٣٦ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَوْهِبٍ الْهَمَدَانِيُّ، أَنَا الْمُفَضَّلُ - يَعْنِي ابنَ فَضَالَةَ الْمِصْرِيَّ -، عَنْ عَيَّاشِ ابْنِ عَبًَّاسٍ الْقتْبَانِيِّ، أَنَّ شُيَيْمَ بْنَ بَيْتَانَ أَخْبَرَهُ، عَنْ شَيْبَانَ الْقِتْبَانِيِّ
===
(٢٠) (بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ أَنْ يُستَنْجَى بِهِ)
يعني: الغرضُ بعقد هذا الباب بيان الأشياء التي نهى عنها رسول الله - ﷺ - أن يستنجي بها أحد من الناس.
٣٦ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني) (١) قال في "التقريب" و"تهذيب التهذيب": يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب (٢) بفتح الهاء، الهمداني، أبو خالد الرملي، ثقة عابد، مشهور بكنيته، مات سنة ٢٣٢ هـ، (أنا المفضل، يعني ابن فضالة) بن عبيد بن ثمامة القتباني، أبو معاوية، (المصري) قاضيها، ثقة فاضل عابد، أخطأ ابن سعد في تضعيفه، مات سنة ١٨١ هـ.
(عن عياش بن عباس القتباني) بكسر القاف وسكون المثناة، الحميري، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة، مات سنة ١٣٣ هـ، قال في "الأنساب" (٣): وقتبان في اليمن: بطن من رعين، والمنتسب إليه عياش بن عباس القتباني. (أن شييم) بكسر أوله ويقال بضمه وفتح تحتانية وسكون مثلها (ابن بيتان) بلفظ تثنية بيت، القتباني البلوي البصري، ثقة، (أخبره) أي عياش بن عباس (عن شيبان القتباني) هو شيبان بن أمية، أو ابن قيس،
_________________
(١) بإسكان الميم، "ابن رسلان". همدان قبيلة من الحمير، "غاية المقصود". (ش).
(٢) قال ابن رسلان: ابن أبي أمية البصري مولى عمر أخو مبارك. (ش).
(٣) (٤/ ٤٤٩).
[ ١ / ٢٨٣ ]
قَالَ: إِنَّ مَسْلَمَة بْنَ مُخَلَّدٍ اسْتَعْمَلَ رُويفِعَ بْنَ ثَابِتٍ عَلَى أَسْفَلِ الأَرْضِ،
===
أبو حذيفة المصري، مجهول، وفي "الأنساب": شيبان بن أبي أمية القتباني، أبو حذيفة، شهد فتح مصر، روى عن رويفع بن ثابت وأبي عمرة المزني، روى عنه شييم بن بيتان وبكر بن سوادة الجذامي.
(قال) أي شيبان: (إن مسلمة (١) بن مُخَلَّدٍ) كمحمد، الأنصاري الزرقي، سكن مصر، وكان واليًا عليها أيام معاوية (٢)، قال علي بن رباح عن مسلمة: ولدت (٣) حين قدم النبي - ﷺ - المدينة، ومات وأنا ابن عشر سنين، قال البخاري: له صحبة، وقال الواقدي: رجع إلى المدينة أيام معاوية فمات بها، وقال ابن حبان: مات بمصر، وقال ابن عبد البر: كانت مدة ولايته على مصر والإفريقية ست عشرة سنة، مات سنة ٦٢ هـ.
(استعمل) أي جعل عاملًا وأميرًا (رويفع (٤) بن ثابت) بن السكن بن عدي بن حارثة الأنصاري المدني، صحابي سكن مصر، وأمّره معاوية على طرابلس سنة ٤٦ هـ، وولي إمرة برقة، وتوفي فيها، قال أحمد بن البرقي: توفي ببرقة، وقد رأيت قبره، وكذا قال ابن يونس، وزاد: سنة ٥٦ هـ، وهو أمير عليها لمسلمة بن مخلّد.
(على أسفل الأرض) (٥) قال صاحب "الدرجات": قال المنذري:
_________________
(١) بفتح الميم واللام. "ابن رسلان". (ش).
(٢) وكان من أصحابه. (ش) [انظر ترجمته في: "أسد الغابة" (٤/ ١٢٩)، رقم (٤٩٢٥)].
(٣) وقيل: كان له إذًا أربع سنين "الغاية". (ش) [انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري (٧/ ١٦٨٢)].
(٤) انظر ترجمته في: "أسد الغابة" (٢/ ٢٠٢) رقم (١٧١٧).
(٥) أي: أرض ديار مصر. "ابن رسلان". (ش).
[ ١ / ٢٨٤ ]
قَالَ شَيْبَانُ: فَسِرْنَا مَعَهُ مِنْ كُومِ شَرِيكٍ إِلَى عَلْقَمَاءَ، أَوْ مِنْ عَلْقَمَاءَ إِلَى كُومِ شَرِيكٍ، يُرِيدُ عَلْقَامَ،
===
هو الوجه البحري من مصر، وقال بعضهم: أو أراد المغرب، فولاية رويفع المغرب مشهورة، وولايته للوجه البحري لا تكاد تعرف.
(قال شيبان: فسرنا معه من كوم (١) شريك) ذكر ابن يونس أنه بطريق الإسكندرية، وشريك كأمير، هو ابن سميّ المرادي الغطيفي، صحابي، شهد فتح مصر (٢)، وإنما أضيف له كوم إذ عمرو بن العاص لما سار لفتح الإسكندرية، وشريك على مقدمته خرج عليهم جمع عظيم من الروم، فخافهم على أصحابه، فلجأ إلى الكوم ودافعهم، وكوم كحوت، وهو المشهور، وضبطه بعض الحفاظ بالفتح، (إلى علقماء) (٣) ضبطه صاحب "درجات مرقاة الصعود" بعين فلام فقاف فمد كبيضاء، موضع في أسفل ديار مصر، وأما في النسخ الموجودة عندنا من المكتوبة والمطبوعة الهندية والمصرية فبزيادة الميم بعد القاف.
(أو من علقماء إلى كوم شريك) هذا شك من الراوي، ولم يتعين الشاك، فيمكن أن يكون شيبان أو غيره، والمراد به أن ابتداء السير كان من كوم شريك، أو من علقماء، وكان مصاحبتنا له منتهيًا إلى علقماء إن كان ابتداء السير من كوم شريك، وإلى كوم شريك إن كان ابتداء السير من علقماء، وكان رويفع بن ثابت - ﵁ - (يريد علقام) وهو موضع آخر غير علقماء.
_________________
(١) في "النهاية" بالضم. قال البكري بالفتح. قال ابن رسلان: موضع بأسفل ديار مصر. (ش).
(٢) انظر "الإصابة" (٢/ ١٥٠).
(٣) قال العيني في "شرح أبي داود" (١/ ١٢٦): علقماء: بلدة في طريق الإسكندرية، وهي اليوم خراب، وكذلك علقام هي أيضًا بلدة وهي اليوم خراب.
[ ١ / ٢٨٥ ]
فَقَالَ رُويفِعُ: إِنْ كَانَ أَحَدُنَا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - لَيَأخُذَ نِضْوَ أَخِيهِ عَلَى أَنَ لَهُ النّصْفَ مِمَّا يَغْنَمُ وَلَنَا النِّصْفَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَطِيرُ لَهُ النَّصْلُ والرِّيشُ وَللآخَرِ الْقِدْحُ،
===
(فقال رويفعُ: إن كان أحدنا في زمن رسول الله - ﷺ -) لفظة "إن" مخففة من الثقيلة، ولام (ليأخذ) فارقة (نضو) هو بكسر نون وسكون معجمة فواو، بعير مهزول، وقال في "لسان العرب": النِضْوُ: الدابة التي أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها، (أخيه) المراد بالأخ الأخ في الدين، (على) شرط (أن له النصف بما يغنم ولنا النصف) وفي بعض النسخ: "وله النصف"، يعني يكون معاملة الشركة (١) بينهما على أن لصاحب البعير المهزول نصف الغنيمة حصة بعيره، ولآخذ البعير الذي يغزو عليه النصف لغزوه.
(وإن) مخففة (كان أحدنا ليطير له) اللام فارقة، ومعنى "ليطير" (٢) ليحصل في القسمة (النصل) حديدة السهم (والريش وللآخر القدح) (٣) بكسر القاف وسكون الدال كسِدْرِ، خشب السهم قبل أن يراش ويركب نصله، يعني: يحصل في الغنيمة شيء قليل، ففي بعض الأحيان يحصل سهم واحد فنقسمه بيننا، فيأخذ أحدنا القدح، والآخر النصل والريش.
وغرض رويفع - ﵁ - من هذا الكلام بيان حال ابتداء
_________________
(١) قال الخطابي (١/ ٢٦): فيه حجة لمن أجازه، منهم: الأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ولم يجزه أكثر الفقهاء. "غاية المقصود"، و"ابن رسلان"، و"المنهل". وفي "التقرير": ليس على الاستئجار، بل على مجازاة الحسنة بالحسنة. (ش).
(٢) يقال: طار لفلان كذا، أي حصل له من القسمة. "ابن رسلان". (ش). [كذا في "النهاية" (٣/ ١٥١)].
(٣) قال الخطابي (١/ ٢٦): فيه حجة أن تقسيم ما ينتفع به بعد القسمة يجب، بخلاف ما لا يكون مثله كاللؤلؤ، كذا في "الغاية". (ش).
[ ١ / ٢٨٦ ]
ثُمَّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "يَا رُويفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي، فَأَخْبِو النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا،
===
الإِسلام، بأنه كان إذ ذاك خفيفًا، وإعلام بأني كنت قديم الإِسلام فيعتمدوا عليّ ويصدقوا حديثي، ولهذا روى بعد ذلك.
(ثم قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي) ووقع كما أخبر، فطالت حياته (١)، وأدرك زمن إمارة معاوية - ﵁ -. وأيضًا فيه إخبار عن الغيب من تغيير يحصل في الدين بعد القرن الأول، وهذا أيضًا وقع كما قال.
(فأخبر الناس أنه من عقد لحيته) (٢) قال الأكثرون: هو معالجتها حتى تتعقد وتتجعد، وهذا مخالف للسنَّة التي هي تسريح اللحية، وقيل: كانوا يعقدونها (٣) في الحرب زمن الجاهلية، فأمرهم ﵇ بإرسالها، لما في عقدها من التشبه بالنساء، وقيل: كان ذلك من دأب العجم أيضًا، فنهوا عنه، وقيل: كان من عادة العرب أن من له زوجة واحدة، عقد في لحيته عقدة صغيرة، ومن كان له زوجتان عقد عقدتين، كذا نقله القاري (٤) عن الأبهري.
(أو تقلّد وترًا) بفتحتين، أي خيطًا فيه تعويذ أو خرزات، لدفع العين، والحفظ عن الآفات، كانوا يعلقون على رقاب الولد والفرس،
_________________
(١) وتوفي سنة ٥٣ هـ بأفريقة، وهو آخر من مات بها من الصحابة. "غاية المقصود". (ش). [وفي "التقريب" (١٩٧١)، و"التهذيب" (٣/ ٢٩٩)، و"الإصابة" (٢/ ١١٤): مات سنة ستة وخمسين].
(٢) قال ابن رسلان: في اللحية يكره عشر خصال، هذه إحداها. (ش).
(٣) تكبرًا وعجبًا، قاله ابن الأثير، كذا في "الغاية". (ش).
(٤) (٢/ ٦٨).
[ ١ / ٢٨٧ ]
أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَ مُحَمَّدًا - ﷺ - مِنْهُ بَرِئٌ". [ن ٥٠٦٧، ق ١/ ١١٠، حم ٤/ ١٠٨]
٣٧ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالدٍ، نَا مُفَضَّلٌ، عن عيَّاشٍ، أَنَّ شُيَيْمَ بْنَ بَيْتَانَ أَخْبَرَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عن أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ،
===
وقيل: كانوا (١) يعلقون عليها الأجراس، والمعنى: أو تقلد الفرس وَتْرَ القوسِ، انتهى. كذا قال علي القاري.
(أو استنجى برجيع دابةٍ أو عظم (٢)، فإن محمدًا - ﷺ - منه بريء). وهذا من باب الوعيد والمبالغة في الزجر الشديد.
٣٧ - (حدثنا يزيد بن خالد، نا مفضل، عن عياش، أن شييم بن بيتان (٣) أخبره بهذا الحديث أيضًا (٤) عن أبي سالم الجيشاني) هو سفيان بن هانئ المصري، أبو سالم الجيشاني، بفتح الجيم، وسكون التحتانية بعدها معجمة، تابعي، مخضرم، شهد فتح مصر، ويقال: له صحبة، مات بعد سنة ٨٠ هـ.
_________________
(١) ويحتمل أن النهي لاختناق الدابة، ويحتمل أن يراد ما يجعله جماعة من القلندرية في أعناقهم من الأحبال وغيرها، ويزعمون أنهم يتذكرون بذلك أغلال يوم القيامة، فأخبر ﵊ بأنه سيكون، ونهى عنه لما فيه من تغيير خلق الله. "ابن رسلان". (ش).
(٢) قال ابن رسلان: وفي رواية الدارقطني (١/ ٥٦): "أنهما لا تطهران"، وإسناده صحيح، وهذا حجة على مالك في إباحته بالعظم الطاهر والروث من مأكول اللحم، ثم فرق بين هذا النهي، وبين النهي عن الاستنجاء باليمين، وتقدم الجواب عن رواية الدارقطني من الحنفية في "باب كراهة استقبال القبلة". (ش).
(٣) شِيَيْم: بكسر أوله وفتح التحتانية وسكون مثلها بعدها، ابن بَيْتَان، بلفظ تثنية بيت، القتباني، المصري، ثقة من الثالثة، د ت س، "تقريب التهذيب" (٢٨٤١).
(٤) من آض يئيض أيضًا، أي: رجع، كباع يبع بيعًا، "ابن رسلان". (ش).
[ ١ / ٢٨٨ ]
عن عَبْدِ اللَّه بْنِ عمرو يَذْكُرُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَعَهُ مُرَابِطٌ بِحِصْنِ بَابِ أَلْيُونَ [انظر الحديث السابق]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حِصْنُ أَلْيُونَ بِالْفُسْطَاطِ عَلَى جَبَلٍ.
===
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بالتصغير، ابن سعد بن سهم السهمي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، القرشي، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، واحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحَرَّةِ على الأصح بالطائف على الراجح (١).
(يذكر) قائله أبو سالم الجيشاني وضمير الفعل يعود إلى عبد الله بن عمرو (ذلك) الحديث (وهو) أي أبو سالم (معه) جملة حالية، والضمير المجرور يرجع إلى عبد الله بن عمرو (مرابط) خبر ثان، والرباط: ارتباط الخيل في الثغر والمقام فيه لجهاد العدو، (بحصن باب أليون) بهمزة فلام فتحتية، كزيتون، مدينة مصر قديمًا، فلما فتحها المسلمون سموها الفسطاط، وأما ألبون بموحدة، فمدينة باليمن، هكذا في "مجمع البحار" و"لسان العرب" عن ابن الأثير.
وقال في "القاموس": والفسطاط: بالضم مجتمع أهل الكورة، وعلم مصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص، وفي "نهاية ابن الأثير" (٢) المطبوعة بمصر: فيه ذكر حصن أليون، هو بفتح الهمزة وسكون اللام وضم الياء، اسم مدينة مصر قديمًا، فتحها المسلمون وسموها الفسطاط.
(قال أبو داود: حصن أليون بالفسطاط على جبل)، قال في "مجمع البحار" (٣): وقول أبي داود: حصن إلخ لا ينافيه، لأن الذي على جبل هو الحصين، لا نفس أليون.
_________________
(١) انظر "أسد الغابة" (٣/ ٣٤٩)، و"الإصابة" (٢/ ٣٥١).
(٢) (١/ ٦٥).
(٣) (١/ ٨٢).
[ ١ / ٢٨٩ ]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ شَيْبَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، يُكَنَّى أَبَا حُذَيْفَةَ.
٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، أَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، نَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، نَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: "نَهَانَا رَسُولُ اللَّه - ﷺ - أَنْ نتمَسَّحَ بِعَظْم أَوْ بَعْرٍ". [م ٢٦٣، حم ٣/ ٣٣٦، ق ١/ ١١٠]
===
(قال أبو داود: هو) أي شيبان الذي مر في الرواية السابقة (شيبان (١) بن أمية، يكنى أبا حذيفة) غرض أبي داود بيان كنيته واسم أبيه.
٣٨ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، أنا روح بن عبادة) بن العلاء بن حسان القيسي، أبو محمد البصري، ثقة فاضل، له تصانيف، مات سنة ٢٠٥ هـ، (نا زكريا بن إسحاق) المكي، ثقة، رُمي بالقدر، (نا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهانا رسول الله - ﷺ -) (أن نتمسّح) أي نستنجي (بعظم) فإنه قال - ﷺ - فيه: "زاد إخوانكم الجن"، وتلتحق به المحترمات كلها، كأجزاء الحيوان، وأوراق كتب العلم، وغير ذلك، (أو بعر) فالنهي عن الاستنجاء به لنجاسته، ويلتحق به كل ما كان نجسًا.
ولكن إذا استنجى بالنجس، يجوز ذلك مع الكراهة عندنا، وأما عند الشافعية (٢) فلم يصح استنجاؤه، ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر، لأن الموضع صار نجسًا بنجاسة أجنبية، وكذلك إذا استنجى بمطعوم يجوز عندنا، ولكن يكره، وعند الشافعية الأصح أنه لا يصح استنجاؤه، ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لم تنتقل النجاسة من موضعها.
_________________
(١) لم يرو عنه أبو داود غيرَ هذا، "ابن رسلان".
(٢) وكذا عند الحنابلة، كما في "نيل الأوطار" (١/ ٤٠). (ش).
[ ١ / ٢٩٠ ]
٣٩ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيُّ، نَا ابنُ عَيَّاشٍ، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرو السَّيْبَانِيِّ، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ الدَّيْلَمِي، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ،
===
٣٩ - (حدثنا حيوة) بفتح أوله، وسكون التحتانية، وفتح الواو (ابن شريح) مصغرًا، ابن يزيد الحضرمي، أبو العباس (الحمصي) ثقة، مات سنة ٢٢٤ هـ (نا ابن عياش) هو إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي بنون، أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، مات سنة ١٨٢ هـ. (عن يحيى بن أبي عمرو السيباني) بفتح المهملة (١)، وسكون التحتانية، بعدها موحدة، منسوب إلى سيبان، بطن من حمير، أبو زرعة الحمصي، ثقة، وروايته عن الصحابة مرسلة، مات سنة ١٤٨ هـ. (عن عبد الله بن) فيروز (الديلمي) المقدسي، أبو بشر، ويقال: أبو بسر، أخو الضحاك بن فيروز، كان يسكن بيت المقدس، ثقة، من كبار التابعين، ومنهم من ذكره في الصحابة (٢).
(عن عبد الله بن مسعود) بن غافل، بمعجمة وفاء، ابن خبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، مناقبه جمة، وأمَّره عمر على الكوفة، مات سنة ٣٢ هـ بالمدينة، أو بعدها (٣). (قال) عبد الله: (قدم وفد الجن) هم جن نصيبين (٤) قدموا مكة قبل الهجرة (على النبي - ﷺ - فقالوا: يا محمد) خاطبوا رسول الله - ﷺ - باسمه
_________________
(١) وكذا ضبطه صاحب "الغاية"، وضبطه ابن رسلان بالشين المعجمة فتأمل. (ش).
(٢) "تقريب التهذيب" (٣٥٣٤).
(٣) انظر ترجمته في: "أسد الغابة" (٣/ ٧٤).
(٤) وكانوا تسعة، وفيه دليل على وجود الجن، وكثير منهم أنكروه، كما سيأتي في "كتاب الأدب". (ش).
[ ١ / ٢٩١ ]
انْهَ أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْم أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمةٍ، فَإِنَّ اللَّه ﷿ جَعَلَ لَنَا فِيْهَا رِزْقًا، قالَ: فَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ". [ق ١/ ١٠٩، قط ١/ ٥٥]
===
الشريف، لأنه لم ينزل قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١) وكان نزوله بالمدينة.
(انْهَ) بسكون النون وفتح الحاء (أمتك أن يستنجوا بعظم، أو روثة، أو حُمَمة) (٢) بضم الحاء، وفتح الميم، في "شرح السنَّة (٣) ": الحمم: الفحم وما أحرق من الخشب أو العظام ونحوهما، والاستنجاء به منهي عنه، لأنه جعل رزقًا للجن، فلا يجوز إفساده، وقوله: رزقًا للجن، أيمما انتفاعًا لهم بالطبخ والدفاء والإضاءة (فإن الله ﷿ جعل لنا) أي: لأنفسنا، ولدوابنا (فيها رزقًا) (٤). (قال) عبد الله: (فنهى النبي - ﷺ - عن ذلك).
_________________
(١) سورة النور: الآية ٦٣.
(٢) جمعه حمم، بحذف الهاء. "ابن رسلان". (ش).
(٣) (١/ ٣٦٦).
(٤) قال ابن رسلان: وفي "دلائل النبوة" (٢/ ٢٣٠): أنهم قالوا ليلة الجن: أعطنا هدية، فأعطاهم ذلك، فلعله ﵊ لما أعطاهم قالوا: اِنْه أمتك، فإذا وجدوا عظمًا وروثًا جعله الله لهم كانه لم يؤكل، وكذا الروث للدواب، فإن كانوا أكلوا شعيرًا جعله الله شعيرًا، وإن كانوا أكلوا تينًا أو غيره من العلف جعله الله كذلك، ويشبه أن يجعل الله الفحم خشبًا لنارهم، ويحتمل أن يكون رزقهم لذلك، هي الرائحة التي تظهر لهم، ونحو ذلك، فيكون قوتهم لا نفس العين، فإن أجسادهم لطيفة لا تليق بها نفس العظم والروث، انتهى مختصرًا. ثم كونه زادًا لهم مطلق كما هو مقتضى هذه الروايات، أو مخصوص بما لم يذكر اسم الله عليه، كما هو نص رواية الترمذي، وحكم صاحب "العرف الشذي" على ما فرقوا بين الميتة والذكية بالمسلم والكافر بالاضطراب، والبسط في هامش "الكوكب الدري" (٢/ ٢٦٧). ثم الحديث حجة في أنهم يأكلون ويشربون، والمسألة خلافية شهيرة، بسطها الحافظ =
[ ١ / ٢٩٢ ]