(أقول: معنى هذا بنحو لفظه في رواية ابن عيينة في «صحيح مسلم» (^١) وغيره، وقد تقدم).
ففيه ــ كما نرى ــ شكاية التأخير، ثم التطويل، فأرشد النبي - ﵌ - معاذًا إلى إزالة شكواهم بأن يكتفي بأداء صلاته مع النبي - ﵌ - ويترك الإمامة، أو بأن يُخفِّف على قومه.
ولما كان التشديد عليهم من وجهين يحصل التخفيف أيضًا بأمرين: أن لا يصلي مع النبي - ﵌ -، فتزول الشكوى بالتأخير والانتظار الشديد.
وفي رواية البزار: «لا تكن فتَّانًا تَفْتِن الناس، ارجعْ إليهم فصلِّ بهم قبل أن يناموا». «مجمع الزاوئد» (ص ١٩٥) (^٢).
ويقرأ أوساط السور لتزول شكوى التطويل.
فالتخفيف هنا مقابل التشديد الذي ذكروه، فيشمل التعجيل في الإتيان إلى الصلاة، والاختصار في القراءة.
وبمجموعهما يحصل الأمن من تفتين القوم.
قال عبد الرحمن: لا شك أن شكواهم ــ على ما في رواية ابن عيينة الصحيحة، ورواية معاذ بن الحارث المرسلة ــ كانت من أنه يتأخَّر ثم يُطوِّل. وهذا يحتمل أمرين:
الأول: أن تكون الشكوى من الجمع بين الأمرين، فلو تأخَّر وخفَّف، أو
_________________
(١) رقم (٤٦٥) من حديث جابر بن عبد الله في قصة معاذ بن جبل ﵁.
(٢) (٢/ ١٣٣) من حديث جابر بن عبد الله. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا معاذ بن عبد الله بن حبيب، وهو ثقة لا كلام فيه.
[ ١٦ / ٢٤٣ ]
تقدَّم وطوَّل لم يشكُوا.
الثاني: أن تكون من كل منهما، حتى لو تقدَّم وطوَّل أو تأخَّر وخفَّف ما زالت شكواهم.
فإن بنينا على الأول كان معنى «إما أن تُصلِّي معي وإما أن تُخفِّف على قومك»: إما أن تصلِّي معي وتَدَعهم يقدِّمون غيرك فيصلي بهم قبل رجوعك، فيحصل التخفيف عنهم بالتعجيل، وإما أن تُخفِّف بهم إذا أبيت إلّا أن تصلي معي ثم تؤمَّهم.
وإن بنينا على الثاني كان المعنى: إما أن تصلِّي معي وتدعَهم يؤمُّهم غيرك فيعجِّل بهم ويخفِّف، وإما أن لا تصلِّي معي فتؤمَّهم فتعجِّل بهم وتخفِّف.
فأما الأول فواضح أنه ليس فيه المنع من أن يصلي معه - ﵌ - ثم يصلي بهم، وإنما فيه المنع من أن يصلِّي معه - ﵌ - ثم يطوِّل بهم.
وأما الثاني ففيه المنع من أن يصلِّي معه - ﵌ - ثم يصلي بهم، ولكن مغزى المنع إنما هو [] (^١) التشديد عليهم بالتأخير. هذا واضح لا غبار عليه. وإذا كان كذلك فلا دلالة في العبارة المذكورة على المنع لمغزًى آخر.
وعليه، فسكوت النبي - ﵌ - حينئذٍ عن بيان امتناع أن يؤمَّ القوم في أداء فريضتهم من قد أدَّاها= دليل واضح على جواز ذلك.
فأما إذا فرضنا أن الفريضة إنما هي واحدة ولكن كانت تعاد، فإعادتها غير مفروضة، فليست المعادة بفريضة.
_________________
(١) كلمة غير واضحة، وكأنها: «استلزام».
[ ١٦ / ٢٤٤ ]