٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ ابْنِ الأَزْرَقِ
===
بحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملًا، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي، وأحسن ما جمع به الحافظ في "الفتح" من حمل النهي على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز.
(٤١) (بابُ الْوُضُوءِ (١) بِمَاءِ الْبَحْرِ) (٢)
غرض المصنف بعقد هذا الباب أن الماء لما كان يتنجس بوقوع النجاسة فيه، والبحر تُلقى فيه النجاسات الكثيرة خصوصًا على السواحل، فيتوهم أنه لعله يكون أيضًا نجسًا، فعقد الباب لبيان طهورية مائه، وأنه لا يتنجس بوقوع النجاسات لكثرته وعدم تغيره بوقوع النجاسات.
٨٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس، (عن صفوان بن سليم) بضم السين المهملة وفتح اللام، المدني، أبو عبد الله القرشي الزهري مولاهم، الفقيه، وثقه الكثيرون، ورمي بالقدر، مات سنة ١٣٢ هـ، (عن سعيد بن سلمة) المخزومي (من آل ابن الأزرق) بمفتوحة وسكون زاي فراء فقاف، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، لكن قال
_________________
(١) والأوجه عندي أنه ترجم بذلك لما كان فيه الخلاف سابقًا، فقيل: لا يجوز كما نقل عن ابن عمر -﵁ - وغيره، كما في "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٢٢)، وقيل: يجوز عند الضرورة. (ش).
(٢) اختلف أهل اللغة في اشتقاقه فقيل: سمي لسعته، وقيل: سمي لشقه الأرض، بسطه ابن رسلان. (ش).
[ ١ / ٤٤٣ ]
قَالَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ
===
الحافظ في ترجمة سعيد بن سلمة: روى عنه صفوان بن سليم والجُلاح أبو كثير، وهو حديث في إسناده اختلاف، ثم قال: قلت: وصحح البخاري فيما حكى عنه الترمذي في "العلل المفرد" حديثه، وكذا صحَّحه ابن خزيمة وابن حبان وغير واحد.
وذكر البيهقي الاختلاف في "سننه الكبير" (١)، فقال: وقد تابع يحيى بن سعيد الأنصاري ويزيد بن محمد القرشي سعيدًا على روايته، إلَّا أنه اختلف فيه على يحيى بن سعيد، فروى عنه عن المغيرة بن أبي بردة عن رجل من بني مدلج [عن النبي - ﷺ - وروى عنه عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة أن رجلًا من بني مدلج]، وروى عنه عبد الله بن المغيرة الكندي عن رجل من بني مدلج وعنه عن المغيرة بن عبد الله عن أبيه، وقيل غير هذا، واختلفوا أيضًا في اسم سعيد، فقيل كما قال مالك، وقيل: عبد الله بن سعيد المخزومي، وقيل: سلمة بن سعيد، وهو الذي أراد الشافعي بقوله: في إسناده من لا أعرفه، أو المغيرة أو هما، إلَّا أن الذي أقام إسناده ثقة، أودعه مالك بن أنس "الموطأ" (٢)، انتهى.
(قال) أي سعيد: (إن المغيرة (٣) بن أبي بردة) الكناني، ويقال:
ابن عبد الله بن أبي بردة، ويقال: عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، وقلبه بعضهم، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن حبان: من أدخل بينه وبين أبي هريرة أباه فقد وهم، صحَّح حديثه عن أبي هريرة
_________________
(١) "السنن الكبرى" (١/ ٣).
(٢) كذا في الأصل. (ش).
(٣) ولي غزو البحر لسليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين، "ابن رسلان". (ش).
[ ١ / ٤٤٤ ]
وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ الله - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأنَا بهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟
===
في البحر ابنُ خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، والطحاوي، وابن منده، والحاكم، وابن حزم، والبيهقي، وعبد الحق، وآخرون.
(وهو من بني عبد الدار) (١) أي المغيرة، وهو قبيلة من قريش، منسوب إلى عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة، والنسبة عبدري.
(أخبره) أي أخبر المغيرة سعيدًا (أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل (٢) رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إنا نركب (٣) البحر) أي مراكبه من السفن (ونحمل معنا القليل من الماء) أي الماء الحلو، (فإن توضأنا به عطشنا)؛ لأنه ينفد باستعماله في الوضوء، (أفنتوضأ بماء البحر؟) أي المالح، فإن الغالب في إطلاق البحر هو المالح.
_________________
(١) كذا في "موطأ مالك"، ليس هو بني عبد الدار، وقال ابن رسلان: بل كان حليفًا لهم، كذا في "الأوجز" (١/ ٣٧٠). (ش)
(٢) اختلف في اسمة علي اقوال، عبد الله، عبد، عبيد، حميد بن صخر. (ش)
(٣) وفي بعض طرق الحديث زيادة قوله: "لنصيد إلخ" ففيه جواز ركوب البحر للصيد ونحوه من التجارة، وما سيأتي في كتاب الجهاد من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص مرفوعًا: "لايركب البحر إلَّا حاج أو معتمر أو غازٍ في سبيل الله، فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا"، وهو حديث ضعيف، بل ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات"، وذكر ابن رسلان عن ابن الجلاب: ركوب البحر ثلاثة أنواع، جائز وهو إذا كان من شأنه أنه يقدر علي صلاته ولا يميد، ومكروه وهو ما إذا لم تتقدم له عادة بركوبه ولا يعلم إذا ركبه هل يميد وتتعطل صلاته أم لا؟ وممنوع إذا كان يعلم من شأنه أنه يميد ولا يقدر علي أداء الصلاة. (ش).
[ ١ / ٤٤٥ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ". [ت ٦٩، ن ٥٩، ٣٣١، جه ٣٨٦، طـ ١/ ٢٢، دي ٧٢٩، حم ٢/ ٢٣٧، خزيمة ١١١]
===
(فقال رسول الله - ﷺ -: هو) أي البحر (الطهور) (١) أي المطهر (ماؤه) لأنهم سألوه عن طهورية مائه لا عن طهارته، (الحِل ميتته) (٢)، فالميت من السمك حلال بالاتفاق، وفي ما عداه خلاف، ولما سئل النبي - ﷺ - عن ماء البحر وعلم جهلهم بحكم مائه قاس عليه جهلهم بحكم صيده مع عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فزاد في الجواب إرشادًا وهدايةً قوله: "الحل ميتته"، "علي القاري" (٣).
وقال صاحب "مرقاة الصعود" (٤): قال الطب (٥): سئل عن ماء البحر فقط، فأجابهم عن مائه وطعامه، لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد في البحر، كما يعوزهم ماء بئر، فلما جمعتهما الحاجة منهم انتظم جوابه لهم، وأيضًا فإن علم طهارة الماء مستفيض عند خاصة وعامة، وعلم ميتة البحر وكونها حلالًا مشكل أصالة، فلما رأى السائلَ جاهلًا بأظهر الأمرين لا يستبين حكمه علم أنَّ أخفاهما أولى ببيانه.
قال: وإنما ارتابوا في ماء البحر، لأنهم لما رأوا تغيره في اللون وملوحة الطعم، وكان من المعقول عندهم في الطهور أنه الماء المفطور
_________________
(١) بسطه ابن رسلان، وذكره صاحب "المغني" (١/ ١٣) أيضًا أن المراد عند بعض الحنفية أن الطهور بمعنى الطاهر لا المطهر، فتأمل. (ش).
(٢) بالفتح، وأخطأ من كسر. قلت: بسط الشوكاني (١/ ١٧)، والزيلعي (١/ ٩٧) الكلام على علل الحديث الأربعة: الجهالة في سعيد والمغيرة، والاختلاف في اسم سعيد، وأرسله يحيى، والاضطراب، قال ابن العربي: حديث مشهور ولكن في طريقه مجهول، وصحَّحه في "السعاية" (١/ ٣٣٤). (ش).
(٣) "مرقاة المفاتيح" (٢/ ١٨١).
(٤) انظر: "درجات مرقاة الصعود" (ص ١٩).
(٥) أي: الخطابي. انظر: "معالم السنن" (١/ ٦٦).
[ ١ / ٤٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على خلقته السليم في نفسه الخلي من الأعراض المؤثرة فيه قال: ، وأيضًا لما أعلمهم بطهارة ماء البحر، وقد علم أن في البحر حيوانًا قد يموت فيه، والميتة نجسة، احتاج إلى أن يعلمهم أن حكم هذا النوع من الميتة خلاف غيره، كيلا يتوهموا أن ماءه نجس بحلولها به، انتهى.
وهذا الحديث يدل على أن البحر ماؤه طاهر مطهر، وهذه المسألة إجماعية (١) أجمعت الأمة على ذلك، وأيضًا يدل على أن ميتة البحر حلال، وهذه المسألة اختلفت الأئمة فيها، فعند الإِمام الشافعي يحل جميع حيوانات البحر حتى كلبه وخنزيره وثعبانه وهو المصحح عند الشافعية.
وقال النووي (٢): وقد أجمع المسلمون على إباحة السمك، قال أصحابنا: ويحرم الضفدع للحديث في النهي عن قتلها، قالوا: وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه، أصحها يحل جميعه، والثاني لا يحل، والثالث يحل ما له نظير مأكول في البر دون ما لا يؤكل نظيره، فعلى هذا يؤكل خيل البحر وغنمه وظباؤه، دون كلبه وخنزيره وحماره، انتهى.
قال في "البدائع" (٣): أما الذي يعيش في البحر فجميع ما في البحر من الحيوان محرم الأكل إلَّا السمك خاصة، فإنه يحل أكله إلَّا ما طفا منه، وهذا قول أصحابنا -﵃ -، وقال بعض الفقهاء وابن أبي ليلى - ﵏ -: إنه يحل أكل ما سوى السمك من الضفدع والسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيره ونحو ذلك، لكن بالذكاة هو قول ليث بن سعد، إلَّا في إنسان الماء وخنزيره أنه لا يحل.
_________________
(١) قلت: ذكر الشعراني فيه ثلاثة مذاهب للعلماء. (ش).
(٢) "شرح صحيح مسلم" (٧/ ٩٨).
(٣) (٤/ ١٤٤).
[ ١ / ٤٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال الشافعي - ﵀ -: يحل جميع ذلك من غير ذكاة، وأخذه ذكاته، واحتجوا بظاهر قوله تعالى: (﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] واسم الصيد يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر، فيقتضي أن يكون الكل حلالًا، وبقول النبي - ﷺ - حين سئل عن البحر فقال: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته" (١)، وصف ميتة البحر من غير فصل بين السمك وغيره.
ولنا: قوله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ من غير فصل بين البري والبحري، وقوله عزَ شأنه: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والضفدع والسرطان والحية ونحوها من الخبائث.
وروي عن رسول الله - ﷺ -: "سئل عن ضفدع يجعل شحمه في الدواء، فنهى ﵊ عن قتل الضفادع" (٢)، وذلك نهي عن أكله، وروي أنه لما سئل عنه فقال ﵊: "خبيثة من الخبائث" (٣)، ولا حجة لهم في الآية، لأن المراد من الصيد المذكور هو فعل الصيد، وهو الاصطياد، لأنه هو الصيد حقيقة لا المصيد، لأنه مفعول فعل الصيد، وإطلاق اسم الفعل عليه يكون مجازًا، ولا يجوز العدول عن حقيقة اللفظ من غير دليل، فثبت أنه لا دليل في الآية على إباحة الأكل، بل خرجت للفصل بين الاصطياد في البحر وبين الاصطياد في البر للمحرم. والمراد من قول النبي ﵊: "الحل ميتته"، السمك خاصةً، بدليل
_________________
(١) واستدل بالحديث أيضًا من قال بإباحة الطافي من السمك، لأنه أحق ما يطلق عليه اسم ميتة البحر، وأجاب عنه صاحب "الهداية" (٤/ ٣٥٣) بأن ميتة البحر ما لَفَظه البحر ليكون موته مضافًا إلى البحر. (ش).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في "المسند" (٣/ ٤٤٩، ٤٥٣)، والدارمي في "السنن" (١٩٩٨)، وأبو داود (٣٨٧١، ٥٢٦٩)، والنسائي (٤٣٥٥).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد (٢/ ٣٨١)، وأبو داود (٣٧٩٩).
[ ١ / ٤٤٨ ]