روى غُنْجَار في تاريخه من وجهين أن مُحَمَّد بن إسماعيل ذَهَبَت عيناه في صغره، فرأت والدته إبراهيم الخليل في النوم، فقال لَها: يا هذه، قد رد الله عَلى ابنك بصره لكثرة دعائك، قالَ: فأصبح وقد رد الله عليه بصره، ورواها أبو القاسم اللالكائي في كتاب "كرامات الأولياء" له من طريق غُنْجَار (١).
وقالَ الفَربري: سمعت مُحَمَّد بن أبي حاتم وراق البُخَاريّ يقول: سمعت البُخَاريّ يقول: أُلْهِمْتُ حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب، قُلْتُ: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكُتَّاب بعد العشر فجعلت أختلف إلَى الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما كَانَ يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلت: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت: ارجع إلَى الأصل إن كَانَ عندك، فدخل فنظر فيه ثم رجع، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قُلْتُ: هو الزبير وهو ابن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم وأصلح كتابه وقَالَ: صدقت (٢).
قَالَ: فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظتُ كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء لمعنى أهل الرأي، ثم خرجت مع أمي وأخي أَحْمَد إلَى مكة، فلما حججنا رجع أخي وتخلفت بِها في طلب العلم (٣).
قُلْتُ: فكان حجه عَلى هذا سنة عشرٍ ومائتين.
قَالَ: فلما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب: "قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم"، ثم صنفت: "التاريخ" في المدينة عند قبر النبي - ﷺ -، وكنت أكتبه في الليالي المقمرة، قَالَ: وقل اسم في "التاريخ" إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت أن يطول الكتاب (٤).
وَقَالَ وراق البُخَاري: سمعته يقول: دخلتُ بَلْخ، فسألوني أن أملي عليهم لكل
_________________
(١) "كرامات الأولياء" برقم (٢٢٩)، وراجع: "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٣٩٣).
(٢) راجع: "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٣٩٣).
(٣) راجع: "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٠٠).
(٤) راجع: "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٠٠).
[ ١ / ٨٨ ]
من لقيت حديثا عنه، فأمليتُ ألف حديث لألف شيخ ممن كتبتُ عنهم، ثم قَالَ: كتبت عن ألفٍ وثمانين نفسًا ليس فيهم إلا صاحب حديث (١).
وَقَالَ أيضًا: لم أكتب إلا عمن قَالَ: "الإيمان قول وعمل" (٢).
وَقَالَ جعفر بن مُحَمَّد القطان: سمعته يقول: ما عندي حديث إلا وأذكر إسناده (٣).
وَقَالَ سهل بن السري: قَالَ البُخَاريّ: رحلت إلَى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلَى البصرة أربع مرات، قَالَ: وأقمتُ بالحجاز ستة أعوام [٨/ أ]، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد (٤).
وَقَالَ العباس الدوري: ما رأيتُ أحسن طلبا للحديث من مُحَمَّد بن إسماعيل.
وَقَالَ أبو الفضل ابن طاهر: عزم مُحَمَّد بن إسماعيل عَلى الرحلة إلَى اليمن لأجل عبد الرزاق، وكان ذَلِكَ سنة عشرٍ ومائتين، وعبد الرزاق حي، فلقيه يحيى بن جعفر فسأله عنه، فقال له: مات عبد الرزاق، فسمع البُخَاريّ حديث عبد الرزاق من يحيى بن جعفر، ثم بان بَعْدُ أن عبد الرزاق ما كَانَ مات، فحمل الأمر عَلى أن يحيي بن جعفر اعتمد في إخباره بموته عَلى حكاية شائعة لم تثبت، ولم يقدح ذَلِكَ فيه عند البُخَاريّ، بل كَانَ يثني عليه.
وَقَالَ حاشد بن إسماعيل: كَانَ البُخَاريّ يختلفُ معنا إلي مشايخ البصرة وهو غُلام، فلا يكتب حَتَّي أتى عَلى ذَلِكَ أيام، فَلُمْناه بعد ستة عشر يومًا، فقال: قد أكثرتم عليَّ، فاعرضوا عليَّ ما كتبتم، فأخرجناهُ فزاد عَلى خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حَتَّى جعلنا نحكم (٥) كتبنا من خطه (٦).
_________________
(١) راجع: "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٣٩٥).
(٢) راجع: "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٠٠).
(٣) راجع: "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٠٧).
(٤) راجع: "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٠٧).
(٥) في الحاشية نسخة أخرى: "نصلح".
(٦) راجع: "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٠٨)، والصواب: "حفظه" وليس "خطه"، وكذا وقع في "هدي الساري" (ص ٥٠٢).
[ ١ / ٨٩ ]
وَقَالَ مُحَمَّد بن الأزهر (١) السجستاني: كنتُ في مجلس سليمان بن حرب وَالبُخَاريّ معنا يسمع ولا يكتب، فقيل لبعضهم: ما له لا يكتب؟ فقال: يرجع إلَى بخارى فيكتب من حفظه.
وَقَالَ أبو بكر بن أبي عتاب الأعين: كتبنا عن مُحَمَّد بن إسماعيل عَلى باب مُحَمَّد بن يوسف الفريابي وهو أمرد.
قُلْتُ: كَانَ موت الفِريابي سنة اثنتي عشرة ومائتين، وللبخاري إذ ذاك ثماني عشرة سنة.
وَقَالَ وراق البُخَاريّ عنه: كنت في مجلس الفريابي فقال: حَدَّثَنَا سفيان، عن أبي عروة، عن أبي الخطاب، عن أنس، فذكر حديثا قَالَ: فلم يعرف أحد في المجلس أبا عروة ولا أبا الخطاب، فقلت لهم: أبو عروة هو معمر، وأبو الخطاب هو قتادة، قَالَ: وكان الثوري فَعُولًا لذلك يكني المشهورين.