على أن قصة أهل العوالي ــ مع إرسالها ــ قد قدّمنا أن ظاهر ذلك المرسل النهيُ عن أن يعيد ثم يعيد، بأن يصلِّيها أولًا ثم يعيدها ثم يعيدها، وهذا لا ينفع المانعين بل يضرهم بمفهومه؛ لأن النهي عن إعادتها مرتين يُفْهِم صفة الإذن بإعادتها مرة.
وقدمنا أن حديث ابن عمر يتفرد به حسين المعلم، وقد روي عنه بلفظ «لا تُعاد الصلاة في يوم واحد مرتين»، وهذا اللفظ ظاهره لفظ المرسل المذكور.
وروي أيضًا بلفظ: «لا صلاة مكتوبة في يوم مرتين»، وهذا اللفظ يحتمل احتمالًا ظاهرًا توجُّه النفي إلى كونها مكتوبةً مرتين، فيكون حاصله أن من صلى الفريضة مرة فقد أدّى ما عليه، ولا يُفرض عليه إعادتها.
فهذه الألفاظ مختلفة المعاني، ولا يُدرى أيّها قال النبي - ﵌ -، فلا يصلح أن يحتجَّ بما يكون معنى [في] (^١) بعضها دون الباقي؛ لاحتمال أن ذلك اللفظ لم يقله النبي - ﵌ -.
هذا، وقد تقدَّمتْ دلائل الإعادة. ومنها ما كان في آخر حياة النبي - ﵌ -، ومنها ما أمر أصحابه أن يعملوا به من بعده.
وهَبْ أن حديث ابن عمر صحَّ بلفظ صريح في النهي عن الإعادة، فتاريخه مجهول، وغايته أن يكون عامًّا يُخصُّ منه ما قام الدليل على خصوصه، ومنه قصة معاذ وما في معناها.
وجعل بعضهم الناسخ هو ما جاء في مرسل معاذ بن الحارث: أن النبي - ﵌ - قال لمعاذ: «إما أن تصلِّي معي وإما أن تُخفِّف على قومك».
_________________
(١) كلمة غير واضحة، ولعلها كذلك.
[ ١٦ / ٢٤٥ ]
وأجيب عن هذا بأنه مرسل لم يأتِ هو ولا معناه في شيء من الروايات الموصولة، حتى الرواية التي يُشبه سياقُه سياقَها. أعني رواية عبيد الله بن مِقْسم التي تقدمت عن أبي داود والبيهقي.
ومع ذلك، ففي معنى هذه العبارة نظر. حكى ابن حجر في «الفتح» (^١) عن الطحاوي أن معناها: «إما أن تصلِّي معي ولا تصلِّ بقومك، وإما أن تُخفِّف بقومك ولاتُصلِّ معي».
قال ابن حجر: «لمخالفِه أن يقول: إن التقدير: «إما أن تصلِّي معي فقط إذا لم تخفِّف، وإما أن تخفِّف بقومك فتصلِّي معي»، وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف، لأنه المسؤول عنه المتنازع فيه».
وذكر بعض أئمة الحنفية بالهند أن هذا من باب ما حكاه الله ﷿ عن المشركين من قولهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]. فأصلُ مقصودهم: افترى أم لم يفترِ، ولكن أُقِيمَ ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ مقام «أم لم يفترِ»؛ لاستلزام الجنون عدمَ الافتراء. فكذلك هنا المقصود: إما أن تصلّي معي، وإما أن لا تصلِّي معي، ولكن أقيم التخفيف بقومه مقام عدم الصلاة مع النبي - ﵌ -؛ لأن التخفيف بقومه إنما يكون مع صلاته بهم، وصلاته بهم تستلزم عدم صلاته مع النبي - ﵌ -؛ للمنع من أن يؤمَّ الناس في أدائهم فريضتَهم مَن قد أدَّاها.
أقول: وفَهْم هذا المعنى يتوقف على سبق العلم بالمنع المدَّعَى، على
_________________
(١) (٢/ ١٩٧).
[ ١٦ / ٢٤٦ ]
أنه يردُّه أن سياق هذه الجملة هكذا: «يا معاذ بن جبل، لا تكن فتّانًا، إما أن تصلّي معي، وإما أن تخفِّف على قومك».
وذلك واضح في أن قوله: «إما أن تصلّي معي، وإما أن تخفِّف على قومك» إنما هو إرشاد إلى اجتناب ما تُخشَى منه الفتنة من التشديد.
وقد قال العلامة المحقق شبير أحمد العثماني الحنفي في «شرحه لصحيح مسلم» (^١): «والظاهر من مجموع الروايات أنهم يَشْكُون تأخير معاذ في مجيئه إلى الصلاة؛ لصلاته مع النبي - ﵌ -، حتى كان ينام القوم ويشقّ عليهم الانتظار، ثم قراءته السور الطويلة، وهذا صريح في سياق أحمد (يعني في مرسل معاذ بن رفاعة)، وفي بعض روايات حديث الباب: فقال الرجل: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء، وإن معاذًا صلَّى معك، ثم أمَّنا وافتتح سورة البقرة، وإنما نحن أصحابُ نواضِحَ نعملُ بأيدينا» اهـ. «تلخيص الحبير» (ص ١٢٦) (^٢).
وقرر العثماني النسخَ بأن أحكام الإمامة إنما تمَّتْ على لسان الشارع شيئًا فشيئًا، فقد كانوا أولًا إذا جاء الرجل والإمام في الصلاة سأل: كم قد صلَّوا؟، فيشار إليه بذلك، فيبدأ فيصلِّي ما سُبِق به، حتى يدرك الإمام فيوافقه فيما بقي، ثم نُسِخ ذلك وأُمِروا بالمتابعة.
وكانوا أولًا يقرؤون خلف الإمام، ثم نُسِخ ذلك، وجُعِلتْ قراءة الإمام قراءةً للمأموم.
_________________
(١) (٣/ ٤٣١).
(٢) (٢/ ٤١) ط. النمنكاني.
[ ١٦ / ٢٤٧ ]