًا، فقال: كذاب متروك، وقال مرة أخرى: حدثونا عنه، وهو كذاب، وقال ابن عدي: =
[ ٢ / ٨٦٩ ]
مُرسَلَه يدور على زَمعة بن صالح، [وقد] (١) ضعفه أحمد [ويحيى] (٢) وأبو حاتم، [فالعمل به] (٣) متروك [اتفاقًا (٤) فهذه] مقدمة على علة
_________________
(١) = كان يسرق الحديث، وقال ابن حبان: كذاب دجال يضع الحديث على الثقات، وقال أبو سعيد النقاش روى عن أبي عاصم وحجاج بن منهال وغيرهما موضوعات/ انظر لسان الميزان ١/ ١٥٠، ١٥١. أقول: وشيخه في رواية حديث طاوس المسندة هو أبو عاصم، الذي وصف برواية الموضوعات عنه، وعليه فالأولى وصف أحمد بن الحسن هذا بالكذب صراحة لتطابق حاله، وبالتالي يوصف الحديث من طريقه بالوضع، خاصة وأنه لم يُسنِدْه غيره، كما تقدم عن الدارقطني، وكذا أشار الطبراني -وهو تلميذه- إلى هذا، كما ذكرته في تعليقي السابق ص ٤٤١ ت وانظر الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ١/ ٤٠٥، والمشتبه للذهبي/ ٥٩٤.
(٢) ليست بالأصل وأثبتها من "م".
(٣) ليست بالأصل وأثبتها من "م" ويؤيدها ذكر تضعيف يحيى بن معين له، وكذا أحمد وأبو حاتم وغيرهم/ تهذيب التهذيب ٣/ ٣٣٨، ٣٣٩.
(٤) بالأصل "والعمل فيه" وما أثبته من "م".
(٥) في الأصل "أبدا والعُمدة" وما أثبته من "م" وهو أنسب؛ لقوله بعد ذلك إن علة الإِرسال مُختلف فيها؛ لكن أيضًا العمل بالضعيف القابل للانجبار مختلف فيه كما هو معروف، والأقوال الواردة في زَمعة هذا أغلبها يتفق على تضعيفه من جهة ضبطه، تضعيفًا قابلًا للانجبار، وبالتالي لا يكون حديثُه متفقًا على ترك العمل به، وإن كان الجمهور على الترك، كما أشرت لذلك في ص ٥٦٩، لكني وجدت للحديث شاهدًا صحيحًا، كما ذكرته في الموضع المشار إليه، وهو ما أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة مرفوعًا من لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط، كتبت له حسنة، ومحي عنه سيئة/ انظر ص ٥٦٩ وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ٣/ ٨٨، ٨٩ وصحيح الترغيب والترهيب له ١/ ٦٣ ح ١٤٦، وكنز العمال ٩/ ٣٦٣، وبهذا الشاهد تعتضد الرواية السابقة =
[ ٢ / ٨٧٠ ]
الإرسال؛ لأن تلك مختلف فيها، وهذه متفق عليها. وقال الشافعي -في رواية الربيع عنه- (١): حديث طاوس هذا، مرسل، وأهل الحديث لا يثبتونه، ولو ثبت، كان كحديث أبي أيوب، وحديث ابن عمر عن النبيﷺ- مُسند حَسن الإِسناد (٢) وأولى. أن يَثْبُت منه -لو خالفه-، وإن كان قال طاوس: حق على كل
_________________
(١) = المرسلة، ويحتج بها، خلافًا لما قرره ابن القطان، وتبعه المؤلف عليه، ثم يجري حملها على ما حملت عليه الأحاديث المطلقة، فتفيد بحالة عدم الساتر، كما أشار إليه الشافعي في كلامه الآتي في الأصل، وقدمت في ص ٥٦٦ ت أنه كان الأولى بالمؤلف ذكر هذا الشاهد لحديث طاوس ليؤيد الاحتجاج به ويقويه.
(٢) في "م" عن. وقد رواه الربيع عن الشفعي قال: فإن قيل: فقد روى سلمة بن وهرام عن طاوس: حق على كل مسلم أن يكرم قبلة الله أن يستقبلها لغائط أو بول، قيل له: هذا مرسل " / إختلاف الحديث بهامش كتاب الأم ٧/ ٢٦٩، ٢٧١، ٢٧٢. وقد أخرجه البيهقي أيضًا من طريق الربيع عن الشافعي به، في معرفة السنن والآثار كما قدمت ذلك في ص ٥٦٨، ٥٦٩ ت، وانظر من وافق الشافعي على ذلك من الأئمة وبيان أنه الصحيح لما فيه من إعمال الأحاديث كلها ص ٥٧٤ - أصل وت وما بعدها.
(٣) يقصد بحديث ابن عمر ما أخرجه الترمذي في هذا الباب، ونحن الآن في شرحه، وهو أنه رأى النبي -ﷺ- على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة، وهو حديث متفق عليه، وقال الترمذي عنه إنه "حسن صحيح" كما تقدم في صدر الباب وص ٦٢٠، ٦٢١ ت وما بعدها، ولهذا فإن وصف الشافعي له بالحُسن على غير المعنى الاصطلاحي عند الترمذي ومن بعده، كما قدمت بيان هذا مع ذكر قول الشافعي المذكور وغيره من المتقدمين الذين أطلقوا الحَسَن على غير المعنى الاصطلاحي عند مَنْ بَعدهم، كالترمذي وغيره/ انظر ص ١٩٧ ت، ١٩٨ - ١٩٩ ويُلاحَظ عدم تعليق المؤلف على إطلاق الشافعي هذا.
[ ٢ / ٨٧١ ]
مسلم أن يكرم قبلة الله أن يستقبلَها، فإنما سمع -والله أعلم- حديث أبي أيوب عن رسول الله -ﷺ-، فأنزل ذلك على إكرام القبلة، وهي أهل أن تُكَرَّم، والحال في الصحارى، كما حدَّث أبو أيوب، وفي البيوت، كما حدَّث ابن عمر، لا أنهما مختلفان.
قال الشيخ أبو العباس القرطبي (١) وقد ذهب بعض مَنْ مَنع استقبال القبلة واستدبارَها مطلقًا، إلى أن حديث ابن عمر، لا يصلُح لتخصيص حديث أبي أيوب؛ لأنه فِعْل، في خَلْوة، وهو مُحتمِل للخصوص، وحديث أبي أيوب، قول، قُعِّدَتْ به القاعدة، فبقاؤُه/ على عمومه، أولى (٢).
_________________
(١) في المفهم، شرح مختصره لصحيح مسلم ١/ ٩٤ ب.
(٢) لم يحدد القرطبي القائلين بهذا الجواب عن حديث ابن عمر، وقد تقدم في ص ٦١٤، ٦١٧ أن أبا أيوب الأنصاري أخذ بعموم النهي في حديثه، إما لأنه لم يبلغه حديث ابن عمر وما في معناه، أو أنه بلغه، ولكن لم يره مخصصًا/ وانظر ما علقته عليه هناك. وذكر ابن العربي في العارضة ١/ ٢٧ أن حديث أبي أيوب لا يعارضه حديث ابن عمر ولا حديث جابر، لأربعة أوجه، وذكر في أولها: أن حديث أبي أيوب قَوْل، وحديث كل من جابر وابن عمر فِعْل، ولا معارضة بين القول والفعل، وذكر في رابعها: أن هذا الفعل لو كان شرعًا -يعني عامًا- لما تستر به الرسول -ﷺ-. أقول: والمعارضة هي التي ينبني عليها القول بالتخصيص أو بالنسخ أو بالخصوصية؛ فنفي المعارضة دَفْع لما بُني عليها، انظر العدة للصنعاني ١/ ٢٤٩. وذكر الرازي وأبو الحسين البصري: أن الكرخي يرى إجراء النهي -كما في حديث أبي أيوب- على إطلاقه في الصحراء والبنيان، وفِعْلُه -ﷺ- كما في =
[ ٢ / ٨٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حديث ابن عمر - يكون من خصوصياته/ انظر المحصول للرازي ٣/ ٣٩٢ والمعتمد لأبي الحسين البصري ١/ ٣٩١، وبهذا تحدد لنا بعض القائلين بالخصوصية. أما ابن دقيق العيد، فذكر أن من العلماء من رأى العمل بحديث أبي أيوب وما في معناه، واعتقد حديث ابن عمر خاصًا بالنبي -ﷺ-، ثم قال: إن من قال بتخصيص هذا الفعل بالنبي -ﷺ- له أن يقول: إن رؤية هذا الفعل (كان) أمرًا اتفاقيًا، لم يقصده ابن عمر، ولا الرسول -ﷺ- على هذه الحالة يتعرض لرؤية أحد، فلو كان يترتب على هذا الفعل حكم عام للأمة لبينه لهم بإظهاره بالقول، أو الدلالة على وجود الفعل، فإن الأحكام العامة للأمة، لابد من بيانها، فلما لم يقع ذلك، وكانت هذه الرؤية من ابن عمر على طريق الاتفاق، وعدم قصد الرسول -ﷺ- دل ذلك على الخصوص به -ﷺ- وعدم العموم في حق الأمة. اهـ. وعقب على ذلك بقوله: وفيه بَعد ذلِك بَحث/ إحكام الأحكام - مع العدة ١/ ٢٤٨ - ٢٥٠ - يعني مُعارَضة. وأيضًا قال ابن حجر عن حديث جابر: إن في الاحتجاج به نظر؛ لأنها حكاية فعل لا عموم لها، فيُحتَمل أن يكون لعذر، ويحتمل أن يكون في بنيان ونحوه/ التلخيص الحبير ١/ ١٠٤، ونحوه ذكر الشيخ ابن القيم/ تهذيب سنن أبي داود ١/ ٢٢ مع مختصر المنذري، وانظر ما قدمته ص ٥٧٠ - ٥٧٢، ٥٩٢. أما الشوكاني فقد كرر عدة مرات أن أحاديث الفعل، ومنها حديث ابن عمر الذي معنا - لا تُعارض قولَه الخاص بنا، وذكر في تأييد ذلك خلاصة ما تقدم ذكر ابن دقيق العيد له: من أنه يُمكِن لمن قال بخصوصية فعل الرسول -ﷺ- الذي في حديث ابن عمر، أن يؤيد به قوله، ثم لم يذكر تعقب ابن دقيق: بأن في هذا بحثًا. انظر: نيل الأوطار ١/ ٩٥، ٩٦، ٩٩، فكأنه أقر ذلك. أقول: فلعل إشارة القرطبي ببعض من ذهب إلى المنع مقصود بها أبا أيوب ثم =
[ ٢ / ٨٧٣ ]
والجواب [عن ذلك أن نقول] (١):
أنها فعله عليه [الصلاة] (٢) والسلام، فأقل مراتبِه أن يُحمل على الجواز (٣) بدليل مطلق اقتداء [الصحابة
_________________
(١) = مَنْ بَعده كالكرخي وغيره، ثم إن إشارة ابن دقيق العيد السابقة إلى حاجة جواب أصحاب هذا القول عن حديث ابن عمر إلى بحث ومناقشة، قد قام القُرطُبي في باقي كلامه الآتي بجهد مفصل في ذلك، وإن كان ما ذكره يمكن مناقشته فيه أيضًا، كما سيتضح من التعليق عليه بإذن الله، ثم قام الصنعاني أيضًا بجانب كما سيأتي.
(٢) بالأصل ولا في "م" وأثبتها من المفهم لغموض السياق بدونها/ المفهم ١ / ل ٩٤ ب.
(٣) ليست بالأصل ولا في "م".
(٤) فعل الرسول -ﷺ- متفق على الاستدلال به، ولكن الخلاف بين العلماء: هل يدل بمفرده، أو بمراعاة دليل زائد كالقرينة وغيرها؟ مما يعرف به الوجه الذي وقع فعله -ﷺ-، عليه من وجوب، وجواز وغيرهما، وفي ذلك مذاهب، ومناقشات طويلة للأصوليين/ انظر المعتمد لأبي الحسين البصري ١/ ٣٧٧ وما بعدها والعدة للقاضي أبي يعلى الفراء ٢/ ٤٧٨ والمسودة لآل تيمية / ١٦٧ - ١٧٤ بتحقيق الشيخ محي الدين عبد الحميد ط ١٩٨٣ م، والمحصول للرازي ٣/ ٣٣٩ وما بعدها، والمستصفى للغزالي مع فواتح الرحموت ٢/ ٢١٢ وما بعدها، ومفتاح الوصول لأبي عبد الله محمد بن أحمد المالكي التلمساني/ ٩٧ وما بعدها. والذي حققه الغزالي وغيره: أن فعل الرسول -ﷺ- لا يدل على الحكم؛ لأن الفعل لا صيغة له، قال الغزالي: "التحقيق أن الفعل متردَّد، كما أن اللفظ المشترك -كالقُرء- متردَّد، فلا يجوز حمله على أحد الوجوه إلا بدليل زائد" ثم أجاب عما يعارض ذلك من أدلة/ انظر المستصفى ٢/ ٢١٨ وما بعدها والمنخول له/ ٢٢٥، ٢٢٦ وأشار إلى نحو تحقيق الغزالي صاحب مفتاح الوصول/ ٩٨، =
[ ٢ / ٨٧٤ ]
بفعله] (١)، وبدليل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢).
_________________
(١) = وعليه فما ذكره القرطبي من إطلاق القول بأن: أقل ما يُحمل عليه الفعل هو الجواز، غير مُسلم له، وما استدَل به لذلك، يُنازَع فيه، كما سيأتي في التعليق عليه.
(٢) في الأصل و"م" "فعل الصحابة به" وما أثبته من المفهم ١ / ل ٩٤ ب، وهو المستقيم عليه المعنى، وقد استَدل باقتداء الصحابة بفعله -ﷺ- القائلون بدلالة الفعل على الوجوب، والقائلون بدلالته على الندب أيضًا/ المحصول ٣/ ٣٤٧، ٣٥٠ وما بعدها و٣٦٨، وقد أجيب عن ذلك بأن الصحابة لم يتبعوه -ﷺ- في جميع أفعاله وعباداته، فكيف صار اتباعهم في البعض دليلًا، ولم تعد مخالفتهم في البعض دليل جواز المخالفة؟ وأيضًا فإن الأحداث -التي هي موضوع الباب، كقضاء الحاجة ونحوها- قد عرَّفهم الرسول -ﷺ- مساواة الحكم فيها، ففهموا الحكم من ذلك، لامن مجرد حكاية الفعل/ المستصفى ٢/ ٢١٩، ٢٢٠، وقال الرازي: لا نسلم أنهم استدلوا بمجرد الفعل، فلعلهم وجدوا مع الفعل قرائن أخرى/ المحصول ٣/ ٣٧٠.
(٣) الآية ٢١ من سورة الأحزاب، وهي أيضًا مما استدَل به القائلون بدلالة الفعل على الوجوب، والقائلون بدلالته على الندب، والقائلون بدلالته على الإباحة/ المستصفى ٢/ ٢١٨، ٢١٩، والمحصول ٣/ ٣٤٨، ٣٦٨، ٣٧٢، ٣٧٤، وهذا بشير إلى أن أصل التأسي بفعله -ﷺ- متفق عليه، لكن أجيب عن الاستدلال به على الوجوب فما دونه، بأنه وإن كان لا خلاف على التأسي، إلا أنه يشترط فيه المساواة في الكيفية، من وجوب وغيره، حتى نوقع الفعل على ما أوقعه عليه -ﷺ- والفعل وحده لا يدل على الكيفية، بل لابد من قول أو قرينة، وقد حصل التأسي بما عُرِفَت كيفيته، وما لم تعرف كيفيته، وقد يقع فعله مخالفًا للتأسي/ المستصفى ٢/ ٢١٧ والمحصول ٣/ ٣٦٢، ٣٦٧، ٣٧٠ - ٣٧٣.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
وبدليل قوله -ﷺ-[لأم سلمة] (١) -حين
_________________
(١) جاء في النسختين وفي المفهم ١ / ل ٩٤ ب ذكر "عائشة" والذي في المستصفى ٢/ ٢١٩، والمحصول ٣/ ٣٥٦ "أم سلمة" وتؤيده روايات الحديث الآتية، فأثبته، وإن كانت واقعة التقبيل قد حصلت لكل من عائشة وأم سلمة، وروتها كل واحدة منهما، لكن الرواية التي ذكرت في الأصل رواية أم سلمة. فرواية عائشة أخرجها البخاري - الصيام - باب المباشرة للصائم وباب القبلة للصائم/ البخاري مع الفتح ٤/ ١٤٩، ١٥٢ ومسلم - الصيام - باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تُحرك شهوته/ صحيح مسلم ٢/ ٧٧٦ - ٧٧٨، ومالك في الموطأ - الصيام- باب الرخصة في القبلة للصائم ١/ ٢٩٢ ح ١٤. ورواية أم سلمة أخرجها البخاري - الصوم - باب القبلة للصائم - مختصرًا/ البخاري مع الفتح ٤/ ١٥٢، ومسلم - الصيام - باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته ٢/ ٧٧٩ بسياق أتم من لفظ البخاري، وفيه أن الذي سأل رجل، وهو عمر بن أبي سلمة. وانظر تحفة الأشراف ١٢ / ح ١٦٣٧٩، ١٣ ح ١٨٢٧٢ والموطأ - الصيام - باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم ١/ ٢٩١ ح ١٣ وسياق روايته: أن رجلًا قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فَوَجَد من ذلك وجدًا شديدًا فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة -زوج النبي -ﷺ-، فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله -ﷺ- يقبل وهو صائم، فرجعت فأخبرت زوجها بذلك، فزاده ذلك شرًا، وقال: لسنا مثل رسول الله -ﷺ- الله يُحل لرسول الله، ما شاء، ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة فوجدت عندها رسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: مالِ هذه المرأة؟ فأخبرَتْه أم سلمة، فقال رسول الله -ﷺ-: ألَّا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ فقالت: قد أخبرتُها، فذهَبَتْ إلى زَوجها فأخبرتْه، فزاده ذلك شرًا، وقال: لسنا مثل رسول الله -ﷺ- الله يُحل لرسوله -ﷺ-، ما شاء، فغضب رسول الله -ﷺ- وقال: والله: إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
سألتها المرأة عن قُبلَة الصائم-: أَلا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟. وقالت عائشة: [فعلته] (١) أنا ورسول الله -ﷺ- فاغتسلنا -تَعني- (٢) التقاءَ الختانَيْن (٣)
_________________
(١) ليست بالأصل، وأثبتها من "م" والمفهم ١/ ٩٤ ب.
(٢) في "م" يعني.
(٣) ذكر الرازي أن جواب عائشة هذا كان لرفع اختلاف الصحابة في الغسل من التقاء الختانين/ المحصول ٣/ ٣٥٠، ٣٥١ ويؤيده ما أخرجه مسلم ومالك من حديث أبي موسى أنه ذهب إليها وأخبرها بالاختلاف فأجابته بقول رسول الله -ﷺ-: إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل - واللفظ لمسلم، وفي رواية مالك زيادة قول أبي موسى لعائشة: لا أسال عن هذا أحدًا بعدك/ انظر صحيح مسلم - الحيض - باب نسخ الماء من الماء ١/ ٢٧١، ٢٧٢ ح ٨٨ والموطأ - الطهارة - باب واجب الغسل إذا التقى الختانان ١/ ٤٦ ح ٧٣، وانظر مسند أحمد ٥/ ١١٥. وأما قول عائشة: فَعَلْتُه أنا ورسول الله -ﷺ- فاغتسلنا، فقد أخرج حديثَها المشتمِل على ذلك الترمذي والنسائي وابن ماجة والشافعي في مسنده، جميعهم من طريق القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله -ﷺ- فاغتسلنا -وهذا لفظ الترمذي- وقال: حسن صحيح/ جامع الترمذي - الطهارة - باب ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل ١/ ٧٢، ٧٣ ح ١٠٨ ط عبد الرحمن عثمان والنسائي الكبرى - الطهارة - وجوب الغسل إذا التقى الختانان ١/ ١١٦ ح ٢٤٠ بتحقيق - عبد الصمد شرف الدين، وابن ماجة - الطهارة - وجوب الغسل من التقاء الختانين ١/ ١١١ ح ٦٠٣ ط ٢ الأعظمي، وترتيب مسند الشافعي للسندي - بتصحيح عزت عطار وآخر ١/ ٣٨. وأخرج مسلم من طريق أم كلثوم عن عائشة زوج النبي -ﷺ- قالت: إن =
[ ٢ / ٨٧٧ ]
وقَبِل ذلك الصحابة، وعملوا عليه (١).
وأما كون هذا الفعل في خَلْوة (٢)، فالحدَث كلُّه كذلك، لا يُفعَل إلا في خَلْوة، ويُمنع أن يُفعل في الملأ، ومع ذلك، فقد نُقِل،
_________________
(١) = رجلًا سأل رسول الله -ﷺ- عن الرجل يُجامع أهله ثم يكسَل، هل عليهما الغسل؟ -وعائشة جالسة- فقال رسول الله -ﷺ-: إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل - صحيح مسلم / الحيض - باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين ١/ ٢٨٢ ح ٨٩.
(٢) ومما أجيب به أيضًا عن الحديثين اللذين استدل بهما القرطبي هنا. أن لهما صلة بالصلاة، وقد بين -ﷺ- أن شرعه وشرعهم فيها سواء، حيث قال: صلوا كما رأيتموني أصلي / المحصول ٣/ ٣٦٥، ٣٦٦، وقال الغزالي: ونعلم أن الصحابة كانوا يعتقدون في كل فعل له أنه جائز، ويستدلون به على الجواز، ويدل هذا على نفي الصغائر عنه، وكانوا يتبركون بالاقتداء به في العادات، لكن هذا أيضًا ليس بقاطع؛ إذ يُحتمل أن يكون استدلالهم بذلك مع قرائن حَسمت بقية الاحتمالات، وكلامنا في مجرد الأفعال، دون قرينة/ المستصفى ٢/ ٢١٦ ثم يجاب أيضًا عن حديث الغُسل السابق بأنه وُجد مع الفعل قول منه -ﷺ-، كما تقدم تخريجه، فلم يكن الاعتماد على الفعل وحده.
(٣) عبارة المفهم: فلا يصلح مانعًا من الاقتداء؛ لأن الحدث كله كذلك يفعل، ويمنع إلخ، المفهم ١ / ل ٩٤ ب. وممن أشار إلى كون الفعل في حديث ابن عمر كان في خَلوة: القائلون بالخصوصية، وبعدم النسخ أو التخصيص كما تقدم في كلام ابن العربي ومَن بعده، وذكره أيضًا الغزالي في معرض بيانه أن الصحابة لم يعتقدوا الاقتداء به -ﷺ- في كل فعل، بل فيما تقترن به قرينة تدل على إرادته -ﷺ- البيان بالفعل/ المستصفى ٢/ ٢١٦، ٢١٧.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
وتُحدِّث به، سيما وأهل بيته كانوا ينقلون ما يفعله في بيته من الأمور المشروعة (١).
وأما دعوى الخصوص، فقال أبو العباس: لو سمعها النبي -ﷺ- لغضب على مدعيها، كما قد غضب على من ادعى تخصيصه (٢) بجواز
_________________
(١) زيادة من المفهم ١/ ٩٤ ب. يؤيد جواب القرطبي هذا ما ذكره الصنعاني، حيث إنه ذكر خلاصة ما تقدم قريبًا عن ابن دقيق العيد في تقوية مَنْ زَعم خصوصية ما في حديث ابن عمر، ثم عقب على قول ابن دقيق العيد عقب هذا: "وفيه بحث"، فقال: كأنه -يعني ابن دقيق العيد- أنه قد يُقال: رواية الواحد كافية في التبليغ، وكم من فعل، ومن حديث لم يروه إلا واحد، مع عموم حكمه للأمة، وأما كونه لم يقصده ابن عمر، فكثير مما يتحمله الراوي ويبلغه من الأقوال والأفعال يكون اتفاقيًا له، لم يأت له، ولا قصده بل يقصد أمرًا آخر فتحصل له الإفادة اتفاقًا، ولا يقول أحد بأنه لا يصلح التحمل إلا لِمن قصده، وكونه -ﷺ- يفعل في غيبة الناس ما يَنهَى عنه، يتنزه عنه جانبه الشريف، بل يحتمل أنه فعله للإبلاغ، وقد أعلمه الله أنه يُطلِع عليه من يبلّغ ذلك كما وقع/ العُدة مع إحكام الأحكام ١/ ٢٤٩. لكن الصنعاني بعد تأييد عموم حديث ابن عمر هكذا، فَرَّع عليه قولًا في مسألة الاستقبال للقبلة عند قضاء الحاجة فقال: "ويكون هذا الفعل منه -ﷺ-، لبيان أن النبي للكراهة، لا للتحريم، سواء في ذلك العمران والصحارى، ثم رد على من وصف هذا القول بأنه بعيد جدًّا/ العُدة/ الموضع السابق، أقول: وقد تقدم في الأصل والتعليق عليه في شرح هذا الباب وما قبله أن أعدل الآراء هو القول بالتخصيص، لما فيه من العمل بمخْتلِف الأدلة، وبه يتأيد من استبعد القول الذي ذكره الصنعاني، وإن حاول هو تقويته.
(٢) في "م" "ادعى الخصوص فقال تخصيصه إلخ" وما في الأصل مطابق للمفهم ١ / ل ٩٤ ب.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
القُبْلَة (١) حتى قال: والله إني لأخشاكم لله، وأعلمُكم بحدوده (٢) .. في كلام كثير، ذكره أبو العباس (٣).
ويكفينا في رد دعوى الخصوصية: أن الأصل عَدمُها (٤).
ولعل ما قد يتطرق إلى حديث ابن عمر، وحديث جابر، من هذه الاحتمالات -وإن كانت ضعيفة- هو المُقتضِي لقول الإمام أحمد في حديث عراك الغفاري: إنه أحسنُ ما في هذا الباب، مع إرساله - وقد تقدم (٥).
وأما حديث ابن عمر، فيصلح دليلًا على المذهب الرابع،
_________________
(١) في المفهم بعد هذا ما نصه: "فإنه غضب عليه، وأنكر ذلك، وقال: والله الخ".
(٢) هذه بقية حديث أم سلمة في القبلة، وقد تقدم تخريجه قريبًا، وما ذكره هنا هو لفظ رواية مالك في الموطأ ١/ ٢٩١ ح ١٣، ولفظ رواية مسلم. أما والله إني لأتقاكم دكه، وأخشاكم له/ صحيح مسلم ١/ ٧٧٩ ح ٧٤.
(٣) بقية كلام أبي العباس الذي وصفه المؤلف بالكثرة هو "وكيف يجوز توهم هذا"، وقد تبين أن ذلك إنما شُرع إكرامًا للقِبلة، وهو أعلم بحُرمتها، وأحق بتعظيمها، وكيف يَستهين بحرمة ما حرم الله؟ هذا ما لا يصدق توهمه إلا من جاهل بما يقول، أو غافل عما كان يحترمه الرسول -ﷺ-/ المفهم/ ١ / ل ٩٤ أ.
(٤) وبهذا ردها الصنعاني أيضًا/ العُدة مع الإِحكام ١/ ٢٤٨، وقال الحافظ ابن حجر: دعوى خصوصية ذلك بالنبي -ﷺ-، لا دليل عليها، إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال/ فتح الباري ١/ ٢٤٥.
(٥) في شرح الباب السابق، ص ٦٨٤، وأعاده بتصرف ص ٦٩١، وقال: لعل مراد أحمد: أحسنُ في الاستدلال، وأصرح في الرخصة.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
[الذي يفرق] (١) فيه بين الاستقبال والاستدبار، فيمنع الاستقبال، ويباح الاستدبار (٢)، وذلك، أن حديث أبي أيوب عام فيهما معًا، والعام إذا ثبت تخصيصه في صورة، كان فيما عداها باقيًا على عمومه، ولم يَخُص حديثُ ابن عمر، مما تناوله حديثُ أبي أيوب، إلا الاستدبار فقط، فَبقي الاستقبال المنهى عنه في حديث أبي أيوب بِحَاله (٣)
_________________
(١) في الأصل "فيفرق" وما أثبته من "م".
(٢) تقدم هذا المذهب في شرح الباب السابق ص ٥٨٧ وما بعدها، واقتصر هناك على أنه استدل له بحديث سلمان المتضمن للنهي عن الاستقبال فقط، وقد بينت في التعليق ص ٥٨٩ أنه استدل له أيضًا بحديث عمر هذا، ولكن على أنه ناسخ لحديث النهي لا مخصص، كما سيذكره المؤلف في باقي كلامه الآتي، وقد رد غير واحد هذا المذهب، لمخالفته للأحاديث الصحيحة المصرحة بالنهي عن الاستقبال والاستدبار معًا / انظر ص ٥٨٩ ت.
(٣) من قول المؤلف قبل هذا: "إن حديث أبي أيوب عام" إلى هنا، هو من كلام شيخه ابن دقيق العيد، مع تصرف، إلا أن شيخه قد أورده اعتراضًا على من خصص حديث أبي أيوب، بحديث ابن عمر، فجعله دليلًا على جواز الاستقبال والاستدبار معًا للقبلة في البنيان، مع أنه ليس فيه إلا ذكر الاستدبار فقط/ انظر إحكام الأحكام ١/ ٢٥٠. أما المؤلف فذكره كما ترى لبيان وجه تخصيص جواز الاستدبار فقط سواء في البناء أو الفضاء، من عموم حديث أبي أيوب في النهي عن الاستقبال والاستدبار كذلك. وهذا أيضًا تخصيص غير مسلم به، لكون حديث ابن عمر يشمل صورة واحدة من عموم الاستدبار، وهي ما كان في البنيان، وعلى أي من الوجهين، فإن ابن دقيق العيد ذكر أنه لا يُقال: إن حديث ابن عمر مخصص لحديث أبي أيوب إلا إذا كان حديث أبي أيوب بلفظ واحد عام يَشْمل الاستقبال والاستدبار، فيخرج الاستدبار، من هذا اللفظ الواحد ويبقى الاستقبال، والحال ليس كذلك؛ لأن حديث أبي أيوب جملتان منفصلتان كل منهما عامة في محلها، =
[ ٢ / ٨٨١ ]
ولا يحسُن في الاستقبال، أن يقاس عليه لأمرين (١):
أحدهما: أنه أفحش من الاستدبار على كلا (٢) التعليلين: من
_________________
(١) = وإحداهما دلت على الاستقبال والأخرى على الاستدبار، وحديث ابن عمر تناول بعض صور عموم إحدى الجملتين، وهي الاستدبار، فأخرج منها الاستدبار في البنيان ونحوها، والجملة الثانية باقية على حالها، لم يتناولها، فلم يتكامل التخصيص. ثم أشار ابن دقيق العيد إلى أنه يمكن دفع هذا الاعتراض بوجه آخر، وهو أن يقال: بقياس الاستقبال في البنيان -وإن كان مسكوتًا عنه- على الاستدبار الذي ورد في حديث ابن عمر، ثم رد ذلك بما سيأتي ذكر المؤلف له في باقي كلامه، مع تصرف يسير، دون عزو لشيخه/ انظر إحكام الأحكام ١/ ٢٥٥، ٢٥١ مع العُدة للصنعاني.
(٢) هذان ذكرهما شيخ المؤلف كما أشرت في التعليق السابق، وهو قد أوردهما هنا مع بعض تصرف وزيادة، ولم يعز شيئًا منهما لشيخه/ انظر إحكام الأحكام لابن دقيق العيد/ الموضع السابق، وقد علق الصنعاني على ذكر هذين الأمرين بقوله: واعلم أن هذا كله مبني على أنه لم يَرِد الدليل على الإِباحة، إلا في حديث ابن عمر الذي لم يُفد (غير) جواز الاستدبار، وقد أسلفنا لك حديث جابر، في جواز الاستقبال، وأنه أخرجه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وغيرهم/ العدة للصنعاني ١/ ٢٥٢. أقول: وحديث جابر تقدم تخريجه في هذا الباب، وسيأتي ذكر المؤلف له قريبًا في الأصل وبيان ما أشار إليه الصنعاني من أن التخصيص يُستفاد من مجموعهما، لكن يلاحظ أن حديث ابن عمر كما تقدم قد شمل صورة واحدة من عموم صور الاستدبار وهي ما كان في بناء ونحوه، فلم يكتمل بالحديثين التخصيص، فبقيت الحاجة لغيرهما من نص أو قياس أو غيرهما. والله أعلم.
(٣) في الأصل "كل" وما أثبته من "م" وهو المستقيم عليه المعنى.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
حُرمة القبلة -كما هو الراجح عند أصحاب الإمام مالك ﵀- أو من حُرمة المصلين -كما اختاره أصحابُنا- (١).
الثاني: أنه تقديم للقياس، على مقتضى العموم، وفيه ما فيه (٢) مما (٣) هو معروف (٤) في أصول الفقه. فهذا ما في حديث ابن عمر.
_________________
(١) يعني الشافعية، وقد تقدم في الباب السابق ذكر المؤلف للتعليلين مع دليليهما، وعلقت على ذلك بما خلاصته أن التعليل الثاني قد رده غير واحد من العلماء، وأن التعليل الأول هو المعتمد/ انظر ص ٥٦٥ - ٥٦٩، ٥٨٢ وما بعدها أصل وت.
(٢) لما كان هذا كلام ابن دقيق العيد، فإن الشيخ الصنعاني علق عليه بأن المعنى: وفيه خلاف في الأصول، وأبحاث تطول، ثم قال: ولعل الشارح -يعني ابن دقيق العيد في الإحكام- ممن يختار عدم القول به -أي بتقديم القياس على مقتضى العموم- وإليه أشار بقوله: "فيه ما فيه" أي في هذا الوجه من الضعف الذي ثبت فيه وتقرر، كان أمرًا معروفًا معينًا يكتفي بالإِشارة إليه بالاسم الموصول، وهذه العبارة قد تعورفت بين العلماء في الإِشارة إلى وجه الضعف، وإلا، فإنه يمكن حلها بغير هذا، كان يقال: وفيه من الصحة والرصانة ما فيه/ العُدة للصنعاني - على إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٢٥١.
(٣) في "م" "كما".
(٤) لفظ "معروف" ليس في "م". قال الصنعاني تعليقًا على هذا وتتميمًا لما تقدم: قوله: على ما عرف في الأصول، بيان لذلك الضعف، فإنه قرر الجماعة من أئمة التحقيق القول: بأنه لا يخصص العام بالقياس، ولعل الشارح يعني -ابن دقيق العيد- ممن يختار ذلك، كما يشير اليه بحثه هذا/ انظر العُدة للصنعاني ١/ ٢٥٢. أقول: ولعله بهذا يتأكد لنا أنه كان على المؤلف عزو هذه النقول إلى شيخه، حيث إنها تعبر عن اختياره لأحد الآراء المختلف فيها.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
وأما حديث جابر: "فرأيته قبل أن يُقبَض بعام يستقبلها" ئضمن (١) أيضًا الاستقبال، فاستفيد الحُكمان من الحديثين معًا (٢)،
_________________
(١) في "م" "تظمن" بالماء بدل الضاد، وهذه لهجة سمعتها من أهل نجد والحرمين، كما وجدت بعض طلابي بمدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، وهم في المرحلة الجامعية يكتبون الضاد ظاء، وهكذا سمعتها من بعض الهنود والأفغان، وتلك النسخة ذات الرمز "م" منسوخة في المدينة المنورة، فتأثر كاتبها بتلك اللهجة.
(٢) جرى المؤلف على ما سبق تقريره له من أن فعل الرسول -ﷺ- يدل بمفرده على الجواز على الأقل، وقد تقدم تحقيق أن: استفادة الحكم من الفعل تكون بقرينة أو دليل آخر، وقوله: "استفيد الحكمان من الحديثين" إن كان مراده بالحُكمين الاستقبال والاستدبار المطلقين، فحديث ابن عمر مُقيد بالبنيان، وإن كان مراده الاستقبال المقيد بالبنيان فقط فحديث جابر مطلق، ولذا قال الشوكاني: إن حديث جابر يَرُدُّ على من قال بجواز الاستدبار فقط، سواء قيده بالبنيان، كما ذهب إليه البعض، أو لم يقيده كما ذهب إليه آخرون، ويَرد أيضًا على من قيد جواز الاستقبال والاستدبار بالبنيان لعدم التقييد من جابر. ولِتلَافي هذا الرد ذكر الحافظ ابن حجر: أن حديث جابر محمول على أنه رآه -ﷺ- في بناء ونحوه؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله -ﷺ-، لمبالغته في التستر/ الفتح ١/ ٢٤٥ ثم قال في موضع آخر: في الاحتجاج به نظر؛ لأنه حكاية فعل لا عموم لها، فيحتمل أن يكون لعذر، ويحتمل أن يكون في بنيان ونحوه، ومن ذلك ترى أن استفادة حكم الاستقبال من حديث جابر مختلف في تقريره، وليس مسلمًا على إطلاقه كما هو ظاهر ما ذكره المؤلف من أن حديث جابر استفيد منه الاستقبال، بل قال الشوكاني عن حديث ابن عمر أنه يمكن أن يقال فيه ما قيل في حديث جابر من احتمال أن يكون -ﷺ- فعله لعذر، ورتب على ذلك أنه لا يتم للشافعية ومن معهم الاحتجاج به على تخصيص الجواز بالبنيان/ نيل الأوطار ١/ ١٠٠. أقول: وأقرب ما يجاب به عن دفع الشوكاني لاستدلال الشافعية ومن معهم =
[ ٢ / ٨٨٤ ]
ولذلك أودعهما الترمذي كتابه، وقدم حديث الاستقبال، إذ هو (١) الأهم، كما أشرنا إليه (٢) وأخَّر حديث الاستدبار -وإن كان أقوى سندًا وأصح مَخرَجًا- (٣) ولم يَذكر حديث عائشة/ إلا بطرف منه، لِمَحل الإِرسال (٤) والاستغناء عنه بما ذكره (٥).
_________________
(١) = بحديث ابن عمر، أنه ليس دليلهم الوحيد على قولهم، كما أنه جاء عن ابن عمر نفسه ما يُبعِد اعتبارَ حديثه واقعة حال لعذر ونحوه كما تقدم، وتقدم أيضًا بيان أن قول الشافعية ومن معهم هو أعدل الأقوال. انظر شرح الباب السابق ص ٥٧٤ - ٥٧٥، ٥٨٢، وسيأتي أيضًا إشارة المؤلف إلى اختياره.
(٢) أي الاستقبال.
(٣) حيث قال: إنه أفحش من الاستدبار، كما تقدم قريبًا. وقد تقدم تخريج حديث جابر، وبيان درجته/ انظر ص ٦٥٢ - ٦٥٧، وص ٦٩٣ وما بعدها.
(٤) تقدم تخريج الحديث مجملًا في الأصل وموسعًا في التعليق، مع بيان وجه قوة سنده وصحة مخرجه، وأقرب دليل لذلك كونه متفقًا عليه/ انظر ص ٦٢٠ - ٦٥٢، ٦٩١، ٦٩٢. وصنيعه هذا مصداق ما قدمته من أنه اعتُرِض على الترمذي بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغربية الإسناد، وأنه أجيب عنه بأن قصده بيان ما فيها من علل، ثم يبين الصحيح في الإسناد/ انظر ص ٣١٦، ٣١٧.
(٥) تقدم تخريج حديث عائشة، وبيان إرساله، وإثبات صحة سنده موقوفًا عليها/ ٦٥٧ - ٦٩٣.
(٦) أشار المؤلف هنا إلى عدم ذكر الترمذي لحديث عائشة إلا بطرف منه، ولم يشر إلى عدم ذكره أيضًا حديث عمار بن ياسر إلا بالإشارة، كما أنه قد خرج حديث =
[ ٢ / ٨٨٥ ]
وإذا قلنا بالتخصيص، كما (١) ذهب إليه الشافعي -﵀- ومن حكينا ذلك عنه (٢)، فالمختار عند أصحابنا (٣) أنه إنما يجوز الاستقبال، والاستدبار في البنيان، إذا كان قريبًا من ساتر -جدارٍ أو نحوِه- بحيث يكون بينه وبينه ثلاثَة أذرع فما دونها، وبشرط آخر، وهو: أن يكون الحائل مرتفعًا، بحيث يستر أسافل الإِنسان، وقدروه بأُخْرة (٤) الرَّحْل، وهي نحو ثُلثي ذراع، فإن زاد ما بينه وبينه على ثلاثة أذرع، أو قَصُر الحائل عن أُخرة الرحل، فهو حرام، كالصحراء (٥)، إلا إذا كان في بيت (٦) بُني
_________________
(١) = عائشة، ولم يخرج حديث عمار، وقد ذكره الهيثمي فقال: وعن عمار بن ياسر قال: رأيت النبي -ﷺ- مستقبل القبلة بعد النهي - لغائط أو بول، وقال رواه الطبراني في الكبير، وفيه جعفر بن الزبير، وقد أجمعوا على ضعفه/ مجمع الزوائد ١/ ٢٠٦.
(٢) في الأصل "مما" وما أثبته من "م".
(٣) انظر ص ٥٧٤ وما بعدها وقال المؤلف وغيره هناك: إنه الأولى، لما فيه من إعمال مختلف الأدلة.
(٤) يعني الشافعية، وكلام المؤلف من هنا إلى قوله فيما سيأتي: وأشهرهما، أنه ساتر، لحصول الحائل، من كلام النووي في المجموع ٢/ ٧٨، ٧٩ مع تصرف، ولم يعز المؤلف إليه شيئًا، كما ترى، وقد تكرر ذلك منه في هذا الباب وغيره مما تقدم، كما أوضحته، ولعل تصرفه فيما ينقله، وإن تفاوت قلة وكثرة هو الذي جعله يعفي نفسه من العزو، وإن كان ذلك غير مُسَلَّم له.
(٥) في المجموع ٢/ ٧٨، ٧٩ "مؤخرة" وكذا في الموضع التالي بعد نحو سطر.
(٦) في الأصل "وإلا" وما أثبته من "م" والمجموع ٢/ ٧٩.
(٧) في "م" زيادة "كنيف" وليست في المجموع ٢/ ٧٩ والمعنى مستقيم بدونها، لأنها تفسير لكلمة "بيت".
[ ٢ / ٨٨٦ ]
[لذلك فلا حرج] (١) فيه، كيف (٢) كان. قالوا (٣): ولو كان في الصحراء، وتسَتَّر (٤) بشيء - على [الشرطين المذكورين] (٥)، زال التحريم. فالاعتبار بوجود الساتر المذكور وعدمه، فيَحِلُّ في الصحراء والبنيان، بوجوده، ويَحرُم فيهما بعدمه (٦) هذا هو الصحيح، المشهور، عند أصحابنا.
ومن الأصحاب من اعتبر الصحراء، والبنيان مطلقًا، ولم يعتبر الحائل، فأباح [في] (٧) البنيان، بكل حائل، وحَرَّم في الصحراء، بكل حائل (٨).
_________________
(١) في الأصل وفي "م"، "كذلك فلا حجر" وما أثبته من المجموع ٢/ ٧٩ وهو الأنسب للمعنى.
(٢) في م "فكيف" وهي تغير المعنى، حيث تجعل معنى العبارة متعلقًا بما بعدها، لا بما قبلها.
(٣) يعني الأصحاب من الشافعية، كما تقدم أول الكلام.
(٤) في م "أو تستر" وما أثبته موافق لما في المجموع ٢/ ٧٩.
(٥) في الأصل، و"م"، "الشرط المذكور" وما أثبته من المجموع ٢/ ٧٩ وهو الموافق للمعنى، لأن المتقدم شرطان: أحدهما القرب من الساتر، والثاني ارتفاعه بحيث يستر أسافل الإنسان.
(٦) في الأصل "لعدمه" وما أثبته من "م" وهو متسق مع قوله قبله "بوجوده".
(٧) ليست في الأصل وأثبتها من "م".
(٨) الذي في المجموع ٢/ ٧٩ أنه ذكر الماوردي والروياني وجهين: أحدهما هذا، -يعني الوجه المتقدم بشروطه، والثاني: يحل -أي الاستقبال- في البناء مطلقًا بلا شرط، ويحرم في الصحراء مطلقًا، وإن قَرُب من الساتر، ثم قال النووي: والصحيح الأول. اهـ. ومن هذا يُفهم أن الوجه الذي ذكره الماوردي والروياني =
[ ٢ / ٨٨٧ ]
والصحيح الأول: وفرعوا عليه، فقالوا: لا فرق بين أن يكون الساتر: دابة، أو جدارًا، أو وهدة (١) أو كثيب رمل، أو جبلًا.
[ولو] (٢) أرخى ذيله مقابل القبلة، ففي حصول الستر وجهان لأصحابنا، أصحهما -عندهم- وأشهرهما: أنه ساتر، لحصول الحائل، والله أعلم.
وقول ابن عمر: "رَقِيتُ يومًا على بيت حفصة". قال بعض أهل العلم (٣): هذا الرُّقِي من ابن عمر، الظاهر منه، أنه لم يكن عن
_________________
(١) = ليس قاصرًا عن اعتبار البناء والصحراء مطلقًا، كما ذكره المؤلف، ولكنه جامع بين الوجه السابق المقيد بالشرطين، وبين الوجه الثاني غير المقيد، فتأمل.
(٢) الأرض المنخفضة، والحفرة/ المعجم الوسيط ٢/ ١٠٥٩.
(٣) بالأصل و"م" "أو" وما أثبته من المجموع ٢/ ٧٩، ولا يستقيم المعنى على ما في الأصل؛ لأنه يقتضي اشتراك الدابة وما بعدها، مع إرخاء الذيل في الاختلاف على كونها تعد ساترًا أو لا؟ وهو الآتي إشارة المؤلف إليه بقوله: "في حصول الستر وجهان إلخ" في حين أن الذي في المجموع ٢/ ٧٩ تخصيص إرخاء الذيل وحدَه بالخلاف، أما الدابة وما بعدها، إلى الجبل، فلم يُذكَر في عَدِّه ساترًا خلاف.
(٤) هذا القول من هنا إلى قوله: "ما لا يجوز له" الآتي: نَقلَه الأُبِّي عن القاضي بلفظ "قيل " بدون تحديد من عياض لقائله/ الأبي على صحيح مسلم ٢/ ٤٣، ٤٤، وما ذكره المؤلف فيه تصرف عما نقله الأبي عن عياض، ولم يَستَبْعِدْ ما استبعده المؤلف، وهو الاحتمال الثاني؛ ولكن ما سيأتي ذكره من رواية للبيهقي للحديث، تؤيد استبعاد المؤلف لهذا الاحتمال، وقد تقدم أيضًا أن كون ابن عمر رأى الرسول -ﷺ- اتفاقًا، لا يؤثر في الاحتجاج بحديثه هذا، وقد فصل الحافظ ابن حجر العبارة في الوجه الأول، واستدل به على حِرْص الصحابي على تتبع أحوال الرسول -ﷺ- ليتبعها، فقال: ولم يقصد ابن عمر =
[ ٢ / ٨٨٨ ]
قصد الاستكشاف، وإنما كان لحاجة غير ذلك.
ويَحْتمِل أن يكون ليطلع على كيفية جلوس النبي -ﷺ- للحدَث -على تقدير أن يكون قد استشعر ذلك- وأنه تحفَّظ من أن يطلع على ما لا يجوز له. وفي هذا الثاني بُعْد (١). والله أعلم.
انتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث
وأوله: (باب النهي عن البول قائمًا)
_________________
(١) = الإشراف على النبي -ﷺ- في تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة -كما في الرواية الآتية-: "فحانت منه التفاتة" كما في رواية للبيهقي من طريق نافع عن ابن عمر، نعم لما اتفقت له رؤيته في تلك الحالة عن غير قصد، أحب أن لا يُخْلِي ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعي، وكأنه إنما رآه من جهة ظهره، حتى ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذور، ودل ذلك على شدة حرص الصحابي على تتبع أحوال النبي -ﷺ- ليتبعه، وكذا كان ﵁ / الفتح ١/ ٢٤٨.
(٢) يؤيد استبعاد المؤلف لهذا الاحتمال الثاني رواية البيهقي للحديث التي تقدم ذكر الحافظ ابن حجر لها، كما في التعليق السابق، وأيضًا جاء في رواية أبي أمية الطرسوسي للحديث من طريق أيوب بن عتبة، أن أيوب قال -عقب روايته للحديث-: كأنه -يعني ابن عمر- فجِئهُ -ﷺ-/ مسند ابن عمر للطرسوسي/ ٣٩. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، تسليمًا كثيرًا.
[ ٢ / ٨٨٩ ]