قوله في الكلام على حديثها: أول ما بدىء به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا إلى أنّ قال: فقلت: "مَا أَنَا بقَارِيءٍ" (ما) نافية إذ لو كانت إستفهامية لم تدخل الباء عليها، وإن حكي جوازه عن الأخفش فإنّه شاذ، وإنّما الباء زائدة لتأكيد النفي، وجَوَّز أبو شامة أن تكون (ما) الأولى للإِمتناع، والثّانية للإِخبار، والثالثة للإِستفهام.
قلت: ويؤيده أنّ في رواية أبي الأسود عن عروة في مغازيه كيف أقرأ ونحوه من وجه آخر عن الزّهري في الدلائل للبيهقي (٣٤).
قال (ع): العجب من هذا الشارح يغلط من قال: إنها إستفهامية، ثمّ يذكر رواية أبي الأسود وهي مصرحة بأنّها إستفهامية (٣٥).
قلت: انظر وتعجب.
قوله: "فرجع بها".
_________________
(١) عمدة القاري (٤٢ - ٤٣).
(٢) فتح الباري (١/ ٢٤)
(٣) عمدة القاري (١/ ٥٧).
[ ١ / ٣٠ ]
قال (ح): أي بالآيات أو بالقصة (٣٦).
قال (ع): قوله: أو بالقصة لا وجه له أصلًا على ما لا يخفى (٣٧).
قلت: من يخفى عليه مثل هذا ما له يعترض على من يفهم.
قوله: ويكسب المعدم.
قال (ح): بفتح أوله على المشهور، وبالضم وعليها قال الخطابي: الصواب المعدم بضم الميم بلا واو أي الفقير لا يكسب.
قال (ح): ولا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم، لكونه كالمعدوم الميِّت الذي لا تصرف له (٣٨).
قال (ع): الصواب ما قاله الخطابي، وكذا قال الصغاني في العباب، وتكسب المعدوم أي تعطي العائل وتردفه (٣٩).
قال (ح): قوله: "فَحَمِيَ الْوحْيُ" أي قوي وجاء كثيرًا، وفيه مطابقة لتعبيره عن تأخيره بالفتور، إذ لم ينته إلى الانقطاع، فوصف بالمصدر وهو البرد.
وقوله: "وتتابع" أي تكاثر وهو تأكيد معنوي، ووقع في الكشميهني وأبي الوقت، "وتواتر" ومعناه مجيء الشيء يتلو بعضه بعضًا من غير خلل (٤٠).
قال (ع) قالوا: الشراح كلهم معنى حمى، وتتابع واحد فأكد أحدهما بالآخر.
_________________
(١) فتح الباري (١/ ٢٤).
(٢) عمدة القاري (١/ ٥٧).
(٣) فتح الباري (١/ ٢٤).
(٤) عمدة القاري (١/ ٥١) وانظر مبتكرات اللآلي والدرر (ص ١٩ - ٢٠) للبوصيري حيث أيد الحافظ ابن حجر في قوله.
(٥) فتح الباري (١/ ٢٨).
[ ١ / ٣١ ]
قلت: ليس معناهما واحد، فإن معنى حَمِيَ النهار اشتد حره، ومعنى تتابع تواتر، فالمراد حَمِيَ الوحي اشتداده وهجومه، وتتابعه تواتره وعدم انقطاعه، وإنّما يكتف بحمي لأنّه لا يستلزم الإستمرار والدوام، فلذلك قال: وتتابع، وهذا من الأسرار الرِّبَانية والأفكار الرّحمانية، والتواتر مجيء الشيء يتلو بعضه بعضًا من غير خلل، ولقد أبعد من قال: وتتابع تأكيد معنوي، لأنّ التأكيد المعنوي ألفاظه مخصوصة، وإن لم يردّ التأكيد الإِصطلاحي فهو ما يكون بين لفظين معناهما واحد، وقد ثبت تغايرهما (٤١).
قال (ح): لم يقتصر الجميع على ما ادعاه من وحدة المعنى فيهما بل جوزوا المغايرة، وقد جوزوا رد الأوّل إلى الثّاني، فقالوا: حمي كناية عن مجيئه كثيرًا، ومعنى الكثرة موجود في التتابع أيضًا، وليس هذا بعجيب فإن اللّفظ قد يصير بمعنى اللّفظ بضرب من التّأويل، ثمّ في قوله الشراح كلهم مجازفة عظيمة لأنّه حين كتابته هذا الشرح لم يستمد إِلَّا من الفتح أو الكرماني. ولم يراجع إلى التلويح والتوضيح وكل شيءٍ ينسبه إلى أي مصنف اتفق من شراح البخاريّ إنّما يتلقاه عنه من أحد الشيوخ الثّلاثة، فكيف يتوجه قوله الشراح كلهم؟! والله المستعان.
قوله: