٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عن قَتَادَةَ، عن شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: "سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ
===
(٣) (بَابٌ: فِي سُكْنَى الشَّامِ)
أي: في فضل سكنى الشام (١)، فإذا ثبت فيه فضل يناسب أن يهاجر الناس إليه
٢٤٨٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي) أي هشام، (عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول): إنها أي قصة (ستكون هجرة بعد هجرة).
قال القاري (٢): قال الشارحون: كان من حق الثانية أن يؤتى بها مع لام العهد، لأن المراد منها الهجرة الواجبة قبل الفتح، وإنما حسن الحذف اعتمادًا على معرفة السامعين، فإن تقدير الكلام أي بعد هجرة حقت ووجبت، والمعنى ستكون هجرة إلى الشام بعد هجرة كانت إلى المدينة، قال التوربشتي: وذلك حين تكثر الفتن، ويقل القائمون بأمر الله ويستولي الكفرة الطغام على بلاد الإسلام، وتبقى الشام تسومها (٣) العساكر الإسلامية، منصورة على من ناوأهم ظاهرين على الحق حتى يقاتلوا الدجَّال، فالمهاجر إليها حينئذ فاز بدينه، ملتجئ إليها لإصلاح آخرته، يكثر ثواب (٤) عباد الله الصالحين القائمين بأمر الله تعالى.
_________________
(١) بسط السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٣٩٣) في روايات الباب. (ش).
(٢) "مرقاة المفاتيح" (١٠/ ٦٤٣).
(٣) في الأصل: "تسومها" كذا في "مرقاة المفاتيح" (١٠/ ٦٤٢) وهو تحريف، والصواب: "يسوسها" كما في شرح الطيبي (١/ ٣٦٤).
(٤) قوله: "ثواب عباد الله" كذا في الأصل، وفي "المرقاة" و"شرح الطيبي": "سواد عباد الله" وهو الصواب.
[ ٩ / ١٧ ]
فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَبْقَى فِي الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ". [حم ٢/ ٢٠٩، ك ٤/ ٤٨٦، عب ٢٠٧٩٠]
===
قال الطيبي: ويمكن أن يراد التكرير كما في قولك: لبيك وسعديك، كأنه قيل: سيحدث للناس مفارقة من الأوطان، وكل أحد يفارق وطنه إلى آخر، ويهجره هجرة بعد هجرة.
(فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر) أي موضع هجرة (إبراهيم) - ﵊ -، وهو الشام (١) (ويبقى في الأرض) من الكفار والفجار (شرار أهلها تلفظهم) بكسر الفاء، أي ترميهم (أرضوهم) بفتح الراء، والمعنى ترمي شرار الناس أراضيهم من ناحية إلى ناحية أخرى.
قال الشراح: يعني ينتقل من الأراضي التي يستولي عليها الكفرة خيار أهلها، ويبقى خساس تخلفوا عن المهاجرين رغبة في الدنيا، فهم لخسة نفوسهم كالشيء المسترذل المتقذر، وكأن الأرض تستنكف عنهم فتقذفهم.
(تقذرهم) أي تكرههم (نفس الله) بسكون الفاء أي ذاته تعالى (وتحشرهم النار مع الفردة والخنازير) أي تلازمهم النار ليلًا ونهارًا، وتجمعهم مع الكفرة الذين هم باعتبار صغيرهم وكبيرهم كالقردة والخنازير، قال المظهر: النار ها هنا الفتنة، يعني تحشرهم نار الفتنة التي هي نتيجة أفعالهم القبيحة [وأقوالهم] مع القردة والخنازير لكونهم متخلقين بأخلاقهم، فيظنون أن الفتنة لا تكون إلَّا في
_________________
(١) ويشكل على الحديث ما ورد من فضائل المدينة لا سيما من قوله - ﵇ -: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ومن استطاع أن يموت في المدينة إلخ"، و"الإيمان يأرز إلى المدينة"، وغير ذلك كما في "جمع الفوائد" وغيره، والأوجه عندي في الجمع أن فضيلة المدينة عامة في كل الأوقات، وفضل الشام تختص بزمان المهدي - ﵇ -، فإن الشام يكون فسطاط المسلمين إذ ذاك كما ورد مصرحًا، وإلى هذا أشار صاحب "الإشاعة". (ش).
[ ٩ / ١٨ ]
٢٤٨٣ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ، نَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي بَحِيرٌ، عن خَالِدٍ - يَعْنِي ابْنَ مَعْدَانَ -، عن ابْنِ أَبِي قُتَيْلَةَ،
===
بلدانهم، فيختارون جلاء أوطانهم ويتركونها، والفتنة تكون لازمة لهم، ولا تنفك عنهم حيث يكونون.
ذكره صاحب "المشكاة" في باب ذكر اليمن والشام، وعزاه إلى أبي داود، وزاد فيه: "تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا"، ولم أجد هذه الزيادة فيما عندي من نسخ أبي داود (١).
٢٤٨٣ - (حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، نا بقية، حدثني بَحِير، عن خالد - يعني ابن معدان -، عن ابن أبي قتيلة) بضم القاف مصغرًا، هكذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندي بزيادة لفظ "ابن"، والذي في "تهذيب التهذيب" (٢) للحافظ فهو أبو قتيلة بغير زيادة لفظ "ابن"، قال الحافظ: مرثد بن وداعة العمي، وقيل: الجعفي، وقيل: الشرعبي، أبو قتيلة الحمصي، روى عن عبيد الله بن حوالة حديث: "سيكون بعدي أجناد مجندة"، وعنه خالد بن معدان، قال البخاري: له صحبة، وأنكر ذلك أبو حاتم، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكر الحافظ قبل ذلك في ترجمة عبد الله بن حوالة، روى عنه أبو قتيلة مرثد بن وداعة وغيره، ولم أجد ابن أبي قتيلة في "التهذيب" ولا في "التقريب" ولا في "الخلاصة"، ولكن أخرج الحافظ هذا الحديث برواية أبي داود في "الإصابة" (٣) فقال: ومن طريق ابن أبي قتيلة عن عبد الله بن حوالة، فذكر هذا الحديث، فلعل زيادة لفظ "ابن" على أبي قتيلة في أبي داود، وفي "الإصابة" من غلط الناسخ، وقد أخرج الإمام أحمد (٤) هذا الحديث عن ابن حوالة الأزدي بغير هذا السند.
_________________
(١) قلت: هذا الحديث مع هذه الزيادة أخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ١٩٩)، وعبد الرزاق في "مصنفه" (٢٠٧٩٠)، والحاكم في "مستدركه" (٤/ ٤٨٦).
(٢) (١٠/ ٨٣).
(٣) (٢/ ٢٩٢)، وفيه: "ومن طريق أبي قتيلة" بغير زيادة لفظ ابن.
(٤) "مسند أحمد" (٥/ ٣٣).
[ ٩ / ١٩ ]
عن ابْنِ حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "سَيَصِيرُ الأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً: جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ". قَالَ (١) ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ: "عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيَرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِذَا (٢) أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بَيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُم، فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ". [حم ٥/ ٣٣، ك ٤/ ٥١٠]
===
(عن ابن حوالة) بفتح المهملة وتخفيف الواو، الأزدي، كنيته أبو حوالة، ويقال: أبو محمد، له صحبة (قال: قال رسول الله - ﷺ -: سيصير الأمر) أي أمر الإسلام أو أمر القتال (إلى أن تكونوا جنودًا) أي عساكر (مجندة) بتشديد النون المفتوحة، أي مجموعة في كلمة الإسلام، أو مختلفة في مراعاة الأحكام (جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق) أي عراق العرب، وهو البصرة والكوفة، أو عراق العجم، وهو ما وراءهما دون خراسان وما وراء النهر.
(فقال ابن حوالة: خِر لي يا رسول الله) بكسر المعجمة وسكون الراء، أمر من الخيرة، بمعنى الاختيار، أي اختر لي جندًا ألزمْه (إن أدركتُ ذلك) أي ذلك الوقت.
(فقال: عليك بالشام، فإنها) أي الشام (خيرة الله) أي مختارة الله (من أرضه) أي من بلاده، والمعنى اختارها الله من جميع الأرض للإقامة في آخر الزمان (يجتبي إليها) أي يجمع الله إلى أرض الشام (خيرته من عباده) أي المختارين من عباده (فأما إذا أبيتم) أي: امتنعتم من القصد إلى الشام (فعليكم بِيَمَنِكم، واسقوا) بهمزة الوصل ويجوز قطعه، أي: أنفسكم ودوابكم (من غُدَركم) بضم معجمة وفتح مهملة، جمع غدير، أي: حياضكم، (فإن الله) ﷿ (توكل لي بالشام وأهله) أي تكفل لأجلي وإكرامًا لي في أمتي،
_________________
(١) في نسخة: "فقال".
(٢) في نسخة: "إن".
[ ٩ / ٢٠ ]