ذكر النووي ﵀ حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا (^١)» ثم فسره بقوله: «معناه - والله أعلم - أنهم يتركونها ويعرضون عنها، فتبقى مهملة، لا تزرع ولا تسقى من مياهها، وذلك لقلَّة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلَّة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به» (^٢).
«قال الباحث»: تعقَّبه الشيخُ حمود التويجري (^٣)، فقال: «وفي هذا التأويل نظر؛ لأن أرض العرب أرض قاحلة لا أنهار فيها، وإنما تسقى نخيلها
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه مسلم في «صحيحه»، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة (٢/ ٧٠١)، (حديث: ١٥٧).
(٢) «شرح النووي على صحيح مسلم» (٧/ ٩٧).
(٣) هو الشيخ حمود بن عبدالله التويجري، عالم وقاض ومؤلف، له مؤلفات كثيرة منها: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، وإثبات علو الله على خلقه، والدلائل الواضحات على تحريم المسكرات والمفترات، توفي سنة: ١٤١٣ هـ، ينظر: تتمة الأعلام، لمحمد خير رمضان يوسف (١/ ١٥٤).
[ ٩١ ]
وزروعها من مياه الآبار، ولو تركت وأعرض عنها وبقيت مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياه الآبار؛ لبقيت قاحلة يابسة، والصحيح أن هذه إشارة إلى ما ابتدئ فيه الآن من حفر الآبار الارتوازية التي ينبع الماء منها بكثرة، وإلى عمل السدود التي تحبس مياه السيول، فتكون أنهارًا تجري إلى الأراضي الطيبة، فتكون مزارع ومروجًا للدواب … وقد ظهر مصداق ما أخبر به رسول الله -ﷺ- في أرض العرب بما ظهر فيها الآن من الآبار الارتوازية، وسيتم ذلك فيما بعد، فتكون مروجًا وأنهارًا؛ كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه» (^١).
وهذا اجتهاد من الشيخ التويجري ﵀ في تفسير الحديث، ومن الصَّعب الجزم بتنزيل الحديث عليه دون مستند شرعي يشهد له.
وهناك تفسير ثالث للحديث ذهب إليه بعض المشتغلين بمسائل الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة في العصر الحديث، حيث قرروا أن في الحديث معجزة علمية لم تعرف ولم تكتشف إلا اليوم!!.
قالوا: إن الدراسات والأبحاث العلمية الحديثة أثبتت بأن جزيرة العرب كانت في العصور القديمة قبل نحو عشرة آلاف سنة أرضًا خصبة، تغطيها مساحات واسعة من الأنهار والبحيرات المائية، قبل أن تطرأ عليها حالة الجفاف والتصحر الحالية.
قالوا: فقوله في الحديث: «حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا»
_________________
(١) «إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم» لحمود التويجري (٢/ ١٩١).
[ ٩٢ ]
يدل على أنها كانت كذلك في وقت سابق، وأنها ستعود إلى حالتها الأولى قبل قيام الساعة (^١).
«قال الباحث»: كل هذه الأقوال: فرضيات واجتهادات محتملة في تفسير الحديث، ليس لدينا ما يثبتها، أو ينفيها على وجه اليقين.
والأصوب فيما يبدو: أن يكون العود في قوله «حتى تعود» معناه الصيرورة، أي تصير مروجًا وأنهارًا، ومنه قول العرب: عاد الرأْس منِّي كالثَّغَام، بمعنى صار (^٢).
وعليه فإن جزيرة العرب سوف يطرأ عليها في مستقبل الزمان تغيرات مناخية تقلبها من أرض يابسة جرداء إلى أرض ذات مطر غزير وأنهار، وليس بالضرورة أنها كانت قديمًا كذلك، وهذا أمر ليس بالغريب في ظل ما نشاهده اليوم من تغيرات المناخ وتقلباته في كثير من نواحي الأرض، فكم من أرض كانت يابسة، ثم غمرتها المياه مع مرور الأزمنة المتطاولة، وكم من أرض انحسر الماء عنها، وأصبحت يابسة يمشي فوقها الناس، بعد أن كانت مغمورة تحت الماء.
هذا هو الأقرب في تفسير الحديث، لكونه يتماشى مع ظاهره، دون زيادات واحتمالات.
_________________
(١) ينظر كتاب: «قواعد تناول الإعجاز العلمي والطبي في السنة وضوابطه» لعبدالله المصلح (ص: ٣٠).
(٢) «تاج العروس» (٨/ ٤٣٢).
[ ٩٣ ]
والحاصل أن عودة جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا في آخر الزمان هو من علامات الساعة وقرب قيامها، فيجب الإيمان به كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -ﷺ-، ولا يضيرنا الجهل بتحديد أسباب حصول ذلك، فمثل هذا مما لا يضر المسلم في دينه، ولا في عقيدته شيئًا، والعلم عند الله تعالى.