===
(٦٣) (بَابٌ: في صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) (١)
أي: ما حكمه؟ وعاشوراء بالمد على المشهور، وحكي فيه القصر، واختلف أهل الشرع في تعيينه، فقال الأكثر: هو اليوم العاشر.
قال القرطبي (٢): العاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة، فإذا قيل: يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة، إلَّا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية، فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ علمًا على اليوم العاشر.
وذكر أبو المنصور الجواليقي أنه لم يسمع فاعولاء إلَّا هذا، وضاروراء، وساروراء، ودالولاء، من الضار والسار والدال، فعلى هذا يوم عاشوراء هو العاشر.
وقال الزين بن المنيِّر: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية، وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية، وقيل: إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من أوراد الإبل، كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع، قالوا: وردنا عِشرًا بكسر العين.
وروى مسلم (٣) عن ابن عباس أنه قال: "إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأَصْبِحْ يومَ التاسع صائمًا، قلت: أهكذا كان النبي - ﷺ - يصومه؟ قال: نعم"، وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، لكن قال الزين بن المنير: إذا أصبحت من تاسعه فأصبح يشعر بأنه أراد العاشر؛ لأنه لا يصبح صائمًا بعد أن أصبح من تاسعه، إلَّا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهو الليلة العاشرة.
_________________
(١) وذكر في "الخميس" (١/ ٣٦٠) لعاشوراء خصوصيات لا مزيد عليها. (ش).
(٢) انظر: "فتح الباري" (٤/ ٢٤٥).
(٣) "صحيح مسلم" (١١٣٣).
[ ٨ / ٦٥٧ ]
٢٤٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَصُومُهُ في الْجَاهِلِيَّةِ،
===
قلت: ويقوي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضًا من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: "لئن بقيت إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع فمات قبل ذلك"، ثم ما هَمَّ به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر، إما احتياطًا له، وإما مخالفة لليهود والنصارى، وهو الأرجح.
ولأحمد (١) من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا: "صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده"، وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان - ﷺ - يحب موافقة أهل الكتاب، فلما فتحت مكة، واشتهر أمر الإِسلام، أحب مخالفة أهل الكتاب أيضًا، فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر.
٢٤٤٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية).
قال الحافظ (٢): وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف، ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، ثم رأيت في المجلس الثالث من "مجالس الباغندي الكبير" عن عكرمة أنه سئل عن ذلك، فقال: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية، فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك، هذا أو معناه.
(وكان رسول الله - ﷺ - يصومه في الجاهلية) أي قبل أن يهاجر إلى المدينة
_________________
(١) "مسند أحمد" (١/ ٢٤١) رقم (٢١٥٤).
(٢) "فتح الباري" (٤/ ٢٤٦).
[ ٨ / ٦٥٨ ]
فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ". [خ ٢٠٠٢، م ١١٢٥، ت ٧٥٣، حم ٦/ ٢٩]
===
(فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة صامه وأمر (١) بصيامه)، وكان قدومي - ﷺ - المدينة في ربيع الأول، فصام، فكان صيامه والأمر به في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلَّا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع، فعلى تقدير صحة قول من يدعي أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة، ونقل عياض: أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء لكن انقرض القائلون بذلك، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماع على أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بذلك، قاله الحافظ (٢).
قال العيني (٣): اتفق العلماء على أن صوم عاشوراء اليوم سنَّة وليس بواجب، واختلفوا في حكمه أول الإِسلام، فقال أبو حنيفة: كان واجبًا، واختلف أصحاب الشافعي على وجهين: أشهرهما: أنه لم يزل سنَّة من حين شرع (٤) ولم يكن واجبًا قط، والثاني: كقول أبي حنيفة.
(فلما فرض رمضان كان هو الفريضة، وتُرِكَ) صوم (عاشوراء) على طريق الوجوب (فمن شاء صامه) تطوعًا (ومن شاء تركه) أي لم يصمه (٥).
_________________
(١) ببناء المجهول ضبطه القاضي، قال النووي (٤/ ٢٦٥): الأظهر ببناء المعلوم. (ش).
(٢) "فتح الباري" (٤/ ٢٤٦).
(٣) "عمدة القاري" (٨/ ٢٣٣).
(٤) مستدله حديث معاوية عند البخاري "لم يكتب عليكم"، وأجاب القاري عنه بالبسط. (انظر: "جمع الوسائل" ٢/ ١٠٥، و"مرقاة المفاتيح" ٤/ ٥٣٥). (ش).
(٥) وفي هذا أمارة الوجوب، إذ علم منه أنه قبل رمضان كان شيئًا فوق ذلك، ومما يستدل على الوجوب أيضًا أنه ﵇ أمر مناديًا ينادي بالإمساك، وهذا من أمارات الوجوب، وأيضًا ما ورد من أنهم يجعلون اللعب للصبيان. (ش).
[ ٨ / ٦٥٩ ]
٢٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا نَصُومُهُ في الْجَاهِليَّةِ، فَلَمَّا نزَلَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "فذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ". [خ ٤٥٠١، م ١١٢٦]
٢٤٤٤ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا أَبُو بِشْرٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ،
===
٢٤٤٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: كان عاشوراء يومًا نصومه في الجاهلية) ونصومه في ابتداء الإِسلام (فلما نزل رمضان) أي افتراض صومه (قال رسول الله - ﷺ -: هذا يوم من أيام الله) ليس فيه حكم بوجوب الصوم (فمن شاء صامه، ومن شاء تركه).
٢٤٤٤ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا هشيم، أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء).
قال الحافظ (١): وقد استشكل ظاهر الخبر لاقتضائه أنه - ﷺ - حين قدومه المدينة وجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، وإنما قدم المدينة في ربيع الأول، والجواب عن ذلك أن المراد أن أول علمه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة، لا أنه قبل أن يقدمها، وغايته أن في الكلام حذفًا تقديره: قدم النبي - ﷺ - المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء فوجد اليهود فيه صيامًا، ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه - ﷺ - المدينة، ولكن سياق الأحاديث تدفع هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأول.
_________________
(١) "فتح الباري" (٤/ ٢٤٧).
[ ٨ / ٦٦٠ ]
فَسُئِلُوا عن ذَلِكَ، فَقَالُوا: هُوَ (١) الْيَوْمُ الَّذِي أَظْهَرَ الله فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ، وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُم" وَأَمَرَ (٢) بِصِيَامِهِ. [خ ٣٩٤٣، م ١١٣٠، جه ١٧٣٤]