٢٠ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وهَنَّاد
===
هذا ما حكاه مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه وشيخنا مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهي رحمة الله عليه.
(١١) (بَابُ (١) الاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ)
والاستبراء (٢): استنقاء الذَّكَر عن البول، قال في "المجمع" (٣): وكذلك الاستبراء الذي يذكر مع الاستنجاء في الطهارة، وهو أن يستفرغ بقية البول وينقي موضعه ومجراه، حتى يبرئهما منه، فاستبراء الذكر طلب براءة من بقية بول فيه بتحريكه ونثره وما أشبه ذلك (٤)، حتى يعلم أنه لم يبق فيه شيء منه.
٢٠ - (حدثنا زهير بن حرب وهناد) بفتح الهاء وتشديد النون، ابن السري بفتح مهملة وكسر راء خفيفة وشدة تحتانية، ابن مصعب
_________________
(١) بوّب الترمذي "باب التشديد في البول".
(٢) قال ابن عابدين: الاستبراء: طلب البراءة بشيء من المشي أو التنحنح أو النوم، حتى يستيقن بزوال الأثر، وأما الاستنقاء: فهو طلب النقاوة بأن يدلك المقعد بالأحجار أو بالأصبع عند الاستنجاء بالماء، والاستنجاء: استعمال الأحجار أو الماء، هذا هو الأصح في تفسير هذه الثلاثة. (ش).
(٣) (١/ ١٦٥).
(٤) كالمشي، فهذا الباب وما سيأتي من باب الاستنجاء بالأحجار حجة على منكري التقليد إذ قالوا: إن أخذ الحجارة بدعة، لم يثبت، ولم يعلم الجهلة أنه إتيانٌ بالمأمور إذ الاستنزاه من البول واجب، فما يخرج من البول ويتقاطر منه يجب الاستبراء منه لهذه الروايات، وأجاد الكلام فيه صاحب "مظاهر حق"، والآثار المؤيدة لنا في "المصنف" لابن أبي شيبة (١/ ١٨٧)، والتلخيص الحبير" (١/ ١٦١). (ش).
[ ١ / ٢٣٣ ]
قَالَا: ثَنَا وَكِيع، ثَنَا الْأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عن طَاوُس، عنِ ابنِ عَبَّاس قَالَ: "مَرَّ النَّبِيّ - ﷺ - علَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: "إِنَّهُمَا يُعَذبَانِ، وَمَا يُعَذبَانِ في كبِير:
===
التميمي، أبو السري الكوفي، ثقة، ولد سنة ١٥٢ هـ، ومات سنة ٢٤٣ هـ (١).
(قالا) أي زهير وهناد: (ثنا وكيع، ثنا الأعمش قال: سمعت مجاهدًا يحدث (٢) عن طاوس) بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحِمْيريّ مولاهم، الفارسي، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقب، ثقة فقيه فاضل، مات سنة ١٠٦ هـ (٣).
(عن ابن عباس) أي عبد الله (قال: مر النبي - ﷺ - على قبرين) (٤) اختلف هل هما كافران أو مسلمان؟ كذا في "درجات مرقاة الصعود" (٥) (فقال: إنهما (٦) يعذبان (٧) وما يعذبان في كبير)، المراد بالكبير ها هنا فعل يشق تركه وإن كان كبيرًا عند الله تعالى، فعلى هذا يحصل التوافق (٨) بين الروايات.
_________________
(١) انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (٣/ ٣٤/ ١٩٩٥).
(٢) هكذا أخرج البخاري، وأخرج أيضًا برواية منصور عن مجاهد عن ابن عباس بدون الواسطة، قال الحافظ (١/ ٣١٧): ظاهره صحة الطريقين، ورجح الترمذي طريق الأعمش. (ش).
(٣) انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (٣/ ٤٩٥/ ٢٩٤٥).
(٤) زاد ابن ماجه: "جديدين"، قال الحافظ في: "فتح الباري" (١/ ٣٢٠) لا يعرف اسمهما ولا أحدهما، والظاهر أنه على عمد من الرواة سترًا عليهما، وما حكاه القرطبي في "التذكرة" وضعّفه عن بعضهم أن أحدهما سعد بن معاذ غلط جدًا، بسطه ابن رسلان. (ش).
(٥) (ص ١٠)، سيأتي مفصلًا في الشرح. (ش).
(٦) الضمير إلى المقبورين كما يدل عليه لفظ قبرين، أو إلى القبرين، والمراد مَن فيهما. "ابن رسلان". (ش).
(٧) قال ابن العربي (١/ ٩٠): فيه حجة لأهل السنَّة أن عذاب القبر حق، ثم بسطه. (ش).
(٨) قال ابن رسلان: زاد البخاري في الأدب (ح ٦٠٥٥): "بلى إنه لكبير"، فاستدرك، =
[ ١ / ٢٣٤ ]
أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ"، ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْب فَشَقَّهُ باثْنَيْنِ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا
===
(أما هذا) أي ذاك الرجل، وأشار إلى أحد القبرين (فكان لا يستنزه من البول) (١)، أي: لا يستبرئ ولا يجتنب من ملاقاة البول أو لا يطهره، وهذا الفعل وإن كان بظاهره غير كبير لكنه يؤدي إلى أمور كبيرة، لأنه يتسبب (٢) بطلان الصلاة.
(وأما هذا) أي ذاك الرجل الآخر، وأشار إلى القبر الثاني (فكان يمشي بالنميمة) وهي: نقل الحديث على جهة الفساد (٣) والشر، نَمَّ الحديث ينمّه فهو نَمَّام، وهو من أقبح القبائح، والإصرار المفهوم من لفظ "كان" يشعر بأنها كبيرة. (ثم دعا (٤) بعسيب رطب) أي جريدة (فشقه باثنين، ثم غرس) (٥) أي غرز (على هذا) أي القبر (واحدًا، وعلى هذا) أي القبر (٦) الآخر
_________________
(١) = ولفظ ابن حبان: "يعذبان عذابًا شديدًا في ذنب هَيِّن"، وقيل: "ليس بكبير" في مشقة الاحتراز كما جزم به البغوي، ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة، وقيل: ليس بكبير بمجرده بل صار كبيرًا بالمواظبة، وقال ابن العربي (١/ ٩٠): الفرق بين الكبير والصغير غامض. (ش).
(٢) قال ابن رسلان: لا حجة في عمومه لنجاسة الأبوال كلها، لأن المراد به بول الإنسان، انتهى مختصرًا، وقال أيضًا: فيه حجة لمن قال: القليل من البول وسائر النجاسات كالكثير، وهو قول مالك، ولم يخففوا في شيء منه. (ش).
(٣) وإليه مال القاري ("مرقاة المفاتيح" ١/ ٣٥١)، فإن مآله إلى عدم التحفظ عن البول المؤدي إلى بطلان الصلاة غالبًا. (ش).
(٤) أما نقل ما فيه مصلحة أو إزالة مفسدة فهو مطلوب. "ابن رسلان". (ش).
(٥) وفي حديث أحمد والطبراني أن الذي أتى به أبو بكرة - ﵁ -. "ابن رسلان". (ش).
(٦) لفظ البخاري "وضع"، وهو أعم. "ابن رسلان". (ش).
(٧) وروى ابن حبان من حديث أبي هريرة أنه ﵊ مر بقبر فوقف عليه، فقال: ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ويحتمل أن تكون هذه قضية أخرى "ابن رسلان". (ش).
[ ١ / ٢٣٥ ]
وَاحِدًا، وَقَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا"
===
(واحدًا، وقال) أي رسول الله - ﷺ -: (لعله (١) يخفف عنهما ما لم ييبسا) (٢).
قال الحافظ في "فتح الباري": قال المازري: يحتمل أن يكون (٣) أوحي إليه أن العذاب يخفف عنهما هذه المدة، انتهى. فعلى هذا "لعل" ها هنا للتعليل، وقال الخطابي: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النداوة، لا أن في الجريدة معنى يخصه، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس، قال: وقد قيل: إن المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطبًا، فيحصل التخفيف ببركة التسبيح (٤)، وعلى هذا فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الأشجار وغيرها، وكذلك فيما فيه بركة كالذكر وتلاوة القرآن من باب الأولى، وقد استنكر الخطابي ومن تبعه وضع الناس الجريد ونحوه في القبر عملًا بهذا الحديث، قال الطرطوشي: لأن ذلك خاص ببركة يده، وقال القاضي عياض: لأنه علل غرزهما على القبر بأمر مغيَّب وهو قوله: "ليعذبان".
قلت: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن لا نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب أن لو عُذب، كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا أن لا ندعو له بالرحمة، وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة، بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسّى بريدة بن الحصيب الصحابي بذلك، فأوصى أن توضع على قبره جريدتان، كما سيأتي في
_________________
(١) الضمير للشأن "ابن رسلان". (ش).
(٢) بسط ابن رسلان في ضبطه واختلاف الروايات فيه. (ش).
(٣) ولفظ مسلم في الحديث الطويل: "وأجيبت شفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما لم ييبسا". (ش). [انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٢/ ٢٠٥)].
(٤) قال ابن عابدين (٢/ ٢٤٥): صرح به جمع من الشافعية، وهذا أولى بما حكاه بعض المالكية من أن التخفيف حصل ببركة يده الشريفة. (ش).
[ ١ / ٢٣٦ ]
قَالَ هَنَّادٌ: "يَسْتَتِرُ" مكان "يَسْتَنْزِهُ". [خ ٢١٨، م ٢٩٢، ت ٧٠، ن ٣١، جه ٣٤٧، حم ٥/ ٢٦٦]
===
الجنائز من هذا الكتاب، وهو أولى أن يتبع من غيره (١)، انتهى.
وأما الاختلاف الذي وقع في أنهما كانا كافرين أو مسلمين، فرجَّح الاحتمال الثاني الحافظ العسقلاني - ﵀ -، وقال: أما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمَيْن، ففي رواية ابن ماجه: "مر بقبرين جديدين"، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد: "أنه - ﷺ - مر بالبقيع (٢) فقال: من دفنتم اليوم ها هنا"، فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين، ويقوي كونهما مسلمين رواية أبي بكرة عند أحمد والطبراني بإسناد صحيح: "يعذبان وما يعذبان في كبير"، و"بلى وما يعذبان إلَّا في الغيبة والبول"، فهذا الحصر ينفيِ كونهما كافرين، لأن الكافر وإن عُذبَ على ترك أحكام الإِسلام، فإنه يُعَذبُ مع ذلك على الكفر بلا خلاف، قال: وجزم ابن العطار في "شرح العمدة" بأنهما كانا مسلمين، وقال: لا يجوز أن يقال: إنهما كانا كافرين، لأنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما لتخفيف العذاب ولا ترجَّاه لهما، ولو كان ذلك من خصائصه لبيَّنه، يعني كما في قصة أبي طالب، انتهى.
(قال هناد (٣): "يستتر" (٤) مكان "يستنزه")، الغرض منه بيان اختلاف الألفاظ لزهير وهناد، فإن زهيرًا قال: "لا يستنزه"، بالنون والزاء بعدها
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (١/ ٣٢٠).
(٢) وفي رواية للبخاري: "مر بحائط من حيطان مكة أو المدينة"، وفي "الأفراد" للدارقطني: "أن الحائط كان لأم مبشر الأنصارية"، "ابن رسلان". (ش). انظر: "فتح الباري" (١/ ٣٢٠).
(٣) اعلم أن تنصيص المؤلف على ذكر لفظ أحد الراويين تصريح منه بأن اللفظ المذكور من قبل الراوي الثاني الذي لم يصرح بلفظه، كذا في "التقرير". (ش).
(٤) قال ابن العربي ("عارضة الأحوذي" ١/ ٩١): يروى هذا اللفظ بثلاثة أوجه: "يستتر"، و"يستنزه"، و"يستبرئ"، ثم بسط معانيه. (ش).
[ ١ / ٢٣٧ ]
٢١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، ثنَا جَرِير، عن مَنْصُورٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النَبِيَّ - ﷺ - بِمَعْنَاهُ
===
هاء، وقال هناد: "لا يستتر" بالمثناتين الفوقيتين، فمعنى ما روى هناد من لفظ "يستتر" يحتمل أن يكون معناه (١): لا يستتر عن أعين الناس، والأولى أن يقال: معنى لا يستتر، أي: لا يجعل بينه وبين البول سترًا، حتى لا يصيبه البول، فحينئذ يوافق هذا معنى ما روى زهير.
٢١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير) بن عبد الحميد بن قُرط، بضم القاف وسكون الراء بعدها مهملة، الضبي الكوفي، نزيل ري وقاضيها، ثقة، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه، مات سنة ١٨٨ هـ.
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب، بمثناة ثقيلة ثم موحدة، الكوفي، ثقة ثبت، أحد الأعلام المشاهير، قال أبو حاتم: متقن لا يخلط ولا يدلس، مات سنة ١٣٢ هـ.
(عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - بمعناه)، والغرض من نقل هذا السند بيان الاختلاف في رواية مجاهد، فإن الأعمش أدخل في روايته بين مجاهد وابن عباس طاوسًا، ولم يذكر منصور بين مجاهد وبين ابن عباس أحدًا، وكذلك البخاري أخرج الروايتين.
قال الحافظ (٢): روى هذا الحديث الأعمش عن مجاهد، فأدخل بينه وبين ابن عباس طاوسًا، كما أخرجه المؤلف بعد قليل، وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيحمل على أن مجاهدًا سمعه عن طاوس
_________________
(١) لكن يشكل على هذا ربطه بقوله: "من بوله"، فالصحيح المعنى الثاني، واختاره ابن رسلان. (ش).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٣١٧).
[ ١ / ٢٣٨ ]
قَالَ: "كَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ"، وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: "يَسْتَنْزِهُ".
[انظر الحديث السابق]
===
عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقتين معًا، انتهى.
قلت: وعلى هذا يدل صنيع أبي داود وتخريجه إياهما بأن الطريقين عنده صحيحان، ولكن قال أبو عيسى الترمذي في "سننه" (١): ورواية الأعمش أصح، واستدل عليه بقوله: سمعت أبا بكر محمد بن أبان يقول: سمعت وكيعًا يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور، وهذا يدل على أن رواية الأعمش أرجح عنده من رواية منصور عن مجاهد، ولعل الحق مع المصنف والبخاري والجمهور، والله أعلم.
ثم بعد ذلك ذكر الاختلاف الواقع في قوله: يستتر ويستنزه عن منصور والأعمش، كما ذكر ذلك الاختلاف في روايتي زهير وهناد.
(قال) أي جرير: (كان لا يستتر من بوله، وقال أبو معاوية: يستنزه).
ظاهر صنيع أبي داود يقتضي أن يكون رواية أبي معاوية وهو محمد بن خازم عن منصور، ولكن ليس الأمر هكذا، بل رواية أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، كما يدل عليه رواية "صحيح البخاري" وغيره من كتب الصحاح، فعلى هذا كان الأنسب للمصنف أن يذكره في رواية وكيع عن الأعمش، ويمكن أن يعتذر عنه أنه ذكره ها هنا ليقابل رواية جرير عن منصور، وكونه برواية الأعمش كان غير خافٍ عند المحدثين، ولكن وقع في البخاري برواية أبي معاوية لفظ: "فكان لا يستتر"، مخالفًا لقول أبي داود ومسلم.
_________________
(١) "سنن الترمذي" (١/ ١١٣)، "باب التشديد في البول".
[ ١ / ٢٣٩ ]
٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، ثَنَا الأعْمَشُ، عن زيدِ بْنِ وَهْبٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ حَسَنَةَ قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ
===
٢٢ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (ثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم، أبو بشر، وقيل: أبو عبيدة، ثقة، وفي حديثه عن الأعمش وحده مقال، مات سنة ١٧٩ هـ (١)، (ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب) الجهني، أبو سليمان الكوفي، أسلم في حياة النبي - ﷺ -، ورحل إليه مهاجرًا، فقبض وهو في الطريق فلم يدركه، قال الحافظ في "التهذيب": قال يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير، وقال الحافظ في "التقريب": لم يصب من قال: في حديثه خلل، مات سنة ٩٠ هـ، أو بعدها.
(عن عبد الرحمن (٢) بن حسنة)، وحسنة أمه، فهو عبد الرحمن بن عبد الله بن مطاع بن عبد الله الغطريف، صحابي، أخو شرحبيل بن حسنة، وأنكر العسكري تبعًا لابن أبي خيثمة أن يكون عبد الرحمن أخا شرحبيل.
(قال) أي عبد الرحمن: (انطلقت أنا وعمرو بن العاص) (٣) بن وائل السهمي الصحابي المشهور، أسلم سنة ثمان قبل الفتح، وقيل: بين الحديبية وخيبر، ولي إمرة مصر مرتين، فالمرة الأولى في زمن عمر بن
_________________
(١) وفي "الغاية" سنة ١٧٦ هـ، (ش) [قلت: كذا في التقريب (ص ٣٦٧)، وانظر: "تهذيب الكمال" (٥/ ٤١٧٣)].
(٢) قال السيوطي في "زهر الربى" (١/ ٢٧): ليس له إلَّا هذا الحديث الواحد، وقال ابن رسلان. لم يرو عنه غير زيد. (ش). [انظر ترجمته في: "أسد الغابة" (٣/ ١٠٩) رقم (٣٢٨٩)].
(٣) اختلفوا في أنه بالياء أو بحذفها، قال القاري (١/ ١٨٨): الأصح عدم ثبوت الياء إما تخفيفًا أو بناءً على أنه أجوف، ورجح في "التعليق الممجد" (١/ ٢٦٦) وجود الياء، وكذا في "الزرقاني". (ش) [انظر ترجمته في: "أسد الغابة" (٣/ ٣٨٤) رقم (٣٩٧١)].
[ ١ / ٢٤٠ ]
إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَخَرَجَ وَمَعَهُ دَرَقَةٌ ثُمَّ اسْتَتَرَ بِهَا ثُمَّ بَالَ، فَقُلْنَا: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ،
===
الخطاب - ﵁ -، والثانية لمعاوية من صفر سنة ٣٨ هـ، إلى أن مات سنة ٤٣ هـ، وهو ابن تسعين سنة.
(إلي النبي - ﷺ -) وفي رواية لأحمد: "قال: كنت أنا وعمرو بن العاص جالسًا". (فخرج)، وفي رواية لأحمد: "فخرج علينا"، وكذلك في رواية النسائي وابن ماجه، والظاهر من هذا السياق أنهما كانا أسلما قبل ذلك، (ومعه درقة) (١) الدرقة الحجفة، وأراد بها الترس من جلد ليس فيها خشب ولا عصب، (ثم استتر بها) أي وضعها وجعلها ساترًا بينه وبين الناس (ثم بال) أي مستقبلًا إليها، وفي رواية لأحمد: "فوضعها ثم جلس فبال إليه"، وفي أخرى له: "فاستتر بها فبال جالسًا".
(فقلنا) وفي رواية لأحمد: "فقال بعض القوم"، وكذا في رواية النسائي، وفي رواية ابن ماجه: "فقال بعضهم"، فعلى هذه الروايات القائل لهذا الكلام الآتي بعض القوم لا هذان، وأما ما ورد في بعض الروايات لفظ "فقلنا" كما في حديث الباب، فنسبه إلى أنفسهم مجازًا.
(انظروا إليه) أي إلى رسول الله - ﷺ - (يبول كما تبول المرأة) (٢) وفي رواية لأحمد: "أيبول رسول الله - ﷺ - كما تبول المرأة"، يعني يبول جالسًا - وكانت عادة العرب أنهم كانوا يبولون قائمين - أو يبول متسترًا، أو يكون وجه الشبه كلا الأمرين معًا، فإن كان هذا القول صدر منهما وهما كانا مسلمين صحابيين فلا يكون على وجه الطعن والتنقيص، بل على وجه التعجب على خلاف العادة المعروفة، ولكن كان في صورة الطعن والاعتراض.
_________________
(١) بفتحتين، ولفظ النسائي: في يده كهيئة الدرقة. "ابن رسلان". (ش).
(٢) ولفظ ابن ماجه (٣٠٩): وكان من شأن العرب البول قائمًا. "ابن رسلان". (ش).
[ ١ / ٢٤١ ]
فَسَمِعَ ذَلِكَ فَقَالَ: "أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا لَقِيَ صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَطَعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ مِنْهُمْ،
===
قال العيني في "شرحه (١) على البخاري": وهذا القول وقع منهما من غير قصد، أو وقع بطريق التعجب أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل، فلذلك قال ﵊: "ألم تعلموا" إلخ، ولم يقولا هذا القول بطريق الاستهزاء والاستخفاف، لأن الصحابة براء من هذا، انتهى.
وإن كان صدر منهما وهما لم يسلما إلى ذلك الوقت أو من غيرهما من بعض القوم من الكفار، فيكون صدوره على وجه الطعن والاعتراض.
(فسمع) أي رسول الله - ﷺ - (ذلك) أي قولهم (فقال: ألم تعلموا) وفي رواية لأحمد: فجاءنا فقال: "أو ما علمتم"، وفي رواية له: "ويحك أما علمت"، وكذلك في رواية ابن ماجه، (ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ (٢) وفي رواية لأحمد، وكذا في رواية النسائي وابن ماجه: "ما أصاب صاحب بني إسرائيل" (كانوا) أي بنو إسرائيل (إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم) وفي رواية لأحمد: "كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض"، وهكذا في النسائي، وفي أخرى له: "كان الرجل منهم إذا أصابه شيء من البول".
والظاهر (٣) أن المراد من الذي يصيبه البول هو الثوب وغيره، لا الجلد، ويكون معنى الحديث الذي وقع في أبي داود: "وكانوا إذا أصابهم"، أي أصاب ثوبهم، بحذف المضاف، يعني: ما كان يجوز لهم أن يطهِّروا أثوابهم بالماء، وكان التطهير في شرعهم بقطع المتنجس، وأما قطع
_________________
(١) "عمدة القاري" (٢/ ٦٢٧).
(٢) هو يعقوب، وخمسة من الأنبياء لهم اسمان. "ابن رسلان". (ش).
(٣) وإليه يظهر ميل الحافظ. (ش) [انظر: "فتح الباري" (١/ ٣٣٠)].
[ ١ / ٢٤٢ ]
فَنَهَاهُمْ، فَعُذّبَ في قَبْرِهِ". [ن ٣٠، جه ٣٠٩ - ٣٤٦، حم ٤/ ١٩٦]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَنْصُورٌ: عن أَبِي وَائِلٍ، عن أَبِي مُوسَى، في هذا الْحَدِيثِ قَالَ: "جِلْدَ أَحَدِهِمْ"،
===
الجلد من النجاسة، فقال الشارح: لو صح حمله على ظاهره ليؤدي إلى قطع كل أجسادهم، إذ هذا أمر عادي متكرر الوقوع، ولا أراه تعالى يكلف عباده بمثله، وهو أرحم الراحمين، فتكليف القتل أسهل شيء كلفوه.
(فنهاهم) أي صاحب بني إسرائيل، (فعُذّب في قبره) ومحصل جوابه - ﷺ - أن ما فعلته من البول جالسًا لأَجل التنزه من البول، أو التستر بالدَّرَقة أمر شرعيّ، كما كان قطع المتنجس بالبول في بني إسرائيل أمرًا شرعيًا، فكما عُذّب الناهي عن الأمر الشرعي الذي هو القطع، كذلك الطاعن فينا على الأمر الشرعي ناه عنه، فيستحق العذاب.
والعجب من العيني، فإنه قال في "شرحه على البخاري" (١): وأراد بصاحب بني إسرائيل موسى ﵊، فإن قلت: كيف يترتب قوله: "فعذب" على قوله: "فنهاهم"؟ قلت: فيه حذف، تقديره: فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا فعذب الله تعالى، انتهى.
(قال أبو داود: قال منصور: عن أبي وائل)، هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، أدرك النبي - ﷺ -، وقيل: مخضرم، مولده سنة إحدى من الهجرة، ثقة، لا يسأل عن مثله، مات بعد الجماجم سنة ٨٢ هـ، وقيل: في خلافة عمر بن عبد العزيز، (عن أبي موسى، في هذا الحديث) أي حديث عبد الرحمن بن حسنة في قصة صاحب بني إسرائيل (قال) أي أبو موسى: (جلد أحدهم) وهكذا في "صحيح مسلم" برواية جرير عن منصور عن أبي
_________________
(١) "عمدة القاري" (٢/ ٦٢٧).
[ ١ / ٢٤٣ ]
وَقَالَ عَاصِمٌ: عن أَبِي وَائِلٍ، عن أَبِي مُوسَى، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "جَسَدَ أَحَدِهِمْ".
===
وائل "جلد أحدهم"، وفي البخاري برواية شعبة عن منصور عن أبي وائل "ثوب أحدهم".
(وقال عاصم) بن بهدلة، وبهدلة اسم أبيه بقول أحمد وطائفة، واسم أمه بقول كالفلاس (١)، وهو ابن أبي النجود، بنون وجيم، الأسدي الكوفي، أحد السبعة القراء، ثبت حجة في القراءة. قال يحيى القطان: ما وجدت رجلًا اسمه عاصم إلَّا وجدته رديء الحفظ، وقال النسائي: ليس بحافظ، وقال أبو بكر البزار: ولم يكن بالحافظ، ولا نعلم أحدًا ترك حديثه على ذلك.
(عن أبي وائل، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: جسد أحدهم) غرض المصنف من هذا الكلام بيان الاختلاف في سند الحديث والمتن، فرواية عبد الرحمن بن حسنة مرفوعة، وقوله: "ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابهم البول منهم"، الحديث من قول رسول الله - ﷺ -، وأيضًا فيها: "قطعوا ما أصابه"، ولم يذكر فيه الثوب ولا الجلد ولا الجسد، ورواية منصور عن أبي وائل عن أبي موسى موقوفة عليه غير مرفوعة، وفيها لفظ "جلد أحدهم" في رواية أبي داود ومسلم (٢)، وفي رواية البخاري "ثوب أحدهم"، ورواية عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى رفعه إلى النبي - ﷺ - بلفظ: "جسد أحدهم"، وتتبعت
_________________
(١) ذكر المزي في "تهذيبه" (١٣/ ٤٧٤): قال عمرو بن علي - هو أبو حفص الفلاس -: عاصم بن بهدَلة، هو عاصم بن أبي النجود، واسم أمه بهدَلة. وانظر: "سير أعلام النبلاء" (٥/ ٢٥٧).
(٢) "صحيح مسلم" ح (٢٧٣).
[ ١ / ٢٤٤ ]