٢٣٨٨ - نَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ. (ح): وَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاق الأَذْرَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ (٢)، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عن أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام، عن عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَة زَوْجَي النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُمَا قَالَتَا: كَانَ رَسُول اللهِ (٣) - ﷺ - يُصْبِحُ جُنُبًا
===
كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: "والذي نهاه شاب"، فعلم أن القبلة نفسها غير مكروهة، وإنما الكراهة لأجل إفضائها إلى الحرام، وكذلك كثير من المباحات ينهى عنه لأجل كونه سببًا لحرام، ومن ذلك تنشأ قاعدة: "المفضي إلى الحرام حرام".
(٣٦) (مَنْ أَصْبَحَ (٤) جُنُبًا في شَهْرِ رَمَضَانَ)
هل يسلم له صومه؟
٢٣٨٨ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: ونا عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح الراء، وفي "لب اللباب": أنه نسبة إلى أذرمة قرية بنصيبين، (نا عبد الرحمن بن مهدي) كلاهما أي القعنبي وابن مهدي رويا (عن مالك، عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر (٥) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة وأم سلمة زوجي النبي - ﷺ - أنهما قالتا: كان رسول الله منهم يصبح جنبًا) أي يدخل في الصباح في حالة الجنابة.
_________________
(١) زاد في نسخة: "باب".
(٢) زاد في نسخة: "جميعًا".
(٣) في نسخة: "النبي".
(٤) فيه سبعة مذاهب ثم صار إجماعًا، كذا في "الأوجز" (٥/ ٦٣، ٦٤). (ش).
(٥) اختلف في هذا الحديث على أبي بكر اختلافًا جدًا شديدًا، ذكره العيني (٨/ ٧٨). (ش).
[ ٨ / ٥٤٤ ]
- قَالَ عَبْدُ اللهِ الأَذْرَمِيُّ في حَدِيثِهِ: في رَمَضَانَ- مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمّ يَصُومُ. [خ ١٩٢٥، م ١١٠٩، السنن الكبرى للنسائي ٢٩٧٥، حم ٦/ ٣٦]
===
(قال عبد الله الأذرمي في حديثه: في رمضان) أي زاد عبد الله الأذرمي في حديثه لفظ "في رمضان" فقط، ثم اتفقا في قوله: (من جماع غير احتلام، ثم يصوم).
فالاختلاف الواقع في حديث القعنبي وفي حديث الأذرمي في ذكر لفظ: "في رمضان" فقط، وفي عدم ذكره، فإن الأذرمي زاد هذا اللفظ في حديثه ولم يذكره القعنبي، وأشار مسلم بن الحجاج في "صحيحه" (١) إلى هذا، فقال: قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان؟ قال: كذلك، [كان] يصبح جنبًا من غير حلم.
قلت: وأصل القصة في ذلك أن أبا هريرة (٢) - ﵁ - كان يقول: من أصبح جنبًا ويريد الصوم ليس له صوم بل يفطر، أخرج الطحاوي (٣): حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عبد الله بن عون، عن رجاء بن حيوة، عن يعلي بن عقبة قال: أصبحت جنبًا وأنا أريد الصوم، فأتيت أبا هريرة فسألته فقال لي: أفطر.
وأخرج البخاري (٤) تعليقًا: قال همام وابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة:
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" (١١٠٩).
(٢) وأجاب الأبي في "شرح مسلم" (٣/ ٢٣٩) عن حديث أبي هريرة بأن المراد من الجنب المجامع، أو الحكم لبيان الأولى، وكان فعله ﵇ لبيان الجواز، فكان أولى في حقه ﵇ خاصة، وقيل: كان في أول الأمر حين كان الجماع محرمًا بعد النوم، ثم نسخ ولم يعلم أبو هريرة بالناسخ، قال ابن المنذر: هو أحسن ما سمعت، انتهى، وقرره الحافظ، وأورد على الجوابين الأولين، وأجيب بأجوبة أخر في "الأوجز" (٥/ ٨٠). (ش).
(٣) "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٠٣).
(٤) "صحيح البخاري"، ٣٠ - كتاب الصوم، ٢٢ - باب الصائم يصبح جنبًا.
[ ٨ / ٥٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كان النبي - ﷺ - يأمر (١) بالفطر، فذكر قول أبي هريرة هذا عند مروان وهو أمير المدينة، فأرسل مروان عبد الرحمن بن الحارث إلى عائشة وأم سلمة، فذهب إليهما ومعه ابنه أبو بكر، فسألهما عن المسألة، فأجابتا بالاتفاق: أن الجنابة في الصبح غير مفطر، لأنه كان رسول الله - ﷺ - يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم، فرجع إلى مروان فأخبره بذلك، ثم أرسله مروان إلى أبي هريرة، فأخبره بذلك، فرجع أبو هريرة عن قوله.
قال الحافظ (٢): قال القرطبي: في هذا فائدتان، إحداهما: أنه كان يجامع في رمضان، ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانًا للجواز، والثاني: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه كان لا يحتلم (٣)، إذ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه.
وقال غيره: في قولها: "من غير احتلام"، إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلَّا لما كان للاستثناء معنى، ورُدَّ بأن الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، وأجيب (٤) بأن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقع (٥) الإنزال بغير روية شيء في المنام، وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدًا يفطر، وإذا كان الفاعل عمدًا لا يفطر، فالذي ينسى الاغتسال، أو ينام عنه أولى بذلك.
_________________
(١) ولفظ النسائي على ما ذكر الأبي: "أمرنا بالفطر"، ومع ذلك فالحديث مرسل، لأنه لم يسمعه عنه - ﷺ -، كما صرح في روايات مسلم وغيره، فهو نص في أن صيغة المتكلم في الروايات، كما في قصة السهو ليس بنص في الحضور. (ش).
(٢) "فتح الباري" (٤/ ١٤٤).
(٣) وأجيب في "التقرير": المعتمد أنهم معصومون عن رؤية شيء في المنام، لا خروج المني لامتلاء الظرف، انتهى. (ش).
(٤) وبه جزم في "تحفة المحتاج" (١/ ٣٥٠). (ش).
(٥) وقال العيني (١١/ ٤١): جاء في الحديث امتناع الاحتلام على الأنبياء، انتهى. وذكره السيوطي في "الخصائص الكبرى" (١/ ٧٠)، وقال النووي في "تهذيب الأسماء" (١/ ٤٢): اختلفوا في جوازه، والأشهر امتناعه، انتهى. (ش).
[ ٨ / ٥٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال ابن دقيق العيد: لما كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره، فقد يتمسك به من يرخص لغير المتعمد الجماع، فبين في هذا الحديث أن ذلك كان من جماع لإزالة هذا الاحتمال.
قلت: وهذا المذهب هو الذي أجمع عليه الأئمة وارتضاه الجمهور، وقد بقي على العمل بحديث أبي هريرة بعض التابعين، كما نقله الترمذي، ويقوي قول الجمهور أن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (١)، يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيباح الجماع فيه. ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبًا، ويؤيد دعوى النسخ رجوع أبي هريرة عن الفتوى بذلك، كما في رواية البخاري: "أنه لما أخبر بما قالت أم سلمة وعائشة فقال: هما أعلم برسول الله - ﷺ -"، وفي رواية ابن جريج: "رجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك".
وكتب في الحاشية بطريق النسخة: قال أبو داود: وما أقل من يقول هذه الكلمة، يعني يصبح جنبًا في رمضان، أي لفظ "في رمضان" فقط، وإنما الحديث "أن النبي - ﷺ - كان يصبح جنبًا وهو صائم".
حاصل هذا الكلام أن رواة هذا الحديث لم يذكروا في حديثهم لفظ: "في رمضان" إلَّا القليل منهم.
قلت: وقد ذكر الأذرمي في حديثه هذا اللفظ، كما أخرجه أبو داود، وقد أخرج مسلم (٢) هذا الحديث من طريق يونس عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن، عن عائشة، وفيه: "قد كان رسول الله - ﷺ - يدركه الفجر في رمضان وهو جنب" الحديث، وأخرج أيضًا من طريق مالك عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام،
_________________
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٧.
(٢) "صحيح مسلم" (١١٠٩).
[ ٨ / ٥٤٧ ]
٢٣٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ - يَعْنِى الْقَعْنَبِىَّ -، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ أَبِى يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ - ﵂ -، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -ﷺ-، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ".
فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَغَضِبَ
===
عن عائشة وأم سلمة، ولفظه: "إن كان رسول الله - ﷺ - ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم".
٢٣٨٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة -يعني القعنبي-، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر) بن حزم (الأنصاري)، قال البخاري: أبو طوالة بضم الطاء وفتح الواو، المدني، كان قاضي المدينة، ثقة. وقال الدقاق: لا يعرف في المحدثين من يكنى أبا طوالة سواه.
(عن أبي يونس مولى عائشة - ﵂ -، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، أن رجلًا) لم أقف على تسميته (قال لرسول الله - ﷺ - وهو) أي الرجل (١) (واقف على الباب: يا رسول الله، إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام) فهل أصوم ذلك اليوم؟ (فقال رسول الله - ﷺ -: وأنا أصبح جنبًا، وأنا أريد الصيام، فأغتسل وأصوم، فقال الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فتفعل ما تشاء لا مؤاخذة عليك (فغضب (٢)
_________________
(١) وكتب مولانا أسعد الله: الظاهر بدله: أي رسول الله - ﷺ -. (ش).
(٢) وجه الغضب أن جوابه - ﷺ - في سؤاله نص على عدم الاختصاص، فسؤال الرجل بعد ذلك كأنه موهم، لأن فعله مما لا يتبع، وأيضًا: أنه ﵇ يحتمل أن يرتكب المحظور للمغفرة، كذا في "الأوجز" (٥/ ٦٨). وفي "التقرير": وجه الغضب ما يتوهم من كلامه قياسه على ملوك الدنيا أن التقرب يكون سببًا للجراءة، وليس كذلك عنده تعالى، انتهى. وأجاد الكلام، ولله دره. (ش).
[ ٨ / ٥٤٨ ]
رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ: "وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ للهِ وَأَعْلَمَكُم بِمَا أَتَّبعُ". [م ١١١٠، ط ١/ ٢٨٩/ ٩، خزيمة ٢٠١٤، حم ٦/ ٦٧]