قال النووي ﵀: «أما البركة التي فيه (^١) فظاهرة، لأنه يقوِّي على الصيام، وينشِّط له، وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام، لخفة المشقَّة فيه على المتسحر، فهذا هو الصواب المعتمد في معناه، وقيل: لأنه يتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء في ذلك الوقت الشريف؛ وقت تنزل الرحمة وقبول الدعاء والاستغفار، وربما توضأ صاحبه وصلَّى، أو أدام الاستيقاظ للذكر والدعاء والصلاة، أو التأهب لها حتى يطلع الفجر» (^٢).
«قال الباحث»: لست مع النووي في تصويب المعنى الأول وحصر الحديث فيه، والظاهر أن الحديث يشمل الأمرين معًا، تحصيل البركة الدنيوية من تقوية بدن الصائم على احتمال مشقة الصيام في النهار، ويشمل أيضًا تحصيل البركة الدينية من الاستيقاظ في وقت السحر المبارك، ومداومة الذكر
_________________
(١) يشير إلى حديث أنس بن مالك مرفوعًا: «تسحروا فإن في السحور بركة» «صحيح مسلم»، كتاب الصيام، باب فضل السحور (٢/ ٧٧٠)، (حديث: ١٠٩٥).
(٢) «شرح النووي على صحيح مسلم» (٧/ ٢٠٦).
[ ٩٧ ]
والدعاء، ومتابعة السنّة …
لذلك قال الحافظ ابن حجر ﵀: «الأَولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعددة، وهي اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوِّي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخُلُق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام» (^١).
ويقول ابن دقيق العيد وكأنه يردّ على كلام النووي: «وهذه البركة: يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية، فإن إقامة السنّة توجب الأجر وزيادته. ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية، لقوة البدن على الصوم، وتيسيره من غير إجحاف به … ومما عُلل به استحباب السحور: المخالفة لأهل الكتاب، فإنه يمتنع عندهم السحور، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأمور الأخروية» (^٢).
والحاصل أن النووي ﵀ ربما ضيّق في تفسير بعض الأحاديث، فيقصرها على معنى واحد فحسب، مع أن ظاهرها محتملٌ لمعان أخرى قوية، وربما كانت جميعها داخلة ومشمولة في مراد النصّ، كما وقع هنا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) «فتح الباري» (٤/ ١٤٠).
(٢) «إحكام الإحكام» لابن دقيق العيد (٢/ ١٠).
[ ٩٨ ]