وفي "التقريب": (فقد جاء عنه أنه يذكر فيه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وما كان فيه وهن شديد بيّنه، وما لم يذكر فيه شيئًا فهو صالح). قال: وبعضها أصحّ مِن بعض (فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مطلقًا) ولم يكن في أحد الصحيحين (ولم يصححه غيره من المعتمدين) الذين يميّزون بين الصحيح والحسن (ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود)؛ لأنَّ الصالح للاحتجاج لا يخرج عنهما، ولا يرتقي إلى الصحة إلَّا، بنصّ، فالأحوط الاقتصار على الحسن، وأحوط منه التعبير عنه بصالح.
وبهذا التقرير يندفع اعتراض ابن رُشيد (٢) بأنَّ ما سكت عليه قد يكون عنده صحيحًا، وإن لم يكن كذلك عند غيره، وزاد ابن الصلاح أنه قد لا يكون حسنًا عند غيره ولا مندرجًا في حدّ الحسن إذ حكى ابن مسنده أنه سمع محمد بن سعد البارودي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل أحد ممن لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه ويخرج الإِسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده
_________________
(١) مقدمة "لامع الدراري" (ص ١٣٩، و١٤٠).
(٢) هو: الإِمام المحدِّث محمد الدِّين أبو عبد الله محمد بن عمر، المعروف بابن رُشَيد الفهري السبتي، وُلد سنة ٦٥٧ هـ وتُوُفي سنة ٧٦١ هـ. انظر ترجمته في: "طبقات السيوطي" (ص ٥٢٥).
[ ١ / ١١٨ ]
من رأي الرجال، وهذا أيضًا رأي الإِمام أحمد، فعلى ما نقل عن أبي داود يحتمل أن يريد بقوله: "صالح " الصالح للاعتبار دون الاحتجاج، فيشمل الضعيف أيضًا (١).
وقال الشوكاني: قال الإِمام الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير: إنه أجاز ابن الصلاح والنووي وغيرهما من الحفاظ العمل بما سكت عليه أبو داود لأجل هذا الكلام المروي عنه وأمثاله بما روي عنه، قال النووي: إلَّا أن يظهر في بعضها أمر يقدح في الصحة والحسن فيجب ترك ذلك، قال ابن الصلاح: وعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا ولم نعلم صحته، عرفنا أنه من الحسن عند أبي داود؛ لأن ما سكت عنه يحتمل عند أبي داود الحسن والصحة.
وقد اعتنى المنذري في نقد الأحاديث المذكورة في أبي داود، وبيّن ضعف كثير بما سكت عنه، فيكون خارجًا عما يجوز العمل به، وما سكتا عليه جميعًا فلا شك أنه صالح للاحتجاج إلا في مواضع يسيرة قد نبهت على بعضها في هذا الشرح (٢).
وذكر الحافظ ابن حجر قول ابن منده، ثم قال: من هنا يظهر لك طريق من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عليها، كابن لهيعة، وصالح مولى التوأمة، وموسى بن وردان، فلا ينبغي للناقد أن يتابعه في الاحتجاج بأحاديثهم، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع يعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه؟ لا سيما إن كان مخالفًا لرواية من هو أوثق منه، فإنه ينحط إلى قبيل المنكر، وقد يخرج أحاديث من هو أضعف من هؤلاء بكثير، كالحارث بن وجيه، وصدقة بن موسى الدقيقي، ومحمد بن
_________________
(١) "تدريب الراوي" (ص ٩٧).
(٢) "نيل الأوطار" (١/ ٣).
[ ١ / ١١٩ ]
عبد الرحمن البيلماني، وكذا فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين، والضعفاء، والأسانيد التي فيها من أُبهمت أسماؤهم، فلا يتجه الحكم على أحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبي داود؛ لأن سكوته تارة يكون اكتفاء بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوي، وتارة يكون الذهول، وتارة يكون لظهور شدة ضعف ذلك الراوي واتفاق الأئمة على طرح روايته، كأبي حدير، ويحيى بن العلاء، وتارة يكون لاختلاف الرواة عنه، وهو الأكثر، فإن في رواية أبي الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي، وإن كانت روايته أشهر، ثم قال: الصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا (١).
قلت: لا بد للناظر في السنن من أن يحقق كل ما سكت عنه الإِمام أبو داود؛ لأنه يجد في بعض المواضع أن الإِمام أبا داود سكت عنه، وسكت عنه المنذري، ولكن بعد التحقيق والبحث يجد أن الحديث ضعيف؛ مثلًا روى أبو داود هذا الحديث: "رأيت ابن عمر أناخ راحلته إلخ "، وسكت عنه، وفي "بذل المجهود": وكذلك سكت عنه المنذري، ولم يتكلم عليه في "تخريج السنن"، وذكره الحافظ ابن حجر ولم يتكلم عليه بشيء، وذكر في "الفتح" أنه أخرجه أبو داود والحاكم بإسناد حسن، قلت: سكوت المحدثين عليه وقول الحافظ: حسن، عجيب، فإن حسن بن ذكوان راوي الحديث ضعيف ضعفه كثير من المحدثين، فكيف يصلح للاحتجاج به؟ (٢).