غريب، تفرَّد به أسد موصولًا، وقال غيره: عن الليث عن يحيى أن جدّه (في النسخة: حديثه (^١» مرسل".
أقول: سعد بن سعيد ليس بالحافظ عندهم (^٢)، وقد اختلفت الألفاظ في موضعين كما ترى:
أما الأول: ففي رواية ابن نمير عنه "أصلاة الصبح مرتين؟ "، هكذا رواه أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة عن ابن نمير، وفي رواية عثمان بن أبي شيبة "صلاة الصبح ركعتان"، وهي قريب من التي قبلها، فإن خالفتْها فأحمد وأبو بكر أثبتُ، وفي رواية سفيان بن عيينة عن سعد "ما هاتان الركعتان؟ "، ويوافقها ما في مرسل عبد ربه: "ما هذه الصلاة؟ "، وفي مرسل يحيى، وأسنده أسد: "ما هاتان الركعتان؟ "، وفي رواية الدراوردي عن سعد: "مهلًا يا قيس! أصلاتان معًا؟ ". والدراوردي ليس بالحافظ؛ إلا أن هذا اللفظ يقرب في المعنى من لفظ ابن نمير.
[ق ٨ ب] وأما الموضع الثاني: ففي عامة الروايات: "فسكت النبي - ﵌ - "، وفي رواية الدراوردي عن سعد وحدها: "فقال: فلا إذًا".
فأما الموضع الأول ففيه احتمالان:
الأول: أن ترجَّح رواية ابن عيينة لجلالته وقِدَم سِنِّه وسماعه، وذلك مظنة أن سماعه من سعد أقدم من سماع غيره، وإذا اختلفتْ رواية رجلٍ فالرواية التي ذكرها قبل تقدمه في السنّ أولى؛ لأن العادة أن الرجل كلما
_________________
(١) كذا في المطبوعة.
(٢) انظر "تهذيب التهذيب" (٣/ ٤٧٠).
[ ١٦ / ١٤٠ ]
تقدَّم في العمر ضعف حفظه. ولموافقتها
_________________
(١) أعني رواية ابن عيينة عن سعد لمرسل عطاء، والظاهر أنه إنما سمعه من سعد كما تقدم عن ابن عيينة، ولرواية عبد ربه ويحيى أخوي سعد، وهما أجلُّ من سعد، ولاسيما يحيى، فإن ابن عيينة عَدَّه في محدثي الحجاز الذين يجيئون بالحديث على وجهه. وعلى هذا، فالظاهر أن النبي - ﵌ - إنما سأل عن تينك الركعتين خشيةَ أن تكونا مما لا يجوز صلاته في ذلك الوقت، فلما ذكر الرجل أنهما ركعتا الفجر لم يُصلِّهما قبل الفريضة فقد أدركهما حينئذٍ سكت النبي - ﵌ -، فدلَّ سكوتُه على الجواز، كما فهمه عطاء والشافعي وغيرهما. الاحتمال الثاني: أن يقال: لا منافاة بين قوله: "ما هاتان الركعتان؟ " وبين قوله: "أصلاة الصبح مرتين؟ "، فلعله - ﵌ - جمع بين اللفظين. فأما قوله: "أصلاتان معًا؟ " فهو محتمل لأن تكون بمعنى: "أصلاة الصبح مرتين؟ ". وأما ما في رواية الدراوردي: "صلاة الصبح ركعتان" فهو قريب من ذلك، مع أن الدراوردي ليس بالحافظ. وعلى هذا الاحتمال فيكون قد قال - ﵌ -: "أصلاة الصبح مرتين؟ " وهذا يحتمل وجهين: الأول: إبقاؤه على ظاهره، وذلك أن النبي - ﵌ - يعلم أن راتبة الصبح محلها قبلها، والغالب أداؤها كذلك، فلما رأى الرجل صلَّى بعد الصبح ركعتين جوَّز أن يكون إنما أعاد الصبح، فأنكر عليه ذلك، فلما أخبره بأنه لم يُصلِّ الصبح مرة أخرى، وإنما تداركَ الراتبة، سكت عنه.
[ ١٦ / ١٤١ ]
الوجه الثاني: أن يحمل على نحو ما وقع في حديث عبد الله بن سَرْجَس في "صحيح مسلم" (^١) وغيره أن رجلًا دخل المسجد والنبي - ﵌ - في صلاة الصبح، فصلى ركعتين وحده، ثم دخل مع الجماعة فصلى، قال: فلما سلَّم رسول الله - ﵌ - قال: "يا فلان! بأيِّ الصلاتينِ اعتددتَ؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟ ".
فلم يكن صلاة الرجل وحدَه مَظِنةَ أنه قصد بها الفرض، ولكن النبي - ﵌ - نزَّلها منزلتَها، كناية عن أن ذلك الوقت إنما تصلح فيه الفريضة، كما صرّح به في الحديث الآخر: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ".
فيحمل قوله في حديث قيس: "أصلاة الصبح مرتين" على نحو هذا، بأن يقال: لم يكن هناك مظنة لإعادة الرجل صلاةَ الصبح بعد أن صلاها مع النبي - ﵌ -، وإنما نُزِّلتْ منزلةَ ذلك كنايةً عن أن الوقت إنما تصلح فيه الفريضة؛ لأنه وقت كراهة.
أقول: وينبغي تدبر هذا الموضع، فإن فيه دقةً، فاعلم أن قوله - ﵌ - للذي صلَّى بعد إقامة الصبح: "بأيِّ صلاتَيْك اعتددت؟ " يتضمن إنكارينِ:
الأول: إنكار اشتغاله بصلاة غير المكتوبة، وقد أقيمت المكتوبة. وكنى عن هذا الإنكار بتنزيل صلاته وحده منزلة الفريضة، فكأنه قال: هذا الوقت ــ أي وقت إقامة المكتوبة ــ لا تصلح فيه إلا المكتوبة، فلعلك أردتَ بصلاتك أن تكون هي المكتوبة، وهذا كما تقول لمسلم تعلم أنه مفطر في نهار رمضان بغير عذر، وقد سمعته يشتم إنسانًا: لا ينبغي للصائم أن يشتم
_________________
(١) رقم (٧١٢).
[ ١٦ / ١٤٢ ]