قال (ح): قوله: حدّثنا الحميدي .. إلى أنّ قال: كأن البخاريّ امتثل قوله - ﷺ -: "قَدِّموا قُرَيْشًا" فافتتح كتابه بِالرِّوَايَةِ عنه لكونه أفقه قرشي أخذ عنه، ولأنّه مكي كشيخه فناسب أنّ يذكر في أول ترجمة بدء الوحي لأنّ ابتداءه كان بمكة ومن ثمّ ثنى بالرواية عن مالك لأنّه شيخ أهل المدينة، وهي تالية لمكة في نزول الوحي وفي جميع الفضل، ومالك وابن عيينة قريبان.
قال الشّافعيّ: لولاهما لذهب العلم من الحجاز (٣٠).
قال (ع): فإن قلت: لم قدم رواية الحميدي على غيره من مشايخه؟
قلت: هذا السؤال ساقط لأنّه لو قدم رواية غيره لكان يقال لم قدم على غيره.
وقال بعضهم: قدم الرِّواية عن الحميدي لأنّه قرشي، وساق كلام (ح) ثمّ قال: قلت: وليس البخاريّ هنا في صدد بيان فضيلة قريش ولا مكّة حتّى يبتدىء برواية قرشي مكي، وأيضًا فقوله - ﷺ -: "قَدِّمُوا قُرَيْشًا" إنّما هو
_________________
(١) فتح الباري (١/ ١٠١) وعمدة القاري (١/ ٢٥٦).
(٢) فتح الباري (١/ ١٠).
[ ١ / ٢٨ ]
في الإمامة الكبرى ليس إِلَّا، وفي غيرها يقدم الباهلي العالم على القرشي الجاهل.
وقوله: لأنّ ابتداء الوحي الخ إنّما يستقيم أنّه لو كان الحديث في أمر الوحي، وإنّما الحديث في النية فلا يلزم من ذلك ما قال (٣١).
قلت: أجوبة هذا الفصل ظاهرة لكل من يبتدىء طرفًا من العلم، وما كنت أظن أن العصبية تنتهي به إلى هذه المكابرة، وهب أنّ البخاريّ ليس هنا في صدد فضيلة قريش تمتنع أن تقصد المناسبة المذكورة، وحصره الذي ادعاه في "قَدِّمُوا قَرَيْشًا" مردود، لأنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب، وهو لا يزال يحتج بهذه القاعدةُ، ولما لم توافق هواه ردها وأكد الرَّدِّ.
وقوله: يقدم الباهلي الخ يفهم منه أنّ القرشي الجاهل في الإِمامة الكبرى يقدم على الباهلي العالم وليس كذلك، لأنّ شرط الإمام الأعظم أن يكون عالمًا، وأمّا رده الأخير فجوابه أنّ الحديث وإن كان في النية لكن المناسبة المذكورة إنّما هي في التّرجمة لأنّها في بدء الوحي فتمت المناسبة.
قوله: