ذكر النووي ﵀ حديث عائشة في قصة دخول سالم مولى أبي حذيفة على سهْلة بنت سُهيل، وقول النبي -ﷺ-: «أرضعيه تحرمي عليه» (^٢)، ثم نقل توجيه العلماء لقوله: «أرضعيه»، فنقل عن القاضي عياض قوله: «لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمسّ ثديها ولا التقت بشرتاهما» (^٣)، ثم قال النووي: «وهذا الذي قاله القاضي حسن، ويحتمل أنه عفي عن مسّه للحاجة، كما خصّ بالرضاعة مع الكبر» (^٤)!!
«قال الباحث»: هذا الاحتمال الثاني غير صحيح، وكان الأولى عدم ذكره، إذ كيف يحلّ لرجل بالغ كامل الرجولة أن ينظر إلى ثدي امرأة أجنبية،
_________________
(١) «تفسير القرطبي» (١٩/ ٢٣٣).
(٢) وهو مخرج في صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير (٢/ ١٠٧٦)، (حديث: ١٤٥٣).
(٣) ينظر: «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٤/ ٦٤١).
(٤) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٠/ ٣١).
[ ١٠٩ ]
فضلًا أن يلتقمه بفمه ويرضعه ويمصه، كما يفعل الأطفال، هذا مما لا يحلّ قطعًا!!.
وعامة الشراح فسروا كلمة «أرضعيه» بأنها تحلب له اللبن في إناء، ثم يشربه من غير أن ينظر إلى الثدي أو يمسّه أو يقترب منه، ولا يذكرون القول بالرضاع المباشر إلا لردّه والإنكار على قائله، كما تراه في كلام الأئمة ابن قتيبة (^١)، وابن عبد البر (^٢)، والعراقي (^٣) وغيرهم.
يقول ابن قتيبة ﵀: «ولم يرد النبي -ﷺ- ضعي ثديك في فيه، كما يُفعل بالأطفال، ولكن أراد: احلبي له من لبنك شيئًا، ثم ادفعيه إليه ليشربه. ليس يجوز غير هذا؛ لأنه لا يحل لسالمٍ أن ينظر إلى ثدييها، إلى أن يقع الرَّضاع، فكيف يبيح له، ما لا يحل له، وما لا يؤمن معه من الشهوة؟» (^٤).
ويقول ابن عبد البر: «هكذا إرضاع الكبير يحلب له اللبن ويسقاه، وأما أن تلقمه المرأة ثديها كما تصنع بالطفل فلا، لأن ذلك لا يحل عند جماعة العلماء» (^٥).
_________________
(١) «تأويل مختلف الحديث» (ص: ٤٣٧).
(٢) «التمهيد» لابن عبد البر (٨/ ٢٥٧).
(٣) «طرح التثريب» (٧/ ١٣٩).
(٤) «تأويل مختلف الحديث» (ص: ٤٣٧).
(٥) «التمهيد» لابن عبد البر (٨/ ٢٥٧).
[ ١١٠ ]