فصل
اعتذر القائلون بمنع أن تؤدَّى الفريضة خلف من قد أدّاها بأمور:
منها: أن ما فعله معاذ كان بغير علم النبي - ﵌ -، فلا حجة فيه.
والجواب: أننا إن أخذنا بمذهب جابر وأبي سعيد إذ قالا: «كنا نَعزِلُ والقرآن ينزل، لو كان شيئًا يُنهى عنه لنهى عنه القرآن». فإن هذا العذر واضح.
وتقرير مذهبهما في هذا: أنه كما تقرر عند أهل العلم أن تقرير النبي - ﵌ - حجة، فأولى منه تقرير الله ﷿ في الوقت الذي يكون فيه الواسطة
_________________
(١) وهو الرسول بين أظهر الناس. ويؤيده ما ثبت من أن الصحابة كانوا مَنْهيِّين عن سؤال النبي - ﵌ -، فإن ذلك يستلزم أن يكون مأذونًا لكلٍّ منهم أن يعمل بما يظهر له في الحكم، وإن كان عنده فيه تردُّد. وإنما ذلك لأن الله ﷿ رقيب عليهم، والرسول بين أظهرهم، فإذا علم الله ﷿ خطأهم في شيء أوحى إلى رسوله ما يبين به الحكم. وسيأتي إن شاء الله تعالى النظر في ما ذكروا أنه حجة على ما ذهبوا إليه. وإن لم نذهب هذا المذهب فإننا نقول: ظاهر الروايات أن صلاة معاذ بقومه الصلاةَ [التي] قد صلَّاها مع النبي - ﵌ - تكرر كثيرًا، وأن معاذًا كان كأنه الإمام الراتب لبني سلمة، وكان النبي - ﵌ - مما يتعاهد الأنصار في أمر دينهم، وكانوا مما لا يكادون يصنعون في دينهم إلا ما يثقون بصحته، والظاهر أنهم لم يكونوا يبنون مسجدًا ولا يُرتِّبون إمامًا إلا بعد استئذان النبي
[ ١٦ / ٢٥٢ ]
- ﵌ -، وقد كان في بني سلمة رجال من أهل العلم والدين، ذُكر في «الفتح» (^١) عن ابن حزم: أنه كان فيهم ثلاثون عَقَبيًّا وأربعون بدريًّا.
ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال منهم بالجواز: عمر، وابن عمر، وأبو [الدرداء وأنس وغيرهم] (^٢).
ومعاذ نفسه جاء عن النبي - ﵌ - أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام (^٣)، وأنه يأتي يوم القيامة أمام العلماءِ بِرَتْوةٍ (^٤)، وهو أول من سنَّ متابعة الإمام وهم في الصلاة، فقال: لا أراه على حال إلا كنت عليها، فدخل في الصلاة، ووافق النبيَّ - ﵌ - فيما هو فيه، فلما سلَّم النبي - ﵌ - قام معاذ فأتمَّ ما فاته، فقال النبي - ﵌ -: «إن معاذًا قد سنَّ لكم» (^٥)، فأمرهم بمثله
هذا، وسيأتي ما يُعلَم منه أن النبي - ﵌ - قرَّر معاذًا وبني سلمة على ما كان منهم.
وقد ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أن قول الصحابي بعد النبي - ﵌ - حجة، فأولى منه قوله في حياة النبي - ﵌ -؛ لأنه يكون أبلغ تحريًا واحتياطًا، كما لا يخفى. هذا مع انضمامه إلى ما تقدم.
_________________
(١) (٢/ ١٩٦).
(٢) كلمات لم تظهر في التصوير. والمثبت من «الفتح».
(٣) أخرجه الترمذي (٣٧٩٠، ٣٧٩١) من حديث أنس.
(٤) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٨/ ٤٠٦) من حديث أبي عون الثقفي مرسلًا.
(٥) أخرجه أحمد (٢٢١٢٤) وأبو داود (٥٠٦) وغيرهما من حديث معاذ.
[ ١٦ / ٢٥٣ ]
وسيأتي إن شاء الله تعالى النظر فيما ذكروا أنه يُعارِض ذلك.
هذا، وفي هذا الحديث كرواية ابن عيينة وغيره أن القوم أخبروا النبي - ﵌ -، ثم يصلِّي بهم، ولم يثبت أن النبي - ﵌ - أنكر عليهم ذلك، بل ظاهر أكثر الروايات أنه أقرَّهم على فعلهم، وإنما أنكر على معاذ التطويل. وما أوردوه مما يعتبر أنه إنكار، وهو ما في رواية (^١) لم يصح، [بل هو] مرسل، ولم يقع في الرواية المتصلة، حتى رواية عبيد بن مقسم التي يُشبِه سياقها سياقَ ذلك المرسل، ولو صح ذلك القول فلا دلالة فيه على المدعَى، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه يحتمل أن يكون هذا كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تُصلَّى مرتين. قاله الطحاوي. قال في «الفتح» (^٢): «أي فيكون منسوخًا»، وقال: «تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يسوغ، وبأنه يلزمه إقامة الدليل على ما ادعاه من إعادة الفريضة».
ثم ذكر أن الطحاوي ذكر دليله، وهو حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تُصلُّوا الصلاةَ في اليوم مرتين»، ومرسل خالد بن أيمن، وصدقة بن المسيب في قصة العوالي، وقد ذكرتها فيما تقدم.
أقول: الظاهر أن ابن دقيق العيد إنما طالب بالدليل على أن الفريضة كانت تُعاد فريضةً، أي أنه كان مفروضًا صلاتها مرتين، فإن هذا هو الذي ينفع الطحاوي.
_________________
(١) هنا كلمات غير واضحة.
(٢) (٢/ ١٩٦).
[ ١٦ / ٢٥٤ ]
فيقال: كان معاذ يصلِّي مع النبي - ﵌ -، وهي فريضة عليه، ثم يعيدها بقومه وهي فريضة عليه أيضًا. ولا دلالة في حديث ابن عمر وقصة أهل العالية على هذا.
[ ١٦ / ٢٥٥ ]