بعد أن اجتاز ابن سيد الناس بعناية والده مرحلة الاستجازة والإِحضار، وطرفًا من السماع، كما تقدم، ووصل إِلى سن الطلب بنفسه للحديث، واصل
_________________
(١) الدرر الكامنة ٤/ ٣٣٥.
(٢) تدريب الراوي ٢/ ٥، ٦.
(٣) انظر الوافي بالوفيات ١/ ٣٠٨، ٣٠٩.
(٤) عيون الأثر في فنون المغازي والسير للمؤلف ٢/ ٣٤٧.
(٥) الشرح / ق ٢٢ أ، ب.
(٦) عيون الأثر ٢/ ٣٤٦.
(٧) المصدر السابق ٢/ ٣٤٢.
[ ١ / ٢١ ]
السماع من الشيوخ والكتابة عنهم بنفسه، والقراءة عليهم، وقد حدد هو تاريخ الشروع في ذلك فقال: ثم في سنة ٨٥ - يعني وستمائة- كتبت الحديث عن شيخنا الإمام قطب الدين أبي بكر محمد بن أحمد القسطلاني -﵀- (١) بخطي، وقرأت عليه بلفظي وعلى الشيوخ من أصحاب المسنِد أبي حفص بن طَبْرزَد (٢) والعلامة أبي اليُمْن الكندي والقاضي أبي القاسم الحرستاني، والصوفي أبي عبد الله بن البنا، وغيرهم، بمصر، والإسكندرية والشام والحجاز، وغير ذلك (٣).
وقال الحافظ ابن حجر: وسمع على القطب القسطلاني، والعز الحراني، وابن الأنماطي (٤) وغازي -يعني الحلاوي- وابن الخيمي، وشامية بنت البكري، ثم قال: وطلب بنفسه وكتب بخطه، وأكثر عن أصحاب الكندي، وابن طبرزد (٥).
وقال الصفدي: وسمع بمصر من العز عبد العزيز بن الصيقل، وغازي الحلاوي، وابن خطيب المزة، والصفي خليل، وتلك الطبقة، وتنزل في الأخذ من أصحاب سبط السلفي، ثم إلى أصحاب الرشيد العطار (٦).
أقول ومن تمام طلب الحديث أن يأخذ العالي والنازل من الأسانيد، وهكذا فعل المؤلف بتنزله هذا، مع توفر الأسانيد العوالي لديه منذ سنة ولادته كما تقدم.
أما رحلته في طلب الحديث فيشير إليها قوله السابق: إنه قرأ بلفظه على الشيوخ الذين أشار إليهم، بالاسكندرية والشام والحجاز، وغير ذلك، فهذا يدل على رحلته إلى تلك البلاد في طلب الحديث، كما أن تحديده بداية شروعه
_________________
(١) سيأتي التعريف به في التعليق على المقدمة الأولى للشارح / ق ٣ ب مع التعليق.
(٢) ومن أصحابه: شيخُه أبو الفضل الموصلي السابق ذكر سماعه منه بقراءة والده.
(٣) الوافي بالوفيات ١/ ٣٠٩.
(٤) وقد أثبت سماعه عليه قطعة من صحيح مسلم./ عيون الأثر للمؤلف ٢/ ٣٤٣.
(٥) الدرر الكامنة ٤/ ٣٣٠، ٣٣١.
(٦) الوافي ١/ ٢٩٠.
[ ١ / ٢٢ ]
في الطلب بنفسه بسنة ٦٨٥ هـ كما تقدم، يفيد أن رحلاته بدأت من تلك السنة فما بعدها.
وقد قرر الصفدي ذلك فقال: وفي سنة ٨٥ - يعني وستمائة- كتب الحديث بخطه عن الشيخ قطب الدين بن القسطلاني، وقرأه بلفظه عليه، وعلى أصحاب ابن طَبْرَزْد وأصحاب الكِندي وابن الحرستاني، بمصر والشام والحجاز والإِسكندرية (١).
ولم أجد تحديدًا لتاريخ رحلاته إلى تلك البلاد، غير الشام، حيث قرر المؤلف بنفسه سنة دخوله إلى دمشق، وتفاصيلَ عن تلقيه الحديث بها، فقال: ثم دخلت دمشق في حدود سنة تسعين وستمائة، فألفيت بها الشيخ الإمام، شيخ المشايخ -يعني أحمد بن إبراهيم بن عمر الفاروثي- وقال عنه: كان ممن قرأ القرآن بالحروف -يعني القراءات- وازدحم الناسِ على القراءة عليه، والفوز بما لديه، وطلب الحديث قديمًا، ولم يزل لذلك مديمًا وللسنة النبوية خديمًا حتى لقد سمعت بقراءته بدمشق على ابن مؤمن، وابن الواسطي، قطعة كبير من المعجم الكبير، لأبي القاسم الطبراني وربما قرأت عليه وعلى ابن الواسطي شيئًا مما اشتركا فيه من الروايات العراقيات عن عمر بن كرم، والسهروردي، وأمثالهما، ثم قال: ناولته يومًا استدعاء -يعني طلب- إجازة ليكتب عليه فكتب مرتَجلًا وذكر نظم الإجازة في ثلاثة أبيات، ثم أرخ وفاة الفاروثي هذا في مستهل ذي الحجة سنة ٦٩٤ هـ بواسطة القصب من أرض العراق (٢).
أقول: وتأريخه دخول دمشق هذا بقوله: في حدود سنة ٦٩٥ هـ يشير إلى أن هذا تحديد تقريبي، وقد حدد غيره تحديدًا دقيقًا فذكر الذهبي والصفدي وابن رجب وغيرهم: أن ابن سيد الناس رحل إلى دمشق ليدرك الفخر ابنَ البُخاري ففاته بليلتين، فتألم لذلك (٣) وقال ابن حجر: ورحل إلى دمشق،
_________________
(١) الوافي ١/ ٢٩٠.
(٢) ذيل ابن فهد على تذكرة الحفاظ / ٨٥ - ٨٨.
(٣) الدرر الكامنة ٤/ ٣٣١. الوافي بالوفيات ١/ ٢٩٠ وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/ ٣٢٧ وفوات الوفيات ٣/ ٢٨٨.
[ ١ / ٢٣ ]
فاتفق وصوله عند موت الفخر ابن البخاري فتألم لذلك (١).
وحدد الاسنوي الموضع الذي وصله ابن سيد الناس عند موت ابن البخاري فقال: ورحل إلى الشام سنة ٦٩٠ هـ ليدرك الفخر بن البخاري، فمات وهو بالكسوة (٢) أقول: والكسوة هذه قرية على مشارف دمشق بالنسبة للخارج إلى القاهرة (٣) وعندما نراجع تاريخ وفاة ابن البخاري نجده محددًا بضحى يوم الأربعاء ٢ ربيع الأخر سنة ٦٩٠ هـ (٤).
ومقتضى هذا أن ابن سيد الناس وصل الكسوة المشار إليها آنفًا في هذا التاريخ ووصل منها إلى دمشق بعد يومين أي في ٤ أو ٥ ربيع الآخر سنة ٦٩٠ هـ.
وهذا يُشكِلُ عليه ما ذكره الذهبي وغيره من أن الفاروثي الذي وجده ابن سيد الناس في دمشق، قد دخلها سنة ٦٩١ هـ (٥) فكيف يلقاه ابن سيد الناس فيها في ربيع الأخر أوما بعده من شهور سنة ٦٩٠ هـ؟. خاصة وأن عبارة ابن سيد الناس تفيد سبق وجود الفاروثي على دخوله هو، حيث يقول كما تقدم: (ثم دخَلْت دمشق في حدود سنة ٦٩٠ هـ فألفَيت بها الشيخ إلخ هـ؛ فلا أرى هذا يستقيم، إلا إذا قيل: إن في تحديد تاريخ أي منهما وهمًا أو تجاوزًا.
وعلى كل فإن تألم ابن سيد الناس لعدم ادراك السماع من ابن البخاري؛ لأنه كان متفردًا بالرواية عن شيوخ كثيرة (٦) وانتهت إليه الرياسة في الرواية (٧)
_________________
(١) الدرر ٤/ ٣٣٠.
(٢) طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٥١٠.
(٣) معجم البلدان ٧/ ٢٥٢ بتصرف.
(٤) ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة ٢/ ٣٢٩.
(٥) العبر للذهبي ٥/ ٣٨١ ط الكويت وذيل ابن فهد على تذكرة الحفاظ / ٨٦.
(٦) ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة ٢/ ٣٢٩.
(٧) المصدر السابق.
[ ١ / ٢٤ ]
وقال الذهبي (هو آخر من كان في الدنيا بينه وبين النبي -ﷺ- ثمانية رجال ثقات) قال ابن رجب: يريد بالسماع المتصل (١).
ولعل فوقه كان حافزًا للمؤلف على تعويض ذلك بإكثار الأخذ عمن أدركهم غيره، في تلك الرحلة، قال ابن حجر: وأكثر عن الصوري، وابن عساكر وابن المجاور، وغيرهم (٢).
وزاد الصفدي على هؤلاء فقال: وأبي إسحاق بن الواسطي، وطبقتهم (٣). وقال ابن كثير: ودخل دمشق سنة ٩٠ هـ -يعني وستمائة- فسمع من الكِنْدي وغيره (٤). وقال ابن قاضي شُبهة: وسمع الكثير من الجم الغفير (٥).
وبتلك الرحلات والأخذ فيها عمن أدركهم من عيون المحدثين والمسندين، ازدادت حصيلته من الرواية والدراية، وتوافرت له الأسانيد العالية والنازلة.
وقد سأل ابن أيبك مسائل لابن سيد الناس عن أحفظ من لقيه، فجمع له من ذلك عددًا غير قليل، كما سيأتي ذكره في مؤلفاته (٦).
ثم إنه لم يكتف بذلك، بل اجتهد في تحصيل إجازات المحدثين، خاصة من أهل البلاد التي لم يُعرَف له رحلة إليها، كما أشار إلى ذلك، حيث قال: وأجاز لي جماعة من الرواة بالحجاز والعراق والشام، وإفريقية والأندلس، وغيرها
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) الدرر الكامنة ٤/ ٣٣١، وانظر بعض مروياته عن الصوري وغيره فمن أثبت أخذه عنهم بدمشق وضواحيها وذلك في كتابه عيون الأثر ٢/ ٣٤٢ - ٣٤٦.
(٣) الوافي ١/ ٢٩٠.
(٤) البداية والنهاية ١٤/ ١٤٧.
(٥) طبقات الشافعية ٢/ ٣٩٠.
(٦) وانظر ذيل ابن فهد على تذكرة الحفاظ / ٧٧، ٨٣، ٨٦، ٩٠، ٩٤.
[ ١ / ٢٥ ]
ممن يطول ذكرهم (١) وقال ابن حجر: وأجاز له جَمع جَم من العراق وإفريقية وغيرها (٢).
وقال ابن كثير: وسمع الكثير، وأجاز له الرواية عنهم جماعات من المشايخ (٣). ومن أجل هذا حَق للذهبي وغيره أن يقول: لعل مشيخته يقاربون الألف (٤).