===
والجواب عنه ما قال القاري (١): إن الحديث لم يثبت، فإن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو، فليس فيه حجة، وأيضًا لما ثبت نهيه - ﷺ - عن الصلاة بعد الصبح فسكوته ﵇ لا يحمل على التقرير، ويحتمل أن تكودن هذه الواقعة قبل النهي، والله تعالى علم.
(٤٩) (بَابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)
أي: الأيام التي بعد يوم النحر
وقد اختلف في كونها يومين (٢) أو ثلاثة.
قلت: وهي عند الحنفية ثلاث: حادي عشرة وثاني عشرة وثالث عشرة من ذي الحجة.
قال الحافظ (٣): وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي: تنشر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل: التشريق التكبير دبر كل صلاة.
قال الحافظ: وهل تلتحق بيوم النحر في ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال، أو يجوز صيامها مطلقًا، أو للمتمتع خاصة، أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف (٤) للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام
_________________
(١) "مرقاة المفاتيح" (٣/ ١٣٥).
(٢) ذكر الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٥٨): وعن ابن عباس وعطاء: هي أربعة من يوم النحر إلى ثالث عشر، والأئمة الأربعة على أنها ثلاثة بعد النحر، كما حكي عن فروعهم في "الأوجز" (٧/ ٤٨٦). (ش).
(٣) "فتح الباري" (٤/ ٢٤٢).
(٤) ذكر العيني (٨/ ٢٢٧) فيه تسعة أقوال للعلماء، المشهور منها اثنان، أحدهما قول مالك في المشهور عنه، وأحمد، والشافعي في القديم المرجوع عنه: استثناء المتمتع والقارن، الثاني قول الحنفية، والجديد للشافعي المرجوع إليه: المنع مطلقًا، =
[ ٨ / ٦٠٩ ]
٢٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عن أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ (١)، فَقَرَّبَ
===
وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقًا، وعن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقًا، وهو المشهور عن الشافعي- قلت: وهو قول الحنفية- وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلَّا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وعن الأوزاعي وغيره [يصومها أيضًا المحصر والقارن].
وحجة من منع حديث نبيشة الهذلي عند مسلم (٢) مرفوعًا: "أيام التشريق أيام أكل وشرب"، وله من حديث كعب بن مالك: "أيام مني أيام أكل وشرب"، ومنها حديث عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق: "إنها الأيام التي نهى رسول الله - ﷺ - عن صومهن وأمر بفطرهن"، أخرجه أبو داود وابن المنذر وصححه ابن خزيمة والحاكم.
٢٤١٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن يزيد بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ) ويقال: مولى عقيل بن أبي طالب، وهو يزيد الهاشمي، حجازي، مشهور بكنيته، قال الواقدي: هو مولى أم هانئ، وكان يلزم عقيلًا فَنُسِبَ إليه، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص، فَقَرَّب)
_________________
(١) = قال العيني (٨/ ٢٣١) رادًا على من رجح الجواز: وكيف يترجح مع رواية المنع عن ثلاثين صحابيًا، انتهى. (ش).
(٢) في نسخة: "العاصي".
(٣) "صحيح مسلم" (١١٤١).
[ ٨ / ٦١٠ ]
إِلَيْهِمَا طَعَامًا فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عَمْرٌو: كُلْ فَهَذه الأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْمُرُنَا بإفْطَارِهَا وَيَنْهَى عن صِيَامِهَا. قَالَ مَالِكٌ: وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (١). [ط ١/ ٣٠٠/ ٣٧، حم ٤/ ١٩٧، دي ١٧٦٧، خزيمة ٢١٤٩، ق ٤/ ٢٩٧، ك ١/ ٤٣٥]
٢٤١٩ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا وَهْبٌ، نَا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ. (ح): وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عن مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ،
===
أي عمرو بن العاص (إليهما) أي إلى أبي مرة وعبد الله بن عمرو (طعامًا فقال) أي عمرو بن العاص لعبد الله بن عمرو: (كل) الطعام (قال) عبد الله بن عمرو: (إني صائم، فقال عمرو: كل فهذه الأيام التي كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بإفطارها) أي بترك الصوم فيها (وينهى عن صيامها، قال مالك: وهي أيام التشريق).
ويخالف هذا الحديث ما أخرجه مالك في "موطئه" (٢)، ففيه: مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه أخبره أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص، فوجده يأكل، قال: فدعاني، قال: فقلت له: إني صائم، فقال: هذه الأيام التي نهانا رسول الله - ﷺ - عن صيامهن وأمرنا بفطرهن.
فسياق حديث أبي داود يدل على أن رواية أبي مرة عن عمرو بن العاص، وسياق حديث "الموطأ" يدل على أن أبا مرة يروي هذا الحديث بواسطة عبد الله بن عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص.
٢٤١٩ - (حدثنا الحسن بن علي، نا وهب، نا موسى بن علي، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن موسى بن علي،
_________________
(١) زاد في نسخة: "قال أبو داود: هذا أصح حديث فيه، لأنه ليس في حديث أنه نهى عن صيام أيام التشريق، إنما في الحديث كله يعني: أنها أيام أكل وشرب".
(٢) انظر: "أوجز المسالك إلى موطأ مالك" (٧/ ٤٨٣).
[ ٨ / ٦١١ ]
- وَالإِخْبَارُ في حَدِيثِ وَهْبٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "يَوْمُ عَرَفَةَ وَيوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْل وَشُرْبٍ". [ت ٧٧٣، ن ٣٠٠٤، حم ٤/ ١٥٢، دي ١٧٦٤، خزيمة ٢١٠٠، ق ٤/ ٢٩٨، ك ١/ ٤٣٤]
===
- والإخبار في حديث وهب-) أي وألفاظ الحديث ما في حديث وهب (قال: سمعت أبي) علي بن رباح (أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - ﷺ -: يوم عرفة) أي تاسع ذي الحجة (ويوم النحر) عاشرها (وأيام التشريق عيدنا أهلَ الإِسلام، وهي أيام أكل وشرب).
وظاهر هذا الحديث يدل على أن صوم هذه الأيام المذكورة في الحديث منهي عنه، فأما صوم يومي العيدين فالإجماع على النهي عن صومهما، وأما صوم أيام التشريق فقد تقدم ما فيه من الاختلاف.
وأما صوم يوم عرفة فقد ذهب إلى كراهته بعض أهل العلم، وقالوا: لم يصم رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع يوم عرفة، لأنه يوم عيد لأهل الموقف، ويؤيده هذا الحديث، ويؤيده ما روى أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم من طريق عكرمة أن أبا هريرة حدثهم: "أن رسول الله - ﷺ - نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة" (١).
قال الحافظ (٢) بعد نقل هذا الحديث: وأخذ بظاهره بعض السلف، فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري [قال:] يجب الفطر بعرفة للحاج، انتهى.
ومذهب الجمهور: يستحب فيه الصوم وإن كان حاجًّا إلَّا من يضعفه الصوم عن الوقوف بعرفات، ويكون مخلًّا له في الدعوات، واحتجوا بما روي من الفضل في صوم يوم عرفة، وهو ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي قتادة: "صيام يوم عرفة أَحْتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".
_________________
(١) يأتي تخريجه برقم (٢٤٤٠) في "باب في صوم عرفة بعرفة".
(٢) "فتح الباري" (٤/ ٢٣٨).
[ ٨ / ٦١٢ ]