كانت المؤلَّفات في الحديث - الجوامع والمسانيد ونحوها-يُذْكَر فيها إلى جانب أحاديث الأحكام الفضائل والقصص والمواعظ والآداب والتفسير؛ حتى جاء الإِمام أبو داود وصنَّف كتابه "السنن" تصنيفًا خاصًّا بأحاديث الأحكام مع الاستقصاء.
قال الإِمام الخطابي: كان تصنيف علماء الحديث - قبل زمان أبي داود- الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود. ولذلك حلّ هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محلّ الإِعجاب، فضربت فيه أكباد الإِبل ودامت إليه الرّحَل (١).
ينبغي أن يعلم أنَ هناك اصطلاحًا خاصًّا للسنن، قال الكتاني: وهي في اصطلاحهم الكتب المرتَّبة على الأبواب الفقهية من الإِيمان، والطهارة، والصلاة، والزكاة، وليس فيها شيء من الموقوف، لأنَّ الموقوف لا يسمَّى في اصطلاحهم سنّة، ويسمَّى حديثًا (٢).
_________________
(١) "معالم السنن" (١/ ١١).
(٢) "الرسالة المستطرفة" (ص ٣٢)
[ ١ / ١٠٩ ]
ومن هنا يتَّضح لنا لماذا سمى أبو داود كتابه بـ "السنن"، وقال في رسالته إلى أهل مكة: وإنما لم أصنف في كتاب "السنن" إلَّا الأحكام ولم أصنِّف كتب "الزهد" و"فضائل الأعمال" وغيرها (١).
وقال الكتاني: وهو أوَّل مَن صنَف في "السنن" (٢)، وفيه نظر يتبين ممّا يأتي. قال الخطّابي: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأُمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدّمًا سبقه إليه ولا متأخّرًا لحقه فيه (٣).
فاقتصاره في كتابه على أحاديث الأحكام ميزة عظيمة، وكلامه على الرواة في آخر الأحاديث التي يعقِّب عليها ميزة أخرى له، وإنَّ كلامه هذا ليعتبر النواة الصالحة التي تفرع عنها فن الجرح والتعديل فيما بعد، وأصبح بابًا واسعًا في أبواب مصطلح الحديث، وله ملاحظات أخرى يذكرها عقب الأحاديث ليست داخلة في باب الجرح والتعديل هي من الأصول التي بني عليها المحدِّثون أساس بحوثهم في النقد والتعليل، كما أنَّ له بيان المتابعات والشواهد ما يشهد له بالاقتدار والباع الطويل.