٢٣٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْوِصَالِ،
===
(قال) هشام في جواب أبي أسامة: (وبد من (٣) ذلك؟) بتقدير حرف الاستفهام، أي: وهل بد من القضاء، يعني أن قضاء الصوم الذي أفطر نهارًا غلطًا لازم، وهو مذهب الأئمة الأربعة (٤)، لأنه إذا أفطر غلطًا في غيم، ثم بدت الشمس، يقضي يومًا مكانه، ولا تلزم الكفارة، ولكن يلزم عليه أن لا يأكل ولا يشرب بعد بُدُوَّ الشمس إلى الغروب.
(٢٤) (فِي الْوِصَالِ) (٥)
هو تتابع الصيام في يومين أو أكثر من غير إفطار بالليل
٢٣٦٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الوصال).
قال القاري (٦): والحكمة في النهي أنه يورث الضعف والسآمة والقصور
_________________
(١) في نسخة: "لا بد من ذلك".
(٢) زاد في نسخة: "باب".
(٣) وروي عنه في البخاري: "لا أدري، أقضوأ أم لا؟ " وجمع بينهما الحافظ (٤/ ٢٠٠) بأن جزمه بالقضاء محمول على أنه استند فيه إلى دليل آخر، وأما حديث أسماء فلا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه. (ش).
(٤) والجمهور، خلافًا لطائفة إذ قالوا: لا قضاء لرواية عن عمر - ﵁ -، والجمهور غلطوها وضعفوها، وهذا الاختلاف فيما إذا أفطر بظن الغروب، فإن أفطر وهو شاكًّ في الغروب، ففيه اختلاف، والتفصيل ذكر في "الأوجز" (٥/ ٢٤٥). (ش)
(٥) قيل في تفسيره: إنه صوم الدهر، كذا في "البدائع" (٢/ ٢١٧)، و"شرح الإقناع" (١/ ٢٠٧). (ش).
(٦) "مرقاة المفاتيح" (٤/ ٤٧٩).
[ ٨ / ٥٠١ ]
قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ (١): "إِنِّى لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّى أُطْعَمُ وَأُسْقَى". [خ ١٩٦٢، م ١١٠٢، حم ٢/ ١١٢]
===
عن أداء غيره من الطاعات، فقيل: النهي للتحريم، وقيل: للتنزيه، قال القاضي: والظاهر الأول، انتهى. ويؤيد الثاني ما روته عائشة أنه - ﷺ - نهاهم عن الوصال رحمةً لهم، وقيل: هو صوم السنَّة من غير أن يفطر الأيام المنهية، ويرده ما ورد عليه من السؤال.
وقال في "البحر الرائق" (٢): ومن المكروه صوم يوم الشك على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، ومنه صوم الوصال، وقد فسره أبو يوسف ومحمد بصوم يومين لا فطر بينهما (٣).
(قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله! قال: إني لست كهيئتكم)، وفي رواية: "وأيكم مثلي؟ " (إني أطعم وأسقى)، ولفظ رواية أخرى: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، قال القاضي: أراد بقوله: "وأيكم مثلي؟ " الفرق بينه وبين غيره، لأنه تعالى يفيض (٤) عليه ما يسد مسد طعامه وشرابه من حيث إنه
_________________
(١) في نسخة: "فقال".
(٢) (٢/ ٢٧٨).
(٣) وقال النووي (٤/ ٢٢٩): اتفق أصحابنا على النهي عن الوصال، وهو صوم يومين فصاعدًا من غير أكل وشرب بينهما، ونص الشافعي على الكراهة، وفيه وجهان، أصحهما: أنه كراهة تحريم، والثاني: تنزيه، قال عياض: واختلفوا فيه، فقيل: النهي رحمة، فمن قدر فلا حرج، وأباح إلى السحر أحمد وإسحاق، وعن الأكثرين الكراهة إلخ. وقال الأبي في "شرح مسلم" (٤/ ٣٨): كرهه مالك ولو إلى السحر، والأصح أن النهي على التحريم. (ش).
(٤) وقد بسط الحافظ في "الفتح" (٤/ ٢٠٨) الكلام على شرح الحديث، وفي آخره: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "ويطعمني ويسقيني"، أي: يشغلني بالتفكر في عظمته تعالى، والتملي بمشاهدته، والتغذي بمعارفه، وقرة العين بمحبته، والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه عن الطعام والشراب، وإلى هذا جنح ابن القيم، انتهى. وفي "التقرير": الظاهر أن المراد بذلك بقاء القوة، فقد ورد مثل ذلك في المرضى، أو يمكن أن يراد الحقيقة، ولا يفسد به الصوم لتفاوت الأحكام فيما هناك، أو الإطعام في الليل. (ش).
[ ٨ / ٥٠٢ ]
٢٣٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ مُضَرَ حَدَّثَهُمْ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ"، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: "إِنِّى لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّ لِى مُطْعِمًا يُطْعِمُنِى
===
يشغله عن الإحساس بالجوع والعطش، ويقويه على الطاعة ويحرسه عن الخلل المفضي إلى ضعف القوى وكلال الأعضاء.
قال الطيبي (١): هذا أحد قولي الخطابي، والقول الآخر ذكر في "شرح السنَّة"، وهو أن يحمل على الظاهر بأن يرزقه الله تعالى طعامًا وشرابًا ليالي صيامه، فيكون ذلك كرامة له، والقول الأول أرجح، لأن الاستفهام في قوله: "أيكم مثلي؟ " يفيد التوبيخ المُؤْذن بالبُعد البعيد، وكذلك لفظة "مثلي"، لأن معناه من هو على صفتي ومنزلتي وقربي من الله تعالى، ومن ثمة أتبعه بقوله: "أبيت"، انتهى، وهو ظاهر.
وحاصله: أن الحمل على أن يأتيه طعام وشراب من عنده تعالى كرامة له ﵊، يدفعه قوله: "وأيكم مثلي؟ "، كما أنه يضعفه أيضًا قولهم: "إنك تواصل"، فإن الوصال مع تناول الطعام والشراب من المحال.
٢٣٦١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، أن بكر بن مضر حدثهم) أي قتيبة وغيره، (عن ابن الهاد) يزيد بن عبد الله، (عن عبد الله بن خباب) الأنصاري النجاري مولاهم، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات" (عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر، قالوا: فإنك تواصل! قال: إني لست كهيئتهم، إن لي مُطْعِمًا يطعمني)، ولفظ البخاري:
_________________
(١) انظر: "شرح الطيبي" (٤/ ١٥٢).
[ ٨ / ٥٠٣ ]
وَسَاقِيًا يَسْقِينِي". [خ ١٩٦٣، حم ٣/ ٨، دي ١٧٠٥، خزيمة ٢٠٧٣]
===
"إني أبيت، لي مُطعِم يطعمني" (وساقيًا يسقيني) (١) بإثبات الياء، ولفظ البخاري: "وساقٍ" بحذفها.
قال الحافظ (٢): وقع عند ابن خزيمة في حديث أبي صالح، عن أبي هريرة من طريق عبيدة بن حميد، عن الأعمش عنه تقييد وصال النبي - ﷺ - بأنه إلى السحر، ولفظه: "كان - ﷺ - يواصل إلى السحر، ففعل بعض أصحابه ذلك فنهاه، فقال: يا رسول الله إنك تفعل ذلك! " الحديث.
وظاهره يعارض حديث أبي سعيد هذا، فإن مقتضى حديث أبي صالح النهي عن الوصال إلى السحر، وصريح حديث أبي سعيد الإذن بالوصال إلى السحر، والمحفوظ في حديث أبي صالح إطلاق النهي عن الوصال بغير تقييد بالسحر، ولذلك اتفق عليه جميع الرواة عن أبي هريرة، فروأية عبيدة بن حميد هذه شاذة، وقد خالفه أبو معاوية وهو أضبط أصحاب الأعمش فلم يذكر ذلك، أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية، وتابعه عبد الله بن نمير عن الأعمش، كما تقدم.
وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة بن حميد محفوظة، فقد أشار ابن خزيمة إلى الجمع بينهما، بأنه يحتمل أن يكون نهى - ﷺ - عن الوصال أولًا مطلقًا سواء جميع الليل أو بعضه، وعلى هذا يحمل حديث أبي صالح، ثم خص النهي بجميع الليل، فأباح الوصال إلى السحر، وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد، أو يحمل النهي في حديث أبي صالح على كراهة التنزيه، والنهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السحر على كراهة التحريم.
_________________
(١) وردَّ بعضهم بأحاديث الوصال ما ورد من أحاديث ربط الحجر، وقال ابن حجر في "الفتاوى الحديثية": الجمع ممكن إلخ. (ش).
(٢) "فتح الباري" (٤/ ٢٠٩).
[ ٨ / ٥٠٤ ]