اعْلَم -علَّمني الله وإيَّاك- أن البُخَاري لم يُوجد عنه تصريح بشرط معين، وإنما يُوجد ذَلِكَ من معنى تَسْمِيتهِ للكتاب، وبالاستقراء من تصرفه.
فأمَّا أولًا: فإنه سَمَّاه الجامع الصحيح المُسْنَد المُخْتَصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيّامهِ.
فعرفنا بقوله: (الْجَامع) أنه لم يختص بصنف دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكام والفضائل، والأخبار المحضة عن الأمور الماضية والأمور الآتية، وغير ذَلِكَ من الآداب والرَّقائق.
وبقوله: (الصحيح) أنه ليس فيه شيء ضعيف عنده، وإن كَانَ فيه مواضع قد انتقدها غيره، وحَصَل الإعتناء بالجواب عن ذَلِكَ في مُقدِّمة الشرح الكبير، ويُصَرح بذلك قوله: "ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ" (١).
وبقوله: (الْمُسْنَد) أن مقصوده الأصلي: تخريج الأحاديث الَّتِي اتصل إسْنَادها ببعض الصحابة عن النبي - ﷺ -، سواء كانت من قول النبي - ﷺ - أو فعله أو تقريره، وأن ما وقع ما (٢) في الكتاب مما يُخالف ذَلِكَ؛ إنما وقع فيه تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا، فهذا ما عُرف من كلامه.
_________________
(١) رواه ابن عدي في كتابه "من روى عنهم البخاري في الصحيح" (١/ ٦٢)، وأبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (٣/ ٩٦٢) من طريق ابن عدي.
(٢) كذا بالأصل، ولعلها زائدة.
[ ١ / ٧٥ ]
وأما ما عُرفَ بالاستقراء من تَصَرُّفه، فيحتاج أولًا إلَى التعريف بالصحيح عنده وعند غَيره:
وهو أن يكون الإسناد متصلًا، وأن يكون كُل مِنْ رواته عدلًا، وأن يكون موصوفًا بالضبط، فإن قَصَّرَ احتاج إلَى ما يَجْبر ذَلِكَ التَّقصير، ويكون الحديث مع ذَلِكَ قد خلا من أن يكون مَعْلولًا -أي: فيه عِلَّة خفية قادحة-، أو أن يكون شَاذًا -أي: خالف [٣/ ب] رَاويه من هو أكثر عددًا منه أو أشد ضبطًا مُخَالفة تَستلزم التَّنَافي ويُتَعَذر معها الجمع الَّذِي لا يكون مُتَعَسِّفًا.
والاتصال عندهم: أن يعبر كل من الرواة في روايته عن شيخه بصيغة صريحَة في السماع منه: كسمعت، وَحَدَّثنِي، وَأَخْبَرَني، أو ظاهرة في ذَلِكَ: كعن، أو أن فلانًا قَالَ.
وهذا الثاني في غير المُدلَّس الثقة، أما المُدَلَّس الثقة فلا يقبل منه إلا المرتبة الأولى، إلا أن يُعثر منه عَلى ارتكاب مجاز في الصيغ الصريحة فيُحترز منه حينئذٍ، والأصل عدم ذَلِكَ؛ ولهذا أطلق كثير من الأئمة قبول رواية المُدَلِّس الثقة إذا صَرَّح.
ثم إن هذا الثاني شىرط حَمْلِه عَلى السماع عند البُخَاري أن يكون الراوي قد ثَبَتَ له لقاء من حَدَّثَ عنه ولو مرة واحدة، فإذا ثبت ذَلِكَ عنه حُملت عنده عنعنتُه عَلى السماع، وسبب ذَلِكَ أن تقول: إذا لم يثبت لقاؤه له، وإنما عرفنا أنه عاصره فقط، احتمل أن تكون روايته عنه على طريق الإرسال؛ لما عرف من عادة كثير ممن لم يوصف بتدليس أنه يُرْسِل، وإذا لم يترجح أحد الاحتمالين عَلى الآخر لم يحسن الحمل عَلى أحدهما.
فإن قِيل: فَلِمَ لَمْ يَطْرُد ذَلِكَ في جَميع عنعنته؟
فالجواب: أن ذَلِكَ يُخالف فَرْض المسألة؛ لأنها مَفْروضة في غير المُدَلَّس، ولو كَانَ بعد أن ثبت لقاؤه لشيخه قد حدَّث عنه بالعنعنة بما لم يَسْمعه لكان بذلك مُدَلِّسًا، والفَرْض أنه غير مُدلس، فكان الاتصال ظاهرًا في ذَلكَ، وعُرف من هذا أن شرط البُخَاريّ في الاتصال أتْقَنُ (١) من شرط غيره مِمَّن اكتفى بالمُعَاصرة.
_________________
(١) في الأصل: "أقوى"، وقد ضبب عليها وكتب فوقها "أتقن" وبجوارها "صح".
[ ١ / ٧٦ ]
وكذا عرفنا بالاستقراء من تصرفه في الرجال الذين يُخرج عنهم أنه ينتقي أكثرهم صُحبة لشيخه وأعرفهم بحديثه، وإن أخْرَج من حديث مَن لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخَرِّجُ في المتَابَعات، أو حيث يقوم له قَرينة بأن ذَلِكَ مِمَّا ضبطه هذا الراوي.
فبمجموع ذَلِكَ: وَصَف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنَّفة في الحديث، ولم يُنقل عن أحد أنه خالف في ذَلِكَ، إلا ما حَكى ابن مَنْده أنه سمع أبا علي النَّيْسَابُوري يقول: "ما تحت أَدِيمِ السَّمَاءِ أصحُ من [٤ / أ] كتاب مُسْلِم" (١).
وهذا وإن كَانَ مستلزمًا لعدم أفضلية صحيح البُخَاريّ عَلى صحيح مُسْلِم، لكن لا يلزم منه أن صحيح مُسْلِم أصح من صحيح البُخَاريّ عند أبي علي؛ لاحتمال أنه يَرَى المُسَاواة بينهما، وَعَلىَ تقدير أن يثْبُت عن أبي علي أنه صَرَّح بذلك فهو محجوج بإجماع مَنْ قبله ومَن بعده عَلى خلافه.
وأمّا ما حُكي عن المغاربة من أنهم يفضلون صحيح مُسْلِم عَلى صحيح البُخَاريّ، فذلك راجع إلَى أمر آخر، وهو أنه يجمع المتون في موضع واحد ولا يفرقها في الأبواب، ويسوقها تامة ولا يُقَطِّعها في التراجم، ويحافظ عَلى الإتيان بألفاظها، ولا يروي بالمعنى، ويفردها ولا يخلط معها شيئًا من أقوال الصحابة ومن بعدهم في الغالب، وهذا جميعه وإن كَانَ يستدعي أفضليته من جهة فإنه يستدعي أفضلية البُخَاريّ من جهة أنه امتاز عن الوقوف عند مطلق الجمع، واختص بنفع الطالب بما استَنْبَط من فقهه في تراجمه بما يَشُوق النظرَ ويَرُوق السمعَ، وبقي ما يتعلق بأفضلية الأصحية له مُسَلَّمًا من المخالف والموافق، ناطقًا بذلك أو مقررًا له علماء المغارب والمشارق، ذَلِكَ فضلُ الله يُؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فهذا فيما يتعلق بشرطه في الصحة، وأمَّا ما يتعلق بمَوْضوعه: فعُرف بالإسْتِقراء من طريقته، وبما تقدم في المفاضلة، أن مسلمًا يجمعُ المتون في موضع واحد، وَالبُخَاريّ يُفرِّقها في الأبواب اللائقة بِها، لكن ربما كَانَ ذلِكَ الحديث ظاهرًا في ذَلِكَ
_________________
(١) "تاريخ بغداد" (١٣/ ١٠٢).
[ ١ / ٧٧ ]
الباب وربما كَانَ خَفِيًّا، والخفي ربما حصلَ تناوله بالاقتضاء أو باللزوم، أو بالتمسك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أن في بعض طُرق ذَلكَ الحديِث ما يُعطي المقصودَ وإن خلا عنه لفظ المتن المُسَاق هناك، تنبيهًا عَلى ذَلكَ المشار إليه بذلك، وأنه صَالِح لأن يُحْتجَّ به وإن كَانَ لا يرْتَفع (١) إلَى درجة شرطه.
واحتاجَ إلى هذا وأمثاله أن يُكرر الأحاديث؛ لأن كثيرًا من المتون يَشْتمل عَلى عدة أحكام، فيحتاج أن يذكر في كل باب يليق ذِكْرُ ذَلكَ الحكم فيه ذَلِكَ الحديث بعينه، فإن سَاقه بتمامه إسنادًا ومتنًا طَالَ التكرير [٤/ ب]، وخرج عن وَضع الاختصار، وإن أَهْمله فلا يليق به، فَتَصَرَّف فيه بوجوه من التَّصَرُّف وهو أن ينظر في الإسناد إلَى غاية مَن يَدور عليه الحديث مِن الرواة؛ أي: يَنْفرد بروايته، فيُخرجه في باب عن راوٍ يرويه عن ذَلكَ المُنفرد، وفِي باب آخر عن رَاوٍ آخر عن ذَلك المُنْفَرد وهلُمَّ جَرًّا.
فإن كثرت الأحكام عن عدد الرواة عَدَل عن سِيَاقة تامِّ الإسناد إلَى اختصاره مُعَلَّقًا، وهذه إحدى الحِكَم في تعليقه ما وَصَله في موضع آخر، وإن ضاق مخرجه كأن يكون فردًا مُطلقًا تصرف حينئذٍ في المتن، فيسوقه تارة تامًّا، وتارة مُقتصرًا عَلى بعضه، بحسب نشاطه، وبحسب ما يحتاج إليه في ذَلِكَ الباب.
فعُلم من هذا أنه لا يكرر إلا لفائدة، ففي التحقيق لا تكرار فيه؛ إذ حقيقة التكرار أن يُعيد بلا فائدة، ولم أره خالف هذا إلا في مواضع نادرة.
ثم إنه في حال تصنيفه كأنه بسط التراجم والأحاديث، فجعل لكل ترجمة حديثًا يلائمها، وبقيت عليه تراجم لم يجد في الحالة الراهنة ما يلائمها فأخلاها عن الحديث، وبقيت عليه أحاديث لم يتضح له ما يرتضيه في الترجمة عنها فجعل لَها أبوابًا بلا تراجم، فيوجد فيه أحيانًا باب مترجم وليس فيه سوى آية أو كلام لبعض الصحابة أو من بعدهم، وأحيانًا باب غير مترجم وقد ساق فيه حديثا أو أكثر، والنكتة في ذَلِكَ ما أشرت إليه.
_________________
(١) في الحاشية "لا ينتهي" وكتب فوقها "نسخة".
[ ١ / ٧٨ ]