"فلا إذنْ"، أي إذا كانت قد أفاضت فليستْ بحابستنا.
ومثله ما في "صحيح مسلم" (^١) في حديث النعمان بن بشير لما نَحَلَه أبوه غلامًا، وجاء يُشهد النبي - ﵌ -، فقال - ﵌ - لبشير: "أكلَّ بَنِيكَ قد نَحَلْتَ مثل ما نحلتَ النعمانَ؟ " قال: لا. قال: "فأَشْهِدْ على هذا غيري"، ثم قال: "أيسرُّكَ أن يكونوا إليك في البرِّ سواءً؟ " قال: بلى. قال: "فلا إذَنْ" أي فإذا كان كذلك بأن كان يسرُّك استواؤهم في البر، فلا يصح أن تُفضِّل بعضَهم على بعض في النحلة.
وحكى صاحب "فيض الباري" (^٢) من الحنفية عنهم أنهم قدَّروا: "فلا جوازَ إذنْ" قال: "إلا أنه لا يظهر فيه معنى الفاء ". ثم ذهب يُوجِّه ذلك، ويحاول أن يصير المعنى ما عبَّر عنه بلغة أردو بقوله: "بهر بهي نهين" أي "وأيضًا لا"، أو "ومع ذلك لا".
ولم أر فيما استشهد به ما تقوم به الحجة.
ومقصودي هنا الكلام على هذا الحديث لا على أصل المسألة، فإن للكلام فيها موضعًا آخر، حتى لو ثبت ما تقوم به الحجة على المنع من تدارك ركعتي الفجر بعد صلاتها وقبل طلوع الشمس، لكان الجواب عن حديث قيس أنه لم يثبت ثبوتًا تقوم به الحجة وحده، فأما دلالته فظاهرة، والله أعلم.
_________________
(١) رقم (١٦٢٣/ ١٧).
(٢) هو الشيخ محمد أنور شاه الكشميري، وكلامه في "العرف الشذي" (١/ ٤٠٢، ٤٠٣).
[ ١٦ / ١٤٥ ]
نعم، أنبِّه على شيء واحدٍ، وهو أن صاحب "الفيض" ذكر ما وقع عن أبي داود (^١) في باب المسح على الخفين في حديث المغيرة في إدراك النبي - ﵌ - الناسَ وهم يصلُّون الصبحَ خلف عبد الرحمن بن عوف وقد صلَّوا ركعة، قال المغيرة: "قام النبي - ﵌ - فصلَّى الركعة التي سُبِقَ بها، ولم يَزِدْ على ذلك".
فحمل صاحب "الفيض" قولَه: "ولم يَزِدْ على ذلك" على أنه لم يتدارك ركعتي الفجر، لا ما ذكره أبو داود من نفي سجود السهو.
أقول: يحتمل في الواقعة أن النبي - ﵌ - صلَّى ركعتي الفجر راكبًا قبل أن يصلَ إلى الجماعة لأنه كان مسافرًا، بل هذا هو الظاهر.
وقوله: "ولم يَزِدْ شيئًا" يحتمل ما قال أبو داود، ويحتمل [ق ٩ ب] معنى ثالثًا، وهو أنه لم يزِدْ ركعة أخرى، والحامل على هذا أنه قد يُتوهَّم أن النبي - ﵌ - لا يعتدُّ بالركعة التي صلَّاها خلف عبد الرحمن. فتأمل! والله أعلم.
_________________
(١) رقم (١٥٢).
[ ١٦ / ١٤٦ ]