عاش الإِمام أبو داود جميع سنوات عمره في القرن الثالث الهجري، فقد وُلد عام ٢٠٢ هـ، وتوفي سنة ٢٧٥ هـ، وكان العالم الإِسلامي تحت حكم العباسيين الذين اتخذوا بغداد عاصمة لملكهم، وكان العصر العباسي الأول (١٣٢ - ٢٣٢ هـ) عصر قوة الخلفاء واستقلالهم بشؤون الخلافة وحسن تدبيرهم لسياسة الدولة، وعدم تركهم للعناصر الأجنبية من فرس وغيرهم الاستبداد بشؤون الملك وسياسة الدولة.
ولقد أدرك هذا الإِمامُ عهدَ المأمون المتوفى سنة ٢١٨ هـ، والمعتصم المتوفى سنة ٢٢٨ هـ، والواثق المتوفى سنة ٢٣٢ هـ. وبوفاة الواثق انتهى عهد القوة للدولة العباسية، وبدأ الضعف يدِبُّ في أوصالها ابتداء من عهد المتوكل المتوفى سنة ٢٤٧ هـ، ومرورًا بعهد المنتصر المتوفى سنة ٢٤٨ هـ، ثم المستعين بالله المتوفى سنة ٢٥٢ هـ، ثم المعتز بالله المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، ثم المهتدي المتوفى سنة ٢٥٦ هـ، ثم المعتمد على الله المتوفى سنة ٢٧٩ هـ.
ولقد حجر على المعتمد هذا أخوه الموفق، واستبد بالأمر في دونه، فلم يستقل بالخلافة، وللموفق مع الإِمام قصة ستأتي في هذا الكتاب إن شاء الله.
ولئن عاش الإِمام أبو داود - ﵀ - عصرًا سياسيًّا ابتدأ قويًّا ثم ضعف، فقد عاش عصرًا علميًّا رائعًا جليلًا، نمت فيه العلوم الإِسلامية نموًّا عظيمًا، وأصبح للعلم فيه حواضر كثيرة في كافة أنحاء العالم الإِسلامي
[ ١ / ٨٥ ]
لا سيما في بغداد، فقد نمت المذاهب الأربعة ودوِّنت، وأصبح معظم الناس أتباعًا لها، ونمت علوم القرآن، لا سيما التفسير، وألفت الكتب الكثيرة في السيرة النبوية، والمغازي، والتاريخ، والطبقات، وأسست علوم العربية خدمة للقرآن الكريم، كما أن سيول الثقافة الأجنبية قد انصبت على المجتمع المسلم، ووجدت تشجيعًا عظيمًا لا سيما في عهد الخليفة المأمون، وتُرجم الكثير من الكتب إلى اللغة العربية.
أما علوم الحديث، فقد بلغت في عصر الإِمام أبي داود دورها الذهبي، ولقد سايرت علوم الحديث تدوين السُّنَّة في سيره، فتقدمت تقدمًا كبيرًا بما قام به علماء هذه الطبقة من جهود كبيرة في تحرير علوم الحديث وتصنيف المؤلفات الكبيرة فيها. ونظرة عابرة على كتاب: "الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة" لمحمد بن جعفر الكتاني، تكفي للاطلاع على المؤلفات العظيمة في علوم الحديث لعلماء ذلك العصر.
وقد عاش في ذلك العصر أعلام محدثي هذه الأمة كأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وغيرهم.
وفي هذا العصر برز في العالم الإِسلامي لا سيما في حاضرة الخلافة بغداد تيّار التصوف، وقد أوجد هذا التيّار قومًا صالحين زهدوا في الدنيا، فانصرفوا عنها وعن زخارفها، وشغلوا أنفسهم بالاجتهاد في طاعة الله تعالى والإِكثار من ذكره، والاستعداد ليوم المعاد، وكان رؤوس هؤلاء القوم: الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي، والحارث المحاسبي، وغيرهم.
والحق أن الذي كان عليه هؤلاء القوم لم يكتسب اسم التصوف إلَّا فيما بعد، وهو يفترق كثيرًا عن المصطلحات والأحوال التي أصبح عليها فيما بعد من يُدعون بالصوفية.
هذا، ولم يخلُ هذا العصر من هَنَات أساءت للعلم والعلماء، بل
[ ١ / ٨٦ ]
أساءت للإِسلام والمسلمين، وفي رأسها "فتنة خلق القرآن" التي امتحن فيها أئمة أعلام، في مقدمتهم الإِمام أحمد بن حنبل؛ تلك الفتنة التي ابتدعها المعتزلة، وأوحى بها كبيرهم القاضي أحمد بن أبي داود إلى الخليفة المأمون، فهويها وامتحن بها أئمة الإِسلام، ثم أخذ العلماءَ بها من بعده أخوه المعتصم، ثم جاء المتوكل فأزال هذه الفتنة، وأراح الأمة من شرورها.
وفي هذا العصر برزت تيارات معادية للإِسلام، ترسبت من بقايا المجوسية الفارسية، وسلكت مسلك الكيد الخفي للإِسلام، وكان مقصدها الأول تخريب عقائد المسلمين، وإضعاف دولتهم، وكان منها المزدكية والمانوية والديصانية (١)، بَيْدَ أن يقظة الخلفاء استطاعت أن تتصدى لهذه التيارات وتقمعها.
هذا، وعلى الرغم من هذه الهنات، فقد كانت الكلمة العليا في المجتمع الإِسلامي للعقيدة الإِسلامية ولأهل السنة والجماعة، وكان الأثر الأعظم في توجيه الأمة لأئمة الإِسلام الأعلام من فقهاء ومحدثين، وفي مقدمتهم أئمة الفقه الأربعة وكبار الأئمة المحدثين.
هذه كلمة موجزة عن عصر الإِمام أبي داود، أردنا منها أن نعطي القارئ فكرة سريعة عن ذلك العصر لا سيما في ناحيتيه السياسية والعلمية، ثم ننتقل بعدها إلى الحديث عن الإِمام أبي داود - ﵀ رحمة واسعة -.
* * *
_________________
(١) هذه أسماء فرق المجوس، انظر: "الملل والنحل" للشهرستاني (١/ ٢٥١ - ٢٥٦).
[ ١ / ٨٧ ]