١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ
===
(٨) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَرُدُّ السَّلَامَ وَهُوَ يَبُولُ؟) (١)
بتقدير حرف الاستفهام، وفي نسخة: "أيرد السلام"
بذكر حرف الاستفهام، وفي نسخة: "لا يرد السلام"
١٦ - (حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة)، أما عثمان فهو ابن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن الكوفي، ثقة حافظ، روى عنه البخاري ومسلم، أنكر عليه أحمد أحاديث، وكان يصحف في القرآن، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٢): قال الدارقطني في "كتاب التصحيف": حدثنا أبو القاسم بن كأس، ثنا إبراهيم الخصاف، قال: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير، فلما جهزهم بجهازهم جعل السفينة في رحل أخيه، فقيل له: إنما هو جعل السقاية في رحل أخيه، قال: أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم، قال الدارقطني: وقيل: إنه قرأ عليهم في التفسير "واتبعوا ما تتلو الشياطين" بكسر الباء، قال: وحدثنا أحمد بن كامل، ثني الحسن بن حباب المقرئ أن عثمان بن أبي شيبة قرأ عليه في التفسير ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ قالها "أل م تر كيف فعل"، يعني كأول البقرة، وقيل: لا يحفظ القرآن، مات سنة ٢٣٩ هـ.
وأما أبو بكر بن أبي شيبة فهو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم ابن عثمان العبسي الواسطي الكوفي، ثقة حافظ، صاحب "المصنف"، روى عنه البخاري ومسلم، مات سنة ٢٣٥ هـ، قال أبو حاتم: كان عثمان أكبر من أبي بكر.
_________________
(١) قال ابن العربي في "العارضة" (١/ ١٣٢): فيه خمس مسائل. (ش).
(٢) (٧/ ١٥١).
[ ١ / ٢١٨ ]
قَالَا: ثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْد، عن سُفْيَانَ، عن الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عن نَافِعٍ،
===
(قالا) أي عثمان وأبو بكر: (ثنا عمر بن سعد) (١) بن عبيد، أبو داود الحفري بفتح المهملة والفاء، نسبة إلى موضع بالكوفة، ثقة عابد، مات سنة ٢٠٣ هـ.
(عن سفيان) (٢) بن سعيد بن مسروق الثوري من ثور بن عبد مناة، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وكان ربما دَلَّس، قال ابن معين: مرسلاته شبه الريح، وكذا قال أبو داود، توفي سنة ١٦١ هـ ومولده سنة ٧٧ هـ.
(عن الضحاك (٣) بن عثمان) بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي بكسر أوله وبالزاي، أبو عثمان المدني القرشي، صدوق يهم، وثقه ابن معين وأبو داود وابن سعيد، وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو صدوق، وقال ابن عبد البر: كثير الخطإ ليس بحجة، لَيَّنَه يحيى القطان، مات بالمدينة سنة ١٥٣ هـ.
(عن نافع) (٤) أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر، أصابه ابن عمر في بعض مغازيه، كان يقول: لقد مَنَّ الله تعالى علينا بنافع، ثقة ثبت فقيه مشهور، لا يعرف له خطأ في جميع ما رواه، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، مات سنة ١٢٠ هـ.
_________________
(١) انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (٥/ ٣٥٢/ ٤٨٣٠).
(٢) انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (٣/ ٢١٧/ ٢٣٩١).
(٣) انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (٣/ ٤٧٥/ ٢٩٠٨).
(٤) انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (٧/ ٣١٣/ ٦٩٦٨).
[ ١ / ٢١٩ ]
عن ابنِ عُمَرَ قَالَ: "مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ". [م ٣٧٠، ت ٩٠، ن ٣٧، جه ٣٥٣، ق ١/ ٩٩، خزيمة ٧٣]
===
(عن ابن عمر) أي عبد الله (قال: مرَّ رجل على النبي - ﷺ - وهو يبول (١)، فسلم عليه فلم يرد عليه) يعني لم يرد السلام عليه ولم يجبه، وقد كان جواب السلام ورده واجبًا، فعُلِم من ذلك أن في هذه الحالة لا ينبغي أن يسلم عليه، ولو سلم لا يستحق الجواب، وقد صرح علماء الحنفية وغيرهم بكراهة السلام في مثل هذه الحالة، قال في "الدر المختار" (٢) نظمًا:
سَلَامُكَ مَكْرُوْهٌ على مَنْ سَتَسْمَعُ ومِن بعدِ ما أَبْدَى يُسَنُ ويُشْرَعُ
مُصَلّ وتالٍ ذَاكِر وَمُحَدِّثٌ خَطيب وَمَنْ يُصْغي إليهم وَيسْمَعُ
مُكَرِّرُ فِقْه جَالس لقَضَائِهِ وَمَنْ بَحَثُوا في الفِقْه دَعْهُمْ لِيَنْفَعُوا
مُؤذن أيضًا أَوْ مُقِيمٌ مُدَرس كَذَا الأجْنَبِيَّاتُ الفَتِيَّاتُ أَمْنَعُ
وَلُعَّابُ شَطْرَنْج وَشِبْهٍ بِخُلْقِهِمْ وَمَنْ هُو مع أهل لَهُ يَتَمَتَّعُ
وَدَعْ كَافرًا أيضًا وَمَكْشُوفَ عَوْرَة وَمَنْ هُو في حالِ التَّغَوُّطِ أَشْنَعُ
ووجه كراهة السلام نهيه - ﷺ - عن السلام في هذه الحالة كما في ابن ماجه (٣) عن جابر بن عبد الله: أن رجلًا مَرَّ على النبي - ﷺ - وهو يبول فسلَّم عليه، فقال له رسول الله - ﷺ -: "إذا رأيتني على مثل هذه الحالة
_________________
(١) اختلفت الروايات في أن السلام كان حال البول أو بعده، بسطه صاحب "الغاية"، وسيأتي في "البذل" أيضًا. كتب في "التقرير": أن رد السلام في حالة الاستنجاء بالحجر جائز، وفي "العرف الشذي" (ص ٧٢) عن مولانا محمد مظهر السهارنفوري: لا يجوز. (ش).
(٢) انظر: "رد المحتار" (٢/ ٣٧٣).
(٣) "سنن ابن ماجه" (٣٥٢).
[ ١ / ٢٢٠ ]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ. [م ٣٧٠]
===
فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك"، ووجه كراهة الجواب في مثل هذه الأحوال ما قد مرَّ من أن الكلام عند كشف العورة مكروه، فكيف بذكر الله تعالى فإنه يكون أشد كراهة، فإن قيل: يخالفه ما ورد "أنه - ﷺ - يذكر الله تعالى على كل أحيانه"، قلنا: المراد من الأحيان حالة الطهارة والحدث لا حالة كشف العورة والخلاء، والله تعالى أعلم.
(قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره) هاتان تعليقتان وصلهما المؤلف في باب التيمم في الحضر، والمراد من الغير أبو الجهيم وابن عباس ﵄ (أن النبي - ﷺ - تيمم (١) ثم رد (٢) على الرجل السلام).
لعل غرض المصنف بذكر هذا التعليق أنه - ﷺ - لم يرد على المسلم الجواب، لأنه لم يكن على طهر، فلما حصل له الطهر بالتيمم رد ﵇، فيمكن أنه - ﷺ - اختار الأفضل، فإنه وإن كان رد السلام وذكر الله تعالى بعد الفراغ من البول جائزًا، لكن الذكر على الطهر أفضل، وأما قبل أن يفرغ من البول فكان رد السلام في تلك الحالة مكروهًا، وما ورد، أنه - ﷺ - كان إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" أو قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، محمول على بيان الجواز، أو يقال: إن هذه الأذكار مختصة بذلك الوقت.
_________________
(١) استدل به البخاري على جواز التيمم في الحضر لمن خاف فوات الوقت، وحجة لأحد القولين عن مالك في التيمم للجنازة "ابن رسلان"، وسيأتي ما قال العيني في "باب التيمم في الحضر" (٣/ ٤٤). (ش).
(٢) كتب في "التقرير": أن هذا تفضل منه ﵊، وإلَّا فلا يجب الرد على من سلم عند التخلي وأخواته، وقال ابن رسلان: لا يستحق الجواب. (ش).
[ ١ / ٢٢١ ]
١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، ثَنَا سَعِيد، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ،
===
١٧ - (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس العنزي، بفتح العين والنون، أبو موسى البصري، المعروف بالزمن، مشهور بكنيته واسمه، ثقة ثبت حافظ، كان هو وبندار فرسَي رهان، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١): قال صالح بن محمد: صدوق اللهجة، وكان في عقله شيء، وقال النسائي: لا بأس به، كان يغير في كتابه، قال: وقد سئل عمرو بن علي عنهما، فقال: ثقتان، يقبل منهما كل شيء إلَّا ما تكلم به أحدهما في الآخر، ولد سنة ١٦٧ هـ، ومات سنة ٢٥٢ هـ.
(ثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى البصري السامي من بني سامة بن لؤي، أبو محمد، ويلقب أبا همام، وثقه كثيرون، وقال: محمد بن سعد: لم يكن بالقوي، وقال أحمد: كان يرى القدر، وقال ابن حبان: كان متقنًا في الحديث، قدريًا غير داعية إليه، سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل اختلاطه، وقال بندار: والله ما كان يدري أي رجليه أطول، مات سنة ١٨٩ هـ (٢).
(ثنا سعيد) بن أبي عروبة، بفتح العين، واسمه مهران العدوي، مولى بني عدي بن يشكر، أبو النضر البصري، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، ورمي بالقدر، مات سنة ١٥٦ هـ.
(عن قتادة) بن دعامة، (عن الحسن) بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار، بالتحتانية والمهملة، أبو سعيد الأنصاري مولاهم، وأمه خيرة مولاة أم سلمة ﵂، ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا، ويدلس، مات سنة ١١٠ هـ، وقد قارب التسعين.
_________________
(١) (٩/ ٤٢٦).
(٢) انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (٤/ ٣٣٦/ ٣٦٧٥).
[ ١ / ٢٢٢ ]
عن حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَبِي سَاسَانَ، عن الْمُهَاجِرِ بْنِ قنْفُذ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ
===
(عن حضين) بمهملة ثم معجمة مصغرًا (ابن المنذر) بن حارث الرقاشي، بتخفيف القاف وبالمعجمة (أبي ساسان) البصري بمهملتين، وهو لقبه (١)، وأبو محمد كنيته، كان صاحب راية علي يوم صفين، ولا يعرف حضين غيره، مات على رأس المئة (٢).
(عن المهاجر بن قنفذ) (٣) بضم القاف والفاء، ابن عُمَيْر بن جُدْعان، بضم الجيم وسكون المعجمة، التيميّ القرشي، أسلم يوم فتح مكة، استعمله عثمان على شرطته، سكن البصرة، ومات بها (أنه أتى النبي - ﷺ - وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ (٤)، ثم اعتذر إليه) (٥)، وهكذا في رواية النسائي "وهو يبول"، وفي رواية ابن ماجه "وهو يتوضأ"، وهكذا في رواية أحمد بن حنبل في "مسنده"، وفي رواية لأحمد "أن النبي - ﷺ - كان يبول أو قد بال".
قال الشيخ عبد الغني في "إنجاح الحاجة": قوله: "وهو يتوضأ": يحتمل أن يكون المراد من التوضؤ البول بطريق الاستعارة، لأن الاستعارة
_________________
(١) وبسط صاحب "الغاية" نظائره من أنهم قد يلقبون بصورة الكنية. (ش).
(٢) انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (٢/ ٢١٩/ ١٣٦٦).
(٣) قيل: إنه لقب واسمه عامر، بسطه صاحب "الغاية" (ص ٣٩). (ش).
(٤) بمعناه اللغوي على ما حمل عليه الأساتذة وبهم التأسي، ويحتمل التعدد، كذا في "التقرير". (ش).
(٥) بسط ابن رسلان في الاعتذار. (ش). [قلت: قال العيني في "شرح أبي داود" (١/ ٧٤): فيه استعطاف منه - ﵇ - لخاطر الرجل، وتطييب لقلبه، حيث أخَّر جواب سلامه حتى لا يخطر بباله أنه - ﵇ - قد تغير عليه، وهذا من آدابه وأخلاقه"].
[ ١ / ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بين السبب والمسبب وغيرهما من المناسبات، والمناسبة ها هنا ظاهرة، وعلى هذا فمناسبة الحديث بالترجمة صريحة، وأما إذا كان المراد من الوضوء الاستنجاء العرفي فتكون المناسبة بالاستنباط، وهو أنه إذا سلم على الرجل وهو غير متوضٍ وَسِعَه تأخير رد السلام، ففي حالة البول أولى، انتهى.
فإن قلت: قد ثبت عنه - ﷺ - من حديث عائشة -﵂ -: أنه كان إذا خرج من الخلاء يقول: "غفرانك". أخرجه أبو داود (١) وصححه الحاكم وأبو حاتم وابن خزيمة وابن حبان، وعن أنس: كان يقول إذا خرج من الخلاء: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، أخرجه ابن ماجه (٢)، فهذا يدل على أن الدعاء بعد أن يخرج من الخلاء مندوب، وحديث الباب يدل على كراهة ذكر الله ﷿ على غير طهارة.
قلت: قد ثبت عنه - ﷺ - أنه يذكر الله تعالى في كل أحيانه محدثًا وطاهرًا، وأيضًا أن ذكر الله تعالى بالطهارة أفضل، والذكر على نوعين: إما مختص بوقت أو غير مختص به، فالذكر المختص بالوقت يستحب أن يؤتى به في ذلك الوقت، سواء كان طاهرًا أو محدثًا، فالأذكار التي وردت عقيب الخروج من الخلاء مستحب إتيانها بذلك الوقت، فالأفضل فيه أن يأتي بها عقيب الخروج من الخلاء، وهو وقت الحدث ضرورة.
وأما السلام فإنه ذكر غير مختص بوقت، فإذا سلّم أحدٌ لا يجب ردُّه على الفور، بل يجوز أن يؤخر الجواب إلى أن لا يفوت، فإذا تطهير بالوضوء أو التيمم ثم أجاب يكون آتيًا بالجواب مع الأفضلية، ولكن إذا خاف الفوت
_________________
(١) "سنن أبي داود" ح (٣٠).
(٢) "سنن ابن ماجه" ح (٣٠١).
[ ١ / ٢٢٤ ]
فَقَالَ: "إِنّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى ذكره إِلَّا عَلَى طُهْرٍ"، أَوْ قَالَ: "عَلَى طَهَارَةٍ". [ن ٣٨، جه ٣٥٠، حم ٥/ ٨٠، ق ١/ ٩٠، ك ١/ ١٦٧]