===
وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا، سواء كان لعذر أو لغير عذر، لأن الزيادة أعني قوله: "وذلك لمكان رسول الله - ﷺ -"، قد جزم جماعة من الحفاظ بأنها مدرجة، ولكن الظاهر اطلاع النبي - ﷺ - على ذلك، لا سيما مع توفر دواعي أزواجه إلى سؤاله عن الأحكام الشرعية، فيكون ذلك أعني جواز التأخير مقيدًا بالعذر المسوغ لذلك، قاله الشوكاني (١).
واختلفوا في القضاء، فبعضهم أوجب (٢) أن يكون القضاء متتابعًا على صفة الأداء كما هو القياس، وبعضهم لم يوجب ذلك، والجمهور على ترك (٣) إيجاب التتابع، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) إنما يقتضي إيجاب العدد فقط، وروي عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: نزلت: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ متتابعات)، فسقطت "متتابعات"، وفي "الموطأ": أنَّها قراءة أُبي بن كعب، وهذا إن صح يشعر بعدم وجوب التتابع، فكأنه كان أولًا واجبًا ثم نسخ، ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى (٥).
(٤١) (بَابٌ: فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَائم)
قال الحافظ (٦): أي هل يشرع قضاؤه عنه أم لا؟ وإذا شرع هل يختص بصيام دون صيام أو يعم كل صيام؟ وهل يتعين الصوم أو يجزئ الإطعام؟ وهل يختص الولي بذلك أو يصح منه ومن غيره؟ والخلاف في ذلك مشهور للعلماء.
_________________
(١) "نيل الأوطار" (٣/ ٢١١).
(٢) كما روي عن بعض الصحابة وبعض أهل الظاهر، كذا في "الأوجز" (٥/ ٢٤٨). (ش).
(٣) وبه قال الأئمة الأربعة. (ش).
(٤) سورة البقرة: الآية ١٨٤.
(٥) انظر: "فتح الباري" (٤/ ١٨٩).
(٦) "فتح الباري" (٤/ ١٩٣).
[ ٨ / ٥٧٥ ]
٢٤٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عُرْوَةَ (١)، عن عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وليُّهُ" (٢). [خ ١٩٥٢، م ١١٤٧، حم ٦/ ٦٩]
===
٢٤٠٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن عبيد الله بن أبي جعفر) المصري، أبو بكر الفقيه، مولى بني كنانة، ويقال: مولى بني أمية، واسم أبي جعفر يسار، قال أبو حاتم: ثقة مثل يزيد بن أبي حبيب، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن خراش: صدوق، وقال ابن سعد: ثقة فقيه زمانه، وقال ابن يونس: كان عالمًا عابدًا زاهدًا، وقال أحمد: ليس بقوي، وروى عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، كان يتفقه.
(عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - قال: من مات وعليه صيام) أي قضاء صيام (صام) أي كفر (عنه وليه).
قال الطيبي: تأويل الحديث أنه يتدارك ذلك وليه بالإطعام، فكأنه صام.
قال القاري (٣): واختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب، فذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عنه، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه، وأولوا الحديث على أنه يطعم عنه وليه، وذهب آخرون إلى أن الولي يصوم عنه عملًا بظاهر هذا الحديث، وبه قال أحمد، وهو (٤) أحد قولي
_________________
(١) زاد في نسخة: "ابن الزبير".
(٢) زاد في نسخة: "قال أبو داود: هذا في النذر، وهو قول أحمد بن حنبل".
(٣) "مرقاة المفاتيح" (٤/ ٥٢٨).
(٤) بل الصواب في المذاهب أنه يصوم عنه عند الشافعي في القديم بشرط صحة الحديث، إذ علَّقه عليه، وقال في الجديد، وبه قال مالك والحنفية: لا يصوم، بل يفدي عنه، ومذهب أحمد: أنه يصوم في النذر لا في الواجب من الشرع لوقوع الحديث في النذر، ولأن أمره على الخفة من الواجب عن الشارع، واستدل المانعون بفتوى عائشة =
[ ٨ / ٥٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الشافعي، وصححه النووي، وإنما أوَّلوا الحديث لأن القياس وفتوى الصحابة يخالفانه، وكذا الحديث الآتي، وهو وإن كان موقوفًا فهو في حكم المرفوع، انتهى.
قال الحافظ في "الفتح" (١): وأجاب الماوردي عن الجديد بأن المراد بقوله: "صام عنه وليه" أي فعل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام، قال: وهو نظير قوله: "التراب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء"، قال: فسمي البدل باسم المبدل، فكذلك هنا.
وأما الحنفية فاعتلُّوا (٢) لعدم القول بهذين الحديثين بما روي عن عائشة أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم قالت: يطعم عنها، وعن عائشة قالت: "لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم"، أخرجه البيهقي (٣).
وبما روي عن ابن عباس قال في رجل مات وعليه رمضان قال: "يطعم عنه ثلاثون مسكينًا"، أخرجه عبد الرزاق (٤).
وروى النسائي (٥) عن ابن عباس قال: "لا يصوم أحد عن أحد".
_________________
(١) = وابن عباس، وقد روي عنهما مرفوعًا أيضًا، وبما قال مالك: لم أسمع أحدًا من أهل المدينة يقول ذلك، فكان الشرع استقر عليه، وبأن حديث عائشة لا يصح كما صرح به أحمد، حكاه مُهَنَّا، وبأن حديث ابن عباس مضطرب، كما بسطت هذه الأمور كلها في "الأوجز" (٥/ ٢٣٢ - ٢٣٩)، وأجمل اضطراب حديث ابن عباس في "الإكمال" (٣/ ٢٦٢)، و"العارضة" (٣/ ٢٣٩). (ش).
(٢) "فتح الباري" (٤/ ١٩٤).
(٣) وذكره الطحاوي في "مشكل الآثار" بطرق (٦/ ١٧٨). (ش).
(٤) "السنن الكبرى" (٤/ ١٥٧).
(٥) "مصنف عبد الرزاق" (٧٦٥٠).
(٦) "سنن النسائي الكبرى" (٢٩١٨).
[ ٨ / ٥٧٧ ]
٢٤٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا سُفْيَانُ، عن أَبِي حَصِينٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ في رَمَضَانَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصِحَّ (١) أُطْعِمَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ،
===
وعن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: "من مات وعليه صيام شهر رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا"، رواه الترمذي (٢) وقال: والصحيح أنه موقوف على ابن عمر.
وروى مالك في "الموطأ" (٣): بلغه أن ابن عمر كان يسأل هل يصوم أحد عن أحد، أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد".
وفتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ، ونسخ الحكم يدل على إخراج المناط عن الاعتبار، ومما يؤيد النسخ أن مالكًا قال: لم أسمع عن أحد من الصحابة ولا من التابعين بالمدينة أن أحدًا منهم أمر أحدًا يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، فعلم بذلك أنه الأمر الذي استقر عليه الشرع آخرًا.
٢٤٠١ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، عن أبي حصين) مكبرًا، (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح) أي من مرضه (أطعم عنه (٤) ولم يكن عليه قضاء).
قوله: "لم يصح"، هكذا في النسخة المجتبائية والقادرية والكانفورية والمكتوبة الأحمدية، وهو تصحيف، والصواب ما في النسخة المصرية من قوله "ولم يصم"، وكذا على حاشية المجتبائية والقادرية، يدل عليه أن هذا الحديث
_________________
(١) في نسخة: "ولم يصم".
(٢) "سنن الترمذي" (٧١٨).
(٣) انظر: "أوجز المسالك إلى موطأ مالك" (٥/ ٢٣١).
(٤) وفي "التقرير": هذا اجتهاد منه وإلَّا فليس عليه وجوب الأداء إلخ. (ش).
[ ٨ / ٥٧٨ ]
وَإِنْ نَذر قَضَى عَنْهُ وَليُّهُ" (١)