===
٢٢٩٨ - (حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس) أي في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً﴾) أي: فليوصوا وصية (﴿لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا﴾) أي: متعوهن متاعًا، (﴿إِلَى﴾) تمام (﴿الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾) (٢) أي كان الواجب عليهم أن يوصوا لأزواجهم أن يمتعن ولا يخرجن (فنسخ ذلك بآية الميراث بما فرض لهن من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرًا).
فالحاصل أن الآية الأولى كان فيها حكمان: أولهما: وجوب الوصية على الأزواج بتمتيعهن إلى الحول، وثانيهما: الحكم بعدم إخراجها من البيت إلى الحول، فالحكم الأول نسخ بما جعل لهن الميراث من الربع والثمن، وثانيهما نسخ بما جعل لها من الاعتداد بأربعة أشهر وعشر ليال.
(٤٣) (بَابُ إِحْدَادِ (٣) الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا)
والإحداد: الحزن على موت الزوج، ولبس ثياب الحزن، وترك الزينة، وأنكر الأصمعي الثلاثي
_________________
(١) زاد في نسخة: "الله".
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٤٠.
(٣) قال العيني: هو واجب بإجماع العلماء. (ش). (انظر: "عمدة القاري" (٦/ ٩٢).
[ ٨ / ٣٨٨ ]
٢٢٩٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عن حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عن زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَة، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بهَذِهِ الأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ. قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ حِنَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فيِهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ،
===
٢٢٩٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة) ربيبة النبي - ﷺ -، (أنها) أي زينب (أخبرته) أي حميد بن نافع (بهذه الأحاديث الثلاثة، قالت زينب: دخلت على أم حبيبة) بنت أبي سفيان زوج النبي - ﷺ - (حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب فيه صفرة).
وهكذا في "البخاري" في "باب تُحِدُّ المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا"، وأخرج البخاري (١) في الجنائز من طريق أيوب بن موسى [قال:] أخبرني حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة قالت: "لما جاء نعي أبي سفيان من الشام". قال الحافظ (٢): وفي قوله: "من الشام" نظر؛ لأن أبا سفيان مات بالمدينة بلا خلاف بين أهل العلم (٣) بالأخبار، والجمهور على أنه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث، ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك إلَّا في رواية سفيان بن عيينة هذه، وأظنها وهمًا، وكنت أظن أنه حذف منه لفظ "ابن"؛ لأن الذي جاء نعيه من الشام، وأم حبيبة في الحياة هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي كان أميرًا على الشام.
(خلوق أو غيره) يحتمل: أن يكون لفظ "خلوق" ولفظ "غيره" مرفوعان بدلًا من "صفرة"، قال في "المجمع" (٤): فدعت بصفرة: هي نوع من الطيب فيه صفرة، ولفظ "غيره" عطف على خلوق.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٢٨٠).
(٢) "فتح الباري" (٣/ ١٤٧).
(٣) لكن قال العيني: هذا مجرد دعوى وليس بصحيح، انتهى. (ش). (انظر: "عمدة القاري" ٦/ ٩٠، ٩١).
(٤) "مجمع بحار الأنوار" (٣/ ٣٣٣).
[ ٨ / ٣٨٩ ]
فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيب مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
===
ويحتمل: أن يكون لفظ "صفرة" مضافًا إلى "خلوق"، ولفظ "غيره" عطف عليه مجرور.
ويحتمل: أن يكون خلوق بدلًا من طيب، فعلى هذا معنى الكلام: فدعت بطيب فيه صفرة، أي صفرة لون خلوق مجرورًا، وكذا لفظ "غيره"، أما الإضافة فلأبي ذر، وأما الرفع فلغير أبي ذر، قاله القسطلاني (١).
(فدهنت منه جارية) لم أقف على اسمها، قاله القسطلاني (ثم مَسَّتْ بعارضيها) أي مسحت أم حبيبة بجانبي وجه نفسها، والظاهر أنها جعلت الصفرة في يدها، ومسحتها بعارضيها، والباء للإلصاق.
(ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة)؛ لأن رسول الله - ﷺ - توفي فلا تحتاج إذًا إلى التزين بالطيب (غير أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله (٢) واليوم الآخر أن تحد على ميت) سواء كان قريبًا أو أجنبيًا (فوق ثلاث ليال إلَّا على زوج أربعة أشهر وعشرًا").
وهذا الحديث يدل على حرمة الإحداد للنساء على ميت، سواء كان أباها أو ابنها أو أخاها؛ إلا أن التقييد بقوله: "فوق ثلاث" (٣) يدل على أن الإحداد يباح لها في تلك المدة، ولكن لا يجب لها الإحداد في تلك المدة، فلو دعاها زوجها إلى الجماع لا يحل لها الامتناع.
_________________
(١) "إرشاد الساري" (١٢/ ١٢١).
(٢) قال العيني (٦/ ٩٢): فيه حجة للحنفية أنه لا يجب الإحداد على الزوجة الذمية؛ لأنه قيد ذلك بقوله: "لامرأة تؤمن بالله". (ش).
(٣) قال الحلبي: يجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيام، وهو خلاف الأولى، ويكره في المسجد إلخ. (ش).
[ ٨ / ٣٩٠ ]
قَالَتْ زينَبُ: وَدَخَلْتُ عَلَى زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيب مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمَنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
===
(قالت زينب) بنت أبي سلمة: (ودخلت على زينب بنت جحش) أم المؤمنين (حين توفي أخوها) (١) حكى القسطلاني (٢) عن "فتح الباري": سمي أخوها في بعض "الموطآت" عبد الله، وكذا هو في "صحيح ابن حبان" من طريق أبي مصعب، لكن المعروف أن عبد الله بن جحش قتل بأُحد شهيدًا، وزينب بنت أبي سلمة يومئذ طفلة، فيستحيل أن تكون دخلت على زينب بنت جحش في تلك الحالة، ويجوز أن يكون عبيد الله المصغر، فإن دخول زينب بنت أبي سلمة عند بلوغ الخبر بوفاته كان وهي مميزة.
(فدعت بطيب، فمست منه، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وهو على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلَّا على زوج أربعة أشهر وعشرًا")، أي مع أيامها كما قاله الجمهور، فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشر.
وقيل: الحكمة في هذا العدد أن الولد يتكامل تخليقه، وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلة، فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط.
_________________
(١) وفي "العرف الشذي" (ص ٤١٩): وفي القصص المذكورة في حديث الباب كلام طويل، وأما في قصة زينب بنت جحش فإشكال، ذكره الحافظ في "الفتح" (٣/ ١٤٧)، بأن إخوتها كانوا ثلاثة، مات أحدهم نصرانيًا بالحبشة، والثاني مات صحابيًا قبل نكاحها بالنبي - ﷺ -، والثالث عاش بعدها، وعندي في دفع الاضطراب كلام. (ش).
(٢) "إرشاد الساري" (١٢/ ١٢٢).
[ ٨ / ٣٩١ ]
قَالَتْ زينَبُ: وَسَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ لسَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّي زَوْجُهَا عَنْهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا (١) فَنَكْحَلُهَا (٢)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "لَا" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا"،
===
(قالت زينب) أي بنت أبي سلمة وهذا هو الحديث الثالث: (وسمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة) اسمها عاتكة بنت نعيم بن عبد الله بن النحام (إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي زوجها عنها) ولم أقف على تسمية البنت، وأما زوجها فهو المغيرة المخزومي، ولم يعرف اسم أبيه.
(وقد اشتكت عينها) ووقع في بعض الروايات: "عيناها"، قال ابن دقيق العيد: يجوز في لفظ العين وجهان: ضم النون على الفاعلية على أن تكون هي المشكتية، وفتحها على أن يكون في "اشتكت" ضمير الفاعل وهي المرأة. وما وقع في بعض الروايات بالتثنية فهو يرجح الضم، وهي في "مسلم"، وعلى الضم اقتصر النووي، ورجح المنذري النصب. وقال الحريري: إنه الصواب، وإن الرفع لحن.
قال في "دُرَّة الغواص": لا يقال: اشتكت عين فلان، والصواب أن يقال: اشتكى فلان عينه؛ لأنه هو المشتكي لا هي، انتهى. ورد عليه برواية التثنية المذكورة، إلَّا أن يجيب بأنه على لغةِ من يُعرب المثنى في الأحوال الثلاث بحركات مقدرة.
(فنكحلها؟) بتقدير همزة الاستفهام، وفي رواية "البخاري" بإظهارها (فقال رسول الله - ﷺ -: لا) أي: لا تكحلها (مرتين أو ثلاثًا) أَي سألته مرتين أو ثلاثًا (كل ذلك يقول: لا) أي: يقول رسول الله - ﷺ - لها في كل ذلك المرات: لا،
_________________
(١) في نسخة: "عينيها".
(٢) في نسخة: "أفنكحلها".
[ ٨ / ٣٩٢ ]
ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ في الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأسِ الْحَوْلِ".
قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِى بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّىَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ،
===
تأكيدًا للمنع، أو يقال: قال رسول الله - ﷺ - ذلك أي لفظ "لا" مرتين أو ثلاثًا في كل مرة يقول: لا، تأكيدًا للمنع.
قال الحافظ (١): قال النووي: فيه دليل على تحريم الاكتحال على العادة، سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في حديث أم سلمة في "الموطأ" وغيره: "أجعليه بالليل وامسحيه بالنهار"، ووجه الجمع أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل، وإن احتاجت لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل مع أن الأولى تركه.
(ثم قال رسول الله - ﷺ -: إنما هي) أي العدة الشرعية (أربعة أشهر وعشرًا)، وفي نسخة: "عشر"، وهو الأوفق بالقواعد، وأما النصب فعلى حكاية لفظ القرآن العظيم، (وقد) الواو للحال (كانت إحداكن في الجاهلية) إذا كان توفي عنها زوجها (ترمي بالبعرة على رأس الحول)، والبعرة: رجيع ذي الخف والظلف.
(قال حميد: فقلت لزينب) بنت أبي سلمة: (وما) المراد بقوله - ﷺ -: (ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة) في الجاهلية (إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا) بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها شين معجمة: بيت صغير جدًا، (ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا) مما فيه الزينة (حتى تمر بها سنة) من وفاة زوجها، (ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر) ثلاثتها مجرورة على البدلية من لفظ "دابة" (فتفتض به) أي تكسر ما هي فيه من
_________________
(١) "فتح الباري" (٩/ ٤٨٨).
[ ٨ / ٣٩٣ ]
فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَىْءٍ إلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِى بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ". [خ ٥٣٣٤، ٥٣٣٥، ٥٣٣٦، م ١٤٨٦، ١٤٨٧، ١٤٨٨، ت ١١٩٧، ن ٣٥٠٠، جه ٢٠٨٤، حم ٦/ ٢٩١، دي ٢٢٨٤]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْحِفْشُ بَيْتٌ صَغِيرٌ (١).