هو الإِمام أحد حفّاظ الإِسلام لحديث رسول الله - ﷺ - وعلمه، وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، من فرسان الحديث، وهو الإِمام المقدم في زمانه لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحد في زمانه.
وهو الإِمام الحافظ سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، ويقال: "السجزي"، نسبة غير قياسية إلى سجستان. كما في "القاموس".
وسجستان إقليم معروف بخراسان وراء الهراة جنوبًا كما حققه العلماء، وليست نسبة إلى قرية "سجستان" من قرى البصرة، كما ردّه ابن السبكي في "طبقاته"، وياقوت الحموي في "معجمه" وغير واحد. وهو معرَّب "سيستان" كما يقوله الصاغاني، وهو المعروف الجاري على الألسنة، لا كما يرجح الفيروزآبادي أنه معرب "سكستان"، ويرجح فتح السين. انظر: "تاج الزبيدي.
وُلد سنة ٢٠٢ هـ، وتوفي ٢٧٥ هـ بالبصرة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شوال، ودُفِن إلى جانب قبر سفيان الثوري.
قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: الذين أخرجوا وميّزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري، ومسلم، وبعدهما أبو داود، والنسائي، انتهى.
_________________
(١) جئت فيه بالكلمات التي وصفه بها الإِمام أحمد الهروي وأبو بكر الخَلَّال.
[ ١ / ٤٨ ]
وقال الخطيب ومَن بعده: أحد مَن رحل وطوّف وجمع وصنَّف وكتب عن العراقيين والخراسانيّين والشاميّين والمصريّين والجزريّين، انتهى.
وقال الحافظ موسى بن إبراهيم: خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنّة، انتهى.
وعدَّه أبو إسحاق الشيرازي في "طبقات الفقهاء" من جملة أصحاب الإِمام أحمد بن حنبل، كما قال ابن خلّكان.
روى عن أحمد بن حنبل وابن معين وقتيبة بن سعيد وطبقتهم كأبي عمرو الضرير، ومسلم بن إبراهيم، والقعنبي، وابن رجاء، وأبي الوليد الطيالسي، وأحمد بن يونس، وأبي جعفر النفيلي، وسليمان بن حرب، وخلق كثير بالحجاز والشام ومصر والعراق والجزيرة والثغر وخراسان. كما في "طبقات الذهبي".
وعنه: الترمذي، والنسائي، وابنه أبو بكر، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو عوانة، وأبو بشر الدولابي مِن أعلام الحديث وأئمّة التحديث، وعلي بن الحسن بن العبد أبو علي الأنصاري، وأبو أسامة محمد بن عبد الملك، وأبو سعيد بن الأعرابي، وأبو علي اللؤلؤي، وأبو بكر بن داسة، وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودي، وأبو عمرو أحمد بن علي.
وهؤلاء السبعة الآخِرون رووا عنه "سننه" كما يقوله الذهبي في "طبقاته" (٢/ ١٥٣).
واللؤلؤي هذا لزم أبا داود مدة طويلة يقرأ "السنن" للناس، كما قاله ابن العماد في "الشذرات" (٢/ ٢٣٤).
وإنَّ أبا الحسن علي بن الحسن بن العبد سمع كتاب "السنن" على أبي داود ست مرّات، كما في آخر نسخة عبد الغني المقدسي بخطّه في الآستانة كما يحكيه الكوثري. وأيضًا في روايته زيادات في الكلام على الرجال، كما يقوله الحافظ ابن حجر.
[ ١ / ٤٩ ]
وأيضًا يرويه عنه أبو إسحاق الرملي. نسبة إلى رَمْلَة فلسطين أو محلة بسرخس كما في "غاية المقصود".
وتختلف النسخ والروايات كما فصّله الكوثري في رسالته المتعلقة برسالة أبي داود.
ويقول بعض الأئمة كما حكاه الذهبي وقبله الخطيب وبعده ابن كثير وغيره: كان أبو داود يُشبّه بأحمد بن حنبل في هَدْيه ودَلِّه وسمته، وكان أحمد يُشَبّه بوكيع، ووكيع بسفيان الثوري، وسفيان بمنصور، ومنصور بإبراهيم النخعي، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبد الله بن مسعود، وابن مسعود بالنبي - ﷺ - في هديه ودَلِّه.
وقد سمع منه الإِمام أحمدُ بن حنبل شيخُه حديثَ العتيرة: أن رسول الله - ﷺ - سُئِل عن العتيرة فحسَّنها. قال ابن أبي في داود: قال أبي: فذكرته لأحمد بن حنبل فاستحسنه، وقال: هذا حديث غريب، وقال لي: اقعد، فدخل فأخرج محبرة وقلمًا وورقة وقال: أَمْلِه عليَّ، فكتبه عنِّي. كما في "تاريخ الخطيب" (٩/ ٥٧).
وهذا هو حديث العتيرة الذي رواه عنه أحمد، لا ما فهمه محمود السبكي في "المنهل العذب المورود"- ولعله لم يقف على كلام الخطيب- فقال: وهو حديث "لا فرع ولا عتيرة"، ما رواه أحمد والبخاري ومسلم، فتنبّه.
وكفى بهذه المفاخر مفخرة للإِمام علم الإِسلام عن أعيان جهابذة الأمة- فرحمه الله ورضي عنه -.