هناك كتب ثلاثة سبقتني في نقد شرح النووي على صحيح مسلم، وهي:
١ - «جزء فيه استدراكات على شرح النووي لصحيح مسلم»، للإمام محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي (ت: ٧٤٤ هـ)، التقطه الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ) من منتقى، كان قد جمعه ابن عبد الهادي من شرح النووي لصحيح مسلم.
[ ٩ ]
وقد نشر هذا الجزء في (١٤ صفحة) الباحث مصطفى بن بلْقاسم بلْحاج، ضمن دوريَّة عالم المخطوطات والنوادر (^١).
وقد تميَّز هذا الجزء بتنوع مسائله، ودقَّة ملحوظاته، فصاحبه ابن عبد الهادي عالمٌ كبيرٌ، وإمامٌ جليلٌ من أئمة الحديث والفقه، إلا أنه جزء صغير جدًا، أشبه ما يكون بالإشارات ورؤوس الأقلام، وكثيرًا ما يكتفي ابن عبد الهادي بالإشارة إلى كلام النووي، ثم يعقِّب عليه بقوله: «فيه نظر» أو نحوها من العبارات المختصرة، دون إبداء أي تفصيل أو إيضاح.
وقد أفدتُ من هذا الجزء في مواضع يسيرة جدًا، لا تتجاوز ستة تعقبات وهي:
١ - تعقُّبه النووي في تاريخ وفاة سفيان بن عيينة.
٢ - تعقُّبه في وهمه في أحد الرواة؟
٣ - تعقُّبه في حكاية اتفاق السَّلَف على صحة الصلاة في الدار المغصوبة.
٤ - تعقُّبه في نسبة عدم نقض الوضوء من أكل لحوم الإبل إلى الخلفاء الأربعة.
٥ - تعقُّبه في حكايته الاتفاق على تضعيف حديث من غَسَّل واغتسل.
٦ - تعقُّبه في قوله ببقاء الخَضِر ﵇ حيًّا حتى اليوم.
وأما بقيَّة اعتراضات ابن عبد الهادي فقد تركتها، لأن معظمها إما مسائل اجتهادية خالف فيها ابن عبد الهادي النووي، أو اعتراضات في قضايا لغوية
_________________
(١) العدد الثاني، رجب، ذي الحجة ١٤٣٣ هـ.
[ ١٠ ]
ونحوية، أو الكلام على بعض الرواة جرحًا وتعديلًا، أو تعقبات في ضبط بعض الألفاظ والأسماء.
وجلّ هذه الاعتراضات مما لا يتفق مع منهج بحثي الذي قصرته على القصور والأوهام المحضة فحسب.
٢ - «نكت شرح مسلم للنووي»، لمؤلفه الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
هذا الكتاب وصفه الحافظ السخاوي بقوله: «لم يكمل، رأيت منه كرّاسة من الكلام على المقدمة، وأخرى من الكلام على غيرها» (^١).
والكتاب لم يصلنا منه شيء حسب علمي، ولم ينقل عنه أحد، فلا تعرف طبيعته على وجه الدِّقة.
٣ - «الردود والتعقبات على ما وقع للإمام النووي في شرح صحيح مسلم من التأويل في الصفات وغيرها من المسائل المهمات».
وهو من تأليف الشيخ مشهور حسن آل سلمان، (معاصر)، بيد أن مؤلفه خصصه لنقد النووي في بعض مسائل الاعتقاد، ولم يتعرض لغير ذلك، وقد استثنيت في بحثي هذه المسائل حتى لا يتكرر الكلام.
وفي الختام أود الإشارة إلى أمر أحسبه بديهي، لكن لا بأس من التنبيه عليه ولو بإيجاز، وهو أن كشف أوهام النووي ﵀ ونقدها، إنما مقصوده خدمة كتابه هذا، والارتقاء به نحو الأفضل، وليس المقصود انتقاصه، أو
_________________
(١) «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» (٢/ ٦٧٧).
[ ١١ ]
الغض منه، أو تتبع زلاته، حاشا لله، فهذا مما لم يخطر على البال لأمور أربعة:
الأمر الأول: أن مؤلف الكتاب النووي إمام كبير وعالم جليل، لكنه ليس بمعصوم في كل ما يقول ويكتب، وكما قيل: «أبى الله أن يصحّ إلّا كتابه».
الأمر الثاني: أن الكتاب واسع جدا (^١)، وهو يعد معْلمة إسلامية، أو مدوَّنة كبرى في علوم الشريعة، فكونه وهم أو أخطأ في عشر مسائل أو مائة، فهذا مما لا يعدّ شيئًا، مقابل آلاف المسائل والتحقيقات التي أفادها وأصاب فيها.
الأمر الثالث: أن النووي نفسه قد مارس النقد والاستدراك على غيره، وتعقَّب كثيرًا من العلماء والأئمة والشراح الذين سبقوه، ونبّه على أوهامهم، وصوَّب أخطاءهم، واستدرك عليهم. وفي شرحه هذا مئات الشواهد والأمثلة على ذلك.
الأمر الرابع: أنني لم أنفرد بهذا العمل النقدي، فقد سبقني له كثيرٌ من الأئمة من الذين انتقدوا النووي، أو اعترضوا على بعض كلامه، كما سوف تراه في البحث إن شاء الله تعالى.
ولعل بعض القراء قد يضيقون صدرًا بكتب الردود والتعقبات، ويحسبونها من فضول العلم وتضييع الأوقات!! وهذا خطأ جسيم، واعتقاد
_________________
(١) طبع «شرح النووي على صحيح مسلم» في تسع مجلدات كبار، في كل مجلد جزءان.
[ ١٢ ]
عقيم، فإن من عظيم ألطاف الله بهذه الأمّة أن علماءها يردّ بعضهم على بعض، ولا يسكت بعضهم عن أغلاط بعض، حتى وإن كان المردود عليه من أهل الفضل والصلاح. وبهذه المزيّة حفظ الله ئى شريعته، وصانها من كل تغيير أو تبديل قد يعتريها أو يطرأ عليها.
لكن شرط هذا كله أن يكون الردّ والتعقب في حدود البحث العلمي، مع رعاية أدب الخطاب، وألا يكون الغرض منه تتبع الزلات، وإفحام الخصوم، وإسكات المخالفين!!