٢٤٤٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
===
(فسئلوا عن ذلك) أي عن سبب صومهم فيه (فقالوا) أي اليهود: (هو اليوم الذي أظهر الله فيه) أي نصر الله في هذا اليوم (موسى على فرعون)، وفي رواية لأحمد زاد فيه: "وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح شكرًا" (ونحن نصومه تعظيمًا له، فقال رسول الله - ﷺ -: نحن أولى بموسى منكم)، أي نحن أثبت وأقرب لمتابعة موسى ﵇ منكم، فإنا موافقون له في أصول الدين ومصدقون لكتابه، وأنتم مخالفون لهما بالتغيير والتحريف (وأمر بصيامه).
قال الحافظ (٤): واستشكل (٥) رجوعه إليهم في ذلك، وأجاب المازري باحتمال أن يكون أوحي إليه بصدقهم أو تواتر عنده الخبر بذلك، زاد عياض: أو أخبره به من أسلم منهم كابن سلام، ولا مخالفة بينه وبين حديث عائشة: أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه، إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك.
(٦٤) (مَا رُوِيَ أَنَّ عَاشُورَاءَ اليَوْمُ التَّاسِعُ)
٢٤٤٥ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب،
_________________
(١) في نسخة: "هذا".
(٢) في نسخة: "فأمر".
(٣) في نسخة: "باب من قال: اليوم التاسع".
(٤) "فتح الباري" (٤/ ٢٤٨).
(٥) وأجاب عنه الشيخ الوالد في "التقرير" فأجاد وقال: إنه إلزام لهم، يعني نحن أصل المتبعين لا أنتم إلخ. (ش).
[ ٨ / ٦٦١ ]
أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ الْقُرَشِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطْفَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: حِينَ صَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَنَا بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْم تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبلُ صُمْنَا يَوْمَ التَّاسِعِ" فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. [م ١١٣٤، جه ١٧٣٦ (مختصرًا)]
===
أخبرني يحيى بن أيوب، أن إسماعيل بن أمية القرشي) الأموي (حدثه، أنه سمع أبا غطفان يقول: سمعت عبد الله بن عباس يقول: حين صام النبي - ﷺ - يوم عاشوراء وأمرنا بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تُعَظِّمُه اليهود والنصارى (١»، وأنت تخالفهم، فكيف تعظمه بالصوم فيه؟ (فقال رسول الله - ﷺ -: فإذا كان العام المقبل) أي الآتي (صمنا يوم التاسع (٢)، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - ﷺ -) أي قبله.
ظاهر الحديث أن معنى قوله: "إذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع"، أي نصومه مع يوم عاشوراء لأجل مخالفة أهل الكتاب، وعلى هذا التأويل لا يناسب الحديث بالباب، نعم لو قيل في معناه: صمنا يوم التاسع بدل يوم العاشر، ونجعله عاشوراء كما قيل، لكان له مناسبة بالباب، وظاهر حديث الحكيم بن الأعرج يدل على أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، كما قاله الحافظ في "الفتح" (٣).
_________________
(١) أشكل بأن التعليل بنجاة موسى وغرق فرعون يختص [بموسى] واليهود، وأجيب باحتمال أن يكون عيسى كان يصومه، وهو مما لم ينسخ في شريعة موسى؛ لأن كثيرًا منها ما نسخ بشريعة عيسى لقوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، ويقال: إن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من "التوراة"، كذا في "الفتح" (٤/ ٢٤٨). (ش).
(٢) في "التقرير": نسخ وجوبه قبل الأمر بالمخالفة بزمان. (ش).
(٣) "فتح الباري" (٤/ ٢٤٥).
[ ٨ / ٦٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد تأول قول ابن عباس - ﵁ - هذا الزين بن المنيِّر بأن معناه أنه ينوي الصيام في الليلة المتعقبة للتاسع، وقواه الحافظ بحديث ابن عباس الآتي أنه - ﷺ - قال: "إذا كان المقبل إن شاء الله صمنا التاسع"، فلم يأت العام المقبل حتى توفي (١)، قال: فإنه ظاهر في أنه - ﷺ - كان يصوم العاشر، وَهَمَّ بصوم التاسع، فمات قبل ذلك.
وأقول: الأولى: أن يقال: إن ابن عباس أرشدَ السائل له إلى اليوم الذي يصام فيه، وهو التاسع، ولم يجب عليه بتعيين يوم عاشوراء أنه اليوم العاشر، لأن ذلك مما لا يسأل عنه، ولا يتعلق بالسؤال عنه فائدة، فابن عباس لما فهم من السائل أن مقصوده تعيين اليوم الذي يصام فيه، أجاب عليه أنه التاسع، وقوله: "نعم"، بعد قول السائل: "أهكذا كان النبي - ﷺ - يصوم؟ " بمعنى نعم هكذا كان يصوم لو بقي، لأنه قد أخبرنا بذلك، ولا بد من هذا، لأنه - ﷺ - مات قبل صوم التاسع، وتأويل ابن المنير في غاية البُعد، لأن قوله: "وأصبح يوم التاسع صائمًا"، لا يحتمله، قاله الشوكاني في "النيل" (٢).
ويستشكل حديث ابن عباس هذا بأنه مخالف بظاهره لحديث عائشة - ﵂ - المتقدم في أول الباب، بأن حديث عائشة - ﵂ - يدل على أن صومه - ﷺ - عاشوراء، والأمر بصومه كان في أول قدمة قدمها، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء، وحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - يدل على أنه - ﷺ - كان يصوم عاشوراء ويأمر بصيامه في آخر عمره، حتى قال له الصحابة - ﵃-: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله - ﷺ -: "إذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع"، فلم يأت العام المقبل حتى توفي.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٣٤)، وأبو داود (٢٤٤٥).
(٢) "نيل الأوطار" (٣/ ٢٢٢).
[ ٨ / ٦٦٣ ]
٢٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ-، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ غَلَّاب. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا إِسمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي حَاجِبُ بْنُ عُمَرَ جَمِيعًا، الْمَعْنَى، عن الْحَكَمِ بْنِ الأَعْرَجِ
===
وقد تقدم أن الحافظ (١) قال في شرح حديث عائشة - ﵂ -: ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلَّا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع، فيمكن أن يجاب عنه، بأن معنى قول ابن عباس: حين صام النبي - ﷺ - يوم عاشوراء، وأمرنا بصيامه، أي تطوعًا بعد نسخ الفرضية، فحينئذ لا مخالفة بين الحديثين.
٢٤٤٦ - (حدثنا مسدد، نا يحيى -يعني ابن سعيد-، عن معاوية بن غلاب) بفتح المعجمة وتخفيف اللام، النصري بالنون، البصري بالموحدة، منسوب إلى جد أبيه، وهو معاوية بن عمرو بن خالد بن غلاب، ويقال: إن غلاب اسم امرأة، وهي أم خالد، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له في الكتب حديث واحد في صوم عاشوراء.
(ح: ونا مسدد، نا إسماعيل، أخبرني حاجب بن عمر) الثقفي، أبو خشينة بمعجمتين ونون، مصغر، أخو عيسى بن عمر النحوي البصري، قال أحمد وابن معين والعجلي: ثقة، وعن أبي داود: رجل صالح، وحكى الساجي عن ابن عيينة أنه كان إباضيًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (جميعًا) أي معاوية بن غلاب وحاجب بن عمر (المعنى) أي معنى حديثهما واحد.
(عن الحكم بن الأعرج) هو الحكم بن عبد الله بن إسحاق الأعرج البصري، قال أحمد: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال مرة:
_________________
(١) "فتح الباري" (٤/ ٢٤٦).
[ ٨ / ٦٦٤ ]
قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَسَأَلْتُهُ عن صَوْمِ (١) عَاشُورَاء؟ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّاسِعِ فَأَصْبِحْ صَائِمًا، فَقُلْتُ: كَذَا كَانَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - يَصُومُ؟ قَالَ: كَذلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - يَصُومُ. [م ١١٣٣، ت ٧٥٤، حم ١/ ٢٣٩، خزيمة ٢٠٩٧]
===
فيه لين، وقال العجلي: بصري تابعي، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال أتيت ابن عباس وهو متوسد رداءه) أي جاعلًا له رداءه وسادة (في المسجد الحرام) وفي رواية مسلم: "عند زمزم" (فسألته عن صوم عاشوراء؟) (٢) أي: أيِّ يوم يصام؟ (فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد) أي من أوله (فإذا كان يوم التاسع فأصْبِحْ صائمًا، فقلت: كذا كان محمد - ﷺ - يصوم؟ قال) ابن عباس: (كذلك كان محمد - ﷺ - يصوم).
فإن قلت: إن حديث ابن عباس برواية أبي غطفان يدل على أن رسول الله - ﷺ - لم يصم التاسع، بل روى قوله: "فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع، فلم يأت العام المقبل"، وهذا الحديث يدل على أنه كان يصوم.
قلت: معنى قوله: "كذلك كان محمد ثقيف يصوم"، أي يريد أن يصوم، وقد تقدم في كلام الشوكاني (٣) أنه تأول هذا القول، نعم هكذا كان يصوم لو بقي، لأنه قد أخبرنا بذلك.
_________________
(١) في نسخة: "صوم يوم عاشوراء".
(٢) زاد الترمذي بعد ذلك: "أي يوم أصومه". (ش).
(٣) "نيل الأوطار" (٣/ ٢٢٢).
[ ٨ / ٦٦٥ ]